الثورة السورية تنتظم والتونسية تُحذِّر!!!

الثورة السورية تنتظم والتونسية تُحذِّر!!!

1851
0

د. أكرم حجازي

4//4/2011

النظام الفتاك

    … سنة 1978 حضرت سيارة تابعة لمركز الشرطة وطرقت الباب، ثم سألت عن أخي فخرج إليهم مستفسرا عما يريدون. فقالوا له: أنت فلان؟ قال: نعم. قالوا: نريدك أن ترافقنا إلى المركز للإجابة على بعض الأسئلة!! فقال: أية أسئلة؟ قالوا: أسئلة عادية ثم تعود إلى بيتك. هكذا رافقهم الشاب .. وحتى الآن لم يعد إلى بيته. أما الأهل فيقولون: ذهبنا إلى المركز نستفسر عنه فأنكروا حضورهم .. ثم أنكروا معرفتهم بالواقعة!!! ثم راجعنا مراكز الشرطة فلم نحصل على أية إجابة تذكر .. راجعنا المخابرات والمستشفيات فلم نعرف له مكانا .. ولم نعرف إن كان حيا أوميتا. هكذا روى لي صديق من سوريا حكاية أخيه متابعا القول: أحد المولودين الجدد من جحيم السجون السورية خرج من السجن سنة 2004، واتصل بالأهل من مكان خفي .. وبصوت خفي ليهمس في أذن السامع عبارة يتيمة: « فلان حي وبخير»، ثم أغلق السماعة واختفى … رعب لا حدود له داخل السجون وخارجها.

     هذا نموذج، فقط، لأزيد من 17 ألف مفقود في سوريا .. تعرضوا، في الكثير من الأحايين، لاختطاف، أو اعتقال، أو خداع، بسبب أو بدون أي سبب يذكر، إلا من التخويف، وإشاعة الرعب، كسياسة تبثها أجهزة الأمن، بحيث يصير حديث العامة فيما بينهم، سؤالا من نوع: إذا كان فلان البريء من أية فعل جنائي أو سابقة سياسية قد اختفى بلا أثر؛ فما الذي سيحل فيمن يعارض النظام سرا أو علانية؟

  أما داخل السجون فوسائل التعذيب وأدواته في سوريا لا تعد ولا تحصى .. وهي، وإنْ كانت، مثيلة لأخواتها في البلدان العربية، إلا أنها ذات نكهة مميزة في سوريا، لا يعرفها إلا من تلقى لظاها .. وفي أدراج السجانين عصي بحسب الطلب .. فإذا استغاث برحمة الله قالوا: هاتوا عصاة الله! وإذا صرخ كرامة للنبي صلى الله عليه وسلم قالوا: أحضروا عصاة محمد! فعصاة عيسى وعصاة موسى وعصاة إبراهيم .. ويا ويل من استنجد بالأسد؛ فعصاته ليست بالعصا!!!

    ثمانون قتيلا، وسط رعب، لا يطاق سقطوا في الأيام الأولى للثورة السورية. لكنها لم تكن كافية كي يخفي الرئيس بشار أنيابه وهو يدخل مجلس الشعب .. كما لم يجرؤ أي من أعضائه أن يخفوا أنيابا استُلَّت من بين الأشداق، رغبة أو رهبة، لترحب بصاحب خطابات « المثطلحات» …

     مات أخوه الأكبر باسل، في حادث غامض، ولأنه المرشح، منذ نعومة أظفاره، للخلافة فقد جن جنون أبيه، حتى كاد يفقد عقله حزنا عليه. فأتوا، على عجل، بطبيب العيون، ذو العيون الجميلة، وبدأت رحلة الإعداد السياسي والدبلوماسي له تجري على قدم وساق. ولما مات والده، وقبل أن يكتمل إعداده، فصلوا له دستورا يحمل نمرة 34. إنه د. بشار الأسد .. شاب ليس له بالعير ولا بالنفير … كلما ظهر على الشاشة، في تصريح أو خطاب يذكر المشاهد بطلبة الجامعة، في سنواتهم الأولى، حين يقدم أحدهم عرضا أو بحثا علميا أمام زملائه الطلبة، أول ما يلتزم به ضبط المفاهيم والمصطلحات!!! بشار دائما بحاجة إلى ضبط « المثطلحات » !!! ولسنا ندري متى سيدخل في الموضوع؟ هكذا بدا في خطابه الأخير عن الثورة السورية وكأنه لم يتخرج بعد من الجامعة، ولم يمارس أي مهنة، سوى منصبه الذي ورثه عن أبيه فجأة دون أن يكون مؤهلا لأي شيء يذكر إلا الوراثة وغلبة « المثطلحات » على ذهنه.

      أقبح منظر في الإعلام السوري الرسمي، وأشده استفزازا، وإيلاما للنفس، هو مشهد النفاق الذي يجري تصميمه، وبثه حين يدخل عظيم المعبد، الرئيس بشار، قاعة مجلس شعب، خصصت لشهود بلا شهادة، حيث الوقوف، تعظيما، فريضة!! وابتسامات الإعجاب الرقيقة سنة مؤكدة، والتصفيق تسبيحا، والتملق بالغيغا بايت ضريبة!!

   لا أحد من الأمة؛ لم يدفع الثمن باهظا في انتصاب حزب البعث (1963)، ومن بعده رؤوس الشر في الطائفة العلوية – النصيرية على رأس الحكم في سوريا الخلافة والتاريخ والمجد. فالكل دفع الثمن .. السوريون والفلسطينيون واللبنانيون .. والجماعات السياسية، الإسلامية وغير الإسلامية، وحتى النظم العربية … والناشطون .. والحقوقيون .. والأفراد .. والجماعات .. وعامة الشعب. وعليه؛ فليس غريبا أن يتماثل النظام في سوريا مع حكم المجنون في ليبيا .. كلاهما تحالفا على الشر، وإلحاق الأذى في كل ما طالته أيديهما الدموية .. وحيثما استطاعا الوصول إلى خصم من الخصوم .. زرعا الفتن والأحقاد والبغض حتى ظنا أنهما لن يقدر عليهما أحد .. فعاثا فسادا في الأرض .. وبلغا من التجبر ما بلغا .. غير آبهين بأية عواقب … من زار الغرب وعاين طوابير المعارضة للبلدين يعجب من الألوف المؤلفة، الهائمة على وجهها، على قوارع الطرق، وحتى في الحانات، هربا من البطش الذي لا يعرف حدودا ولا أخلاقا ولا أدبا في العلاقة مع أي جهة كانت ولا أي سمات بشرية تذكر .. فقط وحشية واستعباد واستبداد ومظالم وقتل واعتقال وتشريد واختفاء ورعب استوطن بجواره الموت.

   نظام؛ لطالما فتك بشعبه فتكا مريعا. خاصة خلال مذابح حماة واللاذقية سنة 1980، حيث عدد القتلى بعشرات الآلاف .. بل أنه كاد يفتك بنفسه خلال خلاف الأسد الأب مع شقيقه رفعت، صاحب الوحدات الشريرة والدموية المسماة بسرايا الدفاع، لولا أن انحاز قائد سلاح الجو، في الخلاف، لصالح الرئيس .. نظام حول البلد إلى دولة شبه محتلة، على رأي عالم الاجتماع الفرنسي ميشيل سورا، الذي ألف كتابا عن سوريا والعراق بعنوان: «الدولة المتوحشة» في مطلع ثمانينات القرن الماضي، يصف فيه بغداد ودمشق، المحكومتين بحزب البعث، وكأنهما مدنا محتلة، لكثرة ما تعج به شوارعهما وساحاتهما بعناصر من وحدات الجيش وسرايا الدفاع .. فلا يمكن لمتجول، في دمشق، إلا وسيشاهد وحدات عسكرية راجلة من خمسة إلى عشرة أفراد لا يقوى أحد على اعتراض رغباتها وجنونها .. ولعلها أشبه ما تكون بكتائب القذافي الأمنية .. لكن مهما يكن الأمر فما كاد ميشيل سورا ينشر كتابه حتى لقي مصرعه!!!

  خلال حرب العام 1967 لما هاجمت إسرائيل الدول العربية المحاذية لفلسطين، كان حافظ الأسد وزيرا للدفاع. وهو من طلب من الجيش السوري الانسحاب من هضبة الجولان بدعوى أنها سقطت عسكريا. أوامر استغربها قادة الجيش في المكان الذي كان ما يزال تحت سيطرتهم!!! ثم بعد توليه السلطة حرّم جبهتها على أي مقاوم أو مجاهد حتى هذه اللحظة. وكلما تعرضت سوريا لإهانة جوية ضد العسكر أو الأجواء أو المنشئات أو اغتيال أو اختراق إلا ويكون البيان الوحيد الذي حفظه جيل كامل عن ظهر قلب منذ 35 عاما: « لن يستطيع أحد أن يستفز سوريا أو يفرض عليها متى تختار المعركة .. لكن سوريا سترد في المكان والزمان المناسبين»!!! حتى لما حلقت الطائرات الإسرائيلية فوق قصر الرئيس بشار الأسد لم يصدر ولو خبر باهت، حتى كشفت عنه إسرائيل بسخريتها المعهودة والمهينة للزعامات العربية والشعوب المقهورة، فقالت أن الرئيس الأسد كان نائما في قصره لما كانت الطائرات تحلق فوقه. ومع عظمة الإهانة لم نسمع سوى البيان إياه!!! لكن ماذا ستسمع الأمة من نظام وزير حربه مغرم باستنبات الزهور وتصفيفها؟

   نظام؛ لطالما فتك في الأمة ومصالحها العليا وضيعها .. نظام، كغيره، امتطى ظهر الفلسطينيين منذ زمن بعيد .. وهو أشد من فتك بهم في مذابح لبنان .. فدمر حركتهم الوطنية، وحاصر المخيمات، وطحنها فيما اشتهر بحرب السنتين ( 1975 / 766)، وتخلى عنهم حين غزت إسرائيل لبنان سنة 1982، وفتك بلوائيه العسكريين اللذين ألقى بهما تحت وحشية القصف الجوي الإسرائيلي، ليهلكوا، خلال انسحابهم من بيروت، بآلياتهم وأسلحتهم .. حتى يتمكن بعدها أن يقول، بكل فظاعة،: « لقد قدمنا آلاف الشهداء»!!! لكنه لم يقل لماذا أو كيف أسقطت إسرائيل نحو 130 طائرة في معركتين جويتين خلال الحرب؟!! ثم أعاد الكرة في الحرب على الفلسطينيين، حيث شق حركة فتح ومنظمة التحرير والحركة الوطنية اللبنانية، وكاد يوقع مجزرة رهيبة في منطقة بحمدون وجباب الحمر في البقاع قبل أن يهاجمهم في حرب المخيمات الأولى في البداوي وطرابلس في الشمال.. حتى قال الشيخ سعيد شعبان رحمه الله أن القوات السورية صبت على مدينة طرابلس من الدمار ما يفوق قنبلة هيروشيما الذرية .. ثم التفت إلى مخيمي صبرا وشاتيلا في بيروت، ونجح في مسحهما عن خريطة المدينة، في مقتلة لا تعادلها إلا مقتلة الكتائب اللبنانية لأهل المخيمين خلال الغزو الإسرائيلي.

ثورة تنتظم

   صحيح أن الاحتجاجات الأولى التي انطلقت من مدينة درعا بدأت بالمئات من الأفراد، لكنها ما لبثت أن أصبحت بالآلاف، ثم امتدت لتشمل العاصمة – دمشق ومدن الصنمين ودوما وحمص وحماة وبانياس واللاذقية وإدلب وغيرها. ومنذ ليلية الجمعة أخذت الاحتجاجات في الانتظام عبر الاعتصامات.

   صحيح أيضا أن الشعب السوري يحتج بكليته على الظلم بعيدا عن الطائفية، لكن النظام السياسي هو الذي يصعد من نبرته الطائفية. ففي البداية تحدث عن « مندسين» ثم تحدث عن « فتنة طائفية»، فلسطينية الهوية، انطلقت من اللاذقية!!! لكننا سنظل واثقين من نباهة الشعب السوري وفطنته في ألا ينجر إلى مثل هذه الاتهامات الممجوجة التي يرددها النظام، ويعمل بها تأسيا بسنة من سبقه أو من يعاصره، سواء عبر بلطجيته أو عبر من يسمون بـ « الشبيحة » الذين يأتمرون أصلا بأوامر ماهر الأسد شقيق الرئيس، أو عبر تلفيق الأكاذيب، وسط حظر إعلامي، حين يتنصل من جرائم القتل ليلقي بها، أخيرا، وبلغة دبلوماسية، على « مسلحين» لا هوية لهم تذكر في جعبة النظام. ففي كل حوادث القتل التي استهدفت المدنيين عمد السلطات السورية إلى حبك أطروحته الإعلامية على النحو التالي:

  • تصريحات تقول بأن القتلى هم من المدنيين ومن رجال الأمن على السواء. علما أن وسائل الإعلام المحلية أو الدولية لم تسجل استعمال الأسلحة البيضاء من قبل المحتجين في أية مدينة. والسؤال: إذا كانت وسائل الإعلام، ومنها وكالتا فرانس برس ورويترز، فضلا عن شهادة حشود المتظاهرين في الشوارع والمساجد، والتي تؤكد أن رجال الأمن هم الذين أطلقوا النار على المدنيين؛ فمن الذي قتل رجال الأمن إنْ كان هناك فعلا قتلى من بينهم؟

  • ولأن النظام السياسي يعرف خطورة مثل هذه الرواية حق المعرفة، فقد حاول سد العجز في الدعوى عبر رواية ثابتة ترددها وكالة الأنباء السورية، بلا كلل أو ملل، أحالت بموجبها عمليات القتل والإصابات إلى « مجموعات مسلحة»!!! والسؤال هنا: هل هي صدفة أن تظهر هذه المجموعات في كل المدن التي سقط فيها الضحايا فجأة؟ وحيث توجد مظاهرات مناهضة للنظام؟ وفي الوقت المناسب للقتل والقمع؟ ولماذا لم تظهر مثلا في حشود فخامة الرئيس؟!!! ولماذا لم يقتل أحد منهم؟ وهل يعقل القول بأن « الأمن » في دولة تطبق قانون الطوارئ بات مشاعا، بين عشية وضحاها، ومرتعا خضبا لقتلة مجهولين في مكان دون مكان الرئيس؟

    لا شك أن السوريون يتساءلون .. إذا كان: « الشعب يتظاهر سلمياً في كل المدن السورية»، ويطالب بحقوقه المشروعة؛ فلماذا يتحدث الرئيس عن « مؤامرة خارجية»؟ ولماذا يتحدث عن « فتنة»: « وأدها واجب وطني وأخلاقي وشرعي»؟ وما الذي يقصده بهذا القول: « كل من يستطيع أن يساهم في وأدها ولا يفعل فهو جزء منها .. والفتنة أشد من القتل» .. هل يعني أن « الكل» متهم يستحق القتل إلا إذا تظاهر مع بشار!!!!؟ وهل بات خيار الشعب السوري محصورا مع الرئيس أو مع الفتنة حيث القتل أوجب!!!!؟

    في تصريحاته لقناة الجزيرة (1/4) انتقد عضو مجلس الشعب السوري خالد العبود المطالب المنادية بالإلغاء الفوري لقانون الطوارئ، مؤكدا أن الأمر يحتاج إلى: « سلسلة من الإجراءات القانونية، وأنه ليس من صلاحيات الرئيس الأسد إلغاء هذا القانون بجرة قلم … ». لكن عبود أفندي فاته القول أن إطلاق النار على المحتجين وملاحقتهم في المساجد واعتراضهم على الطرقات والغدر بهم بعد مائة متر على خروجهم من المساجد، وبموجب قانون الطوارئ، لا تحتاج حتى إلى « جرة قلم»!!!!

   القتل الوحشي للمدنيين من قبل أمن النظام لم تخطئه العين، ولا توثيق الهواتف النقالة التي انتشرت على مواقع اليوتيوب بالعشرات. وعلى حد علمنا لم ينقل أيا منها فيديو لمقتل « رجل أمن» أو « شبيح» واحد. لكن عبود أفندي، الذي يؤكد رفاقه على هدوء المدن السورية، وغياب الاشتباكات، يرد على سؤال لقناة الجزيرة، يتعلق بعدم اعتبار ضحايا الاحتجاجات من المدنيين « شهداء» بالقول: « أن هناك لجان تحقيق ستفرز الشهيد عمن حاول إثارة الفتنة»!! ومتسائلا: « كيف نطلق لقب شهيد على من رفع السلاح بوجه الشعب»؟

    والحق يقال: « إن مما أدرك من كلام النبوة إذا لم تستح فاصنع ما شئت». ففي خضم ثورة الكرامة ظهرت فئات الإجرام المسماة بـ  «ميليشيات» الحزب الحاكم في تونس. وفي مطلع ثورة الغضب تقدم « البلطجية» في مصر واليمن إلى الواجهة. وفي ثورة المختار برزت « مرتزقة»القذافي الدموية. أما في ثورة الأحرار في سوريا فقد طالعتنا أخبار « الشبيحة» و « الأشباح» من المسلحين. لكن لو كانت دموية النظام السوري تحتاج إلى أقوى دليل لإدانته، لكانت براءته من الدماء أولى بالإثبات بأقل الدلائل.

    كلها ثورات ذات معنى واحد، ومحصلة واحدة، وهدف واحد. أما حصيلة النظام السوري فثقيلة .. وثقيلة جدا. فساده وإفساده عظيمين، على الأمة والدين .. واستهتاره بالأرواح والدماء صار وقودا ليوم الحساب. وإذا كان يختبئ خلف التعنت، خشية من تصاعد المطالب، فالحدث العربي صريح .. وكذلك السوري، حتى وإنْ بدا متدرجا في شراراته الأولى. لا بد من إسقاط النظام أولا، عاجلا أم آجلا. ومهما جاهد السوريون لتجنب الدعوة الطائفية التي يسعى النظام لجرهم إليها فقد لا يستطيعوا، لأن بنية النظام طائفية .. وحاقدة .. ودموية .. شأنها في ذلك شأن جنون القذافي. فالليبيون بدؤوا احتجاجاتهم سلمية .. وتجنبوا في الأيام الأربعة الأولى أي ذكر للسلاح مهما كانت التضحيات .. بل أنهم نقموا على كل من يأت على ذكر الأمر، لكن النظام الليبي فرض رؤيته وحله للصراع مع الشعب. ومع ذلك فإن ما تعاني منه ليبيا لعله في صالح سوريا. ففي ليبيا ثمة نقص شديد بعدد السكان مقارنة بالمساحة الشاسعة جدا، وتناثر المدن .. بعكس سوريا تماما، ذات الحشود البشرية، والمدن المكتظة بالسكان، والقريبة نسبيا من بعضها البعض. وهذا يوفر للثورة السورية حصانة دفاعية ممتازة، قد تحرم النظام من أية حماقة أو مغامرة دموية، وتجرده من أدوات البطش.

مصالح لا عقائد

   اليوم يدفع بشار الأسد بالناس تأييدا له بشتى الوسائل، كما يفعل زميله علي عبد الله صالح، الذي لم تنفعه حشوده، في ساحة السبعين، حتى الآن. لكن إذا فشل، فقد يستعين بتقاليده الدموية العريقة. فالرجل يمتلك بعض الأوراق القوية. إذ ما من مصلحة معتبرة في إسقاط النظام لا للغرب، ولا لإسرائيل التي « تصلي لبقاء الأسد»، بحسب صحيفة هأرتس الإسرائيلية، ولا لأية دولة إقليمية، ولا لإيران، ولا للقوى السياسية الفلسطينية واللبنانية، ولا لذوي الأطروحات القومية واللبرالية والعلمانية. لذا ليس غريبا أن يستخف النظام بعقول الناس، ويقدم الرئيس خطابا خاويا، يتحدث فيه عن نفسه بلغة بائدة، لم يعد يلقي لها أحد بالا .. المؤامرة .. أية مؤامرة ؟!!! لا ندري .. لكن بعض المواقف العربية كافية لنسف المزاعم من جذورها .. وكافية للتأمل في حقيقة من يتآمر على الشعب ويبيعه لصالح النظام أو من أجل من يعتقد أنها مكاسبه ومصالحه.

    فقد سبق وقلنا مرارا، وفي أكثر من موضع، أن العلاقات التضامنية في العالم العربي، سواء فيما بين النظم، أو فيما بينها والجماعات السياسية، أو فيما بينها والأفراد والجماعات الأهلية والاجتماعية، أو فيما بين المؤسسات والنظم، تبنى على المصالح وليس على العقائد. لذا لم نستغرب أن ينتزع نوري المالكي، وما أدراك ما نوري المالكي .. عبارات النظام ليعبر عن وقوف حكومته إلى جانب سوريا التي تتعرض لـ: « مؤامرات تستهدف الاستقرار فيها »!! وهي ذات العبارات التي استعملتها قطر في رسالة أميرها للرئيس الأسد، وأعربت فيها عن تضامنها مع سوريا: « في وجه ما تتعرض له من محاولات لزعزعة أمنها واستقرارها ودعمها الكامل للجهود التي تقوم بها القيادة السورية من أجل إفشال هذه المحاولات»!!!

   أما الفصائل الفلسطينية، التي أوعزت إلى عناصرها بعدم المشاركة في الاحتجاجات، فكان عليها أن تدفع الثمن كما سبق ودفعته في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي. ولعلنا نتفهم حالة الرعب التي تنتاب الجميع من بطش النظام، والظروف التي يعيشونها. لكننا لا يمكن أن نتفهم تبرئة النظام من الدماء التي سفكت في المخيمات الفلسطينية على يد النظام السوري أو على يد أدواته من حركة أمل إلى حزب الكتائب، هذا ما فعله السيد خالد مشعل حين انتقد تصريح الشيخ يوسف القرضاوي عن وصول الثورة إلى سوريا: « إن حكام السنة في العالم العربي باعوا قضيتنا، وأبرز شيوخ السنة تخلوا عن أهلنا، ولم تجد حركة حماس سوى الرئيس بشار الأسد ليحميها ويدعمها ويقف إلى جانبها، وحين طردنا الحكام العرب السنة آوتنا سوريا وبشارها، وحين أقفلت أبواب المدن في وجهنا فتحت لنا سوريا قلبها وحضنت جراحنا … لذا إننا في حركة المقاومة الإسلامية حماس نشهد أنه لا مسلم قدم لفلسطين ما قدمه لها بشار الأسد، ولا سني ضحى وخاطر بحكمه وببلده من أجل فلسطين ورفضا للتضييق على المقاومة الفلسطينية كما فعل بشار الأسد»!!!

   غضبة السيد مشعل على من يفترض أنه شيخه ومرجعيته، انتصارا للنظام السوري، لا تقل عن غضبة حسن نصر الله في دفاعه المستميت عن جرائم شيعة البحرين الذين اتخذوا من قم مرجعية لهم، أو عن شعاراتهم الطائفية الفجة التي سحقت، بوحشيتها ودمويتها، مطالب أهل السنة، وحرمتهم من أي إنجاز، وكادت توقع فتنة طاحنة في البلاد. ولا عن غضبة إيران على البحرين وهي تستنجد بالسعودية لوأد الفتنة الطائفية .. لكن أحدا لا مشعل ولا حسن نصر الله ولا أحمدي نجاد نبس ببنت شفة على الدم المسفوح في المدن السورية .. ولا على أقل المطالب المشروعة كتلك المنادية بالحرية أو بإلغاء قانون الطوارئ أو بإلغاء قانون رقم 49 الذي يسوق كل معارض إلى حبل المشنقة .. كما أنهم لم ينبسوا ببنت شفة على قتلى تزوير الانتخابات الإيرانية .. ولا على القمع الدموي والاعتقالات والإقامات الجبرية التي طالت رموز الاحتجاجات الإيرانية.

    واضح أن هذه التصريحات وأمثالها تبنى على المصالح فقط .. ولا شأن لها بالعقائد، ولا حتى بالتاريخ، ولا بالصراع مع اليهود، ناهيك عن حقوق الأمة المهدورة منذ عشرات السنين، وحقوق الشعب السوري المصادرة فيما وراء الشمس .. وحقوق المنادين بوقف التزوير في إيران أو وضع حد لخرافات الدجل الرافضية .. ناهيك عن الضحايا وعذابات الناس ومنطق الحدث التاريخي الجبار الذي يكتسح الأمة العربية من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها.

   لسوء ما صنعته التحالفات من مظالم فإن ما ينطبق فيها على الدول والحكومات والجماعات السياسية ينطبق قطعا على أبرز وسائل الإعلام العربية. وكنا نشعر كغيرنا، أن الإعلام العربي وخاصة قناة الجزيرة لن تستطيع الإفلات من القيود التي كبلت بها نفسها إلا إنْ تجاوزتها الأحداث. فالجزيرة التي انتفضت على الرئيس التونسي المخلوع، ومن بعده الرئيس المصري واليمني والليبي تبدو، اليوم، شبه عاجزة عن الانتصار للشعب السوري، الذي دفع في أيام ثورته الأولى ما يزيد عما دفعته تونس طوال شهر أصغافا مضاعفة. والأكيد أن التذرع بالقيود التي يفرضها النظام على الإعلام لا تبرر البرود البين للجزيرة تجاه الثورة السورية. فقد تعرضت الجزيرة للطرد من اليمن والحظر في ليبيا والإغلاق في مصر. لكن دائما كان ثمة حل .. ودائما كان ثمة تغطية ملائمة إلا في سوريا. فهل ثورات العرب حلال وثورة السوريين حرام؟

   لا أحد يتمنى أن تتراجع الجزيرة عن مهمتها. لكن كيف يمكن لمن لم يعتدل في قول الحق أن يعتدل ؟ .. وكيف يمكن لمن مايز بين حق وحق أن ينتصف؟ .. وكيف يمكن لمن غض الطرف عن جرائم حية أن ينتصر لضحايا غزة بعد تصريحات المحقق الدولي غولدستون، وتراجعه عن تقريره في تجريم إسرائيل بارتكابها جرائم حرب ضد الإنسانية؟ كيف يمكن لأمثال هؤلاء أن يصفعوا نتنياهو وبيرس وليبرمان وبقية قادة الدولة اللقيطة على وجوههم لقاء تصريحاتهم الوحشية بينما يعلنون وقوفهم إلى جانب نظام لا يقل عن إسرائيل وحشية فيما ارتكبه من جرائم بحق الأمة أو بحق شعبه؟ كيف يستقيم الدفاع عن حقوق شعب في بلد ما بينما يعوج في بلد آخر ينادي بذات الحقوق وأكثر منها؟

      حقا!! الاستقامة تسبق الصلاة، وإلا فلا صلاة بين الشياطين!!! فالذين عادوا الأمة في زمن حسني مبارك هم أنفسهم الذين يحاربون الإسلام، ويقودون الثورة المضادة، في مصر، بذات الوحشية التي فعلوها من قبل .. والذين يفرطون بقليل من الحق لن يتوانوا عن التفريط في الكثير منه .. والذين يزاوجون بين الحق والباطل في حين، سيزاوجون بينهما، في كل حين .. والذين يقرؤون الأحداث العظمى بمقتضى المصالح والمكاسب لا شك أنهم خاسرون، عاجلا أم آجلا، .. ومن لم ينس الطغيان والاستبداد، لا يمكن له أن ينس الخذلان .. وكما أن للشعب المصري وقفته اليوم مع أبواق النظام السابق، سيكون للشعب السوري وقفته مع من خذله وأثنى على جلاده … ومن لم يتعظ، بعد، أو لن يتعظ، فعليه أن يستجمع شجاعته، ويحشد أسانيده وحججه، إن استطاع، ليوم الحساب .. في الدنيا كما الآخرة ..

أخيرا .. خلي الإسلام يتكلم

  لا يخفى على متابع أن صراع الثورات في المنطقة العربية يدور على الحريات والحقوق والموارد والثروات. وفيه تحدثت الشعوب، وتحدث اللبراليون والعلمانيون، وتحدثت الجماعات والأحزاب والساسة، وتحدث المتسلقون وركاب الباصات .. لكن حتى الآن لا يبدو أن للإسلام كلمة حاسمة فيما يجري. ولا ريب أن لحظة الالتحام قادمة لا محالة. وحينها لا يستطيع أحد أن يتكهن فيما سيحدث. فحين تدرك الشعوب أن ثوراتها، غير المسبوقة في تاريخها، ضد نظم الاستبداد أسقطت الرأس فقط، دون الجسد .. وحين تدرك أن مكاسبها لم تكن بمستوى تضحياتها .. وحين تدرك أنها وقعت ضحية خداع وغدر من النظم الجديدة .. وحين تدرك أن مشكلتها ليست في الحرية ولا في الديمقراطية ولا في الدساتير ولا في الدولة المدنية ولا في الثروات المنهوبة .. وحين تدرك أن الثورات التاريخية لا يجب أن تسرق بسهولة ولا بصعوبة .. سيكون من المثير أن يتساءل الناس عن هكذا نتيجة: لماذا؟ وأين الخطأ فيما فعلناه؟

     لكن إذا كان من اللافت أن تندلع شرارة الثورات من تونس، فسيكون من المدهش، حقا، أن تندلع شرارة الإسلام منها ثانية. وسبحان من يضع سره في أضعف خلقه!!! ففي أهم شوارع العاصمة التونسية انطلقت مظاهرات شعبية حاشدة يوم الأربعاء (30/3) تطالب بخلع الرئيس المؤقت فؤاد المبزع، وإقالة الحكومة المعينة. ولأول مرة في ساحة الثورات العربية أدخل شباب تونس شعارا جديدا على قاموس الاحتجاج الشعبي، بثته فضائية الجزيرة، في سياق خبري، لمرة واحدة ثم اختفى. شعار يحمل رسالة مشحونة بدلالات بالغة: « خلي الإسلام يتكلم .. خلي الإسلام يتكلم»!!!

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You may also like

مرابط النظام الدولي