الدورة التاريخية (2 – 2): مناقشات منهجية لفتاوى طارئة

الدورة التاريخية (2 – 2): مناقشات منهجية لفتاوى طارئة

1112
0

د. أكرم حجازي

1/7/2010

 

  قبل مناقشة بعض النماذج لا بد من التذكير بأن الفتوى الطارئة التي نتحدث عنها ليست تلك التي تستدعيها الضرورات الفقهية والاحتياجات الطارئة على الأمة، بل هي التي تصدر في صيغة « تصريح» أو « إجابة على سؤال» أو « رأي فقهي» أو « فتوى»، في أي فضاء كان، بلا تأصيل أو سند شرعي وافٍ يأخذ بعين الاعتبار الكتاب والسنة وأقوال السلف والمناهج اللازمة والسوابق فضلا عن الظروف المحيطة بالنازلة حاليا ومستقبلا بما يحفظ للدين سلطانه وهيبته وللمسلمين والأجيال حقها. هذه « النصوص» نضعها تحت بند «الفتاوى الطارئة» أو « العرفية» أو « فتاوى الضرورة» التي تبدو، عبثا، كمن يسعى إلى تقديم الإسلام بمحتوى « وسطي» أو « متسامح» أو « منفتح » فإذا بها تقدم إسلاما هزيلا ممسوخا يستحق السخرية والهدم أكثر مما يستحق الدفاع عنه. وهي، للحق، تبدو دينا جديدا كل الجدة. لكن باسم من؟

    إذا كانت الدولة فثمة منها ما يسمح لامرأة أن تقدم عظة يوم الجمعة على التلفزيون وهي كاشفة الرأس كما يفعل التلفزيون التونسي أو سبق له وفعل، وأخرى تقرر تعيين 50 امرأة في منصب الإمامة في المغرب ويصفه واعظة أو مرشدة كي يتطور المجتمع ويواصل التقدم، لكن دون السماح لهن بإمامة صلاة الجمعة، وهذه مخالفة صريحة لأماني د. حسن الترابي! وثمة وزير الأوقاف المصري، د. محمود حمدي زقزوق الذي أعلن أنه يعتزم زيارة القدس عبر تأشيرة إسرائيلية مخالفا بذلك رأي عامة الناس وخاصتهم ناهيك عن الشرع! وإذا صارت الدولة طغيانا يصعب وقفه فليست وحدها من يجهد في سعيه لامتلاك الفرد والجماعة والمؤسسة والمجتمع، ويتحول إلى دين بحد ذاته كما يرى الشيخ راشد الغنوشي. إذ ثمة جماعات إسلامية وتيارات وفِرَِق صارت هي الأخرى أشبه بدين قائم بذاته، بل ثمة أفراد يجري ترويج آراؤهم وأفكارهم وسياساتهم وأهواءهم وترقيتها لتغدو دينا جديدا لا همَّ له إلا السخرية من الدين وهدمه. كل أو بعض هؤلاء أخذ من الدين ما يلائمه، أو أفرغ فيه ما تقشعر من هوله الأبدان، وتنفر منه النفوس، فإن لم يجد أحدهم ضالته فيما يهوى لوى عنق النص ليّا، أو تَنكَّر له من الأصل، أو تطاول حتى على الله في صيغة تصريح أو رواية فاجرة تجد من يطبعها وينشرها ويسوقها في البلاد العربية والإسلامية بتواطؤ منحط من الدولة نفسها.

      هكذا صارت الدولة، من جهتها، مقدس لا تسمح لأحد بالاقتراب منه، أما الجماعات: فالصوفية مستعدة للقتال بالسلاح لمن يقترب من أضرحتها وحتى مهاجمة المساجد وإحراق المصاحف، والجامية والمدخلية وأمثالها فالموضوع العقدي المركزي عندها قبل أي موضوع آخر هو ولاية الأمر، ولم تعد تتواني عن تكفير من يخالفها الرأي، والتبليغ والدعوة قانعة بالصفات الست وركن الخروج بعيدا عن السياسة وهموم الأمة، وحزب التحرير قابض على أطروحته ومنهجه كالقابض على جمر من النار، وكل اجتهاد عند الإخوان مأجور ما لم يخالف مصلحة الجماعة، وعند الأفراد، وبعضهم وزراء ومفكرون وفنانون وكتاب، نجد مفتي مصر علي جمعة، مثلا، يبيح للمسلم الحق في اختيار الدين الذي يناسبه من غير الإسلام وأن حسابه على الله، بينما الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح: « من بدل دينه فاقتلوه»! وكأن أبا بكر الصديق أخطـأ لما قاتل المرتدين! فهل هذا اجتهاد أم إرجاء؟ أما عبد المنعم أبو الفتوح فلا يرى في حد الردة إلا خروجا عن النظام وليس خروجا من الإسلام. وما على الأمة إلا أن تكذِّب كل ما كتبه المؤرخون والعلماء ورواه الصحابة عن رفض المرتدين لأداء فريضة الزكاة. وأخيرا يأتي شيخ الأزهر الجديد د. أحمد الطيب، ليؤكد على سلامة المذهب الشيعي الجعفري الإثنى عشري مشيرا إلى أن: « الاختلاف بين السنة والشيعة في الفروع فقط وليس في الأسس والثوابت التي يقوم عليها الدين». فالطعن بعرض عائشة أم المؤمنين التي برأها الله من فوق سبع سماوات فيما اشتهر بحادثة الإفك وبزوجات الرسول وسب الصحابة والافتراء عليهم واتهام السنة بتحريف القرآن الكريم وتأليه علي بن أبي طالب وزواج المتعة والإمامة والتقية والافتراء على الأئمة الإثنا عشر والسجود لغير الله والإستغاثة بغيره سبحانه وتعالى وزعم الاتصال بالأموات وتفضيل فاطمة وآل البيت على الأنبياء والرسل ما عدا رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها عند حضرة شيخ الأزهر الجديد خلافات في الفروع! فأي دين يريد هؤلاء من الأمة أن تتعبد الله به؟ ولماذا هذا الإسفاف في الدين والتحقير للإسلام والمسلمين؟

     لو عرضنا مثل هذه الفتاوى والآراء الفقهية على العامة لما حظيت بأكثر من مشاعر الصدمة والسخرية لها، ولمن أدلى بها. فلا هي فتاوى نجحت في إرضاء الغرب ولا هي فتاوى حفظت دينا ولا هي دافعت عن نظام، ولا هي انتصرت لنبي أو لحق بقدر ما انتصرت لباطل وبهتان. وإنْ كان هناك من حاجة لتصديرها، خاصة ممن اختار السقوط بنفسه، فلا لأية منفعة أو نصرة إلا أن تكون صفتها الطارئة علامة بارزة من علامات الدورة التاريخية. أما العلماء فيبدو أن هناك من يجتهد في السعي لإسقاطهم والتقليل من هيبتهم ومكانتهم ومحاصرتهم وتهميشهم أو التشويش عليهم وضرب الإسلام بهم عبر تحميلهم، على العموم مسؤولية مثل هذه الفتاوى، وفي نفس الوقت إجبارهم على الصمت أو تحمل العواقب الوخيمة. هؤلاء ندعو الله أن يطيل بعمرهم لنرى منهم أو ممن يخلفهم من يجمع هذه الفتاوى ويوثقها كما سبق وجُمعت الأحاديث الموضوعة والمغرضة. ويوم تصل الدورة التاريخية إلى نهايتها سنجد من قادة الأمة أو علمائها من يأمر بحرقها كما أُحرقت من قبل كتب البدع والضلال والتضليل. نقول هذا لأنه من المستحيل أن يمر كل هذا الزيف على دين تكفل الله بحفظه وإن رغمت أنوف. وإلى ذلك الحين سيظل السؤال التالي مطروحا: إذا كانت الفتاوى الطارئة من صنع رموز الفقه والإفتاء والمؤسسات الرسمية القائمة على الدين وبعض علماء الجماعات والفرق الضالة؛ فهل يجوز للأمة، شرعا أو عقلا، أن تثق بأمثال هؤلاء وتأخذ دينها عنهم؟ سؤال بحاجة إلى إجابة صارمة. أما الآن فلنناقش بعض النماذج قبل مغادرة هذا المحور.

 

فتوى جواز قتال المارينز المسلمين 

 

هي واحدة من أعجب وأشهر الفتاوى التي صدرت ليس فقط عن عالم دين بل وعن موظفين وصحفيين ليس لهم أي تأهيل شرعي يسمح لهم بتصدير فتاوى بالغة الخطورة. ولقد ناقش الكثير من الكتاب والعلماء مضمون الفتوى وما حمله من كوارث لا يصدقها عقل ولا يمكن أن يجيزها شرع تحت أي مسمىً كان. ولو عكسنا الصورة لما وجدنا نصرانيا أو يهوديا أو مجوسيا أو وثنيا شارك في يوم ما في قتال إلى جانب المسلمين في فتوحاتهم أو معاركهم وسلم من ملته قتلا أو شنقا أو تعزيرا. ولست هنا أناقش ما أفاض به غيري من المتخصصين من أهل العلم والفكر لكنني سأطرح تساؤلا لم أقع عليه فيما قرأت واطلعت عليه: ما هو حكم المسلمين الفلسطينيين من أهل السنة المجندين في الجيش والشرطة وأجهزة الأمن الإسرائيلية، والذين يقاتلون أبناء جلدتهم وملتهم؟

سيكون من السهل تكفيرهم وإخراجهم من الملة لكون إسرائيل دولة كافرة وغاصبة على أقل تقدير، وهو ما لم يحصل حتى هذه اللحظة، ولا حتى بالنسبة لمنتسبي الأحزاب اليهودية منهم أو أعضاء البرلمانات. حسنا. لكن لننظر إلى الصورة من زاوية أخرى. فإذا توصل العرب الرسميون إلى تسوية رسمية معلنه مع دولة اليهود في فلسطين، وكذا فعل الفلسطينيون؛ فهل سيكون تَجَنُّد المسلمين في دولة اليهود مشروعا؟ ولنفرض أن دولة اليهود تعرضت حينها لهجوم من قبل مجاهدين مسلمين من دولة مجاورة أو من داخل الدولة الفلسطينية المفترض أنها مستقلة وتعيش جنبا إلى جنب مع دولة اليهود، لا فرق حينها بين الاعتراف أو الهدنة، فهل يحق لإسرائيل رد ما تعتبره عدوان عليها؟ وهل سيكون، آنذاك، قتال المسلمين في الجيش الإسرائيلي لإخوانهم مشروعا؟

لنأخذ صورة ثانية. حين احتلت إسرائيل الضفة الغربية، وشرعت في تدمير سلطة رام الله وقتلت أكثر من 500 فلسطيني من مخيم جنين وحطمت البلدة القديمة من مدينة نابلس ثم هاجمت لبنان في تموز 2006 وغزة في أواخر العام 2008 وأوائل العام 2009 ، كان هؤلاء المسلمون على رأس عملهم في خدمة الجيش الإسرائيلي. وكانوا، من قبل ومن بعد، في جبهات القتال وفي أجهزة الأمن والشرطة والدعم اللوجستي، فهل صدرت أي فتوى تجيز لهم القتال مع اليهود ضد إخوانهم من المسلمين؟ وهل صدرت أي فتوى تحذرهم أو تنكر عليهم فعلهم في الجيش الإسرائيلي إبراء للذمة أو لإحداث شرخ في الجبهة الداخلية للعدو؟ وهل تطرق إليهم الإعلام من قريب أو من بعيد وأعانهم، موضوعيا وشرعيا، على الاجتهاد في فك ارتباطهم بدولة اليهود؟ سيقول البعض: نعم. فقد صدرت فتاوى عدة كفّرت كل مسلم يعين كافرا على أخيه المسلم حتى ولو كان حاكما، وكانت آخرها فتوى المائة عالم. هذا صحيح. لكن بالنسبة لهذه الشريحة فلم تصدر أية فتوى على التخصيص، ولم تكن، منذ زمن بعيد، موضع اهتمام شرعي أو سياسي أو حتى إعلامي من أي جهة عربية أو إسلامية كانت.

 لكن لنطرح بعض الأسئلة الفقهية الأخرى، بقطع النظر عن الوضعية السياسية،: ما هو الفرق الشرعي بين جندي مسلم يقاتل إخوانه المسلمين في الجيش الأمريكي أو في الجيش الإسرائيلي؟ وهل يصح أن تصدر الفتاوى في مسائل عقدية صرفة بناء على دعاوى المصلحة والقومية والوطنية والحاجات الفردية والنفسية والاجتماعية؟ وهل مصلحة جنود المارينز المسلمين مقدمة على مصالح الأمة ومصائر الدول الإسلامية وأرواح الأبرياء من المسلمين؟ وهل يجوز لهؤلاء المشاركة في قتال المسلمين بناء على ما تقرره دولتهم في الزمان والمكان كما تنص الفتوى؟ وهل يجيز الشرع أصلا أن ينخرط هؤلاء في جيش كفري حتى ولو كان جيش بلدهم؟ وهل الخشية عليهم من وصفهم بالطابور الخامس إذا امتنعوا عن قتال إخوانهم من المسلمين يعتبر مبررا شرعيا يسمح لهم بالمشاركة في الحرب سواء في الصفوف الأمامية أو الخلفية؟

لنأخذ صورة ثالثة. لنفرض أن العلماء اختلفوا على شرعية التسوية مع إسرائيل، بمعنى أن بعضهم أقرها شرعا بينما خالفها قسم آخر. وهذا ممكن الحدوث؛ بما أن فلسطين شأن إسلامي وأرض موقوفة وحدث رباني. لكن بأي الموقفين ستلتزم الأمة حينها؟ بموقف المشرِّعين للتسوية أم بموقف الناقضين لها؟ وماذا سيكون حال المجاهدين الذين رفضوا التسوية أسوة بموقف العلماء الرافضين لها؟ هل سيكونون جميعا طائفة خوارج أم بغاة؟ أم سيكونون تحت ولاية أهل مكة تفعل بهم ما تشاء؟ باختصار ما هو الحل: استفتاء شعبي؟ أم تصويت ديمقراطي تخضع فيه الأقلية من العلماء لرأي الأغلبية!؟ أم حل توافقي؟ والسؤال الذي نطرحه وسط انقسام الموقف الشرعي: هل سيكون قتال إسرائيل مشروعا أم محرما؟ وما هو الموقف الشرعي من المجندين المسلمين في الجيش الإسرائيلي؟

هذه الصورة الأخيرة أوردناها لكونها تتطابق بالضبط مع حالة الجهاد في العراق وأفغانستان والصومال. فانقسام العلماء جاء استجابة لمواقف سياسية رسمية ومصالح حزبية وليس لدوافع شرعية، وأدى إلى انقسام في الأمة. أما الذين رفضوا جهاد حركة طالبان والصومال والعراق بحجة غياب الراية أو وجود شبهات شرعية، هم أنفسهم الذين اعتبروه « إرهابا»، وسخروا منه، وحرضوا عليه، وجهدوا في التمييز بين « إرهاب وإرهاب» أو ما باتوا يعبِّّرون عنه بمصطلحات مستحدثة من نوع « مقاومة شريفة » و« أخرى غير شريفة»! هل من الإنصاف أن يجد الجندي المسلم في قوات المارينز من يوقعه في ورطة شرعية، ويلتمس له العذر، ويحرص على وطنيته ومصداقيته ووفائه لوطنه، هو والذين قاتلوا معه من المسلمين، تحت رايات عمية في وضح النهار بينما لا يجد مسلم يدفع عن أهله ودياره إلا تهمة الخوارج والإرهاب والقتال في سبيل الطاغوت؟

  إذا كانت بعض الدول أو كلها، في خضوعها التام للأطروحة الأمريكية والصهيونية، تحتج بمصالحها وضعفها وتخشى غضبة الأمريكيين عليها؛ فما هو المبرر، الشرعي أو السياسي، الذي تحتج به بعض الجماعات والشخصيات الإسلامية التي تحالفت مع الأمريكيين اختيارا منها وطواعية، وباتت تتنعم بحمايتهم وأموالهم وتقاتل في صفهم ونيابة عنهم؟ وإنْ كان بعضها بريئا من السقوط في الفخ الأمريكي فلماذا يستأسد في إنكار حتى جهاد الدفع وتشويهه ومحاربة أهله بشتى السبل وكأنه ألدّ الخصام؟ ألا تصب هذه المواقف في سلة الأمريكيين والصهاينة؟ الأعجب في مواقف هؤلاء القوم أنهم يقيمون الدنيا ويقعدونها حين يتعلق الأمر بإدانة جرائم إيران ومشاريعها الصفوية المدمرة للأمة بحجة أن من يتحفظ على إيران أو حزب الله ( المقاومة! ) أو يتبرأ منهما إنما يختار آليا أن يكون في صف الأعداء!! بطبيعة الحال ليس ثمة حضور لأي اختيار عقدي هنا، فالحكم الشرعي بالنسبة لهؤلاء لا هو حاضر ولا قيمة له. كل ما في الأمر أن هناك تقاطع مصالح مشتركة، لذا لا ضير في الصمت أو التواطؤ أو غض الطرف أو الانحياز العلني لأمريكا، ومساعدتها في احتلال بلاد إسلامية وتعيين رؤساء وحكومات موالية لها ومعاداة الجهاد وأهله وقتل المجاهدين والأبرياء !!! فأي منطق شرعي استند إليه هؤلاء في مثل هذه الفتاوى والمواقف والتصنيفات غير منطق المصالح والحزبية والهوى والعمى؟

      أخيرا، وبينما كانت المقالة على وشك الصدور، تناقلت وسائل الإعلام (29/6/2010) خبرا عن فتوى أصدرها فقهاء مجمع الشريعة بأمريكا بخصوص مساعدة القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان. واعتبرت كبرى وسائل الإعلام الأمريكية الفتوى: « صادمة وتحريضية .. إنها بنيت على أساس ديني لتحرِّم إمداد الجيش الأمريكي بالمواد الغذائية أو العمل معه في مناطق لا يوصف فيها أداء الجيش بالودي بل بالعدائي لاسيما في العراق وأفغانستان». أما الفتوى التي صدرت تحت رقم 3062 عن اللجنة الدائمة للإفتاء في المجمع، فقد جاءت في معرض رده على سؤال ورد في رسالة يقول: « هل يجوز لمسلم صاحب شركة نقل أن ينقل مواد تموينية من مخزن الشركة المرسلة إلى الميناء، مع العلم أن هذه المواد مرسلة إلى جنود يعملون في بلاد إسلامية في إطار قوات التحالف؟». ورد المجمع على السؤال، بعد تحفظ، بعدم مشروعية إرسال مواد تموينية للجنود الأمريكيين الذين يعملون في بلاد إسلامية كالعراق وأفغانستان في إطار قوات التحالف، محتجا بأن: « من كان على برّ وتقوى تشرع إعانته، ومن كان على إثم أو عدوان لا تشرع إعانته».

   لا بد من القول بداية أننا نتعامل مع خبر وليس مع نص رسمي، لكن بما يوفره الخبر من معلومات يمكن مقارنة الفتوتين والتعرف على بعض أوجه الشبه وأوجه الاختلاف بينهما.

 أما أوجه الشبه فتكمن في أن:

 1) كلتاهما صدرتا بناء على سؤال وبالتالي لا مجال لاتهام أحد بالتحريض، لأنه لو كانت فتوى المجمع تحريضية، كما تقول وسائل الإعلام الأمريكية، لصدرت عشية الحرب أو خلالها أو بعدها بقليل، لكنها صدرت بعد سبع إلى تسع سنوات،

 2) وتخصان مسلمين،

3) ومواطنين أمريكيين يعيشون في أمريكا،

4) وتتعلقان بإعانة الجيش الأمريكي على المسلمين،

5) وتتطلبّان حكما فقهيا على أساس شرعي.

 أما أوجه الاختلاف:  

 

1) الأولى ( فتوى القرضاوي ) ملفقة شارك في صناعتها غير متخصصين ووقع عليها عالم واحد، بينما صدرت الثانية ( المجمع الفقهي ) عن متخصصين شرعيين بعد النظر بها ومناقشتها في مجلس إفتاء دائم،

2) الأولى تساهلت في قتال المسلم للمسلم بينما الثانية حرمت حتى الدعم اللوجستي.

3) الأولى أفاضت من التسهيلات أكثر مما حلم به الأمريكيون أنفسهم بينما التزمت الثانية بالرد على موضوع محدد،

4) الأولى راعت المصالح الدنيوية بينما الثانية التزمت بالمقررات الشرعية،

5) الأولى لاقت الترحيب ممن راقهم الأمر في حين اتُّهمت الثانية بالتحريض،

6) المجمع كان جريئا وحريصا على قول الحق في عقر دار أمريكا، بينما الآخرون كانوا في سعة من الأمر وليسوا مكرهين،

7) المسلمون والمجندون المسلمون في أمريكا بدوا أحرص على تبيُّن الموقف الشرعي أكثر من المجندين المسلمين في ديارهم إما خوفا أو لأن طاعة ولي الأمر مقدمة على الموقف الشرعي،

      أليس ثمة فرق بين فتوى تصدر على أساس ديني، كما تقول وسائل الإعلام الأمريكية نفسها، وأخرى تصدر بلا أي سند شرعي أو تأصيل أو اعتبار للدين فضلا عن التفريط به؟ والسؤال الأخير: إذا كانت فتوى المجمع قد صدرت بحق المسلمين الأمريكيين؛ أليس من الأولى أن تصدر بحق المسلمين، دولا وأفرادا وشركات في ديارهم، ممن يتنافسون على تقديم الدعم اللوجستي للأمريكيين في حروبهم على الإسلام والمسلمين؟

فتوى الرضاعة للعبيكان و د. عزت عطية رئيس قسم البحوث في الأزهر

    تبدو، في الانطباع الأول، أنها من الفتاوى المثيرة للسخرية أكثر مما هي تعبير عن احتياج أو ضرورة فقهية. وحين أطلقها صاحبيها، بداية، لم يوضحا آلية تنفيذ الفتوى. لكنها استهدفت إجازة الاختلاط بطريقة ملتوية. فالموظفة التي تتحرج من إثم الخلوة أو خطرها مع زميلها في العمل يمكنها حل المشكلة بإرضاعه من حليبها. ولمّا ثار الجدل واحتدم عن كيفية تطبيق الفتوى؛ قيل أن تقوم المرأة بإفراغ الحليب من ثديها في كأس ثم يشربه الشخص المعني. وإذا دخلنا في نقاش جدي للمسألة سنكتشف أننا إزاء فتاوى مارقة إما أنها صادرة عن جهل وإما أنها زندقة.

    فالرضاعة في الإسلام مدتها حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة. وهي مختصة حصرا في المواليد وليس في الكبار، فالرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم. ولما تقع الرضاعة الطبيعية التي فطر الله عز وجل بها خلقه بعد الولادة مباشرة فإنها تحدث عبر فك الجنين وحلمة الثدي، وبهذه الطريقة يحصل الرضيع على غذاء لا يماثله في الفائدة والجدوى أي غذاء آخر على وجه الأرض، فضلا عما يوفره له من مناعة خاصة في الشهور الثلاثة الأولى، ناهيك عن حزمة المشاعر التي يحصل عليها من حنان وحماية ونشوء علاقة حميمية خاصة بين الأم ورضيعها. وبطبيعة الحال تنتهي الرضاعة خلال الحولين أو بعدهما أو أكثر بقليل لكنها تختفي عند الكبير للأبد. وقد اختلف العلماء في عدد الرضعات ما بين ثلاثة إلى خمس مُشبِعَة.

  لكن إذا شرب الكبير حليب الثدي من الكأس صار شرابا وليس رضاعة. ولم يكن حليب الأم في أي عصر من العصور شرابا سائغا للكبار ولا مألوفا. ولو طرحنا السؤال الفقهي التالي: هل للرضاعة علاقة بالنية؟ فلو قلنا مثلا أن رجلا شرب حليب امرأة لسبب ما فهل يصبح في هذه الحالة شقيقا للمرأة بحيث تَحْرُم عليه رغم أنه لم يفكر بذلك ولم يرده ولم يخطر على باله ولم يسع إليه؟ ولو قلنا أنه شرب حليب امرأة بسبب جوع أو عطش شديدين يمكن أن يتسببا في التعرض لضرر جسدي أو يهددان حياة الشخص أو أنه أُكره على هذا العمل؛ فهل أصبح مُحْرَما لها؟ ثم هل أخذت الفتوى بعين الاعتبار حال البلاد الإسلامية ونمط مجتمعاتها الراهنة؟ وهل تنطبق الفتوى على العاقل وغير العاقل؟ أي على الإنسان والدابة؟ وهل يمكن اعتبار شرب حليب الأنثى قاعدة في التحريم؟ إذا كان الأمر كذلك فهذا يعني أن البشر، مسلمين وكفارا – عربا وعجما، سيغدون أخوة لأنفسهم وأخوة للدواب وأقارب!!! فمن سيصاهرون حينها؟

      ثم من قال أن الكبير يستسيغ حليب المرأة؟ ومن قال أن المرأة مهيأة للإرضاع عند الطلب؟ وبما أننا نعيش اليوم في أجواء الدول العلمانية حيث الاختلاط قائم في مختلف مناحي الحياة فمن الأهمية بمكان التذكير إلى أن الاختلاط واقع في كل مؤسسة ما بين رجل وامرأة كحد أدنى إلى عشرات الذكور والإناث في المؤسسة الواحدة. فماذا ستفعل امرأة بعدة رجال حولها؟ هل سترضعهم جميعا حتى تتجنب محاذير الاختلاط والخلوة؟ أم نقول لها: دعك من الوظيفة؟ أم نفتش على أساليب شرعية لتجنب الوقوع في المحارم؟ العجيب في الأمر أن مشايخ هذه الفتاوى لا يبدو أنهم معنيون بطرح أي سؤال فقهي من السهل أن يراود الأميين من الناس. فكيف يصح لهؤلاء أن يتجرؤوا على دين الله ويستخفوا بعقول البشر إلى هذا الحد؟

فتاوى ولاية الأمر والحاكم المتغلب

   في 21/8/ 2004 ظهر الشيخ عبد المحسن العبيكان على فضائية الـ « MBC » وقال: « إن الرضوخ للقوات الأميركية في العراق هو الحق, ذلك لأن القوم جاؤوا محررين لا غازين»، وفي ديسمبر 2007 استضاف تركي الدخيل صاحب برنامج « إضاءات» على قناة « العربية» الشيخ. وفي خضم النقاش دار بينهما الحوار التالي حول الجهاد وولي الأمر:

العبيكان: لا يجوز الدفع إلا عند القدرة، والإمام إذا وُلِّيَ وتَغَلَّب حتى ولو كان كافرا، فكما يقول الشيخ ابن عثيمين: المتغلب حتى ولو كان كافرا؛ إذا لم نستطع القيام عليه وتغييره لا يجوز لنا مقاومته. هذا كلام الشيخ ابن عثيمين. نحن نقول للمقاومة الآن: أنتم في حال ضعف، وقد نصت النصوص على أنه لا تجوز المقاومة لمن كان ضعيفا. لماذا؟ الله عز وجل يقول: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وقد نص المحققون كالشيخ عبد الرحمن بن السعدي وغيره من المفسرين على أنه لا يجوز الإنسان أن يلقي نفسه إلى التهلكة في أي أمر كان .. الآية عامة.

الدخيل: طيب يا شيخ … هناك من يقول بأن الشيخ عبد المحسن العبيكان مستشار قضائي في وزارة العدل في السعودية يتحدث لأن النار لم تصل ثوبه. لكن لو حدث غزو، لا قدّر الله، أمريكي على السعودية على سبيل المثال؛ هل كان الشيخ سيقول ذات الرأي الذي يقوله الآن فيما يتعلق بالعراق؟

العبيكان: نحن نتكلم بكلام لنا وعلينا. ولا يمكن أن نغير كلامنا ولا نغير آراءنا أبدا. ولكن نرجو أن لا يأتي اليوم الذي نضطر فيه إلى .. نقاتل مع أئمتنا! يعني لو حصل شيء فنحن تحت ولاة أمر، وإذا رفعوا الراية فنحن معهم ..

الدخيل: حتى لو كانوا أضعف؟!

العبيكان: حتى ولو كانوا .. نح .. نحن تحت ولاة أمر، فهم يقاتلون ، يدفعون. نحن نقول هنا لا راية لأهل الفلوجة ، لا راية .. لأن هناك حاكم هو ضدهم وهم يفتئتون عليه، وأيضا لا قدرة ..

الدخيل: الحكومة العراقية المؤقتة

العبيكان: نعم

     بطبيعة الحال فتاوى العبيكان هذه ومواقفه في هذا السياق كثيرة. فهو يعتبر الحُكم القائم ولاية أمر شرعية بما في ذلك مشروعية تعيين الرئيس الأمريكي جورج بوش « بول بريمر» كأول حاكم مدني للعراق بعد سقوط بغداد. فعلى أي أساس شرعي أجاز خضوع المسلمين لحاكم كافر؟ فحين سئل العبيكان عن الحاكم الأمريكي المدني والحكومة الانتقالية القائمة بقوة الاحتلال أقرّ بشرعيتهما ونفى وجود راية جهادية في العراق، ولما سُئل عما إذا تعرضت السعودية لغزو مماثل لماحدث لأفغانستان والعراق قال بأنه سيتبع ولاة الأمر!!! فأي ولاة الأمر يقصد؟ ولاة الأمر المتغلبون؟ أم المغلوبون؟ ثم إذا كان ولاة الأمر موجودون في الحالتين فكيف يتواجدون في السعودية ولا يتواجدون في العراق؟ وكيف يكونوا شرعيين في السعودية رغم ضعفهم ولا يكونوا كذلك في العراق رغم قوتهم الساحقة باعتراف الأمريكيين أنفسهم؟ ومن هو الذي يحدد مشروعية هذا الولي من عدمه؟ ثم كيف استطاع العبيكان أن يحدد القدرة من عدمها خاصة في جهاد الدفع؟ فهل ثمة شروط أصلا لجهاد الدفع كي يحتج بها العبيكان؟

   المثير في المسألة ليست تصريحات العبيكان وفتاواه غير المؤصلة لأي سند شرعي بل في علماء كثيرين يرون نفس الرؤية، وكلهم يدورون في فلك السلطة أمثال الشيخ سلمان العودة والشيخ صالح الفوزان ومفتي السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ الذي يرى أن المجاهدين يقاتلون في سبيل الطاغوت وقوى خارجية أجنبية. ولسنا ندري على وجه الدقة والبيان عن أي طاغوت أو قوى خارجية يتحدث المفتي إذا كان هؤلاء يقاتلون الغزاة الأمريكيين وحلفائهم، فكل ما نعرفه أن هؤلاء هم القوى التي جاءت من الخارج إلى العراق، وليت سماحة المفتي حدد للأمة بالضبط من هو الطاغوت الذي يتحدث عنه؟ ومن هي هذه القوى الخارجية؟ والحقيقة أن راية الجهاد في هذه الأيام سواء في الشيشان أو العراق أو الصومال أو أفغانستان أشد وضوحا منها في زمن الاتحاد السوفياتي، ومع ذلك كان الجهاد آنذاك يحظى بكل الشرعية التي يحتاجها، واليوم يحظى بكل الإدانة التي يستوجبها! فما الفرق؟ وما الذي استجد في الأمر؟ لا شيء. كل ما في الأمر أن موضوع الراية غير ملائم للدول وللأنظمة وللأمريكيين ولكافة الخصوم.

     لكن لو كانت مثل هذه الفتاوى فيها أدنى قدر شرعي أو عقلي مما يلزمها من أسانيد وحجج شرعية لانهارت كل الساحات الجهادية خاصة أن القوى المصاولة فيها حرصت على أن تقدم نفسها كجماعات جهادية ولم تقدم نفسها كحركات مقاومة وطنية.

فتاوى حوار الأديان

     في اليوم الثاني لافتتاح أعمال المنتدى السادس لحوار الحضارات بين اليابان والعالم الإسلامي في الرياض (24/3/2008)؛ ألقى الملك السعودي خطابا أمام المؤتمرين أعلن فيه عن مبادرته لحوار الأديان. وقال بالحرف الواحد:  « كنت أفكر منذ سنتين أن جميع البشرية في وقتنا الحاضر في أزمة، أزمة أخلت بموازين العقل والأخلاق والإنسانية، ولهذا فكرت وعرضت تفكيري على علمائنا في المملكة العربية السعودية لأخذ الضوء الأخضر منهم، – ولله الحمد – وافقوا على ذلك والفكرة أن أطلب من جميع الأديان السماوية الاجتماع مع إخوانهم في إيمان وإخلاص لكل الأديان لأننا نحن نتجه إلى رب واحد».

  وقبل أن يبدأ التحضير لتنظيم انعقاد مؤتمر حول الأديان انفجرت عاصفة من الفتاوى المضادة بوجه الفكرة والدعوة على السواء، وصدرت فتاوى نقضت الفكرة من أساسها ووصلت بها إلى حد الردة والكفر. ومن بين العلماء الذين أفتوا بمناهضة الدعوة، ماضيا وحاضرا، كل من صالح الفوزان وعبد العزيز الراجحي وعبد الرحمن البراك وعبد الله بن جبرين وسفر الحوالي وبكر أبو زيد وعبد العزيز الجليل وعبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف وغيرهم بالإضافة إلى اللجنة الدائمة للإفتاء. فإذا كان أبرز علماء السعودية ، ومنهم مؤسسات رسمية وفي موقع المسؤولية، قد أفتوا بحرمة الدعوة أو العمل بها فلماذا يتم إطلاقها رسميا من أعلى المستويات؟ ومن هم العلماء الذين استشارهم الملك السعودي وأجازوها؟

     حين نتحدث عن الإيمان؛ فإننا نتساءل ببساطة: ما هو ميزان الإيمان والكفر في الإسلام؟ فعلى حد علمنا ومعرفتنا أن اليهود كانوا مؤمنين حتى كفروا ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ ﴾ ( التوبة : 30 )، ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ ( المائدة : 64 ) وقالوا: ﴿ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء ﴾ ( آل عمران : 181 ). والنصارى كانوا مؤمنين حتى اتخذوا من التثليث عقيدة لهم ﴿ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ﴾ ( التوبة : 30 ). فإنْ كانت الدعوة استهدفت الحوار فالسؤال: ما هي هوية الحوار وما هو موضوعه وهدفه؟ وإنْ كانت الدعوة استهدفت التقارب فالسؤال: ما الذي يجمع بين موحد ومشرك أو مسلم وكافر؟ وإنْ كانت الدعوة إلى التسامح فالسؤال: من هو المعتدي، وهل هو مستعد لتعويض الضرر؟

      لكن التحايل على الكفر والشرك كموضوعيين عقديين فهذا ما لا يقره عقل ولا دين ولا يقدر عليه أحد من الخلق لأنه من دين الله وليس من هوى البشر. وعليه فإن اعتبار اليهود والنصارى مؤمنين كما يقول الخطاب أو مؤمنين بدرجة وكفار بدرجة، مثلما نحن بالنسبة إليهم كما يروج البعض ويقول مثل د. يوسف القرضاوي، فهذا يدفعنا إلى التساؤل بانتظار الإجابة الصريحة: ما هو موقع هذا الرأي من قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ﴾ ( آل عمران : 19 )، ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ ( آل عمران : 85 ) ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ ( البقرة : 85 )؟ ثم كيف يكون اليهود والنصارى مؤمنين وهم ينكرون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ويكفرون بها وبدين الإسلام؟ ولما يكون اليهود والنصارى قد أشركوا وكفروا فكيف يصح وصفهم بالمؤمنين جزئيا أو كليا؟ وكيف يكون حكم الله في النصارى واليهود مساوٍ لرؤيتهما في المسلمين خاصة في مسائل الإيمان؟ أهكذا هي الوسطية في المفهوم الشرعي؟ لو فتشنا عن فتاوى أخرى من هذا القبيل سنجد ما هو أشد صراحة كحال إحدى أساتذة الفقه في جامعة الأزهر (د. سعاد صالح) التي تقول بأنه يجوز تولية المرأة لأمر المسلمين في الدولة الحديثة حتى لو كانت غير مسلمة، بل تؤكد أنها لن تكفر قبطيا! فهل يحتاج القبطي لمن يكفره من المسلمين؟

    على كل حال فالخطاب يطرح مسألة أكثر إثارة، ففي 8/1/2010 أدى استعمال صحيفة « هيرالد كاثوليك » في ماليزيا لاسم « الله » بدلا من الاسم التقليدي الذي يستعمله النصارى عادة وهو « الرب » إلى احتجاجات عنيفة جدا، وقامت قيامة المسلمين هناك على هذا الاستعمال بدعوى أنه اسم خاص بالمسلمين، وأن استعماله من قبل النصارى سيؤدي إلى التشويش على المسلمين وإرباكهم وخداعهم فيما يُكتب من نصوص بحيث يصعب على المسلم العادي التمييز فيما هو إسلامي أو نصراني. ووصل الأمر إلى المحاكم وتنظيم احتجاجات عنيفة استمرت لأسابيع، تَصَدَّرها رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد. ولما أجازت المحكمة للصحيفة استعمال الاسم اشترطت أن يُكتب على غلاف الصحيفة أو بجانب النص عبارة « خاص بالمسيحيين فقط». ومع ذلك فلم تقبل الكثير من القوى والحركات الإسلامية قرار المحكمة كحركة الشباب المسلم، وتجددت الاحتجاجات وسط هجمات متعددة أسفرت عن إحراق عدد من الكنائس.

      في المقابل فإن أطرف ما في الخطاب الملكي الذي خرج بـ 568 كلمة أنه جاء على النقيض مما حصل في ماليزيا, فقد استعمل الخطاب، بشكل ملفت للنظر وغير مسبوق، كلمة « الرب » موضوعيا ودلاليا تسع مرات، بينما لم يستعمل كلمة « الله » موضوعيا أو دلاليا ولا مرة واحدة، واستعملت مرة واحدة في البسملة، وسبع مرات كجملة اعتراضية في صيغة « إن شاء الله » ومرتين في صيغة و« لله الحمد ». كل مسلم يعلم أن « الله » هو الاسم الأعظم لرب العالمين الذي لا يقبل التثنية و (أو) الجمع بعكس لفظة « الرب ». لو حاولنا إيجاد مرادف لغوي لاسم « الله » فلا يمكن لأي لغوي أو ملك أو إنس أو جانّ أن يأتي باسمٍ لله عزّ وجل بأكثر إعجاز مما اختاره لنفسه؛ مهما أوتي هذا من علم، ومهما أوتيت اللغة العربية من سعة في السموات والأرض. فمن هو اللغوي الذي يستطيع تطويع اللغة العربية للسيطرة على هذا الاسم الأعظم ويزعم أن له مرادف!؟ لا أحد. ومن هي اللغة التي يمكن لها أن تحتويه!؟ لا توجد. بل أن تحليل الاسم الأعظم لا يمكن أن يدل مجتمعا أو مفككا حرفا حرفا إلا على فردانية الله ووحدانيته: « الله = إله = لله = له = هـ ». وبما أن الملك عبدالله أعلن أنه استشار العلماء في الإعلان عن الدعوة فالسؤال: من هو الذي صاغ الخطاب؟ وهل الذي صاغه واستبدل اسم الله الأعظم « الله » بلفظة « الرب» كان يعلم ما يفعل؟ وهل العلماء الذين أجازوا الدعوة إلى حوار الأديان هم أنفسهم، كلهم أو بعضهم أو أحدهم، من أجاز الخطاب؟

فتاوى تكفير ولاة الأمور

  ما كادت إسرائيل تعلن الحرب على غزة بكل وحشية حتى انبرت الفتاوى في تكفير كل من أعان كافر على مسلم. وكانت أبرز الفتاوى تلك التي صدرت عن أكثر من مائة عالم تحت عنوان: « بيان علماء الأمة في مظاهرة اليهود على المسلمين في غزة »، وقد فصلت الفتوى وحشدت الكثير من الأسانيد الشرعية التي تجرم كل من ظاهر اليهود على المسلمين وصولا إلى تكفيره وإنفاذ الحكم الشرعي عليه باعتباره: « مرتدا عن دين الإسلام، فيفرق بينه وبين زوجه، ويحرم عليها الاتصال به، ولا يُصلَّى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين ». وللحق، رغم أن الفتوى ألمحت إلى الرئيس المصري ضمنا بسبب إصراره على عدم فتح المعابر خلال الحرب، إلا أنها لم تسميه ولم تعيِّن أحدا من العامة أو من الحكام. لكن فتوى الشيخ وجدي غنيم على فضائية القدس (31/12/2008) كانت أكثر الفتاوى صراحة في تكفيرها للرئيس المصري حسني مبارك عينا.

   أما الشيخ يوسف القرضاوي فقد وصف الحكام العرب في أول خطبة جمعة (23/1/2009 ) بعد الحرب بـ: « إنهم لم يعودوا يعبدوا الله. إنهم يعبدون كرسي الحكم. هذه الكراسي هي إلههم الذي يعبدونه إلا من رحم الله فنحن لا نعمم ». وهذا حكم بالكفر مع الاستثناء.

   في 22 جمادي الأولى سنة 1402هـ أصدرت « هيأة كبار العلماء » في السعودية بيانا بشأن الرئيس الليبي معمر القذافي وقع عليه ستة عشر عالما، وجاء فيه بالنص ما يلي:

« … لقد أقبر هذا الرجل السنة النبوية وسخر من الحج إلى بيت الله الحرام ومن المسلمين الذين يقفون في عرفات وصدرت بتفنيذه فتاوى شرعية من هيئات ومجالس إسلامية عليا ومع ذلك لا يزال هذا المسكين يتخبط في متاهات من الزيف والضلال تعطي القناعة التامة إنه ضال ملحد .

     إن مجلس هيئة كبار العلماء وهو يستنكر تمادي هذا الدعي على الإسلام والمسلمين ليقرر ويؤكد أنه بإنكاره لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واستفتائه بالحج واستهانته ببعض التعاليم الإسلامية واتجاهاته الآثمة الباطلة يعتبر بذلك كافراً وضالاً مضلاً».

  • بالنسبة لفتوى د. وجدي غنيم فهي فتوى سياسية بامتياز بقطع النظر عن حقيقة إيمان الرئيس المصري من عدمه. لأنها لو كانت شرعية لكانت مؤصلة ومسندة، لكنها أُطلقت لدواع سياسية صرفة وليس لاحتياجات دينية تقضي بتكفير الرئيس المصري. ولو صدرت على أساس شرعي لما كان هناك فرق يذكر بين الرئيس المصري الذي نال التكفير أو الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الذي حظي بالثناء عليه. فكما أشاد الشيخ سلمان العودة بتونس وحرصها على الإسلام وحماية النظام السياسي له ولأهله، مخالفا بذلك كل واقع ومنطق، كذلك فعل الشيخ وجدي غنيم. فإذا كان النظم السياسية في تونس والجزائر ومصر متماثلة ومتطابقة في الأيديولوجيات وفي المرجعيات، وكذلك في نمط المجتمعات، والسياسات، والفكر فكيف يتباينون في الحكم الشرعي؟

  • بالنسبة لخطبة الشيخ يوسف القرضاوي ففي الأمر تفصيل بقدر ما في قوله من غموض. ففي البداية بدأ بالتعميم معتبرا أن الحكام العرب لم يعودوا يعبدوا الله، وأنهم يعبدون الكراسي، وأن الكراسي هي إلههم. وهذا القول كافٍ لإخراجهم جميعا من الملة. لكن الشيخ استدرك في القول مستعملا عبارتي: « إلا من رحم الله » و « نحن لا نعمم». ففي العبارة الأولى « إلا من رحم الله » ثمة دلالة على القلة من الحكام العرب غير المكفَّرين. وفي العبارة الثانية « فنحن لا نعمم » ثمة استثناء عام. فهذه عبارة تسمح لأي حاكم أن يصنف نفسه في إطارها ويفلت من الحكم الشرعي. فمن هم الحكام الكفرة إذن؟ ومن هم المؤمنون منهم؟ وإذا لم تكن ثمة إجابة صريحة وقاطعة، ولن تكون، فما هي الغاية إذن من إطلاق مثل هذه الفتاوى؟

  • تؤكد فتوى هيأة كبار العلماء على كفر الرئيس الليبي وضلاله. مع ذلك ففي 22/9/2008 استقبل الرئيس الليبي وفدا من الدعاة والعلماء والمشايخ ضم كل من د. عمر عبد الكافي مدير مركز الدراسات القرآنية في دبي، د. صفوت حجازي عضو المجمع العلمي لبحوث القرآن والسنة بمصر، د. محمد حسان رئيس تجمع أهل السنة بمصر، د. محمد راتب النابلسي أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة بجامعة دمشق، د. أحمد سعد الدين هلال أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر ، و د. العربي القشاط عميد مسجد الدعوة بالعاصمة الفرنسية باريس. وقالت الأنباء الرسمية أن الوفد: « أشاد عالياً بدور الأخ القائد قائد القيادة الشعبية الإسلامية العالمية في نصرة الإسلام والمسلمين وإمامته الآف المسلمين من مختلف أنحاء العالم في الصلوات الجامعة بإفريقيا، وقيام الآلاف من المهتدين الجدد إلى الإسلام من مختلف أنحاء العالم ، بإشهار إسلامهم على يديه». وأعرب الوفد خلال المقابلة عن: « انبهارهم بالعدد الهائل لليبيين حفظة القرآن الكريم ، وسعة آفاقهم وإطلاعهم الواسع على علوم الدين». وأكد: « إن هذا الزخم الإسلامي الذي تشع أنواره من الجماهيرية العظمى ينطلق من اهتمامها الكبير بالقرآن الكريم وسنة آخر أنبياء الله ( محمد ) صلى الله عليه وسلم .. مكبرين في هذا الصدد اتخاذ ليبيا القرآن الكريم شريعة للمجتمع».

   السؤال الأول: ما هو الموقف الشرعي لهيأة كبار العلماء من زيارة زملائهم لليبيا ولقائهم رئيسها وشهادتهم التي من المفترض أنها تناقض ما جاء في نص فتواهم؟ فحتى هذه اللحظة لا نعلم إذا كان ثمة ما يوجب نقض الفتوى بعد هذه الشهادة، ولا ما إذا كانت الهيأة قد نسخت فتواها بفتوى أخرى.

  السؤال الثاني: بما أن الوفد الزائر يعلم بالفتوى فهل يصح القول أن الزيارة والإشادات البالغة نسخت فتوى الهيأة؟ أم أن العلماء يتخبطون أكثر من العامة بحيث يصح لهذا أن يكفر ويجوز لذاك أن يبرئ؟

  السؤال الثالث: إذا كانت فتاوى التكفير تصدر، بالجملة والمفرق، من هنا وهناك دون حسيب أو رقيب أو مرجعية فلماذا يختلف القول ويتوقف هؤلاء حين يتعلق الأمر بالتيار الجهادي العالمي علما أنه يعبر عن موقف عقدي صارم يقضي بتكفير الحكام وليس عن مجرد فتوى استدعتها ظروف سياسية أو مصالح حزبية؟

أخيرا

    لا شك أن هذا النوع من الفتاوى وتلك القائمة التي أشرنا إليها في المقالة السابقة ليست من قبيل زلة العالم حتى تجد من يلتمس لها العذر. فهي تتكرر تباعا وتتناقض بإصرار عجيب لا مبرر له ولا تفسير مقنع إلا في كونه، بشكل مباشر أو غير مباشر، يصب في سياق الحرب الصليبية الجديدة على الإسلام أو في خدمة المصالح الضيقة التي تجيز وتحرم بحسب الحاجة. أما مواضيع الفتاوى فيمكن تصنيفها على النحو التالي:

  • فتاوى تجيز الغناء والرقص والسحر والزنا والخنوثة ورضاعة الكبير،

  • فتاوى تنال من الرسول صلى الله عليه وسلم،

  • فتاوى تناصر الغرب في مسائل الحجاب والنقاب وحوار الأديان والتسامح وعدم الدعاء على اليهود والنصارى،

  • فتاوى تروج للمذهب الشيعي وتدافع عنه،

  • فتاوى تكفر حكام وتبرئ آخرين وتقفز على فتاوى سابقة بلا أية مقدمات أو مبررات شرعية،

  • فتاوى التطبيع مع الغرب واليهود والتحذير من المقاطعة التجارية أو مهاجمة المواقع الإلكترونية لليهود،

  • فتاوى تتعدى على حدود الله في مسائل الردة وإقامة الشريعة،

  • فتاوى تمجد ولي الأمر إلى حد العبادة وتربط التعبد بإرادته كفتاوى دعاء القنوت حتى في النوازل الكبرى.

  وفيما خلا الساحة الفلسطينية فإن كل هؤلاء يفتون، بلا تردد، بإدانة الجهاد العالمي بكل مضامينه، ويجمعون على غياب الراية، ويجرِّمون كل من يناصر المجاهدين أو يتبرع لهم بحجة دعم الإرهاب، هذا لأنهم يعتبرون الجهاد الراهن إرهابا. وفي الجزائر ووصل الأمر إلى حد تجريم الاستماع لقائمة من الأناشيد الإسلامية تجاوز عددها المائة بدعوى أنها تحرض على الإرهاب. وفيما عدا مشايخ الإخوان المسلمين لم ينتصر أيا من هؤلاء ولو بالقول، إلا من رحم الله، حتى للجهاد في فلسطين، ولم يستنكر أيا منهم بناء الجدار العازل على الحدود المصرية مع قطاع غزة.

فيما مضى من العقود عاب البعض على الكثير من العلماء انشغالهم بفتاوى الحيض والنفاس، فماذا سيقولون اليوم عمن يجتهد في تحريف الدين والتاريخ وتخذيل الأمة وإحباطها وإلهائها بفتاوى الطرب والرقص والرضاعة وعبادة ولي الأمر والإشادة بالغرب وتأمين اليهودي والنصراني؟ وماذا سيقولون فيمن يتطاول على الرسول صلى الله عليه وسلم ويصفه بالفشل؟ وماذا سيقولون في الكم الهائل من التناقضات التي حوتها فتاوى العلماء ومواقفهم؟ وماذا ستفعل الأمة إزاء هذا التخبط العشوائي الذي يزج بها في أحضان الضلال والثقافة الغربية في أبشع صورها انحطاطا؟ من أين ستأخذ الأمة دينها؟ وكيف ستحدد سلوكها الشرعي بعيدا عن المزالق والضبابية والغموض والفوضى التي يشارك بها الجميع قولا وتحريضا أو صمتا وتجاهلا أو تحريفا وتمييعا؟

في القوانين الوضعية ثمة محاكم ابتدائية للنظر في النزاعات في صورتها الأولية، وثمة محاكم جنائية ومحاكم استئناف ومحاكم تمييز ومحاكم دستورية وأخرى مختصة. أليس من الظلم أن تتسع القوانين الوضعية لمراتب قضائية قبل صدور الحكم النهائي بينما يضيق الأمر في الدين عن مؤسسات شرعية متخصصة؟ ماذا لو كان هناك هيئات شرعية مؤتمنة على الإفتاء، وتقع خارج أي سلطة للنظام السياسي، وذات مراتب في التشريع والمراقبة والمعاقبة والفصل على الأقل في الفتاوى التي تمس صميم الدين ومصير الأمة بدلا من التلاعب بهما على هذا النحو المخزي؟ لا بأس فتلك هي من وقائع الدورة التاريخية الجارية.

 

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You may also like

مرابط النظام الدولي