المربط الصفوي: مقاربات عقدية وسوسيولوجية وسياسية وتاريخية

المربط الصفوي: مقاربات عقدية وسوسيولوجية وسياسية وتاريخية

17593
التعليقات على المربط الصفوي: مقاربات عقدية وسوسيولوجية وسياسية وتاريخية مغلقة

2016

د. أكرم حجازي

 

 

البداية

في ذروة اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية، وفي خضم الغزو «الإسرائيلي» للبنان سنة 1982، طلب العراق من إيران وقف إطلاق النار للتفرغ لمواجهة الغزو ومساعدة الفلسطينيين ولبنان. لكن ما حصل أن الخميني « جمع خطباء المساجد وأجهزة إعلام نظامه وأركان حكومته وخطب فيهم قائلا: إن ما يحدث في لبنان ولاسيما بعد احتلال إسرائيل لتلك البلاد إنما هي مؤامرة لصرف أنظاركم إلى تلك المنطقة المنكوبة والتقليل من شأن الحرب مع العراق. إن الحرب الكبيرة هي الحرب مع العراق، وأما الحرب مع إسرائيل فإنها الحرب الصغيره. فلذلك لا تلهيكم الحرب الكبيرة عن الصغيرة»[1]. وبعد نحو ثلاثين عاما تعرض العراق لغزو أمريكي – دولي سنة 2003، انتهى بتسليمه إلى الشيعة وإيران التي هيمنت طائفيا وأمنيا وسياسيا وعسكريا عليه. وبعد أقل من عقد على الاحتلال اندلعت الثورات العربية، فرحبت بها إيران، على لسان مرشد الثورة، علي خامنئي، باعتبارها استجابة ونتاجا لروح ومبادئ « الثورة الإسلامية» في إيران. لكن ما أن انفجرت الثورة السورية حتى غدت « مؤامرة». لكن إيران التي انصرفت عن « مؤامرة» الغزو «الإسرائيلي» للبنان، لم تنصرف عن «مؤامرة» الشعب السوري على النظام، بل أباحت لقواتها وميليشياتها أن تحط رحالها في سوريا، لتلحق بها أدواتها من لبنان والعراق ومعها شتى مرتزقتها من أنحاء العالم، رفضا للثورة ودعما للنظام النصيري فيها، صاحب أيديولوجيا « بلد الأحرار» و « أرض الثورة والثوار» و « الصمود والتصدي»، و « المقاومة والممانعة». ثم شرعت في التمدد علانية حتى أحاطت بالجزيرة العربية عبر اليمن من جنوبها.

على امتداد هذه الرحلة الطويلة من التوغل الإيراني في كل اتجاه من الأرض إلا أن إيران لم تتجه نحو فلسطين، رغم أنها باتت تطل عليها من كل جانب!!! بل أن ثورة الخميني بدت على هدى وهي في طريقها صوب العراق وسوريا ولبنان واليمن وأفغانستان والبحرين والكويت والسعودية وحتى «إسرائيل»، لعقد صفقات الأسلحة، خلال الحرب العراقية الإيرانية، إلا أنها ظلت على الدوام تضل الطريق نحو فلسطين!!! فما الذي يجعلها على هدى في كل مكان بينما يحيط بطريقها الضلال من كل جانب حين يتعلق الأمر بفلسطين؟

الحقيقة أن ما يمنع إيران من التوجه إلى فلسطين هو الذي يسمح لها بالتوجه إلى أي مكان آخر. فليس في فلسطين ما هو مقدس لدى الشيعة كما هو الأمر بالنسبة لعامة المسلمين حيث المسجد الأقصى مسألة واقعة في صميم العقيدة والدين، بينما الأرض المقدسة، في عقائد الرافضة، خارج أية حسابات بما أن المسجد الأقصى في السماء وليس على الأرض أو لأن هناك من هو أفضل منه. ولما تكون كربلاء والنجف أقدس من مكة فمن

الأولى، بالمحصلة وكما تقول عقائد القوم، أن يكون مسجد الكوفة أقدس من المسجد الأقصى[2].

في بداية الثورة السورية اختطفت المخابرات السورية الطفل حمزة الخطيب في 25/5/2011، وقتلته بأبشع طريقة يمكن تصورها، حتى بدا الطفل وكأنه وضع في فرن وشوي شويا. كانت الجريمة تتويجا لسلسلة من الجرائم التي أثارت سؤالا كبيرا في حينه: هل هؤلاء القتلة من البشر؟ وكسوسيولوجيين وخبراء في التحليل النفسي، لم نجد في حينه، تفسيرا موضوعيا لمثل هذه التصرفات البالغة التوحش، لاسيما وأن الأمة، إلا من رحم الله، ظلت تجهل ماهية « النصيرية» أو « الرافضة» إلى حين وقوع الثورة السورية التي لم تبق مستورا إلا فضحته.

وفي الثورة السورية أيضا؛ تناقلت وسائل الإعلام في الأيام الأولى من انطلاقتها صورا لنصيريين في لبنان يسجدون للرئيس السوري، بشار الأسد. ومشاهد مرئية لمعتقلين يجبَرون على قول عبارة: « لا إله إلا بشار». وبدا هذا السلوك لدى المسلمين وكأنه من باب المبالغة في الولاء. لكن مثل هذه المشاهد، التي لم يسبق أن شاهد المسلمون لها مثيلا في أوقات سابقة، أخذت تتكرر تباعا. وعلى الفور؛ لجأنا إلى الاستعانة بالتحليل العقدي، إلى جانب التحليل الموضوعي، علّنا نجد إجابة لما استعصى علينا من فهم، فكانت المفاجأة. إذ بدا لنا بالأدلة القاطعة، ومن عقائد القوم، أنه ما من سلوك وحشي أو مستهجن إلا ونجد له فيها جوابا صريحا لا لبس فيه. بل أن مجمل السياسات السورية في الأربعين سنة السابقة على الثورة، تجاه الدولة والمجتمع والفرد، محليا وخارجيا، غدت واضحة! فقط؛ بعد الاطلاع على عقائد « النصيرية».

السؤال: إذا كنا بصدد تتبع السياسات الإيرانية في المنطقة، فهل يمكن فهمها بدون التوقف عند عقائد الرافضة؟ أو بمعنى آخر: هل يمكن الفصل بين السياسات والعقائد؟ أو إلى أي حد تبدو المخرجات السياسية ترجمة لمثل هذه العقائد؟

لا ريب أن الكثير من العلماء والمؤرخين المسلمين والباحثين كتبوا وشرحوا وفسروا بالأدلة القاطعة، واستدلوا فقط من مصنفات القوم أنفسهم، على أن « الرافضة»، وما تفرع عنها من فرق باطنية دموية، لم تكن في يوم ما إلا معول هدم للإسلام، ومصدرا للزنادقة، وحليفة للأعداء والخصوم والمتربصين والماكرين، سواء كانوا من اليهود أو المجوس أو الوثنيين أو الملاحدة، مثلما كانت على الدوام نصيرة لغزاة العالم الإسلامي من الصليبيين والمغول والتتريين والصفويين وغيرهم. وحتى اليوم لا يوجد سبب واحد، أياًّ كان محتواه، يبرئ إيران « المجوسية» من تراثها العقدي أو التاريخي أو السياسي بقدر ما تبدو الوقائع والحقائق تكرر نفسها،

وتتماهى بتطابق لا مثيل له مع مقولة « التاريخ يعيد نفسه».

في هذا البحث سنحاول، بأقصى قدر ممكن، أن نتجاوز عما قدمه لنا الأولون من بيان تفاصيل عقائد القوم. لكننا، وبغية بيان واقع وخلفيات السياسة الإيرانية وأهدافها ومآلاتها، سنعمد إلى مقاربة الخطاب السياسي والإعلامي، عقديا وتاريخيا وسوسيولوجيا وسيكولوجيا. وفي المحصلة سنقف على ما يبدو لنا مربطا صفويا يجري إعداده دوليا، بديلا عن « المربط الأمني النصيري» في الشام، لكنه أوقع أثرا حتى من « المربط اليهودي» في بيت المقدس. أما لماذا هو بهذه الخطورة؟ فلأنه، كعادته تاريخيا، يتوجه دائما إلى « الداخل الإسلامي» برمته، بحيث يغدو « المربط اليهودي» بجانبه أقل جدوى منه بما لا يقارن. فإنْ نجح النظام الدولي بتوطين هذا المربط، لا قدر الله، فستكون له نتائج بالغة الضرر، كونه يتواجد في قلب العالم الإسلامي، عبر الديمغرافيا الشيعية، التي تشكل مادته الأولى في الانتشار والتأثير والاستيطان الاجتماعي، بخلاف « المربط اليهودي» المتحصن وراء الجُدُر، الصريح عدائيا، والمكشوف عقديا، والمعزول اجتماعيا، بما يوافق عقلية « الغيتو» عند « اليهودية» التي لم تُجِد أصلا، في كل تاريخها، الجوار الثقافي حيثما تواجدت، رغم إيمانها بـ « التقية» كإيمان « الرافضة» بها.

وتبعا لذلك، سيكون لدينا على امتداد البحث أربعة مباحث مركزية، هي:

  • المبحث الأول: ماهية عقائد الرافضة ومرجعياتها

  • المبحث الثاني: تاريخية العداء والحقد الفارسي المجوسي

  • المبحث الثالث: البعث الفارسي

  • المبحث الرابع: التوسع

الفصل الأول

عقائد الرافضة ومرجعياتها

المبحث الأول

  ماهية الشيعة و الرافضة

لا شك أن تعريف عقيدة الرافضة، بالمحتوى الفارسي لها قبل الإسلام وبعده، مسألة شائكة للغاية! فإذا ما توقف الباحث عند معاينة المصادر الأساسية للتشيع فسيجد نفسه وعقله إزاء:

(1) دين أشبه ما يكون بكتاب « الياسق» أو « الياسا» لجنكيز خان، والذي « اشتمل» بحسب « البداية والنهاية» لابن كثير: « على بعض الأحكام من المجوسية واليهودية، وبعض الأحكام اقتبسها من الشريعة الإسلامية، وأحكام أخرى وضعها من عنده، فجمع وغيَّر وبَدَّل كما يشاء»، مع ملاحظة أن مصنفات الشيعة، العقدية والتاريخية، أزخر ما تكون بالأهواء من أية فلسفة أو عقيدة وضعية، ناهيك عن أن تكون عقيدة إسلامية كما نزلت على محمد r؛

(2) دين يمتد، في جذوره، إلى ما قبل الإسلام؛ أو إلى الأديان الفارسية والبابلية، التي سيطرت على العالم القديم.

(3) دين على شاكلة كتاب « التلمود»، الذي يتدخل في كل صغيرة وكبيرة بحياة اليهودي، باعتباره مفسرا وشارحا للتوراة، ومادتها الأساسية، ومتقدما عليها في بنية الشخصية « اليهودية» والمكونات الثقافة والنفسية لها.

   لذا فالسؤال: ليس عما إذا كانت الرافضة قد التزمت بكلام الله، عز وجل، أو سنة نبيه r، أو غيرت وبدلت واستعانت بعقائد التحريف، أو استحدثت دينا جديدا، بل في التساؤل عن ماهية المرجعيات العقدية والاجتماعية والنفسية التي خرجت منها فرق الرافضة، وشكلت بمجموعها العقلية الرافضية في كل زمان ومكان ظهرت فيه عبر التاريخ، لاسيما عقيدة « الإمامية» أو « الجعفرية» أو « الاثنى عشرية» .. هذه الطائفة التي يصفها د. ناصر القفاري في مقدمة أطروحته في الدكتوراه أنها: « الطائفة الشيعية الأكبر في عالم اليوم»، والتي: « احتوت معظم الفرق الشيعية التي وجدت على مسرح التاريخ، وتمثل مصادرها في التلقي، خلاصة الأفكار الشيعية المختلفة ومستقرها التي ظهرت عبر الزمن، حتى قيل بأن لقب الشيعة إذا أُطلق لا ينصرف إلا إليها»[3]. بل أن الفرق الأخرى، رغم اختلافها وتباينها في بعض الأصول والفروع، وجدت في الطائفة « الاثنى عشرية» أو « الإمامية»، مظلة تستظل بها، وتحتمي بها، وتتحالف معها، وترتبط معها في المصير ذاته، في النوازل الكبرى.

أما بيان الفرق بين لفظتي « الشيعة» و « الرافضة» فسيعني في المحصلة الوقوف على النشأة والتباين في المواقف والعقائد بين اللفظتين. لكن وباختصار؛ فإن « التشيع» لفظة تعني الولاء أو الانحياز لأمر أو موقف ما، أو جهة ما، وسمي أهله بـ « الشيعة»، بخلاف « الرفض» الذي يعني التبرؤ التام من أمر ما، بحيث يستقر المفهوم على أهله باسم « الرافضة».

وبحسب أغلب المؤرخين والدارسين، مع بعض التباينات الوجيهة، فإن التشيع بدأ بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان، رضي الله عنه، على يد الخوارج سنة 35هـ، وتولي علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، الخلافة في ظروف عصيبة. وفي ذلك الحين كان معاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنه، واليا على الشام. لكنه رفض مبايعة علي إلا بشرط الاقتصاص من قتلة عثمان. هذه الثغرة هي التي دفعت قتلة الخليفة إلى الانحياز لعلي، ومعهم مواليه ومن شايعه. وهؤلاء هم من حظي فيما بعد بلقب « شيعة علي»، وفي مرحلة لاحقة « الشيعة». لكن هذا التولي لم يكن ليعني بأية صورة قبول علي بما فعله القتلة، أو بما آل إليه التشيع على امتداد التاريخ الإسلامي. والأرجح أن علي بن أبي طالب، وبلسانه، وقع بين مطرقة المطالبين بالقصاص وسندان العجز واتساع دائرة الفتنة[4].

أما « الرافضة» فيغلب القول أنه ذلك الاسم الذي أُطلق على أولئك الذين رفضوا خلافة زيد بن علي، لأنه أبى على الغلاة من الشيعة التبرؤ من أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما. وتبعا لذلك فالذين وافقوا زيدا سموا باسم « الزيدية». ويرى البعض أن الخوارج، وإنْ صاروا من شيعة علي، إلا أنهم أول من بدأ الرفض، حين رفضوا خلافة عثمان. وفي كلا الحالين فإن خلفية الرافضة الاجتماعية والسياسية وأسسها العقدية وغاياتها أشد سوء من خلفية الشيعة.

المهم في الأمر أن التشيع القائم، في صيغته الأولى، وكذا القائم على تفضيل « آل البيت» على غيرهم من

الصحابة قد لا يكون خروجا عن الإسلام بقدر ما كان اجتهادا. وهؤلاء بلا شك واقعون، رغم غلوهم وبغيهم، في دائرة الإسلام وليس الكفر. لكن المشكلة في عقائد « الرافضة» التي قالت بـ « الولاية» و « الوصاية» و « البداء» و« التقية» و « الغيبة» و « الرجعة» و « العصمة» و « الحلول والاستنساخ» و « المتعة» و « علم الغيب» وإتيان « الخوارق والمعجزات» و « التحكم بذرات الكون»، وألَّهت عليا وفاطمة وفقهاءهم، وآمنت بـ « تحريف القرآن» وزادت عليه، و «وضعت الأحاديث»، وشابهت « الخوارج» في « إنكار السنة النبوية»، و « طعنت بأمهات المؤمنين»، و « كفرت الصحابة وعموم المسلمين» ما لم يكونوا في صفهم، وقالت بـ « ردة المسلمين» بعد وفاة النبي إلا من ثلاثة[5]! ، بل ودعت إلى حربهم وقتلهم وسبي نسائهم وذراريهم وعدم أكل ذبائحهم أو مناكحتهم، ووجوب لعنهم ومخالفتهم حتى في الحق، وجعلت منهم عدوها الأزلي … لذا فمن « الرافضة»، وليس من « الخوارج»، خرجت أغلب الفرق المنحرفة في الإسلام. أما لماذا؟

فلأن (1) التأريخ للتشيع العقدي، وليس السياسي، ( = الرفض) بدأ من عند عبدالله بن سبأ اليهودي، الذي وجد في التحالف مع رؤوس الخوارج أمثال عبد الرحمن بن ملجم وسودان بن حمران وكنانة بن بشر وغيرهم، من قتلة الخليفة عثمان، أقوى فرصة لتوطين الفتنة وتصعيدها! ولأن (2) العجم كانوا من بين جمهور الشيعة فيما كان جمهور الخوارج الأولين، قبل أن يتحولوا لاحقا إلى الجهمية والمعتزلة وأهل الكلام، من العرب الأجلاف وأهل الجفاء والغلظة في الطباع! ولأن (3) القوى المناهضة للإسلام، ممثلة بالزنادقة وأهل الأهواء والبدع والخصوم، من المجوس على وجه الخصوص، وجدوا في التشيع منفذا لتمرير معتقداتهم وأفكارهم وانحرافاتهم لممارسة الهدم بأمان من الداخل. أي تحت غطاء ديني. ولأن (4) طبيعة التشيع قامت على تقديس الأشخاص، بخلاف الخوارج الذين غلوا في الدين والأحكام.

ووفقا لوقائع التاريخ؛ فإن الانتقال من « التشيع العلوي» إلى « التشيع الرافضي» لا بد وأن يمر عبر (1) « اليهودية» أولا، و (2) « المجوسية» ثانيا، ثم (3) « الصفوية» ثالثا. وخلال هذه الرحلة الطويلة لا بد من ملاحظة أنه ما من فائدة تذكر في التفريق بين «التشيع العلوي» و « التشيع الفارسي» أو « الصفوي». وهو ما يعني بالضرورة أن الانحراف بنيوي في أساساته العقدية، وإلا ما كان له أن يواصل الانحراف إلى هذا المستوى طوال 1400 عام من البعثة النبوية. ولو كان الأمر غير ذلك لكان من الأولى أن ينحرف الإسلام في أصوله وفروعه عبر مذاهبه الأربعة.

حين معاينة عدد فرق الشيعة في المصادر التاريخية والدينية فسنجد رقما يتراوح ما بين 45 إلى 300 فرقة[6]. وكلها تجتمع على الأصول وتفترق عليها. بل أن المطلع على مصادر الشيعة « الإمامية»[7] لا يمكن له أن يلحظ اتفاقا ولو على مسألة واحدة. كما أن محتوياتها لا يقبلها عقل ولا دين. ولئن تميزت بتقديمها مادة خصبة للمستشرقين وخصوم الإسلام للطعن فيه، فإن شهادة المستشرقين أنفسهم، في محتوياتها، نأت بنفسها عن اعتبارها مصادر معتبرة، بل طعنت فيها أشد ما يكون الطعن، لكثرة ما احتوت من الأساطير والخرافات والمعجزات وحتى البهلوانيات. ووصل الأمر بالمستشرقين، وليس فقط بالمسلمين، إلى وصف ما يسمى بـ « المذهب الجعفري الاثنى عشري» بكونه دين جديد!!! لذا فقد اضطروا إلى الاعتماد على المصنفات الإسلامية لاستخراج ما أمكنهم من الشبهات للطعن في الإسلام.

في السياق تجدر الملاحظة إلى أن هناك من يقول، من علماء الشيعة ومفكريهم، كالموسوي وكمال الحيدري وعلي شريعتي، بأن مصنفات الشيعة قاطبة تعرضت للدس والتحريف من جهات مجهولة على مر التاريخ! وأن الدس بدأ على وجه الخصوص من العهد الصفوي. لكن السؤال الذي يبقى قائما هو: ما الذي يجعل من المصنفات الشيعية، وحتى طقوس عاشوراء، قابلة للتحريف على الدوام، ومرتعا للبدع، فيما تبقى المصنفات الإسلامية وشعائرهم محفوظة!!!؟ ولماذا يتقبل الشيعة التحريف لقرون طويلة حتى يستقر لديهم ثقافة؟ فيما يرفض عامة المسلمين أي تحريف من أي نوع كان ولو للحظة من الزمن؟

الجواب ببساطة ليس بسبب التخلف والجهل أو سياسة « الاستحمار» كما يقول د. علي شريعتي، بل لأنه فعلا دين جديد. فأي دين وضعي سيكون قابلا بالضرورة للتشكُّل، زيادة ونقصانا، بحسب الحاجة ومصالح القائمين عليه. ودين الرافضة، كـ « النصرانية» و « اليهودية»، هو « دين كهنوتي» بامتياز، تديره طبقة، أفرزتها العقائد ذاتها. وما حصل بالضبط هو إسقاط هذه العقائد، المتعددة المصادر والمنابت، على الدين الإسلامي في كل صغيرة وكبيرة. وهو ما نجده صريحا في كافة المصنفات الشيعية بلا استثناء، فضلا عن خطاباتهم الوعظية في الحسينيات. وبطبيعة الحال لا يمكن أن تكون النتيجة إلا دينا جديدا. لكن هذه النتيجة لا يتوقف عندها الشيعة، بقليل أو بكثير، بقدر ما يتحينون الفرص، ويجتهدون في إشاعة وتوطين البدع والانحرافات والكفر والموبقات والزندقة والإباحية ليس بين أتباعهم بل في عموم بلاد العالم الإسلامي.

وفيما يلي بعض النماذج من أقوال علماء الشيعة وفقهائهم حيث لا إله فيها بريء، ولا دين، ولا رسول، ولا آل بيت، ولا صحابة، ولا سابقون، ولا لاحقون، ولا عامة المسلمين:

يقول نعمة الله الجزائري عن عامة المسلمين: « لم نجتمع معهم على إله ولا نبي ولا على إمام، وذلك أنهم يقولون: إن ربهم هو الذي كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبيه، وخليفته بعده أبو بكر، ونحن لا نقول بهذا الرب ولا بذلك النبي، بل نقول: إن الرب الذي خليفة نبيه أبو بكر ليس ربنا ولا ذلك النبي نبينا»، ( الأنوار النعمانية 2/279) . ويروي الكليني عن أبي جعفر قوله: « كان الناس أهل ردة بعد النبي صلى الله عليه وآله إلا ثلاثة المقداد بن الأسود وسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري»، ( روضة الكافي: 8/246)، وينسب رواية لجعفر بن محمد الصادق يقول فيها عن أمة محمد، r، بأن: « هذه الأمة أشباه الخنازير، هذه الأمة الملعونة»، (الكافي: 1/336). أما الخميني فقد وصف العرب في ( كشف الأسرار* /20): بـ « وحوش نجد». وفي رواية أخرى له في نفس الكتاب: « إن الناس كلهم أولاد زنا أو قال بغايا ما خلا شيعتنا»، ( الروضة 8/135). لذا فهم بالنسبة إليه في موضع آخر من ذات الكتاب: « كفار أنجاس بإجماع علماء الشيعة الإمامية، وإنـهم شر من اليهود والنصارى، وإن من علامات الناصبي تقديم غير علي عليه في الإمامة»، (الأنوار النعمانية 2/206-207)[8].

وينقل الخميني أيضا عن أبي إسحاق الأرجاني قوله: « قال أبو عبد الله: أتدري لم أمرتم بخلاف ما تقول العامة؟ فقلت: لا أدري. فقال: إن علياً لم يكن يدين لله بدين إلا خالف عليه الأمة إلى غيره إرادة لإبطال أمره، وكانوا يسألون أمير المؤمنين عن الشيء لا يعلمونه فإذا أفتاهم جعلوا له ضداً من عندهم ليلتبسوا على الناس»، ( التعادل والترجيح/82).

وفي رواية عن داود بن فرقد وردت في ( وسائل الشيعة 18/463)، و ( بحار الأنوار 27/231)، جاء فيها: « قلت لأبي عبد الله u: ما تقول في قتل الناصب؟ فقال: حلال الدم، ولكني أتقي عليك، فإن قدرت أن تقلب عليه حائطاً أو تغرقه في ماء لكيلا يشهد عليك فافعل». ويعلق الخميني عليها بقوله: « فإن استطعت أن تأخذ ماله فخذه، وابعث إلينا بالخمس».

وفي كتابه « كشف الأسرار، ص55» يقول الخميني: « من الواضح أن النبي لو كان قد بلَّغ بأمر الولاية طبقا لما أمره الله وبذل المساعي في هذا الأمر لما نشبت في البلدان الإسلامية كل تلك الخلافات والمشاحنات والمعارك»! وفي نفس الكتاب (ص 123)، ينقل عن المجلسي القول: « إننا لا نعبد إلهاً يقيم بناء شامخا للعبادة والعدالة والتدين، ثم يقوم بهدمه بنفسه، ويُجلِس يزيداً ومعاوية وعثمان وسواهم من العتاة في مواقع الإمارة على الناس، ولا يقوم بتقرير مصير الأمة بعد وفاة نبي».

وفي باب اللعن والسباب، الفريضة الثانية لدى الشيعة، يقول الخميني: « غيرنا ليسوا بإخواننا وان كانوا مسلمين. فلا شبهة في عدم احترامهم بل هو من ضروري المذهب كما قال المحققون، بل الناظر في الأخبار الكثيرة في الأبواب المتفرقة لا يرتاب في جواز هتكهم والوقيعة فيهم، بل الأئمة المعصومون، أكثروا في الطعن واللعن عليهم وذكر مساوئهم»، ( المكاسب المحرمة1/251). وأورد أبو الحسن المرندي في ( مجمع النورين، 208)، حديث علوي نقل من خط محمد بن الحسن الحر العاملي المجاور بالمشهد المقدس الرضوي، جاء فيه: « أن أمير المؤمنين كان يطوف بالكعبة فرأى رجلا متعلقا بأستار الكعبة وهو يصلي على محمد وآله ويسلم عليه ومر به ثانيا ولم يسلم عليه فقال يا أمير المؤمنين لمِ لمْ تسلم علي هذه المرة فقال: خفت أن أشغلك عن اللعن وهو أفضل من السلام ورد السلام ومن الصلوة على محمد وآل محمد». أما الخوئي في ( مصباح الفقاهة، 1/323) فقال: « ثبت في الروايات والأدعية والزيارات جواز لعن المخالفين، ووجوب البراءة منهم، وإكثار السب عليهم، واتهامهم، والوقيعة فيهم: أي غيبتهم، لأنهم من أهل البدع والريب. بل لا شبهة في كفرهم، لان إنكار الولاية والأئمة حتى الواحد منهم، والاعتقاد بخلافة غيرهم، وبالعقائد الخرافية، كالجبر ونحوه يوجب الكفر والزندقة، وتدل عليه الأخبار المتواترة الظاهرة في كفر منكر الولاية، وكفر المعتقد بالعقائد المذكورة، وما يشبهها من الضلالات. ويدل عليه أيضا قوله (ع) في الزيارة الجامعة: ومن جحدكم كافر».

 

وعن زواج المتعة نسب فتح الله الكاشاني لجعفر الصادق القول: « إن المتعة من ديني ودين آبائي، فالذي يعمل بها يعمل بديننا, والذي ينكرها ينكر ديننا بل إنه يدين بغير ديننا، وولد المتعة أفضل من ولد الزوجة الدائمة، ومنكر المتعة كافر مرتد»، (منهج الصادقين/356). وفي التفاصيل فإن زواج المتعة يعفي الشيعي من إتيان أية فضيلة تذكر، فضلا عن ارتكاب أعظم الموبقات كون التمتع يوفر له حصانة مضطردة، ويسبغ عليه جبال من الحسنات وعفوا وغفرانا من الذنوب، بل ويحيلها على أهل السنة يوم الحساب!!!!

مع هذه الأحكام؛ سيكون من البلاهة والجهل المدقع أن يأتي أحد ما ليقول بأن هذه النماذج من الروايات يجري الاستدلال بها لإدانة عقائد الشيعة في حين أنها مجرد سقطات هنا وهناك. وسيكون من الغبن الاعتقاد بأن هذه العقائد متناثرة في كتب الشيعة، وأنها تقع في سياق الاجتهادات أو الغلو الموجود في كل مذهب أو دين. فالمسألة تتعلق بنحو 300 ألف حديث موضوع. والحقيقة أن الحديث يجري عن « دين الإمامية» كما يسميه ابن بابويه القمي .. « دين لا لقاء فيه من قريب أو من بعيد … »، ومن « ضرورياته» عند المجلسي في « الاعتقادات – 90 و التوحيد 331»: « استحلال المتعة، وحجّ التّمتّع، والبراءة من أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية». أما عند الخميني، ولدى حديثه عن مناقب الأئمة الاثني عشر، فيذكر في كتابه ( الحكومة الإسلامية /52): « إن من ضرورات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل .. وقد ورد عنهم (ع) أن لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل».

 

فالخلاف، إنْ صح التعبير أصلا، بين المسلمين والشيعة، واقع في: (1) أصول العقائد وفروعها، وفي (2)

منظومة التشريعات برمتها، وفي (3) منظومات القيم والأخلاق، وفي (4) الأهداف والغايات، وحتى في (5) الشعائر، وفي (6) قابلية العقل للأساطير والخرافات … بحيث يستحيل الاجتماع، ولا حتى عبر ما يسمى زورا بالتقارب أو « التقريب بين المذاهب»، وكأن الشيعة « الإمامية» مذهب من المذاهب التي يمكن التعبد بها. فما الذي يمكن التعبد به مع هكذا عقائد لا يمكن الالتقاء معها لا على إله ولا دين ولا رسول ولا صلاة ولا زكاة ولا حج ولا صوم ولا جهاد ولا حقيقة توافق الفطرة أو يستسيغها العقل!!!؟

الحقيقة الأعجب في « دين الإمامية»، أن « الرافضة» اعتمدت، في مسيرتها التأصيلية له، منهجا تخريبيا لا نظير له في كافة الأديان الوضعية. والمسألة هنا تتعلق بالدرجة الأساس في صياغة الرواية الشيعية، عبر منهج التعويم للمسألة الواحدة، سواء تعلق الأمر بفتوى أو حديث أو حدث تاريخي أو صفة أو موقف أو نقل أو استشهاد أو إسناد … . فلو طلب مثلا أحد العامة من الشيعة من مرجع شيعي أن يخبره عن لون قلم أزرق فسيتلقى إجابة بأنه كذلك. لكن لو تلقى عشرة مراجع ذات السؤال فسوف يكون للقلم عشرة ألوان! ولأنه من المستحيل، بمثل هذا المنهج، الوصول إلى الحقيقة بالنسبة لعامة الشيعة، فسيكتفي أحدهم باختيار لون ما، والتعبد به بقية العمر، بقطع النظر عن صحة الاختيار من خطئه. هذا هو بالضبط ما يسمى بـ « مبدأ التقليد»، الذي يعتمده ملأ « الإمامية»، فـ: « على كل شيعي يبدأ الصلاة بسن البلوغ أن يختار شخصا، عالما فقيها في الدين، مرجعا ويقلده، أي يتبع رسالته ويكون ملزما باتباع فتواه».

وتبعا لذلك صار « دين الإمامية»، وأمثاله، من الفرق الضالة، يتسع (لـ) ويجمع (بين) المؤمن والكافر، والملحد والزنديق، والظالم والمظلوم، والمجرم والبريء، والكاذب والصادق، واللص والنزيه، والخائن والأمين،  والعاهر والعفيف، والضال والمضل … دين يقدم « الإمامة» كما لو أنها رسالة سماوية، تساوي النبوة أو الرسالة أو تزيد عنهما!!! بل صار الشيعي يؤمن بالإمام وخوارقه أكثر مما يؤمن بالله خالقه، ويأخذ دينه من الإمام والفقيه والمجتهد وكل أفاك أثيم، كما يأخذه من الله وسنة الرسول … يكفر حيث ينبغي عليه أن يؤمن، ويؤمن حيث يجب الكفر والبراءة منه.

وقد يبدو الأمر، حتى للمتابع والمطلع على عقائد الشيعة، أقرب ما يكون إلى الهزل والسخافات، لكثرة التناقضات وما تحتويه من أساطير وخرافات صرفة، وخوارق وأكاذيب وما إلى ذلك. والحقيقة أن مثل هذا المنهج، في الرواية، لا يمكن أن يكون له من غاية إلا التحريف والتخريب والمسخ والتدمير للإسلام، وحتى لأطروحة آل البيت التي يتسترون بها لتحقيق غاياتهم. وبالتأكيد سيكون الأمر مريعا، حين يتجاوز هذا المنهج حدود الرواية، ليغدو الأساس الذي يقوم عليه نمط الحياة برمته، سواء في السياسية والاقتصاد والمال والتجارة، أو في الاجتماع والتحالفات والعلاقات، أو في الأخلاق والقيم، أو في التاريخ والحضارة والدين، بكل تفصيلاتها. وهذه النتيجة هي التعبير الأمثل عن ثقافة المجوس من الفرس ولا شيء آخر.

باختصار: من أين جاءت الرافضة بدينها؟

 

ابن سبأ و« السبئية»

 

ما فعله ابن سبأ في الإسلام هو عين ما فعله ابن ملته « بولس» في « النصرانية» حين دخل فيها، وشرع في تحريفها من الداخل، وهدمها ليأتي بدين جديد! فلنبدأ، إذن، بشخصية بولس كي نتعرف على الطريقة التي تَنصَّر فيها، وما أحدثه في « النصرانية» من تحريفات مريعة.

أولا: شخصية بولس

ولد بولس لأبوين يهوديين متشددين في السنة الرابعة للميلاد في مدينة طرسوس* في آسيا الصغرى أو ما كان يسمى بتركيا القديمة. ودرسه والده الناموس ( الشريعة). وبحسب المؤرخين النصارى فقد تَنصَّر فجأة، ودون أية مقدمات، بل تَنصَّر خلال مهمة يهودية أُرسل بموجبها من حاخامات اليهود في القدس إلى دمشق للتواصل مع حاخاماتها، واستعادة اليهود الذين تَنصَّروا وهربوا إليها!!! لكن في الطريق، وبحسب كتاب « أعمال الرسل»، أُبرق حول بولس وجنوده نور من السماء، فسقط على الأرض، وسمع صوت يسوع يدعوه للإيمان. وفي ( الأعمال 9 )، بقليل من التصرف، أن « الرجال الذين كانوا مع شاول ( بولس) وقفوا صامتين يسمعون الصوت ولم يروا شيئا. أما الصوت فقد أمره أن يدخل دمشق، حيث سيعرف ما يفعله. وظل هناك أعمى ثلاثة أيام». وفي ( الأعمال 26) أيضا: « من لمعان النور سقط شاول على الأرض هو وجميع من معه، وأمره الصوت» قائلا: « الآن أرسلك إلى الشعب لتفتح عيونهم ليرجعوا إلى الله»! وبعد ثلاثة أيام جاءه تلميذ اسمه حنانيا، وصلى عليه فشفاه، وتم تعميده ( تنصيره )، فخرج في الحال يبشر بدين المسيحية، ويطوف على معابد اليهود في دمشق!!!

بعيدا عن التخريفات والتناقضات والروايات المختلقة التي يأتي بها في ( أعمال الرسل)، دون أي شاهد عليها أو دليل من كتاب سماوي، أعلن بولس تَنصُّره، وتلقيه للوحي. يحدث هذا الَّنَصُّر بينما هو (1) من المفروض أنه في مهمة كهنوتية حظي بثقة الحاخامية لتنفيذها! و (2) في الوقت الذي اشتهر فيه بعدائه وعنفه الشديدين ضد « النصرانية» والنصارى الذين كان يعذبهم ويضطهدهم بقسوة! و (3) في الوقت الذي لم يشاهد فيه المسيح أو يقابله ولو لمرة واحدة في حياته، إلا حين تجلى له في الطريق بعد رفعه بحسب زعمه! وفي (4) الوقت الذي لم يكن فيه شاهدا على الأحداث، و (5) ليس حواريا. بل أن كل ما حظي به بولس، بعد تنصره وليس قبله، أنه قابل برنابا، أحد الحواريين الاثنى عشر للمسيح. ونشط في التبشير، لينتهى به المطاف إلى كتابة 14 سفرا من أصل 27 سفرا!

ومن أهم تحريفاته القول بأن: (1) المسيح ابن الله، وأن (2) الله هو مجموع أرواح البشر وأجسادهم، و (3) المسيحية دين عالمي وليس خاصاً ببني إسرائيل، وأن (4) عيسى صُلب تكفيراً لخطايا البشر ( عقيدة الفداء)، وأن (5) قيامة عيسى u من الأموات وأنه صعد وجلس عن يمين الله، وأنه (6) تلقى الرسالة من المسيح وهو ذاهب إلى دمشق، وأنه جاء (7) لينقض الناموس، ويعلن كل (8) من يتبع شريعة موسى u مرتدا، باعتبارها تعاليم شيطانية، مضلة وعجائزية بالية، وأنها خرافات دنسة ونجسة، وأنه (9) يستعلي على الله، و (10) بالعنصرية على غير قومه، و (11) ويحل ويحرم ما يشاء، وهو (12) أول من أوجد كلمة المسيح، و (13) وأول من أسس النظام الكهنوتي في الكنيسة بمراتبه الدينية، واستبدل الشيخ بالأسقف، وأول من (14) شجع على الرهبنة كما في النظام اليهودي[9] .. بل أنه لم يترك شاردة أو واردة في « النصرانية» إلا وقع عليها وأولها أو زعمها أو حرفها. وفي النهاية مـات مقتولا في روما في زمن الإمبراطور نيرون سنة 65 أو 66م . ورغم كل التحريف الذي أحدثه في « النصرانية» إلى الحد الذي اعتبره الكثيرون من المفكرين واللاهوتيين مؤسس « النصرانية» الوثنية الجديدة إلا أن الإمبراطور قسطنطين، صاحب مجمع نيقية، اعترف بدعوته، وتبني رسميا عقائده سنة 325م. بل أن دائرة المعارف الفرنسية تنسب إليه كلا من إنجيلي « مرقس» و « لوقا» وسفر « أعمال الرسل».

أما شخصيته، بعد التنصر، فقد اتسمت بالكذب والدفاع عنه: « فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ صِدْقُ اللهِ قَدِ ازْدَادَ بِكَذِبِي لِمَجْدِهِ فَلِمَاذَا أُدَانُ أَنَا بَعْدُ كَخَاطِئٍ؟»، ( رومية 3: 7) ، كما اتسمت شخصيته بتمجيد الذات والنفاق والتلون مع كل طائفة بما تهوى، حتى بدت الخطيئة له منهج حياة: « 19 فَإِنِّي إِذْ كُنْتُ حُرّاً مِنَ الْجَمِيعِ اسْتَعْبَدْتُ نَفْسِي لِلْجَمِيعِ لأَرْبَحَ الأَكْثَرِينَ. 20 فَصِرْتُ لِلْيَهُودِ كَيَهُودِيٍّ لأَرْبَحَ الْيَهُودَ وَلِلَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ كَأَنِّي تَحْتَ النَّامُوسِ لأَرْبَحَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ 21 وَلِلَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ كَأَنِّي بِلاَ نَامُوسٍ – مَعَ أَنِّي لَسْتُ بِلاَ نَامُوسٍ لِلَّهِ بَلْ تَحْتَ نَامُوسٍ لِلْمَسِيحِ – لأَرْبَحَ الَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ. 22 صِرْتُ لِلضُّعَفَاءِ كَضَعِيفٍ لأَرْبَحَ الضُّعَفَاءَ. صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَالٍ قَوْماً. 23 وَهَذَا أَنَا أَفْعَلُهُ لأَجْلِ الإِنْجِيلِ لأَكُونَ شَرِيكاً فِيهِ»، ( كورنثوس الأولى 9: 19-23 ).

وفي الغلو بالسيد المسيح u، فقد نقل البنوة من « اليهودية» إلى « النصرانية»، حيث يقول: « 3 … فَاللَّهُ إِذْ أَرْسَلَ ابْنَهُ فِي شِبْهِ جَسَدِ الْخَطِيَّةِ وَلأَجْلِ الْخَطِيَّةِ دَانَ الْخَطِيَّةَ فِي الْجَسَدِ »، ( رومية 8/3). ويقول: « 32 اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضاً مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ؟ »، ( رومية 8/32). ويقول: « 4 وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُوداً مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُوداً تَحْتَ النَّامُوسِ، »، ويقول: « 1 اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيماً، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُقٍ كَثِيرَةٍ، 2كَلَّمَنَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ – الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثاً لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضاً عَمِلَ الْعَالَمِينَ.3الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيراً لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي، 4صَائِراً أَعْظَمَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ بِمِقْدَارِ مَا وَرِثَ اسْماً أَفْضَلَ مِنْهُمْ. »، ( عبرانيين 1/1-4). ويقول: « 15 اَلَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ. »، ( كولوسي 1/15). ويقول أيضا: « 6 الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. 7لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ. »، ( فيلبي 2/6-7). ويقول: « 16 وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ. »، ( 1 تيموثاوس 3/16).

يخلص الشافعي في دراسته عن بولس ورسائله إلى ثلاث ميزات تميزت بها شخصيته، بالمقارنة مع من عاصره من الحواريين، أو من جاؤوا بعده من القديسين، وعلماء النصارى: (1) « كان نشيطا دائم الحركة لا يكل من كثرة الأسفار»، و (2) « ذكي، فطن، بارع الحيلة، ذو فكر، متصرف يدبر الأمور بذكاء»، و (3) « قوي التأثير على نفوس الناس وعلى أهوائهم، قادر على قلب دفة الحوار إلى ما يريد». لذا، والكلام للباحث، « استطاع بولس أن يكون محور الدعاة النصارى، واستطاع أيضا أن يفرض كل ما ارتآه على مريديه فيعتنقوه دينا ويتخذون قوله حجة دامغة»[10]. فهل أخفق ابن سبأ حيث نجح بولس؟

ثانيا: شخصية ابن سبأ

عبدالله ابن سبأ!!! حقيقة تاريخية بارزة، باعتراف علماء الرافضة ومشايخهم، وكتب الأولين منهم. ورغم إنكار البعض منهم حقيقة ابن سبأ إلا أن المرجع الشيعي ابن بابويه القمي، في حديثه عن الفرقة « السبئية»، انفرد عن سائر العلماء والمؤرخين، من أية جهة كانت، بالإشارة إلى هويته بالقول أنه: « عبد الله بن وهب الراسبي الهمداني»، (المقالات والفرق/20). ومع ذلك فهو شخصية غامضة من حيث الاسم والنسب، بما يكفي للتحفظ بشدة على تسمية القمي له، بل ورفضها من الأساس. إذ ما من مبرر يجعل من التسمية صحيحة لاسيما أن اسم « عبدالله» كان يطلق آنذاك على أي شخص نكرة يُنادى عليه في الشارع أو في السوق أو في المسجد أو في أي مكان يتعرض فيه للنداء، تماما كما كان يُنادى على أية امرأة بـ « أمة الله».  ففي شمال أفريقيا مثلا ينادى على الرجل النكرة في الطريق باسم « سي محمد». والأرجح أن نكرة الاسم والنسبة معا، تَسببا بذيوع شهرته بين الناس بلقب « ابن السوداء»، نسبة لأمه الحبشية. وغني عن البيان ملاحظة أن النسبة للأم تعني جهلا في النسب، حتى لمن عاصروه! وهذا يعد نقيصة كبرى في عرف العرب، بالإضافة إلى أن اللقب بحد ذاته يعبر عن نسبة مناطقية عامة، وغير محددة. أما لماذا تعمد الغموض؟ فلأنه بحاجة لِئن يخفي أمرا ما، لم يكن يرغب في كشفه بداية، كي لا يتيسر لأحد تتبعه أصلا وفصلا بحيث يمكن التعرف على حقيقته، وعلى أهدافه، وغاياته. ولا ريب أن الأسوأ في شخصية ابن سبأ، أن الغموض سينسحب على المستقبل، وليس على حاضره فقط، بحيث يبدو حال الباحثين عنه، كما لو أنهم يواجهون منظومة محكمة من الطلاسم، التي تستعص على الحل.

الفرق بين شخصية شاؤول بن كيساي، الملقب بـ « بولس الرسول»، وابن سبأ أن هذا الأخير استثمر عميقا في شخصية بولس، وتجاوز عن الأخطاء التي وقع فيها، عبر التشدد في مسألة الغموض. لكن المنهج المتبع بين الشخصيتين كان واحدا تقريبا، بل أن ديناميات الفعل والتحريف لكليهما تكاد تكون متماثلة موضوعيا ومنهجيا. ففي حين جاء بولس من القدس إلى الشام، نجد ابن سبا أيضا ارتحل من اليمن إلى مكة، بتحريض من اليهود والفرس المجوس، ومسترشدا بسابقة بولس وآليات عمله. فشرع في التنقل في الحواضر الإسلامية آنذاك، ما بين البصرة والكوفة والشام ومصر. فهو، في هذا الحراك، يماثل بولس في نشاطه وبروزه المفاجئ، وتنقلاته بين مدن الحدث، ووصوله إلى علية القوم، وتبوئه مكانة بين قطاع عريض من العامة. كما أنه ناظر بولس في ذكائه وفطنته، في ضوء ظهوره المفاجئ، وفي تواجده في اللحظة المناسبة للفتنة، وفي بلاغته العربية، وسرعة ردوده، وعلاقاته الواسعة، وقدرته على الحشد، وفي أطروحاته وشبهاته، التي لاقت رواجا، وحتى تعاطفا لدى البعض، بما ينبئ عن شخصية عالم ضليع في الأديان. فهو يعرف « اليهودية» و« النصرانية» والإسلام. وهذا يؤشر على أنه ليس من العامة ولا الدهماء. ولعله من شبه المستحيل القول بأنه ولج الفتنة، وساهم في إشعال نارها، بوحي ذاتي أو لمصلحة فردية، بقدر ما يبدو أن هناك طائفة تقف خلفه، وتقدم له ما يحتاج من المشورة والنصح والدعم[11].

ومن الجدير في الاعتبار أن اللحظة التي أعلن فيها ابن سبأ إسلامه هي ذات اللحظة التي جاهر فيها بعدائه لعثمان، وذات اللحظة التي اندرج فيها في فتنة التحريض على قتله! وذات اللحظة التي والى فيها علي بن أبي طالب، وذات اللحظة التي ردد فيها بحقه أطروحات « اليهودية» و« النصرانية» في تحريفاتهما العقدية، خاصة في « الولاية»، كالقول بأنه: « كان لكل نبي وصي، وعلي وصي محمد، فمن أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ووثب على وصيه»، أو في « الرجعة» كقوله: « عجبت ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمد يرجع وقد قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ، (القصص: 85) »!!!

وتذكر المصادر الشيعية، كابن أبي الحديد، أن عبد الله بن سبأ قام إلى علي وهو يخطب فقال له: « أنت أنت، وجعل يكررها، فقال له – علي- ويلك من أنا، فقال: أنت الله، فأمر بأخذه وأخذ قوم كانوا معه على رأيه»، شرح نـهج البلاغة (5/5). وقال نعمة الله الجزائري: « قال عبد الله بن سبأ لعلي u: أنت الإله حقاً، فنفاه علي u إلى المدائن، وقيل أنه كان يهودياً فأسلم، وكان في اليهودية يقول في يوشع بن نون وفي موسى مثل ما قال في علي»، ( الأنوار النعمانية – 2/234). فكان ابن سبأ أول من نادى بـ « الإمامة» لعلي، وأول من ادعى نبوته ثم ألوهيته، وأول من علم أتباعه اللعن وسب أبي بكر وعمر، وأشد من حرض على عثمان رضي الله عنه، وأول من قال بخلود الأئمة. فلما قتل الخوارج الخليفة علي بن أبي طالب، وتلقى ابن سبأ الخبر وهو في مصر، رد بالقول: « كذبت عدو الله لو جئتنا والله بدماغه لو جئتنا بدماغه في صرة وأقمت على قتله سبعين عدلاً لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل، ولا يموت حتى يملك الأرض» [12]، ( النوبختي: فرق الشيعة/23).

لما نزل عند لص البصرة، حكيم بن جبلة، وقبل مقتله رضي الله عنه، بعث الخليفة عثمان إلى عامله، عبدالله بن عامر، محذرا منه. فأرسل بن عامر، الذي أحس بغموض نسبه، إلى ابن سبأ يسأله: « من أنت؟»!!! ولم يسأله مثلا: « ماذا تريد؟» أو « ما هي غايتك؟» وفي مثل سؤال بن عامر له، من المفترض أن تكون الإجابة بأنني فلان ابن فلان، لكنه اكتفى بالقول: « رجل من أهل الكتاب رغب في الإسلام ورغب في جوارك»!!! من الواضح أنها إجابة تحرص وتصر على الغموض، وتتعمد طمس الهوية الشخصية، دون أن تخلو طياتها من جهد كامن في استمالة بن عامر لصفه. ولا شك أنه غموض يحول دون تتبع نسبه أو انتمائه أو عمله أو إقامته أو حالته الاجتماعية. لكنه، في المحصلة، لم تتحقق مراميه، ولم يجد في البصرة من يستمع لدعواه إلا حين ذهب إلى مصر، التي كانت، في ذلك الوقت، أخصب مراتع الفرقة « السبئية»، ومنطلق الفتنة إلى الحواضر الإسلامية آنذاك.

ثالثا: بعض الملاحظات

  • بالتأكيد لم يكن ظهور ابن سبأ المفاجئ قدرا وسط توغل فتنة «الخوارج»، حتى عجز أكثر الصحابة عن ردع غلوائها بحق الخليفة عثمان، واعتزال البعض الآخر، وإصرار الخليفة على رفض الاقتتال، إلى أن دفع حياته ثمنا لها، ومن بعده علي بن أبي طالب وابنه الحسين. كان ابن سبأ كالوزغ ينفخ في كير الفتنة في كل اتجاه، بدءً من التحريض على قتل عثمان، مرورا بالترويج لأطروحاته في « الولاية» و « الرجعة»، وانتهاء بتأليه علي. ولعله من الطريف أن علماء الشيعة ومؤرخيهم الذين أوردوا روايات علي بن أبي طالب وأبنائه، في الإنكار على ابن سبأ، واستتابته ولعنه، وتهديده بالحرق، ونفيه، هم أنفسهم الذين قالوا بأن ابن سبأ هو أول من نادى بعقيدة « الإمامية» و« الرجعة» وألوهية علي!!! وأنه بعد مقتل علي جاهر بعقائده وصارت له طائفة تشعبت عنها الغالبية الساحقة من فرق الشيعة والرفض.

  • من الطريف ملاحظة أن بولس يقول في ( أعمال الرسل) أنه تم إرساله إلى دمشق من قبل حاخامية القدس!!!!! ومع أن روايته عن تنصره تعرضت للطعن والتشكيك، إلى حد اتهامه باختلاقها، إلا أن إيراده لهذه الجزئية، تؤكد أنه لم يتجه نحو دمشق بوازع من نفسه. فهو يتحدث عن مهمة، أوكلت إليه من قبل المؤسسة الدينية « اليهودية». والأنكى من ذلك أن بيت المقدس، في وقته، كانت تحت الحكم الروماني، حيث لا صلاحية ولا سلطان لليهود، كي يتصرفوا بمعزل عن السلطة القائمة. وهو ما لاحظه الشافعي في دراسته عن « بولس وأثره في النصرانية»[13]. كما أنه ما من ثقل عقدي لليهود في الشام في ذلك الوقت! فلماذا ذهب إذن؟ لا شك أن السؤال يُطرح في سياق تنصره المفاجئ. فإنْ كان بولس في مهمة؛ فهل جاء ابن سبأ منفردا، بلا أية مهمة!؟ وفي المحصلة؛ هل ثمة فرق فيما أنجزه الشخصان بحق « النصرانية» والإسلام؟

  • مشكلة بولس، بموجب رسائله و ( أعمال الرسل)، أنه لم يكن فعلا يهوديا على شريعة موسى كما نزلت عليه، ولا صار مسيحيا كما كانت قبل تحريفه إياها! وكذلك الأمر حال ابن سبأ. فلا هو بيهودي يعرف ولا هو بمسلم. وكل ما فعله هو نقل التحريفات « اليهودية» و« النصرانية» ليؤسس بها دين « الإمامية»، كما أسس عزرا بن سرايا، من قبل، التوراة والتلمود في بابل، بتشجيع من قورش الفارسي، كما سنرى لاحقا. ومثل هذه الأفعال ليست سوى إعلان حرب على الله ورسله وأنبيائه والمؤمنين. بل أن حال اليهود والنصارى والرافضة، صار كحال أبي جهل، الذي جاءت دعوته، برفض الحق، في آيات قرآنية تتلى إلى قيام الساعة: ﴿ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَهَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، ( الأنفال: 32). إذ لا فرق في الشكل والمضمون، بين هذه الآية وما يقوله الجزائري من: « إن الرب الذي خليفة نبيه أبو بكر ليس ربنا ولا ذلك النبي نبينا»، أو المجلسي: « إننا لا نعبد إلهاً يقيم بناء شامخا للعبادة والعدالة والتدين، ثم يقوم بهدمه بنفسه».

من جهته؛ يعقد ابن عبد ربه في ( العقد الفريد 2/250)، مقارنة بليغة بين « اليهودية» و« الإمامية» حين يقول: « إنهم يهود هذه الأمة، يبغضون الإسلام كما يبغض اليهود النصرانية، ولم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة من الله ولكن مقتاً لأهل الإسلام وبغياً عليهم، وقد حرقهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنار، ونفاهم إلى البلدان، منهم عبد الله بن سبأ، … وأبو الكروس، وذلك أن محنة الرافضة محنة اليهود. قالت اليهود: لا يكون الملك إلا في آل داود، وقالت الرافضة: لا يكون الملك إلا في آل علي بن أبي طالب، وقالت اليهود: لا يكون جهاد في سبيل الله حتى يخرج المسيح المنتظر، وينادي مناد من السماء، وقالت الرافضة: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المهدي وينزل سبب من السماء. واليهود يؤخرون صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم، وكذلك الرافضة، واليهود لا ترى الطلاق الثلاث شيئاً، وكذا الرافضة، واليهود لا ترى على النساء عدة، وكذلك الرافضة، واليهود تستحل دم كل مسلم، وكذلك الرافضة، واليهود حرفوا التوراة، وكذلك الرافضة حرفت القرآن، واليهود تبغض جبريل عليه السلام وتقول: هو عدونا من الملائكة، وكذلك الرافضة تقول: غلط جبريل في الوحي إلى محمد بترك علي بن أبي طالب، واليهود لا تأكل لحم الجزور، وكذلك الرافضة». وفي السياق يستحضر علي الكاش مقولة الخميني في ( الحكومة الإسلامية / 135)، حين قال: « إذا عزمنا على إقامة حكم إسلامي سنحصل على عصا موسى، وسيف علي بن أبي طالب»! ولا نظن أنه ثمة مبالغة في القول بأن: « الاقتباس العقائدي الإمامي من اليهودية لم يقتصر رغم تأثيرها الأقوى من غيرها في العقيدة فهناك اقتباسات من النصرانية والبوذية والمجوسية، حتى يمكن القول إن الأمامية هي البوتقة التي جمعت معظم الديانات»[14]. ويبقى السؤال: هل انتهى دور اليهود بنهاية ابن سبأ!؟ سنرى.

المبحث الثاني

الأديان « المجوسية»

لما يكون التحريف قد نال من الكتب السماوية، فمن الأولى أن ينال من الديانات الوضعية، التي ستغدو قابلة للتعديل بحسب الحاجة. ولعل أعجب ما في الأمر، أن الأديان « المجوسية»، على اختلافها، اخترقت الكتب السماوية والأديان الوضعية على السواء، فأثرت بها وتأثرت. ينطبق هذا التفاعل المتبادل على « الهندوسية» و« البوذية» مثلما ينطبق على « اليهودية» و« النصرانية». ولا ريب أن محاولات اختراقها للإسلام، عبر « الإمامية» وإجمالي الفرق الشيعية الباطنية، مثَّل مدخلا ملائما للطعن فيه. لكن، وبخلاف كافة الكتب السماوية والوضعية، بقي القرآن الكريم بمنآى عن أية محاولة للتحريف. وإذا كانت « النصرانية» قد زعمت أن الإسلام أخذ عن « الزرادشتية» و« المانوية» ومصادر شتى، فإن « الإمامية» زعمت وأنكرت وأحدثت في الدين، ما لم تجرؤ أية ديانة أخرى على الإتيان به.

في بحث قديم له بعنوان: « البشارات بمحمد صلى الله عليه وسلم في الكتب السماوية السابقة»، يقول الشيخ د. عبد المجيد الزنداني أن للأديان الوضعية جذر سماوي جرى تحريفه مع طول الزمن. وتحولت، تبعا لذلك، من دين سماوي إلى دين وضعي. وهذا يعني وجوب التسليم بأن الدين السماوي لا يندثر كليةً بقدر ما يجري تحريفه. وهي مسلمة أكدها القرآن الكريم بأكثر من آية صريحة، تحدثت عن التحريف. لذا؛ فمهما بلغت نسبة التحريف، فإن بعض الطقوس والعبادات وعظائم خلق الله والرسالات ووسائل إيصالها، ظلت متواجدة بين البشر، عبر الكتب السماوية، أو الأديان الوضعية على السواء، كالإله، والأسماء والصفات، والآلهة والرب والأرباب، والشيطان والملاك والوحي، والبشر والحجر والشجر والبقر، والليل والنهار، والنور والظلام، والسماء والأرض، والشمس والقمر والنجوم، والكفر والإيمان، والخير والشر، والحق والباطل، والحلال والحرام، والهداية والضلال، والصلاة والصوم والزكاة والحج …

كل هذه المفردات وغيرها موجودة، لكنها، بفعل التحريف، لم تبق في سياقاتها الربانية التي نزلت فيها. لذا من الطبيعي أن تتواجد في القرآن الكريم باعتبارها من الآيات التي احتوتها الكتب السماوية، والتي مثلت، على امتداد تاريخ رسالة التوحيد، دلالات يقينية على وجود الله وعظمته منذ بدء الخلق، وعلامات للتفكر البشري في خلق الله، والاهتداء إليه عز وجل. لذا فإن هذا التواجد لا يعني أن الرسول r هو من نقلها عن الأديان السابقة، كما تدعي قوى الإلحاد و« النصرانية» و« اليهودية».

فالحقيقة الإسلامية التي لا تقبل الجدل أن كل الأنبياء والرسل اختارهم الله لتبليغ رسالة واحدة هي التوحيد. أما الإسلام، بالمقارنة مع ما سبقه، فهو الدين الذي به ختم الله، عز وجل، رسالته، من عهد آدم إلى عهد محمد r. والله سبحانه وتعالى هو الذي تكفل بحفظ الدين. أما عظمة الرسول فتكمن في أنه آخر من اختاره الله من خلقه، وآخر من استؤمن على كلامه في الأرض. ومن حكمة الله عز وجل، في إعجاز الطاعنين في دينه ونبيه، أنه اختار رجلا أميا، فقيرا يرعى الغنم، لا يقرأ ولا يكتب، وليس له في العلم أو الأديان السابقة، أو الرسالات أو الفلسفات، ناقة ولا بعير[15].

وفي المحصلة؛ لما يقول الله عز وجل: ﴿ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾، ( آل عمران: 19)، فهذا يعني نسخا لكافة الكتب السماوية، وهداية لمن ضل الطريق، بفعل التحريفات التي وقعت بحق الكتب السماوية السابقة. إذ أن الإعجاز في القرآن الكريم يكمن في كونه (1) الكتاب الجامع الذي اشتمل على ما أراده الله في الكتب السماوية، وما بشر به الأنبياء والرسل منذ عهد آدم، حتى لو بلغ عدد الكتب السماوية الملايين، ومثلهم ممن اصطفاه الله من الأنبياء والرسل. وفي كونه (2) الكتاب الخالد إلى قيام الساعة، كما نزل من فوق سبع سموات، وفي كونه (3) الكتاب غير القابل للتحريف، وفي كونه (4) آخر الكتب السماوية، وفي كونه (5) الكتاب الأطول عمرا في الأرض، والذي لم تنل منه قوى التحريف ولا الحروب ولا الكوارث ولا تقادم الزمن، ولن تستطيع النيل منه ما بقيت السموات والأرض. بل أن أعجز ما في الإسلام، قرآنا وسنة نبوية، في (6) أن الرسول r كان يبلغ دين الله لكافة البشر، وكان الكثير من الصحابة يحفظون القرآن عن ظهر قلب، ويترقبون كل آية تنزل وكل حديث يدلي به الرسول. وهذه شهادة الله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، ( آل عمران: 81).

باختصار: لم يكن الإسلام خفيا ولا محتكرا لفئة دون أخرى. بل كل الأرض ومن عليها كانت شاهدة على نزول الدين. بل أن الكفار والخصوم، شهدوا نزوله، ولو رغبوا في كتابته والاحتفاظ بنسخة منه لفعلوا، لكنهم رفضوه. فمن بمقدوره تحريف الإسلام؟ وبالمقارنة؛ متى كتبت التوراة والتلمود؟ ومتى كتب الإنجيل؟ ومتى تغيرت لغته من الآرامية إلى اللغة الألمانية، ثم إلى باقي لغات العالم؟ وكم من القرون مرت حتى انتزع النصارى في شتى أنحاء العالم حق قراءة الإنجيل بلغاتهم؟ ومتى نجحوا في تجريد الكهنوت الكنيسي من احتكار النص المقدس؟

بالمقارنة أيضا؛ ماذا بقي من « الزرادشتية» إذا كان هناك من يختلف حتى على تاريخ ميلاد زرادشت؟ أهو في القرن العاشر؟ أو التاسع قبل الميلاد؟ أم في القرن السادس أو الخامس؟ وهل ستكون « المجوسية» أوفر حظا من « اليهودية» و« النصرانية»؟

 

وعلى فرض أن بوذا وزرادشت وماني وأمثالهم أنبياء، وجاؤوا بما جاء به محمد، r ، فما من أحد أثبت، أو يستطيع أن يثبت نبوة أحد من هؤلاء. وحتى لو توفرت بعض النصوص في الموسوعات والكتب الحديثة والأبحاث والدراسات، فهي ليست بأدنى دليل على نبوة أحد منهم. وهي، في أحسن أحوالها مجرد تخمينات وترجيحات واستقراءات واستنتاجات، لم تستند على كتب أصلية ولا تاريخية. ولو ثبتت مصداقيتها، لما اندثرت ديانات هؤلاء، وتحولت إلى مادة لدى الملاحدة والمشركين والكفار والخصوم للطعن في الإسلام.

ثمة تعليق، لمترجم كتاب جفري بارندر، على كتاب « الأفيستا» لزرادشت، يقول فيها: « ليس من المرجح أن يكون قد تم تدوينه قبل القرن الخامس الميلادي، وربما يرجع لما قبل الحقبة الزرادشتية، لكن جزءً من مادة هذا الكتاب يرجع إلى ما قبل هذا التاريخ بزمن طويل، وقد فقدت جميع نسخ الأفيستا بعد غزو الإسكندر لفارس عام 330 قبل الميلاد، وفقدت معها تفاسيره والمؤلفات التي كانت تشتمل على شيء من أجزائه، ثم بدأ ملوك فارس في القرن الأول الميلادي في تدوين ما بقي من حوافظ الناس من الأفيستا وأكملوا هذا العمل في القرن الثالث ثم القرن الخامس»[16]. ويقول باحث آخر: « كتاب الزرادشتيين المقدس الأفيستا ( = الأبستاق ( Avesta، لم يصل لنا منه إلا شذرات»[17]... هكذا؛ مجرد « حوافظ الناس أو « شذرات»!!!

أما عالم الآثار، والمؤرخ الإيراني، بوريبرار، فيحسم الأمر بأبلغ منطق علمي حين يقول: « يوجد لدينا في إيران عدد من النقوش على الصخور من عهد الإخمينيين والساسانيين، … لا يوجد في هذه النقوش أي كلام عن زرادشت وكتابه أفيستا … وعلى الذين يدعون بوجود زرادشت وكتابي أفيستا وزند، أن يقدموا وثائق تاريخية تثبت هذا الأمر. فهؤلاء الذين يدعون بوجود أديان أو حكمة في إيران القديمة أو أي شيء ثقافي أو حضاري قبل نشوء الإسلام، لم يقدموا أية وثيقة، ولا أية نقوش، صخرية، ولا حتى مسكوكة نقدية، حيث من دون هذه الوثائق يتحول الكلام في هذا المجال إلى أساطير».

   هذه القراءات المحبطة للمجوس وكذا للباحثين عن التشكيك في الإسلام، تفسر إلى حد كبير تشابه الكتابات حول الديانات « المجوسية». فالمعلومات المتوفرة شحيحة للغاية. وتبعا لذلك فإن أغلب الكتابات تتميز بالعمومية المفرطة. وعليه فبالكاد يمكن معاينة الخطوط العريضة لأكبر الديانات الرئيسية التي شاعت في فارس وبابل قبل الميلاد وغداته.

  • « الزرادشتية»

 

ديانة فارسية ثنوية، أسسها زرادشت في القرن السادس قبل الميلاد*. وتقوم أساسا على فكرة الصراع بين الخير ممثلا بإله النور، « أهورا مزدا»، والشر ممثلا بإله الظلام أو الشيطان، « أهرامن». ويصلي أتباعها خمس صلوات، ويعتبرون النار والماء والأرض هي محور الأحداث بين الناس. ولهم كتاب موحى إلى زرادشت يسمى « الأبستاق» أو « الأفيستا»، وهي كلمة فارسية تعني الأصل أو المتن. وتتباين المصادر حول الزمن الذي ظهر فيه الكتاب، بل حول الزمن الذي ولد فيه زرادشت. فالبعض يقول بأن الكتاب لم يظهر قبل القرن الثالث الميلادي، والبعض يتحدث عن القرن الخامس. أي بعد نحو ألف عام من ظهور الديانة. والثابت أنه لم يبق منه ولا من شروحه إلا ما عثر عليه عالم الآثار الفرنسي دوبرن، أوائل القرن العشرين، وقام بنشره وترجمته. ويشتمل على خمسة أسفار لا تتعدى في جملتها ربع الأفستا الأصلي، والثلث في أحسن القراءات. أما الأسفار الخمسة فهي: (1) سفر أليسنا ومعناها العبادة، و (2) سفر ألوسبرو أو الفسبرد، و (3) اليشتان أي الترنيمات أو المزامير، و (4) الوانديداد أو الفانديداد أي القانون، و (5) الخودة أفستا. وللأفيستا شروح على تلك الشروح يطلق عليها اسم « الزَنْد» و « البازَنْد» و « الأياردة»[18].

رغم اقتناع كاشتاسب، الملك الخامس عشر لفارس، في ذلك الوقت، بدعوة زرادشت وتبنيه لها وتعميمها على البلاد، إلا أنها، وإنْ نمت في  العهد الإخميني (550 333 ق.م)، لكنها لم تحظ بصفة الديانة الرسمية، إلا في العهد الساساني، خلال القرن الثالث الميلادي، حيث ظهرت تفاسير « الأفيستا». ويتحدث علي شريعتي عن « الزرادشتية» بمنطق تطوري ابتدأت فيه كـ: « ديانة ضعيفة محدودة التداول .. لم يقف بوجهها الأنبياء ولا المتنبؤون ولم تشن عليه الحملات من قبل المدارس الدينية والفكرية والعقائدية آنذاك، ما أدى إلى أن تتغلغل في أوساط الناس بهدوء» … وبهذا النص تبدو « الزرادشتية» وكأنها « دين العامة» من الناس. لكنها ستتحول إلى « دين الخاصة»، من الملوك والزعامات الدينية والطبقات الحادة، التي ستهيمن قرونا على المجتمع والدولة. وفي هذا السياق يكمل شريعتي القول: « أما في العهد الساساني وبعد أن تحول دين زرادشت إلى دين رسمي للدولة وتسلق مراكز القرار وأصبحت العائلة المالكة تمارس بنفسها دور رجال الدين. وأمسى أولاد ساسان هم كهنة معبد استخر الكبير وصارت نهضتهم نهضة دينية ورسالتهم إحياء الديانة الزرادشتية. وهيمن الكهنة على أعلى مراكز القرار بحيث أصبح قرار السلطان بأيديهم ولا يمر إلا عبرهم …. وتألقت في عهدهم معابد النار وشبت ألسنة نيرانها إلى عباب السماء. وتشكلت في وقتهم أكبر إمبراطورية تقوم على أساس الدين. وقام كبير الكهنة بتتويج ملك الملوك الساسانيين بتخويل من الإله أهورا مزدا ليتسنى له فرض سيطرته على أكثر من نصف العالم المتمدن آنذاك». لكن، يتابع شريعتي،: « المثير للدهشة أن الزرادشتية انهارت وهي في أوج عظمتها وجبروتها. وخضعت للإسلام في حال كانت تمتلك أقوى العساكر والجيوش. وتعتبر واحدة من أكبر القوى العظمى أنذاك. والأعجب من ذلك كله أن الإسلام كان في ذلك الحين في أضعف حالاته وكان هو الأقل عددا وعدة وثروة واقتدارا»[19].

بدأت علاقة زرادشت بـ « اليهودية» في رحلة بحثه عن الخلاص. فقد كان على معرفة بالأديان السائدة في عصره. وتقول المصادر أن زرادشت « انتقل إلى فلسطين، واستمع إلى بعض أنبياء بني إسرائيل من تلاميذ النبي إرميا»، لكنه « رجع إلى أذربيجان، ولم تطمئن نفسه إلى اليهودية». ومع ذلك فما أنْ ثبتت « الزرادشتية» كديانة، حتى تركت بصماتها في كافة الأديان التي عاصرتها، سواء في الشرق أو في الغرب. وبحسب المصادر فقد: كان للزرادشتية تأثير عميق على تطور اليهودية منذ الخروج وما بعده، إضافة إلى تطوير بعض المعتقدات حول مملكة الله والحساب الأخير، والقيامة وابن الإنسان وأمير العالم والمخلص والكلمة وموت يسوع.. وقد أدت الزرادشتية في الواقع دوراً رئيسياً على مسرح التاريخ الديني للعالم، فقد عرفت اليونان زرادشت واحترمته في عصر أفلاطون، وانتشرت عبادة «مترا» وأثارت الزرادشتية فكرة المخلص في الديانة البوذية في صورة «مترا بوذا»، كما أثرت في تطور الإيمان اليهودي والمسيحي وصبغته بصبغتها، كما كان للزرادشتية تأثير كبير في الطوائف الباطنية من قرامطة وغيرهم، واعترفت بها البهائية وادعت أنها عثرت في «الزندافستا» على بشارات بظهور الباب والبهاء[20].

 

  • « المانوية»

 

بخلاف « الزرادشتية»؛ التي تحولت إلى دين الخاصة، فإن « المانوية» ديانة عمادها الزهد في ماديات الحياة وملذاتها. ولقربها من العامة، فقد لاقت رواجا وانتشارا، بلغ الهند وبلاد الغال والصين والتيبت وتركستان وسيبيريا وإيران حتى إيطاليا. وتبعا لذلك فقد شكلت التحدي الأخطر للزرادشتية، التي اعتبرت مؤسسها زنديقا. وتبعا لذلك فقد انتهى الأمر بصلبه وقتله على يد بهرام بن هرمز.

أسسها ماني، المولود لأب صابئي الديانة، ولأسرة إيرانية عريقة في ولاية ميسان ببابل سنة 215 أو 216 بعد نزول المسيح u. انطلق ماني في بداية دعوته، زمن الملك أردشير، من بابل نحو بلاد فارس وبلوشستان والهند. ولم تغب عنه ديانة إلا درسها، من « الزرادشتية» و« البوذية» و« الهندوسية»، إلى « اليهودية» و« النصرانية». لذا فإن ديانته هي خليط من كل الأديان السائدة أو المعروفة حتى ذلك الحين[21]. فقد اعتنق « النصرانية»، وشرع في بناء الكنائس، وادعى أنه « البارقليط»، الذي بشر به السيد المسيح u، وأخذ عنها عقيدة التثليث. لكنه لم يوفر ديانة أو فلسفة في طريقه، إلا ونهل منها. فأخذ عن « البوذية» عقيدة الحلول والاستنساخ، وعن « اليهودية» السرية والكتمان والتنظيم. أما « الزرادشتية» فهي جوهر ديانته.

فالإله عند ماني هو الخير والنور، فيما الشيطان هو الخطيئة والظلام. وللخطيئة ثلاث وسائل هي: (1) القلب « النية» و (2) الفم « الكلمة» و (3) اليد « الفعل». ومن وصاياه: « لا ترتكب الخطيئة, لا تنجب, لا تملك, لا تزرع ولا تحصد, لا تأكل لحماً ولا تشرب خمراً ». وللديانة طبقة كهنوتية منظمة، تنقسم إلى أربع مراتب هي: (1) الحواريون، وعددهم 12، و (2) الشماسون، وعددهم 72، و (3) العقلاء، وعددهم 360، و (4) الصديقون غير محدودي العدد، و (5) السماعون، وهم العامة من الناس، المكلفون فقط بالصلاة أربع مرات يوميا، والسجود 12 مرة في كل صلاة، وصوم شهر نيسان من كل عام, ودفع العشر والزكاة، وتقديم الغذاء للصديقين[22].

نسب آرثر كريستنسن، أحد أشهر المتخصصين في التاريخ الفارسي، أقوالا لماني في الكتاب المقدس للمانوية، المسمى « شابورغان»، يقول فيها: إن الحكمة والأعمال هي التي لم تزل رسل الله تأتى بها في زمن دون زمن، فكان مجيئهم في بعض القرون على يدي الرسول الذي هو « البد» (بوذا) إلى بلاد الهند، وفى بعضها على يدي « زرادشت» إلى أرض فارس، وفى بعضها على يدي « عيسى» إلى أرض الغرب. ثم نزل هذا الوحي وجاءت هذه النبوة في هذا القرن الأخير على يديَّ أنا « ماني» رسول إله الحق إلى أرض بابل. ولما كان يبشر بدينه في الهند، كان يردد: « إني جئت من بلاد بابل لأبلغ دعوتي للناس كافة»[23]. ويقول أيضا: « يبشَّر الأنبياء بأوامر الإله أحيانا من الهند بواسطة زردشت، والآن أرسلني الله لنشر دين الحق في بابل»، و « أرسلني الله نبيا من بابل حتى تصل دعوتي العالم أجمع»[24].

بقيت الإشارة إلى أن ماني بدا، إلى حد ما أشبه ما يكون بانتهازية بولس، وهو يتلون بحسب ما تهوى الأقوام التي يلتقيها. فلأن غايته أن تبلغ دعوته العالمية، فقد سجل كريستنسن ملاحظة بالغة الدقة، حين قال بأن ماني: « طابق بين مذهبه، بمهارة، وبين الآراء والمصطلحات الدينية عند مختلف الأمم»[25]. وهي ذات ملاحظة سليم مطر في « المانوية». أي أنه كان زرادشتي مع الزراديشتيين، في ثنوية إله الخير وإله الشر، ونصراني مع النصارى، و « بالذات الأفكار الثنوية للقديس السرياني بن ديصان الذي دعا إلى نوع من المسيحية الثنوية، بالإضافة إلى المعتقدات البابلية والسامية السائدة»، وبوذي مع البوذيين، حتى أنه « في آسيا والصين أطلق على نفسه لقب بوذا الحي»[26].

  • « المزدكية»

 

أسسها مزدك بن بامداد، في فارس عام 487، خلال عهد قباذ ابن فيروز الساساني (448-531م)، والد كسرى أنو شروان. ومع أنه بدأ دعوته كمؤمن بعقيدة ماني إلا أن فلاسفة اليوم، قرؤوا دعارة « المزدكية»، بمنطق العدالة الاجتماعية الماركسية، دون أن يأتوا على ذكر الإباحية اللينينية في عشرينات القرن الماضي! فاعتبروا مزدك أول من وضع بذور الاشتراكية، حين نادى بتقسيم الأرزاق بين الناس بالتساوي. في حين أن مزدك نادى بالإباحية، وجعل الناس شركاء فيها، كاشتراكهم في الماء، والنار، والكلأ. لكنه لم يلبث قليلا حتى قتل على يد خسرو أنوشيروان الذي أعاد الاعتبار لمذهب زرادشت في الحكم.

تقوم فلسفة « المزدكية» على افتراض يعكس بؤس الواقع الاجتماعي والسياسي السائد آنذاك، ويرى بأنه إذا

كانت النساء والأموال هي مصدر الشرور (الأخلاق الشيطانية) فإن إباحتها، وجعلها مشاعا بين الناس، ستؤدي بالضرورة إلى اختفاء الفساد والشرور. فالذين احتكروا الأموال، وفرضوا القيود على النساء، وتسببوا بحرمان الناس من الزواج، هم المسؤولون عن الظلم والفساد المستشري في البلاد. وإذا كانت نزعة التملك لدى الإنسان تدفعه للاستئثار بهذين المتغيرين، ( المال والمرأة)، فإن انتزاعهما منه ستؤدي إلى تحريره من الذاتية، والاندراج في الجماعة، وبالتالي قهر الشيطان. ومن جهة أخرى ترى « المزدكية» أن العاديين من الناس لا يستطيعون التخلص من اللذات المادية إلا في اللحظة التي يستطيعون فيها إشباع هذه الحاجات طوعا. فلتكن هذه الحاجات إذن مشاعا عاما ينتفع منه الجميع.

يقول الشهرستاني في « المزدكية» أن مزدك: « أحل النساء وأباح الأموال وجعل الناس شركة فيها كاشتراكهم في الماء والنار والكلأ»[27]. ومن الطبيعي أن ينظر البعض إلى أن أول من سيرحب بمثل هذه الدعوة هم الغوغاء الذين عانوا الفساد والظلم والحرمان وكذلك الأغنياء والمترفين من طبقات الحكم وحتى الملوك. لذا كان من المثير أن تزيح « المزدكية» « الزرادشتية» عن عرشها، وتغدو الدين الرسمي للدولة الساسانية! ولا شك أن هذه الحظوة تمثل أبلغ دلالة على الفوضى العارمة التي ضربت الدولة من رأسها حتى أخمص قدميها، حيث تسود الرذائل والشهوات، وتسمو على كل فضيلة وقيمة أخلاقية. فما الذي يمكن توقعه في مثل هذه الحال الذي تصبح عليه الأمم؟

يجيب الطبري واصفا المشهد: « افترص السفلة ذلك، واغتنموا مزدك وأصحابه وشايعوهم، فابتلي الناس بهم، وقوي أمرهم، حتى كانوا يدخلون على الرجل في داره، فيغلبونه على منزله ونسائه وأمواله، لا يستطيع الامتناع منهم، وحملوا على تزيين ذلك، وتوعدوه بخلعه، فلم يلبثوا إلا قليلاً، حتى صاروا لا يعرف الرجل ولده، ولا المولود أباه، ولا يملك الرجل شيئا مما يتسع به»[28].

لم تنته « المزدكية» بعد القضاء عليها. فقد انزوت، وغدت تعمل تحت الأرض. وما لبث أن خرجت منها فرق عديدة، خاصة حلال الحكم العباسي. ولعل من أبرز مخلفاتها المدمرة كانت فرقة « الخرمية» التي أخذت تتوسع، حتى أتعبت الخليفة المأمون، فقضى وهو يوصي بالقضاء عليها، مهما كلف الأمر، وكذا فرق « الخرمدينية» و « المحمرة» و « المبيضة» وحتى فرق « القرامطة» و « الحشاشين». وهذه الأخيرة تكاد تكون نسخة أشد سوء من « المزدكية» في موضوع الإباحية.

 

  • بعض المقارنات مع « الإمامية»

 

       للإمامية طبقة إكليروس تسمى « المرجعية الدينية»، كما لـ « الزرادشتية» و« المانوية» و « اليهودية» و« النصرانية»، وعلى العامة واجب الطاعة لها. وحيثما قلبنا الأمر فلن نجد في المصنفات « الإمامية» والفتاوى والمرئيات والمسموعات والخطب والوعظ والإرشاد، قال الله، وقال الرسول، بقدر ما تواجهنا عبارات من قبيل قال: « الإمام الأكبر»، و « الإمام الأعظم»، و « القائم»، و « الغائب»، و « الحجة»، و« الوصي»، و « الآية العظمى»، …. بالإضافة إلى دعوات من نوع: « قُدس سره»، و «عجل الله فرجه»، و « عليه السلام»، و « جعلت فداه»، …. . ومن الواضح أن الدين، في مثل هذه الحالة، يؤخذ من القائمين على الكهنوت، ومرجعياتهم واجتهاداتهم وتأويلاتهم وتفسيراتهم، وليس من الكتاب الذي يزعمون أنه محرف إلا بما يوافق هواهم، ولا من السنة، التي لا يعترفون بها أصلا.

 

  • للإمامية مذهب يقوم على الرقم 12. به الماضي والحاضر والمستقبل. وهو يتعلق فقط باثني عشر فردا من بين 27، من ذرية علي بن أبي طالب البالغة من الذكور. وليس له أي أصل في القرآن إلا في آية السقاية التي وردت بحق بني إسرائيل في قوله تعالى: ﴿ وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَالْحَجَرَ ۖ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾، (البقرة: ٦٠وفي رؤيا النبي يوسف u: ﴿ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجدين، (يوسف: 4). ومن الواضح أنه لا علاقة لهما من قريب أو من بعيد بالأئمة الاثنى عشر. لكن الرقم في « اليهودية» يتعلق بالأسباط الاثني عشر، وفي « النصرانية» بالحواريين الاثنى عشر، وفي « الزرادشتية» باثني عشر سائحا، جاؤوا إلى فلسطين لرؤية مولد الطفل يسوع، وكذلك 12000 جلد ثور دُبغت، وكُتب عليها كتاب « الأفيستا»، وفي الكون الذي خُلق قبل 12000 سنة. أما في « المانوية» فثمة حديث عن 12 حواري في الطبقة الكهنوتية، بعث بهم ماني إلى جميع البقاع للتبشير بدعوته، و12 سجودا في كل صلاة.

 

  • « الإمامية» تبيح زواج المتعة كما « اليهودية»، بل تحرض عليه ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، وتجيز التمتع بالفتاة إذا تجاوزت العشر سنوات، وحتى التمتع بالرضيعة مفاخذة كما يُروى عن الخميني. وأكثر من ذلك يشيع بين أتبعاها نكاح الذكور، وهو ما لم تبحه « المزدكية» التي جعلت من الجنس مشاعا اجتماعيا. وينسب فتح الله الكاشاني في منهج الصادقين (ص356) لجعفر الصادق قوله: « إن المتعة من ديني ودين آبائي، فالذي يعمل بها يعمل بديننا, والذي ينكرها ينكر ديننا بل إنه يدين بغير ديننا، وولد المتعة أفضل من ولد الزوجة الدائمة، ومنكر المتعة كافر مرتد». لكن الثابت أن الجنس في الأديان الفارسية ظل أحد الثوابت، منذ عهد زرادشت و« الزرادشتية»، التي كانت تبيح زواج الابن لأمه، والأب لابنته، والأخ لأخته. ومن جهتها؛ تتحدث د. شهلا حائري، حفيدة المرجع الديني الإيراني، آية الله حائري، عن وجود شكل من أشكال الزواج المؤقت عند الإيرانيين قبل الإسلام، مشيرة إلى أنه: « عند الزرادشتيين يحق للزوج أو رب العائلة إعطاء زوجته أو ابنته من خلال إجراءات رسمية رداً على طلب رسمي إلى أي رجل من قومه يطلبها كزوجة مؤقتة لفترة محددة. وفي هذه الحالة تبقى المرأة زوجة دائمة لزوجها الأصلي وفي الوقت نفسه تصبح زوجة مؤقتة لرجل آخر. وأي طفل يولد خلال فترة الزواج المؤقـت يعود إلى الزوج

  • الدائم أو لوالد المرأة وفقاً للحالة»[29].

  • نقلت « الإمامية» عقيدة التثليث عن « النصرانية»، كما سبق ونقلتها « المانوية» عنها. فـ « النصرانية» تقول باسم « الأب والابن والروح القدس»، و« المانوية» تقول بـ « العظيم الأول والرجل القديم وأم الحياة»، و« الإمامية» تقول بولاية علي بن أبي طاب، وتثلثها بالأذان في عبارة تقول « أشهد أن عليا بالحق ولي الله». وهي العبارة التي نقلها الصفويون عن فرقة شيعية غالية تدعى بـ « المفوضة»[30]، ومن قبلهم الدولة العبيدية، التي وضعت عبارة « حي على خير العمل».

 

  • تؤمن « الزرادشتية» بالزكاة لكنها تقر العُشر، وهو ما تؤمن به أيضا « المانوية»، والتي تطالب طبقة « السماعون» ( عامة الناس) بتقديم الغذاء لـ « الصديقين». وأما « الإمامية» فتجمع الخمس للإمام و « آل البيت».

  • تؤمن « الإمامية» بعقيدة « الرجعة»، كما تؤمن بها « اليهودية» و« النصرانية» و« المانوية»، التي يعتقد أتباعها أن ماني صعد إلى السماء ولم يمت، وأنه سيعود.

  • تؤمن « الإمامية» بأن الأئمة يعلمون الغيب، وهو ما يقول به التلمود البابلي عن الحاخامية « اليهودية». بل إن الأئمة يعلمون متى سيموتون.

  • تؤمن « الإمامية» بتناسخ الأرواح، كما « المجوسية» « البوذية»، وترقية الأئمة إلى مستوى الألوهية، بل وادعاء الألوهية، كما في « السبئية» و« الدرزية» و« النصيرية».

 

  • تعقد « الإمامية» الإيمان والكفر، ودخول الجنة والنار، والشفاعة والخلاص، على رضى آل البيت وحبهم. وهي عقيدة « اليهودية» في « شعب الله المختار».

  • تؤمن « الإمامية» بـ « التقية»، وتعتبرها « تسعة أعشار الدين»، وتنفي الإيمان عمن لا تقية له. وقد أخذتها عن « اليهودية» التي تؤمن بالسرية والكتمان والتنظيم. أما القيمة العقدية لها، فلا تكمن في الكذب فحسب، بل في هوية الدين ذاته. وهو ما عبر عنه « الكافي – 2/222»، في رواية له عن الإمام جعفر، حين قال لأحد

أعوانه: « يا سليمان، إنكم على دين من كتمه أعزه الله، ومن أذاعه أذله الله».

  • شابهت « الإمامية المجوسية»، برفعها شعارات « يا لثارات الحسين»، تأسيا بشعارات المجوس « يا لثارات كسرى»، بعد الفتح الإسلامي لفارس. كما تحتفل « الإمامية» الفارسية بأعياد النيروز الفارسية، وتقدمها على احتفالاتها السنوية بذكرى عاشوراء. وتعتمد التقويم الفارسي. بل وفي العقائد ما هو أعجب من ذلك. إذ ينسب المجلسي في بحار الأنوار (14/41) رواية عن علي ابن أبي طالب يقول فيها: « إن النار محرمة على كسرى»!

  • تقول « الإمامية» بعدم وجود الجهاد قبل ظهور « الإمام الغائب»، وكذا يغيب الجهاد عن « الزرادشتية» و« المانوية» و« المزدكية». لكنها لا تمتنع عن الفتن والقتل وسفك الدماء باسم الدفاع عن المذهب وآل البيت أو المراقد المزعومة حيثما تجري صناعتها.

  • تقيم « الإمامية» طقوس استشهاد الحسين بن علي بن أبي طالب، بمراسيم مشابهة لطقوس « المانوية»، في حادثة صلب ماني وقتله، فضلا عن طقوس الكنيسة، في صلب المسيح u.

  • يتحدث علي شريعتي عن طقوس شيعية قادمة من الكنيسة، وحتى عن تماثل في بناء الحسينيات، وزينتها ووظائفها. وعن تشابهات في طقوس التطبير واللطم والضرب بالزناجير، تماثل ما لدى الكنيسة « النصرانية»، والطقوس « البوذية». ويقول: « ذهب وزير الشعائر الحسينية إلى أوروبا الشرقية وكانت تربطها بالدولة الصفوية روابط حميمة يكتنفها الغموض، وأجرى هناك تحقيقات ودراسات واسعة حول المراسم الدينية والطقوس المذهبية والمحافل الاجتماعية المسيحية وأساليب إحياء ذكرى شهداء المسيحية والوسائل المتبعة في ذلك حتى أنماط الديكورات التي كانت تزين بها الكنائس في تلك المناسبات، واقتبس تلك المراسيم والطقوس وجاء بها إلى إيران حيث استعان ببعض الملالي لإجراء بعض التعديلات عليها لكي يصلح استخدامها في المناسبات الشيعية، وبما ينسجم مع الأعراف والتقاليد الوطنية المذهبية في إيران، ما أدى بالتالي إلى ظهور موجة جديدة من الطقوس والمراسم المذهبية لم يعهد لها سابقة في الفلكلور الشعبي الإيراني، ولا في الشعائر الدينية الإسلامية. ومن بين تلك المراسيم النعش الرمزي والضرب بالزنجيل والأقفال والتطبير واستخدام الآلات الموسيقية وأطوار جديدة في قراءة المجالس الحسينية جماعة وفرادى، وهي مظاهر مستوردة من المسيحية بحيث يستطيع كل إنسان مطلع على تلك المراسيم أن يشخّص أن هذه ليست سوى نسخة من تلك».

أما عن النوائح وما يرافقها من شعائر فيتابع القول: « أما النوائح التي تؤدى بشكل جماعي فهي تجسيد دقيق لمراسيم مشابهة تؤدى في الكنائس ويطلق عليها اسم (كر) كما أن الستائر ذات اللون الأسود التي توشح بها أبواب وأعمدة المساجد والتكايا والحسينيات وغالباً ما تطرز بأشعار جودي ومحتشم الكاشاني هي مرآة عاكسة بالضبط لستائر الكنيسة، مضافاً إلى مراسيم التمثيل لوقائع وشخصيات كربلاء وغيرها، حيث تحاكي مظاهر مماثلة تقام في الكنائس أيضاً. وكذلك عملية تصوير الأشخاص رغم كراهة ذلك في مذهبنا، حتى هالة النور التي توضع على رأس صور الأئمة وأهل البيت هي مظهر مقتبس أيضاً،

 وربما امتدت جذوره إلى طقوس موروثة عن قصص أيزد ويزدان وغيرها من المعتقدات الزرادشتية في إيران القديمة»[31].

  • ويتحدث سليم مطر، من جهته، عما يراه « التشابه الأهم من ذلك بين الشيعة والمانوية», والذي يتعلق باختيار مدينة الحلة ثم النجف, لتكون المنطقة المقدسة، ومقر الحوزة العلمية، ومركز الشيعة في العالم. وفي المقابل اختار المانويون، وقبلهم أهل الرافدين، بابل لتكون المركز المقدس لديانة أسلافهم. أما وجه الأهمية فيقع في كون الحلة والنجف جزء من جغرافيا بابل التاريخية[32].

المبحث الثالث

الحركة الشعوبية

 

  احتلت الشعوبية من « الإمامية» منزلة الأس، بكل ما أنتجته من تحريفات في الدين، وفرق باطنية، وعداء بغيض للعروبة والعربية، وتزييف التاريخ والخيانة على مدار التاريخ. لذا كانت خلاصة الباحث العربي الأحوازي، صباح الموسوي، ملفتة حين قال بأن: « الشعوبية زعمت بأن الإسلام مشروع تعريب وليس دينا سماويا». وفي السياق؛ ينقل الموسوي عبارة مثيرة عن الرئيس الإيراني الأسبق، محمد خاتمي، خلال اجتماعه بالجالية الإيرانية في أمريكا، لحضور احتفالات الألفية الثانية، التي أقيمت في ولاية نيويورك، بدعوة من الأمم المتحدة، قوله: « نفخر نحن الإيرانيين بأننا قبلنا الإسلام ورفضنا العربية». والحقيقة التاريخية أن أغلب الشعوب الأعجمية التي دخلت الإسلام، ظلت محتفظة بلغتها، لكنها لم تقل في يوم ما أنها قبلت الإسلام ورفضت العربية. أما إيران فقد رفضت العربية والعروبة على السواء! فكيف قبلت دينا جاء به نبي عربي، وكتابا من السماء نزل باللغة العربية؟ فإنْ كانت تقبل الإسلام فعلا؛ فبأي لغة ستقرأه أو تفهمه؟ وكيف قبلت لغتها الحرف العربي بينما رفضت العربية من الأصل؟

 

   تأتي مثل هذه التصريحات من رئيس جمهورية، يعلم يقينا أن العربية في صدر الإسلام، كانت تغزو العالم الإسلامي، وتستوطن في شغاف قلوب المسلمين، كمدخل، لا مندوحة عنه، للتعرف على الدين الجديد، وفهمه عميقا باللغة التي نزل بها القرآن الكريم. بل أن أميز علماء الحديث، كانوا من الأعاجم، وحتى من فارس، التي رفض شعوبيوها العربية. وأكثر من ذلك أنها صارت لغة التباهي والاعتزاز، التي يتسابق إلى تعلمها كل من دخل الإسلام، إلا عند مجوس فارس وورثتهم، فهي مرفوضة ومحقرة ومحاربة، هي وأهلها! فأي إسلام هذا الذي قبلته فارس ولم تقبل معه لغته ولا أهله وحاضنيه؟ فهل مشكلة فارس مع العربية والعروبة؟ أم مع الإسلام؟ بحسب صباح الموسوي؛ يبدو أنها مع الإسلام.

 

   لكنها، في الواقع، مع الاثنين معا. إذ من شبه المستحيل الفصل بين الإسلام والعربية أو العروبة. وهذا ما أقر به المفكر الإيراني، والأستاذ بجامعة طهران، صادق زيبا، لأسبوعية « صبح أزادي» الإيرانية، حين قال: « أعتقد أن الكثير من الإيرانيين يكرهون العرب، ولا فرق بين المتدين وغير المتدين في هذا المجال». وفي تفسيره للنزعة العنصرية الفجة تجاه العرب « يعتقد» أن: « هناك علاقة مباشرة بين تدني المستوى الثقافي والنزعة العنصرية»، إذ أن: « نفس المعادلة نشاهدها في أوروبا حيث أغلبية العنصريين غير متعلمين، فنراهم يعادون اليهود والمسلمين والأجانب، إلا أن هذا الأمر يختلف في إيران تماماً لأنكم ترون الكثير من المثقفين يبغضون العرب، وتجدون الكثير من المتدينين ينفرون منهم، إلا أن هذه الظاهرة أكثر انتشاراً بين المثقفين الإيرانيين، فهذه الظاهرة تنتشر بين المتدينين على شاكلة لعن أهل السنة». ويوضح بأن: « الحقد والضغينة تجاه السنة ورموزهم لدى الكثير من الإيرانيين هو في واقع الأمر الوجه الآخر للحقد على العرب»[33].

 

   في الحقيقة ثمة صعوبة في فهم تبريرات زيبا الثقافية! فليس من المنطق القول بأن « هناك علاقة» و « مباشرة بين تدني المستوى الثقافي والنزعة العنصرية»، ثم القول بأن الظاهرة تنتشر بين المثقفين بشكل صريح، فيما يجري التعبير عنها لدى المتدينين بلغة « لعن أهل السنة». فما الموقف مثلا من شخصيات جمعت بين السياسية والدين؟ وتتربع على قمة هرم السلطة، كمرشدَي الثورة، خميني وخامنئي، ورؤساء الجمهورية كخاتمي ونجاد؟ أو شخصيات أكاديمية رفيعة، كشريعتي، حين يقول: هجمت الخلافة مرة أخرى، وأغار سعد بن أبي وقاص آخر في قادسية أخرى. وزحف وحوش العرب من جهة الغرب هذه المرة. فنهبوا مدائن « نا ». ودفنوا لغتنا وإيماننا وثقافتنا وتاريخنا. وجاؤوا بالعبودية والجهل بستار المدنية والعلم. وهدموا الأسوار والبروج وأسقطوا الجدر والسقوف. وأطفأوا نيران المعابد[34]. هذا مع العلم أن شريعتي من المفترض أنه من أشد المناهضين للصفوية والشعوبية!!! وهل ينطبق موقف هؤلاء من العرب والعروبة على الرسول r؟ وعلى آل بيته؟ وعلى الأئمة رضوان الله عليهم؟ وهل تنطبق أحقادهم على آيات الله البينات، حين يقول عز وجل: ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾، (الأحقاف:12)، وقوله: ﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾، (الشعراء: 195). بمعنى آخر: هل الفرس المجوس من ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؟ أم من ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾؟

الثابت الذي لا مراء فيه أن عداء فارس للعرب يسبق الإسلام. أما وجه الثبات في الأمر، فله من وقائع التاريخ والأحداث ما لا يحصى ولا يُعَد. أما أدبيا، فأبلغها جاء عبر قصيدة لَقيطِ بنِ يَعمُر بن خارجة الإيادي، أحد فحول الشعراء في العصر الجاهلي. وهو الذي كان يعمل كاتبا عند كسرى. ولعله علم بحكم مهنته، ما يدبره الفرس للعرب من حرب قادمة، فما كان منه إلا المسارعة إلى تحذير بني قومه، في قصيدة هي بحق تصلح لهذا الزمان[35]. تقول بعض أبياتها:

يا دارَ عَمْرَةَ مِن مُحْتَلِّها الجَرَعا          هاجَتْ لي الهَمَّ والأَحْزانَ والوَجَعا

              يا قوم لا تأمنوا إن كنتمُ غيراً            على نسائكم كسرى وما جمَعا

              يا أَيُّها الرَّاكِبُ المُزْجى على عجَلٍ         إِلى الجَزِيرَةِ مُرْتاداً ومُنْتَجِعا

              أَبْلِغْ إِياداً، وخَلِّلْ في سَراتِهِمُ               إِنِّي أَرَى الرَّأْيَ، إِنْ لَمْ أُعْصَ قد نَصَعا

             يا لَهْفَ نَفْسِيَ إِنْ كانَتْ أُمُورُكُمُ            شَتَّى، وأُحْكِمَ أَمْرُ النَّاسِ فاجْتَمَعا

             أَلاَ تَخافُونَ قَوْماً لا أَبَا لَكُمُ                 أَمْسَوا إِليكمْ كأَمْثالِ الدَّبا سِرَعا

                                             ….

             في كُلِّ يومٍ يَسُنُّونَ الحِرابَ لكم           لا يَهْجَعُون إِذا ما غافِلٌ هَجَعا

            لا حَرْثَ يَشْغَلُهُمْ بل لا يَرَوْنَ لهمْ          مِن دُونِ قَتْلِكُمُ رَيّاً ولا شِبَعا

                                             .

وتَلْبَسُونَ ثِيابَ الأَمْنِ ضاحِيَةً             لا تَجْمَعُون وهذا الجَيْشُ قد جَمَعا

            مالِي أَراكُمْ نِياماً في بُلَهْنِيَةٍ               وقد تَرَوْنَ شِهابَ الحَرْبِ قد سَطَعا


   على كل حال، فبالرغم من الوضوح النسبي في المعنى اللغوي للشعوبية إلا أن المشكلة في توصيفها ظلت حاضرة في أغلب الأبحاث التي تناولتها، سواء لجهة اعتبارها حركة أو نزعة أو عقيدة أو اتجاه أو تيار أو فلسفة أو حتى ثقافة. وإذا قبلنا فكرة أنها ظهرت مع نهايات الحكم الأموي (41 – 132هـ / 662 – 750م) وبداية الحكم العباسي، فهذا يعني أنها حافظت على الاستمرارية دون توقف لأكثر من 1250 عاما. ولا يخلو وصف د. عبدالله السامرائي للشعوبية من وجاهة معتبرة حين يقول بأنها: « مجموعة مواقف متحدية يدفعها الوعي حينا فتكون منظمة، ويدفعها الحقد والحسد حينا آخر فتكون نزعة عدائية غير منظمة».

 

   والثابت أن الجاحظ في كتابه « البيان والتبيين» كان أول من ذكرها رسما في التاريخ بالقول: « لم نرَ قوماً أشقى من هؤلاء الشعوبية ولا أعدى على دينه ولا أشد استهلاكاً لعرضه». وفي تفسير القرطبي قال عنها: « الشعوبية تبغض العرب وتفضل العجم»، وكذا الزمخشري في أساس البلاغة: « هم الذين يصغّرون شأن العرب ولا يرون لهم فضلاً على غيرهم»، وقال عنها ابن قتيبة: « لم أر في هذه الشعوب أرسخ عداوة ولا أشد نصباً للعرب من السفلة والحشوة». أما ابن تيمية فبعَّضَهم، بحيث لا يطال التوصيف كل الفرس، فقال: « من الناس من قد يفضل بعض أنواع العجم على العرب والغالب إن مثل هذا الكلام لا يصدر إلا عن نوع نفاق إما في الاعتقاد وإما في العمل المنبعث عن هوى النفس .. إن بغض جنس العرب ومعاداتهم كفر أو سبب للكفر». وقال فيها البغدادي: « الذين يرون تفضيل العجم على العرب ويتمنون عودة الملك إلى العجم». ومن جهتها اختصرت الإنسكلوبيديا البريطانية الشعوبية بالقول أنها: « كل اتجاه مناوئ للعروبة».

                                            

     والسؤال: مع أن بعض الهنود والترك، خاصة من الفرس أو المتحدثين بالفارسية، وكذا الأندلسيين الذين طالتهم الشعوبية الفارسية في توسعها التاريخي، قبل أن تندثر إلى حد ما، لكن ما الذي جعلها تتضخم عند الفرس دون غيرهم من الشعوب والأمم؟

 

    لا ريب أن أول الإجابات تتصل بكثرة دخولهم الإسلام. لكن المشكلة أعمق من ذلك. إذ ثمة الكثير من الشعوب والأمم دخلت الإسلام وكانت أكثر عددا من فارس. فكل بلاد الترك دخلت الإسلام، وكذلك الأكراد، والمصريين وحضارات ما بين النهرين وبلاد الشام وشمال أفريقيا وأجزاء من أفريقيا وشرقا وصل الإسلام حتى أقاصي الأرض مرورا بالهند والصين وماليزيا وإندونيسيا، وشمالا بلغ أوروبا. ومع ذلك لم تظهر الشعوبية فيها، ولم يحتج سكانها على العربية أو يرفضوها أو يعادوا ملتها. فلماذا فارس بالذات؟ ولماذا بدت نظرية ابن خلدون القائلة بأن « المغلوب مولع بالاقتداء بالغالب» وكأنها، على الأقل، مهتزة إنْ لم تكن بلا جدوى مع فارس؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

تاريخية العداء والحقد الفارسي المجوسي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الأول

الفتح الإسلامي وصعود القومية الفارسية

 

 

    كانت الإمبراطورية الفارسية، من حيث القوة والنفوذ والسيطرة، إمبراطورية عالمية وليست إقليمية، وفي حالة تنافس وصراع دائم مع الإمبراطورية الرومانية الشرقية. وبطبيعة الحال كانت تعتبر نفسها سيدة، فيما رعاياها من الشعوب الأخرى عبيد[36]. وكانت متواجدة في شمال الجزيرة العربية وجنوبها، ومسلحة تسليحا قويا، عدةً وعتاداً، وذات خبرات عريقة في السياسة والتنظيم والحرب، حتى أن العرب، في ظل الإسلام، ظلوا يهابون سطوتها وغضبها. لذا لم يكن أحد من الفرس، أو غيرهم، ليتخيل قوة ما، تعلن الحرب على إمبراطورية بهذا الحجم والقسوة، فكيف بمن لا يملكون أدنى مقارنة من المسلمين؟ وكيف بهم يهددون عرش فارس، وهم بالكاد خرجوا من حروب الردة؟ بل ويهدمونه إلى غير رجعة؟ وينجحون في التأسيس لنواة إمبراطورية عالمية عابرة للقارات، في فترة قياسية لا تتجاوز 13 عاما، بدأت مع الصدّيق وانتهت بعمر ابن الخطاب، خلال الفترة ما بين 11هـ -633م / 23هـ – 644م!!!؟

 

وكي نفهم حقد المجوس على العروبة والإسلام، وسعي أحفادهم إلى التوسع، أملا في استعادة أمجاد الإمبراطورية، يتوجب علينا مقاربة هذا السلوك النفسي بالواقع التاريخي. فلم يك الفتح الإسلامي لفارس ليتوقف عند هزيمة نكراء في معركة القادسية أو نهاوند. بل كان يعني إطفاءً تاما لنار أول إمبراطورية أقيمت في العالم، في الفترة ما بين 550 ق.م – 630م، … إمبراطورية وصل لهيبها شرقا إلى بلاد الهند والأفغان، وغربا إلى العراق وبلاد الشام ومصر وليبيا، وكامل القوس الشمالي من بلاد الترك حتى الحدود الغربية للهند والصين، بالإضافة إلى بلغاريا، وجنوبا إلى الجزيرة العربية. وبالمقارنة لم تكن الإمبراطورية الفارسية كالإمبراطورية الرومانية في ذلك الحين. لذا كانت هزيمتها في معركة اليرموك أقل ضررا بعودتها إلى وطنها الأم، وكذا الأمر حتى بالنسبة للإمبراطورية الرومانية الشرقية، فقد ظلت الهزيمة الفادحة في القسطنطينية (1453م) قابلة للاستيعاب من قبل عالَم النصارى، واستعادة المبادرة في أزمان لاحقة. لكنها بالتأكيد لن تكون مجرد هزيمة لو أن روما سقطت!

     لذا كان قرار أبي بكر الصديق، في مواجهة فارس في العراق، واحدا من أعظم القرارات في التاريخ الإنساني وأغربها. أما الخليفة الثاني، عمر بن الخطاب، فقد اتخذ قرارا حاسما في ملاحقة فارس، ليس في العراق فحسب، بل وفي عقر دارها، ومطاردتها حتى حدود السند، وإسقاط الإمبراطورية الساسانية، بجغرافيتها وعسكريتها ونظمها السياسية والدينية والاجتماعية، وتشريد أكاسرها وملوكها، وملاحقتهم حتى في ملاذاتهم، وحرمانهم للأبد من فرصة الرد أو حتى استيعاب الصدمة.

 

   فقد أثبت المسلمون في حربهم لفارس تفوقا ساحقا، فيما أظهرت الحرب عيوب الدولة وخوائها، وجبن الفرس في خوض المعارك، لاسيما أن الجنود كانوا يقيدون بالسلاسل. ومع ذلك فقد كان الفرار غالبا عليهم. فمن أعجب الحقائق، أن المسلمين العرب، المعدمين إلا من قوة الإيمان (1) تجرؤوا، بلا أية مقدمات، على اتخاذ القرار بالتوسع، وعلى (2) أن يكون الهدف في أول الفتوحات الإمبراطورية الأعظم، وأصروا على (3) خوض عشرات المعارك والحروب معها، ونجحوا في (4) تجريدها من مراكزها الإستراتيجية وحواضرها وقراها ومدنها، و (5) ومطاردتها، حتى (6) إسقاطها، و (7) إزالتها من الوجود، بل و (8) قطع دابر السلالة الساسانية، حتى لا يكون كسرى بعد كسرى[37].

 

   لكن الحقيقة الأشد عجبا ودهشة، هي براعة الخليفة عمر في إدارة وقائع الحروب ضد إمبراطورية شاسعة، وذات بأس شديد، وفي أوج عظمتها، وعلى بعد آلاف الأميال، بكفاءة مذهلة، حتى يكاد الناظر في وقائع الحروب، يرقب عمر بن الخطاب، وكأنه في غرفة عمليات ضخمة، ومجهزة بأحدث أدوات الاتصال والتواصل، ويراقب قلب كل مدينة أو قرية أو ثغر، لكثرة ما يتلقى من معلومات واستيضاحات من القادة، ولما يتوفر له من كم هائل من التفاصيل، وما يتبعها من عقد الاجتماعات التشاورية مع الصحابة والقادة، أو لكثرة مما يصدر عنه من القرارات والتعليمات، لكل ما تتطلبه الضرورة الحربية، من كسب للوقت والتعامل معه بدقة بالغة.

لقد حطم المسلمون، في حربهم ضد فارس، القوة الميدانية للإمبراطورية الساسانية، في أربع معارك ضخمة هي: البُويب والقادسيَّة وجلولاء ونهاوند. لذا فقد شعر « أبناء الحرة» بإهانة بالغة، تلقوها من « أبناء الجارية»، أحط الناس، وأشدهم عبودية لهم، والأنكى؛ أنه من المفترض الأقل خطرا عليهم. ولعل تقييم ابن حزم الأندلسي لا يخلو من وجاهة، وهو يفسر ظهور الشعوبية بالقول أن: « الفرس، كانوا من سعة الملك وعلو اليد على جميع الأمم، وجلالة الخطر في أنفسهم حتى أنهم كانوا يسمون الأحرار الأبناء، وكانوا يعدون سائر الناس عبيداً لهم، فلما امتحنوا بزوال الدولة عنهم على أيدي العرب، وكان العرب أقل الأمم عند الفرس خطراً تعاظم الأمر، وتضاعفت لديهم المصيبة وراموا يد الإسلام بالمحاربة في أوقات شتى، ففي كل ذلك يظهر الله الحق».

يحدث هذا في لحظة شعور بالصعود القومي، ونمط حكم قائم على المزج بين الملك والكاهن، مكّن فارس من التمتع بقدر من التمدن والتطور، حتى صار مصدرا ضخما للثروة والشعور بالعظمة. لكنه بنفس الوقت، تَسبب بالصراع على السلطة وامتيازاتها، حتى أن عرش الإمبراطوريَّة الساسانيَّة تولّاه أحد عشر ملكًا على مدى أربع سنوات، كان آخرهم يزدجرد الثالث .. وفجأة ينهار كل شيء. لذا لم يتقبل أغلب الفرس الإسلام في البداية. بل أنهم أثناء الحروب، غالبا ما كانوا يصالحون على الجزية، بدلا من الدخول في الإسلام. لكن؛ هل يكفي الفتح الإسلامي لفارس، في تبرير ظهور الشعوبية، واستمرارها إلى هذا الوقت؟

 

    ثمة اتجاه يقر بذلك، ويعبر عنه الكثير من الأكاديميين الإيرانيين. وفي السياق أوردت أسبوعية « صبح آزادي»، السابقة الذكر، رأيا لصادق زيبا، يقول فيه: « يبدو أننا كإيرانيين لم ننس بعد هزيمتنا التاريخية أمام العرب، ولم ننس القادسية بعد مرور 1400 عام عليها، فنخفي في أعماقنا، ضغينة وحقداً دفينين تجاه العرب، وكأنها نار تحت الرماد، قد تتحول إلى لهيب، كلما سنحت لها الفرصة»[38]. العجيب في كلام الأكاديمي الإيراني أن يتذكر القادسية بالاسم، ويضع  نهاوند في ذمة التاريخ! وهنا يكمن بعض آخر من أسرار الضغينة والحقد المستمرين.

فما تعرضت له فارس على يد المسلمين لم يكن مسبوقا في تاريخ الحضارات والقوى الكبرى. ولو أن إمبراطورية ما سقطت بالسرعة القياسية التي سقطت بها فارس، أو قريبا منها، لكان لديهم ما يكفي لمواساتهم. لكن هذا لم يحدث فيما مضى. لذا فقد شعر الفرس بمرارة، لم يشعروا بها من قبل، لا هم ولا غيرهم! وكأن الأمر جرى في غفلة من الزمن، لا هي مسبوقة، ولا متخيلة.

المأساة الثانية التي عاشها الفرس، والتي تفسر ذِكْر المفكر الإيراني للقادسية بالاسم، أن بلادهم هي هضبة تفتقر للأنهار والخَصْب، وتحتضن صحراوين جدباوتين. لذا فقد ظلت أنظارهم، طوال تاريخهم، تتوجه نحو السهول والمياه في بلاد الرافدين، حيث وَفَر العيش ورغده، وموطن الحضارات الزاخرة بحق. فكان شظف الحياة والعيش، هو الذي يدفع قبائل فارس على الدوام إلى ممارسة الغزو، والنظر إلى الأحواز العربية والعراق، باعتبارها سلة غذائها وغناها، حتى قبل أن تتشكل الإمبراطورية الفارسية، وتغدو إمبراطورية حربية توسعية واستهلاكية، تمارس العبودية بحق غيرها. لذا فالرجل؛ يتذكر القادسية كون البلاد، وما فيها من مصادر المعيش، بالنسبة لهم، هي مسألة حياة أو موت، لا خيار لهم فيها سوى الغزو. فكيف سيكون الأمر إذا غدت مصدر غنى وتجارة واستيطان[39] وحتى مركزا الإمبراطورية؟

المبحث الثاني

 

 مجتمع الأسياد – العبيد

 

   حتى انهيار الإمبراطورية الساسانية، ظل النظام السياسي والاجتماعي في فارس قائما على ثنائية الأسياد والعبيد، في الداخل والخارج. وهو ذات المنطق الفرعوني[40]، وكذا المنطق اليهودي، صاحب مقولات « الغوييم» و « الأغيار» و « شعب الله المختار». ففي الداخل ثمة أسياد وعبيد، وفي الخارج فإن فارس هي السيدة وغيرها عبيد. مثل هذه النظرة الاستعلائية، نجدها في المصنفات التاريخية وكتب علماء « الإمامية»، وتخترق الثقافة والدين على السواء. وتصل إلى حدود هوية « الإمام الغائب» الذي سيكون فارسيا، أو على الأقل من ذرية الحسين، الذي تزوج بحسب مزاعم « الإمامية» من شهربانويه، ابنة يزدجر الثالث، آخر ملوك السلالة الساسانية. أما اليوم فترِد على ألسنة أعلى هرم السلطة في إيران[41].

    مثل هذه الثقافة تحتل ركنا ركينا في مجتمع قبلي عميق، بحيث تغدو فيه لفظة « السيد» أساس العلاقة بين زعيم القبيلة وأتباعه. لكنها ستغدو أعمق أثرا، حينما تعتاد أمة على المزاوجة بين الزعامة القبلية والزعامة الدينية. ففي مثل هذه الحالة لن يكون النظام السياسي إلا نسخة طبق الأصل عن النظام الاجتماعي. وهذا ما كان أحد مواضيع البحث عند د. عبدالله محمد الغريب حين أشار إلى أن: « الزعامة الدينية في بلاد فارس كانت تتمثل في قبيلة من القبائل»، أما: « رجال القبيلة الدينية فهم ظل الله في الأرض، وقد خلقوا لخدمة الآلهة، والحاكم يجب أن يكون من هذه القبيلة، وتتجسد فيه الذات الإلهية، وتتولى هذه العائلة شرف سدانة بيت النار». ويخلص إلى القول بأن: « عبادة الله عن طريق القبيلة هو الذي دفع الفرس إلى التشيع لآل البيت لا حبا بآل البيت ولكن لأن هذا التصور يلائم عقيدة المجوس». إذ: « لا بد من عائلة مقدسة تتولى شؤون الدين، ومن هذه العائلة المقدسة الحكام وسدنة بيوت النار، ومن أهم هذه العائلات: ميديا، المغان»[42].

    أما من جهته فقد قدم أستاذ الدراسات الإيرانية في جامعة كوبنهاجن في الدانمرك، آرثر كرستنسن، قراءة عميقة، لبنية المجتمع الفارسي الطبقية، وعلاقته في النظام السياسي[43]. ووفق تراتبية هرمية وحادة، نجد صداها في الفلسفة الإغريقية القديمة، ثمة بنية طبقية حادة، حتى أنها تخترق كل طبقة من طبقات النظام. والعجيب أن البناء الطبقي في فارس، تصاغ وحداته وفق الكتاب المقدس المنسوب للمجوسية، والشهير باسم « الأفيستا». ويلفت كريستينسن الانتباه إلى أن: « الهيكل الاجتماعيّ والإداريّ من الأُمور المُقدَّسة، التي لا تحتمل التغيير، حتَّى أواخر عهد الإمبراطوريَّة». وينقل عن « الأفيستا» نصها على ثلاث طبقات اجتماعية، باستثناء طبقة الحكام. وهي: « (1) رجالُ الدين، و (2) رجالُ الحرب و (3) الحرَّاثين، وأصحاب المهن والحِرف». ويلاحِظ أنَّ: « تطوّر الحياة العامَّة في الإمبراطوريَّة، أفرز نظامًا سُباعيًّا على أساس سبع طبقات، وقُسِّمت كُل طبقة بدورها إلى عدَّة أقسام». وأن: « المُجتمع الفارسي الساساني قائمٌ على نظام مُلزم للطبقات، وفق هيكلٍ أنشأه مؤسس هذه السُلالة، الشاه أردشير بن بابك». أما الطبقات السبع فهي:

  • الطبقة الأولى،هم المُلوك والأُمراء وحُكَّام الولايات، وعلى رأسهم شاه فارس الذي يحكم وفقًا لِنظريَّة الحق الإلهي المُقدَّس للمُلوك، ويحمل لقب « شاهَنشاه» أي « ملك المُلوك».

  • الطبقة الثانية، هم الأشراف، والطبقة القويَّة المُكوَّنة من رؤساء الأُسر السبع المُمتازة، ولِكُلِّ أسرةٍ منها منطقة نُفوذ تُقيمُ فيها إلى جانب انخراط أفرادها في البلاط، ويحتكرون بعض الوظائف العامَّة مثل تتويج الملك والتعبئة العسكريَّة وإدارة شؤون الحرب وجباية الضرائب.

  • الطبقة الثالثة،هم رجال الدين، وهم عدَّة أقسام، يرأسهم قاضي القضاة أو « موبذان موبذ»، ثُمَّ المؤابذة والزُهَّاد والسدنة، والهرابذة خُدَّام النار المُقدَّسة.

  • الطبقة الرَّابعة، هم رجال الحرب، يترأسهم « إيران سپهبد»، وتشمل صلاحيَّاته وزارة الحرب وقيادة الجيش العُليا، يليه الضُبَّاط على اختلاف رُتبهم ويُطلق عليهم لقب « الأساورة».

  • الطبقة الخامس، هم موظفو الدواوين أو الكُتَّاب، وتضم كُتَّاب الرسائل والحسابات والشُعراء والأطباء والمُنجمون.

  • الطبقة السَّادسة، هم «الدَّهاقون»، رؤساء القُرى ومُلَّاك الأراضي الذين يستمدون قوَّتهم من الملكيَّة الوراثيَّة للإدارة المحليَّة، ومسؤوليته جباية الضرائب وتمويل الدولة.

  • الطبقة السَّابعة، هي طبقة الشعب، وهم الفلَّاحون والصُنَّاع والرُعاة والتُجَّار وأهل الحِرف.

حين قسم أفلاطون في كتابه « The City»، المعروف باسم « الجمهورية»، راعى في التقسيم حظر الارتقاء من الطبقات الدنيا إلى طبقة الأرستقراطيين، إلا بشروط. وكذا الأمر في النظام الفارسي. فالارتقاء مسموح لكن بشروط[44]. أما فيما يتعلق بطبقة رجال الدين فمن المحظور الانتساب إليها إلا وراثيا، لأنها طبقة ترتبط فيما بينها بموجب خط الدم وليس أي خط آخر. فإذا كانت هذه الطبقة هي المسؤولة عن بلورة النظام الاجتماعي والتحكم بالنظام السياسي، وهي المتحدة مع طبقة الأكاسرة والملوك، فمن الطبيعي أن يكون النظام السائد عبوديا بامتياز، ومن الطبيعي أكثر أن تكون ثقافة الطبقة السابعة (الشعب) هي ثقافة العبيد بامتياز أيضا. وهكذا تبدو الثقافة الفارسية التي ينادي بتعميمها خامنئي على العالم، هي ثقافة « السيد – العبد»!!! ويا لها من ثقافة! لو يتذكرها المرشد ويتأملها، حين كانت الكوفة، خلال الفتنة، الأشد تعبيرا عنها، لاسيما وأن معظم سكانها كانوا من الفرس[45]. هؤلاء الذين أنهكوا الخلفاء، وقتلوا علي وولده الحسين، رضي الله عنهما، وهم يطالبون بالتوريث، الذي اعتادوا عليه، وأتعبوهم لكثرة ما مردوا على الفتن والنفاق، والخروج على السلطة في عهد فارس، حتى قال فيهم عمر بن الخطاب: « أعياني وأعضل بي أهل الكوفة، ما يرضون أحدا ولا يرضى بهم. لا يصلحون ولا يصلح عليهم»، ( المعرفة والتأريخ2 /754). وقال فيهم علي بن أبي طالب: « اللهم إني قد مللتهم وملوني، أبغضتهم وأبغضوني، وحملوني على غير طبيعتي وخلقي، وأخلاق لم تكن تعرف لي، فأبدلني بهم خيرا منهم، وأبدلهم بي شرا مني. اللهم أمت قلوبهم ميت الملح في الماء»، ( تأريخ دمشق لابن عساكر1/314).

في « نوازع القومية وأسس العقيدة»[46] لاحظ د. عصام الراوي مسألة جديرة بالذكر. فبعد نهاية الحكم الفارسي انقسم الفرس إلى مجموعتين:

الأولى: اعتنقت الإسلام بصدق ولم تتوقف عند جنسية الفاتحين العرب في غالبيتهم، بقدر ما توقفت عند أخلاقهم ومبادئهم.

الثانية: تلك التي خرجت منها الشعوبية، وهي من بقايا البيوتات الفارسية المتعالية والتي تنظر إلى الناس نظرة سادة وعبيد.

 

في ضوء هاتين المجموعتين يمكن فهم التوصيف الأول للشعوبية باعتبارها « حركة تسوية». وهي حركة استندت في دعواها، بالدرجة الأساس، إلى الآية الكريمة، في قول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾، ( الحجرات: 13). فمن المعروف أن الكثير من الموالي دخلوا الإسلام. وبخلاف بعض الآراء التي تتحدث، بلغة شعوبية، بقصد أو بدونه، وتتهم بموجبها الأمويين بأنهم تفاخروا بنسَبهم، ولم يعينوا في المناصب الكبرى غير العرب، فلم يكن من الممكن تسليم القيادة في بدايات الإسلام لغير العرب، ليس لأنهم الوارثون للنبوة، أو لأنهم أعلى وأجل من خلق الله، فهذا مما ينكره الإسلام، الذي أحل مفهوم الأخوة الإسلامية والتقوى، كمعايير للانتماء والتفاضل. بل لأن السابقون منهم كانوا (1) المصاحبون للرسول r، و (2) الشاهدون على النبوة، و (3) المجاهدون الذين ضحوا بأرواحهم لنصرة الدين، و (4) والحافظون للقرآن، و (5) العارفون بدقائق لغته، و (6) الحاضنون للرسالة، و (7) المحاربون للمرتدين من الأعراب والموالي بعد وفاة الرسول، و (8) رسل الدعوة.

هؤلاء وأمثالهم؛ هم الذين تحملوا العبء الأعظم في قيادة الإسلام والمسلمين، وخاضوا عشرات الغزوات، وبدؤوا الفتوحات العظيمة التي، أوصلت الإسلام إلى شتى أصقاع الأرض، كما نزل على محمد r، بلا زيادة أو نقصان أو تحريف. ليس هؤلاء، كما يقول البعض، هم الذين تفاخروا وتغطرسوا واستعلوا على غيرهم ممن دخل الإسلام، وتسببوا في مشاعر التمييز لدى الموالي الذين طالبوا بالمساواة والعدالة. وهي المطالب التي تبلورت لاحقا في مسمى « حركة التسوية»، أي تسوية الحقوق بين العرب وغيرهم. هذا لا ينفي وجود مفاخرة من هنا وهناك وهي مشاعر طبيعية، كما لا ينفي تساكن بقايا العقل الجاهلي، في سنوات النزول، حتى مع بعض الصحابة، وهم لمّا يزالوا يتربون على الوحي، ممن ردعهم الرسول، كما حصل مع أبي موسى الأشعري حين دعا مولاه بابن السوداء، أو لما ردع عمر بن الخطاب بعض الصحابة حين تفاخروا بأنسابهم وبينهم سلمان الفارسي الذي قال بأن نسبي هو الإسلام. وحتى مع عمر نفسه لما قال له الرسول: « أَتُحِبُّنِي يَا عُمَرُ؟، قَالَ: أَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلا نَفْسِي، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ، فَقَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الآنَ يَا عُمَرُ».

وفي المحصلة فالطرفين، مبدئيا، معذورون في المشاعر والمطالب. وعليه فلا أصحاب « حركة التسوية» شعوبيون ولا السابقون كذلك. وتبعا لذلك لا يصح إطلاق توصيف « المجوسية» على الفرس لكونهم فرس، وإلا فستغدو الشعوبية وصفا ينسحب على كل ذي نزعة قومية أو حقوقية. وفي هذا الصدد يلفت الراوي الانتباه إلى أن: « الفرس ليسوا كلهم شعوبيين كما سعى دعاة الفكر القومي العربي أن يثبتوه»[47]. والحقيقة أن المشكلة تكمن في ثقافة العبودية التي تم نقلها، بكل حمولتها « المجوسية» والسياسية والاجتماعية، إلى الإسلام والعروبة على حد سواء.

من هذه اللحظة، بدأت « حركة التسوية» تتحول من حركة حقوقية إلى وعاء حاضن، ومنبت لكافة فرق الشعوبية الباطنية، وزنادقتها وسياسييها ورموزها الاجتماعية ومثقفيها، لاسيما في الأدب، بكل صنوفه من الشعر والقصة والرواية لتتحول إلى قيم وعادات وتقاليد وأخلاق، وتصب جام أحقادها على الإسلام والعروبة. ومن جهتهم؛ اضطلع علماء « الإمامية» ومؤرخيهم بتغذيتها، إلى أن تبنتها « الصفوية» (1500 – 1722) ونظمتها، وأشاعتها بقوة السلاح والمال والجاه والإغراءات، لتنتهي بما أطلق عليه علي شريعتي بـ « الاستحمار». وهو المنهج الذي قدمه بالقول أن: « الشعوبية تحولت تدريجيا من حركة تسوية إلى حركة تفضيل العجم على العرب، وعملت عبر ترويج المشاعر القومية وإشاعة اليأس من الإسلام إلى ضرب سلطة الخلافة … وبغية ترسيخ أفكارها وأهدافها في ضمائر الناس، وعجنها مع عقائدهم وإيمانهم، عمدت الصفوية إلى إضفاء طابع ديني على عناصر حركتها، وجرها إلى داخل بيت النبي، إمعانا في التضليل، مستغلة التشيع، لكي تضفي على الشعوبية طابعا روحيا ساخنا، ومسحة قداسة دينية، ولم يكن ذلك الهدف الذكي متيسرا، إلا عبر تحويل الدين الإسلامي وشخصية محمد عليه الصلاة والسلام، وعلي، رضي الله عنه، إلى مذهب عنصري، وشخصيات فاشية، تؤمن بأفضلية التراب والدم الإيراني، والفارسي منه على وجه الخصوص»[48]. لذا فالطبقات المتضررة من الإسلام و« الصفوية»، المرتبطان ارتباطا وثيقا ومصيريا بـ « المجوسية»، هما من يتحملان وزر إشاعة الشعوبية وترسيخها وليس العامة من الناس.

 

المبحث الثالث

  تحالفات فارس و « اليهودية» في بابل

لكثرة ما بات موطنا للأديان الوضعية، فقد اشتهر المجتمع الفارسي بالتنافس بين أصحاب الديانات. ولكونها تتيح لأصحابها امتيازات طويلة الأجل، بسبب طابعها الوراثي، فقد اشتهر المجتمع الفارسي، المستعبَد أيضا، بكثرة الفتن والتوترات والثورات. لكن أميز ما بدا ثقافة فارسية متجذرة، إنما يتعلق بأولئك الأكاسرة والملوك ورجال الدين، الذين  اكتسبوا خبرات عميقة في تحريف الأديان، حتى غدت حرفة ربما لم يسبقهم إليها، أو لم ينازعهم بجودتها أحد.

كتب ستانلي ويس في صحيفة « إنترناشيونال هيرالد تريبيون – 10/7/ 2012» الأمريكية يقول: « عندما زرت إيران كأميركي يهودي، أخبرني مسؤول إيراني أن إسرائيل الصهيونية هي أساس المشاكل في الشرق الأوسط، وأن وجود إسرائيل هو بمثابة وجود استعماري غربي في المنطقة يجب أن يزول … أجبت إنها غلطة إيران. فلو لم يحرر سيروس العظيم اليهود من عبودية الفرس قبل 2500 سنة ويطلب منهم العودة إلى القدس وإعادة بناء معبدهم، لما كانت إسرائيل موجودة الآن. عندئذ غيّر المسؤول الموضوع»[49]. فما الذي جعل المسؤول الإيراني يغير موضوع الحديث؟ أو بالأحرى؟

 

إنها العلاقة التاريخية التي لا مثيل لها بين اليهود والفرس، زمن السبي البابلي الذي قاده نبوخذ نصر ( بختنصر بالفارسي) ضد اليهود في فلسطين سنة 597 ق.م، ثم 587 ق.م. وبلسان اليهودي، ستانلي ويس، وفي عقر دار فارس اليوم، يجري الحديث عن الدور التاريخي لفارس، والذي يتعلق في التأسيس لـ (1) قومية يهودية، و (2) والمبادرة بتحريف التوراة، و (3) كتابة التلمود، و (4) استعمال اليهود كحاجز بشري يحول بين فارس ومحيطها المتوتر خاصة مصر!!!

بدايةً، فليس هناك ما يثبت أن اليهود قومية. لكنهم بلا شك ملة. ولعل أبرز خصيصة تميزهم أكثر من غيرهم، وشابهوا بها الفرس، أصدقاءهم الأقدم في التاريخ، أنهم ملة لا تجيد الجوار الحضاري، ولا التعايش مع الآخرين. وما وقع لهم من عزل أوروبي، خلال القرن 18، وقتل خلال الحرب العالمية الثانية، هو ذات الأمر الذي وقع لهم من قِبَل الحضارات القديمة، كالآشوريين والآراميين والعرب الكنعانيين والبابليين والكلدانيين والمصريين والروم والأنباط وغيرهم. وتم تشتيتهم في مناطق حران والخابور وكردستان وفارس، إلى أن جاء نبوخذ نصر، وقضى على وجودهم في بيت المقدس، وساق بقيتهم سنة 597 إلى بابل، مسقط رأسهم، حيث سامهم هناك سوء العذاب[50].

خلال السبي والشتات، أو ما يسمى بالمصطلح اليهودي « الدياسبورا»، اندمجت الغالبية، وذابت في مواطنها، وبقيت قلة قليلة، هي التي اشتغل عليها الفرس، واشتغلت معهم، وأعادوها إلى فلسطين، محملة بمهمة تحريف التوراة وكتابة التلمود، لينتهي الأمر بدخولهم بيت المقدس تحت الهيمنة الفارسية، طوال مائتي عام، ما بين 539 – 332 ق.م. لذا، وقبل أن يفعل بولس فعلته في « النصرانية»، كان الكاهن عزرا بن سرايا، على رأس مهمة فارسية، في كتابة التوراة والتلمود، تمهيدا لعودة اليهود من السبي البابلي إلى بيت المقدس. فمن هو هذا الرجل؟ وكيف تم الأمر؟

مبدئيا كان اليهود الذين حلوا بفارس، بعد السبي، ينعمون بسلام تحت قيادة الإمبراطور الأخميني قورش الثاني، الذي كان لهم الدور الأعظم في تنصيبه على « شعوب المنطقة عنوة»[51]، ليدمر حضارتهم ويستعبدهم ويزيلهم عن الوجود. وكلاهما، اليهود والفرس الأخمينيين، تأثر وأثر بالآخر، وبشخصيته وعلاقاته ونمط حياته وحتى ثقافته وديانته. ولأنها إمبراطورية توسعية منذ نشأتها، فقد طور قورش من العلاقة مع اليهود، لتغدو في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد، تحالفا يستعين به على إسقاط دولة بابل الكلدانية، مركز العالم القديم آنذاك، ثم ليتوسع باتجاه بلاد الشام ومصر. ولما تم له ذلك عمل على توطين الفرس في البلاد، خاصة من طبقة رجال الدين. إلا أن إقطاع الأراضي لهذا الطبقة مع فرض الضرائب والعمل على تغيير التركيبة السكانية، والتدخل في معتقداتها ودياناتها، لم تكن إلا مبررات للثورات، التي اجتاحت البلاد من بابل إلى مصر، وسط احتقان لدى أهل الشام.

يقرأ الكاتب عبدالله الضحيك هذه التطورات بكونها مقدمة، ستنتهي بكسرى فارس، قمبيز الأول، ابن

قورش، إلى « إقامة كيان يكون معادياً لمحيطه على المفصل الحيوي بين بابل ومصر والأقاليم الأخرى»[52]. والمدهش بهذه النتيجة أن الحديث عنها قبل نحو 2500 سنة تَجَدد ثانية في مؤتمر « كامبل»، وزير خارجية بريطانيا، الذي عُقد في العاصمة البريطانية – لندن، فيما بين سنتي 1905 – 1907. وانتهى بما عرف بـ « توصية كامبل»، التي مهدت لصدور « وعد بلفور» سنة ،1917 الذي دعا إلى، وعمل على، « إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين». أما التوصية فقالت:

   « أكد المؤتمرون: إن إقامة حاجز بشري قوي وغريب على الجسر البري الذي يربط أوروبا بالعالم القديم ويربطهما معا بالبحر الأبيض المتوسط بحيث يشكل في هذه المنطقة وعلى مقربة من قناة السويس قوة عدوة لشعب المنطقة، وصديقة للدول الأوروبية ومصالحها. هو التنفيذ العملي العاجل للوسائل والسبل المقترحة»!!!

 

ينتسب الكاهن عيزرا، المتوفى سنة 444 ق.م، إلى طائفة « الفريسيين» أو ما يعرف بـ « الأرثوذكسية اليهودية». وفي زمانه شغل منصب « المسؤول عن شؤون اليهود في البلاط الفارسي»، وهو الشخصية التي تكفلت بتنفيذ المشروع. وكان عليه، مع تلامذته الكتبة، أن: « يهيؤوا المنفيين اليهود نفسيا للرحيل من بابل، ومنها يقومون على احتلال العالم كما وعدهم يهوه»[53]. أما فكرة عزرا، فكانت استغلال الواقع الديني لليهود، الذي لم يكن ينعم بعد بأي نص مكتوب كالتوراة، فضلا عن تلمود بابل فيما بعد. فكل ما كان بحوزته تعاليم شفاهية. ولا شك أن كتابة عزرا للتوراة بعد مرور 500 عام على النبوة سيكون مشروعا مغريا، لاسيما إذا تم تبريره بكونه « إملاء من الروح القدس»[54]. وبعيدا عن التفاصيل، فقد نجح عزرا، بموجب توراته الجديدة التي صاغها بمعية الكتبة من تلاميذه، بوحي من احتياجات فارس، بإقناع اليهود بها، والشروع بالعودة إلى « أرض الميعاد»[55]! لكنه بقي في بابل لكتابة التلمود، ولم يعد مع المجموعات الأولى إلى بيت المقدس. ولما عاد لاحقا بدت « اليهودية» منظمة، من حيث توفرها، لأول مرة، على نص مكتوب، سيمكنها والأجيال القادمة من قراءة دينها ودراسة تعاليمه، ويؤسس لحياة ومستقبل ما سيبدو بنظرها شعبا وقوما متماسكا. أما التلمود فهو الشريعة الشفاهية التي تفسر التوراة.

في المحصلة، لا التوراة ولا التلمود يتضمنان شريعة النبي موسى u. وهي نتيجة يدركها اليهود بكافة علمائهم. وفي السياق يذكر إسرائيل شاحاك أن:« سفر عزرا في العهد القديم، يشمل سردا لنشاطات عزرا الكاهن، … الذي خوله ملك فارس، ارتحششتا الأول، صلاحية « تعيين قضاة على يهود فلسطين»، حتى إذا حصل « ولم يأتمر أحدهم بقانون الرب آلهكم، وبقانون الملك، ينفذ فيه الحكم بسرعة، سواء حكما بالموت أم بالنفي أم بمصادرة البضائع أم بالسجن».

لذا فإن صاحب « التوراة: غاياتها وتاريخها»، لم يفته قول أحد المراجع التي يصفها بـ « الصميمة»، وهو يعلق على هوية الديانة « اليهودية»، بالقول: « إن تفهم الديانة العبرية مستحيل ما لم تؤخذ بعين الاعتبار، وبشكل مستمر، الديانات والثقافات الأخرى التي نمت وترعرعت في وادي الفرات … إن الأصول القضائية البابلية، وكذلك الطقوس المعمول بها في المعابد البابلية، يجب أن تؤخذ كعوامل حاسمة التأثير على الشرائع العبرانية في الأصول القضائية والطقوس الدينية»[56].

وبحسب شاحاك و: « من خلال سفر نحاميا، ساقي الملك، ارتحششتا، الذي عين حاكما فارسيا ليهودا ويتمتع بسلطات أكبر»، فقد وصل إلى نتيجة مدهشة للغاية، في معاينة أثر فارس في الديانة « اليهودية»، حين يقول: « يتبين لنا إلى أي حد كان دور الإكراه الأجنبي، … فعالا في  فرض الديانة اليهودية، وبنتائج دائمة»[57]. أما وجه الدهشة فيمكن ملاحظتها في المشاهد الثلاثة التالية:

المشهد الأول: يكمن في صفة الديمومة التي تؤكدها آيات الله تعالى في بني إسرائيل: ﴿ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُواًّ كَبِيراً، (الإسراء:4). فاليهود هم ملة الفساد والإفساد في الأرض إلى قيام الساعة.

المشهد الثاني: أن الفرس المجوس هم أكثر من يقف خلف تحريف التوراة، بل والحض على وضعها بالمحتوى الذي يلائمهم، وتحقق أغراضهم كإمبراطورية توسعية آنذاك.

 

المشهد الثالث: في كَتَبة الشريعة البابليين، الذين رغبوا، بوعي أو بلا وعي، في تحقيق ما تصبو إليه فارس من « نتائج دائمة»، حين اتخذوا، بحسب وصف د. آرثر روبن لهم: « إجراءات استثنائية لعزل اليهود عن باقي العالم، ونظموا حياتهم الخاصة تنظيماً دقيقاً قاسياً، وفرضوا عليهم شروطاً حياتية، تجعلهم تحت رحمة رؤسائهم ما داموا أحياء، بل وجعلوا منهم فئة محقوداً عليها، بل محاربة من باقي العالم، عن سابق قصد وتخطيط، مما لا يحسدون عليه إطلاقاً»[58]. لذا فقد لخص صاحب «التوراة: غاياتها وتاريخها»، هذا المشهد بقوله، أن التوراة: « لم تكن دينا

 صحيحا بمعنى الكلمة، بل منظمة قتالية تلبس لبوس الدين»[59].

قد يبدو مثيرا التساؤل؛ عمن أثر في الآخر: اليهود أم الفرس المجوس؟ أو من استفاد أكثر من الآخر؟ لكن المؤكد أن الطرفين تبادلا، بصلافة، المنافع على امتداد التاريخ. ولئن كان العرب قد دفعوا ثمنا باهظا، بسبب تحالفات الفرس واليهود قبل التاريخ، فإن الأمة المسلمة دفعت، من دينها وأبنائها ومستقبلها، أفدح الأثمان، بسبب ما أحدثوه من فتن وحروب، وتحالفات مع كل عدو بعد التاريخ الميلادي، وخاصة بعد وفاة الرسول r.

وفي سياق استمرار تحالفاتهم مع اليهود، قطعت المصنفات التاريخية كل شك بيقين، بحقيقة هوية الدولة العبيدية، وما فعلته من كوارث بحق الأمة. ومما قاله الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء 15/151، بحق عبيد الله المهدي، أول حكامه، أن: « في نسب المهدي أقوالٌ: حاصِلُها: أنَّه ليس بهاشميٍّ، ولا فاطميٍّ»، وفي صفحة 213، نقل عن أبي شامة صاحب كتاب: « كشف ما كان عليه بنو عبيد من الكفر والكذب والمكر والكيد»، قوله: « يدَّعون الشرف، ونسبتهُم إلى مجوسي، أو يهودي، حتى اشتهر لهم ذلك، وقيل: الدولة العلوية والدولة الفاطمية، وإنما هي الدولة اليهودية أو المجوسية أو الملحدة، الباطنية». ويشير الباحث الباكستاني ظفر الإسلام خان إلى أن اليهود تبوؤا: « مناصب هامة جدا في مصر حتى العصر الحديث، وخصوصا في الدولة الفاطمية، التي نكاد أن نقول إن اليهود هم الذين كانوا يحكمونها من وراء الخليفة»[60]. وبعد تركيا أتاتورك، كانت إيران هي الدولة الثانية في العالم الإسلامي التي اقيم علاقات واسعة مع « إسرائيل»، وظلت كذلك إلى سنة 1979، حين أطاح الخميني بنظام الشاه. وأغلق مقر البعثة « اليهودية»، لكن دون أن يقطع العلاقات مع « اليهودية»، ورموزها الثقافية والاقتصادية، بما في ذلك صفقات الأسلحة خلال الحرب العراقية – الإيرانية ما بين سنتي 1980 –  1989.

أما الاطلاع على عقائد « الإمامية» مثلا، وهو ما أشرنا إليه سابقا في البحث، فسيبدو مشهد التحالف مثيرا، بقدر ما تبدو « الإمامية»، هذه المرة، هي المنتفعة منه أكثر من التراث اليهودي، الموضوع في توراة بولس وتلموده. ولا ريب أنها كانت مقارنات طريفة تلك التي قام بها الباحث العراقي، علي الكاش، بين التلمود ومراجع « الإمامية» في عقائد « الولاية» و« الرجعة» والتوريث والطاعة و« التقية» وتناسخ الأرواح والملائكة و« المهدي المنتظر» واستشارة الله للأئمة والحاخامات، وغيرها من المشتركات المنهجية وحتى العقدية. ولعل أطرف ما قالته « الإمامية» في السياق أن: « القائم سيحكم بشرع داوود. وأن المسيح المنتظر سيجمع يهود العالم في القدس، والمهدي المنتظر سيجمع أنصاره في الكوفة»، وكل ما ينقص « الإمامية» بحسب « الكافي 1 / 231) هو: « عصا موسى، وسيف علي بن أبي طالب»، وهو عين ما قال به الخميني في (الحكومة الإسلامية، ص 135): « إذا عزمنا على إقامة حكم إسلامي سنحصل على عصا موسى، وسيف علي بن أبي طالب».

 

المبحث الرابع

 

الحضارة المزعومة

 

     لا ريب أن الحديث عن حضارة، يتطلب بالضرورة حضورا لغويا حيويا ومتطورا، تحكي به اللغة، وتوثق وقائع الحضارة، إما شفاهة أو كتابة. فاللغة هي الأداة الحاسمة التي بها نتحدث ونكتب، ونقرأ ونتعلم ونفكر، وننام ونستيقظ، ونحلم ونتأمل، ونسالم ونحارب، ونبدع وننتج، ونتاجر ونستهلك، ونعيش ونتزاوج، ونفرح ونغضب، ونحب ونكره، ونصل ونقطع، ونبني ونهدم، ونرحم ونظلم، ونعدل ونجور، ونؤمن ونكفر، ونهتدي ونضل … هي نمط الحياة، الذي يعبر عن، ويعكس، وجودنا وديمومتنا فيها.

 

   أما بالنسبة للغة العربية فهي أعظم لغات الكون، وأغزرها، وأبينها، وأفصحها، وأوسعها، وأكرمها، وأشرفها وألذها وأعذبها … وإذا كان الله عز وجل قد ختم رسالته، منذ هبوط آدم إلى الأرض، بنبي ورسول عربي، فقد اختار عز وجل اللغة العربية أيضا، لتكون الأداة التي تحتضن كلامه إلى قيام الساعة، وليكون آخر كتبه مرسوما بها، ولسان وحيه بها، ولسان ملك الموت بها، وهو تشريف لم تحظ به أية لغة في الأرض. بل وأكثر من ذلك، حين تغدو اللغة العربية هي لغة أهل الجنة، والتي تتسع لموجوداتها، بمن فيهم المسلمون الفرس وغير الفرس، حيث هناك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فهل ثمة مسلم بحق يعاديها أو يكرهها أو يرفضها أو يستعلي عليها أو يحاربها أو يحقرها أو يحط من شأنها؟ وهل ثمة مسلم بحق يعادي أهلها وينتقص منهم، وهم أهل المكارم والأخلاق في الجاهلية قبل الإسلام[61]؟ بل وهم الذين شرفهم الله بآخر رسله وحملوا دينه وطافوا به الأرض، مبشرين وفاتحين رحمة بخلق الله[62]؟

 

     من المفترض أن يكون الجواب بالنفي التام، بل من المفترض أن تكون الإدانة والاستنكار والاستهجان مطلقة. ومن المثير حقا، أن يأتي الإنصاف، والحقيقة، بحق العربية، من بعض المستشرقين كما جاء على لسان غوستاف لوبون حين يقول: « مع أن الفاتحين الذين ظهروا قبل العرب لم يستطيعوا أن يَفْرِضوا على الأمم المغلوبة لغاتِهم قَدِرَ العربُ ( بعد الإسلام)، على فَرض لغتهم عليهم، ولما صارت اللغة العربية عامةً في جميع البلاد التي استولَوا عليها حلَّت محلَّ ما كان فيها من اللغات، كالسريانية واليونانية والقبطية والبربرية … إلخ، وكان للغة العرب مثل ذلك الحظ زمنًا طويلًا، حتى في بلاد فارس على الرغم من يقظة الفرس، أي ظلت اللغة العربية في بلاد فارسَ لغةَ أهل الأدب والعلم، وظل الفرس يكتبون لغتهم بالحروف العربية، وكُتِب ما عرفته بلاد فارس من علم الكلام والعلوم الأخرى بلغة العرب، وللغة العربية في هذا الجزء من آسية شأنٌ كالذي كان للغة اللاتينية في القرون الوسطى، وانتحل الترك أنفسُهم، وهم الذين قهروا العرب، الخط العربي، ولا تجد في تركية إنسانًا على شيء من التعليم لا يستطيع أن يفهم لغة القرآن بسهولة»[63].

 

      إذن؛ لا معنى للعالم دون العرب. إذ لولا أن خلق الله، عز وجل، الإنسان، ربما ما كان هناك إسلام ولا مسلمين ولا أول الأنبياء ولا خاتمهم ولا كان ثمة حاجة لعرب أو عروبة! لكنها إرادة الله الذي خلق كل شيء وقدره تقديرا، وجعل من نسل آدم خير الخلق أجمعين. أما عند فارس الشعوبية، بالأمس واليوم، فالمسألة على النقيض تماما! ولعلنا نتذكر كلام الرئيس محمد خاتمي أمام الجالية الإيرانية في نيويورك حين قال جملته الشهيرة: « قبلنا الإسلام ولم نقبل العربية». بل أن خامنئي يذهب أبعد من ذلك حين قال أن: « الأمة الإيرانية تصلح لأن تكون على هرم الثقافة العالمية»!!! … وفي اليوم التالي بدا واثقا من نفسه أكثر، وهو يصرح بأن: « الشعوب الإسلامية مدينة لجهود وأبحاث الإيرانيين في المجالات الثقافية»!!! لننطلق من اللغة الفارسية، ولنرَ حجم الثقافة الفارسية ما قبل التاريخ الميلادي وبعده.

 

    في الحقيقة؛ حتى يومنا هذا لا يزال معنى كلمة « فارس» موضع بحث وجدل بين الباحثين لشدة غموضها. فهي ما بين « قاطع طريق» أو نسبة لمنطقة عرفت باسم « بارس»، أو نسبة إلى قبائل بدوية، استقرت في الجنوب عند منطقة سموها « فارس»، قرب شيراز اليوم، وتعني « السائب والغازي»، وهما صفتان لا  تتضمنان أي معنى للاستقرار والأمن والبناء، ولا تليقان بأية منظومة قيمية رفيعة، أو أخلاق كريمة. وفي هذا المعنى نجد في التوراة وصفا لـ « الفرس» بأنهم: « أناس برابرة جداً وسفاحون لا يرحمون أحداً». وليس معروفا إذا ما كان هذا التوصيف قد دفع زرادشت إلى أن يدعو ربه قائلا: « اللهم خلّص هذه الأمة (الفرس) من الكذب»! أما المؤرخ الإيراني، ناصر بوربيرار، فقد ذكر في كتابه الشهير « ١٢ قرناً من الصمت» أن « أصل الكلمة مشتقة من كلمة persian، والپرژن أو البرشن هي اسم مذكر لإحدى قبائل اليهود الاسفرديم».

ومن الواضح أنه ما من أصل واضح لفارس يمكن تتبعه، وما من مصداقية لدعوة زرادشت، إلا بكونها ترجمة لِما أنتج الشعوبيون المجوس ومؤرخيهم وعلمائهم، من دين جديد سموه « الإمامية»، الذي تسعة أعشاره يقوم على « التقية». يعني على الكذب. وهكذا تغدو الأصول التاريخية والحضارية لفارس، أشبه ما تكون بشخصية عبدالله ابن سبأ، حيث لا أصل ولا فصل، إلا من « ابن السوداء»، ولا حقيقة إلا الكذب. فهل تكون اللغة الفارسية أحسن حالا؟

 

    في العموم، غالبا ما يجري الحديث عن لغة فارسية قديمة، « كانت تكتب بواسطة الخط المسماري السومري». وهذه اندثرت. أو عن فارسية وسطى عرفت بـ « البهلوية = الفهلوية»[64]، التي استعملت في عهدي (1) الإمبراطورية الإخمنية، « Parthian Empire»، (248 ق.م – 224م)، و (2) الإمبراطورية الساسانية، « Sassanid Empire»، (224 – 651م). وكانت تكتب بكتابة تحمل نفس الاسم: « كتابة بهلوية»، وهو نمط كتابة مقطعي مأخوذ من الأبجدية الآرامية. ويعلق الكاتب العربي الأحوازي، يوسف عزيزي، على هاتين اللغتين بالقول أن: « الحركة الشعوبية الفارسية دأبت على اختراع اللغة الحديثة (فارسي دري) التي لا تمتّ بصلة لما يسمى باللغة الفارسية القديمة أو الوسطى إلا القليل جداً. أي أن الفرس حالياً لا يعرفون بتاتاً أي شيء عن اللغة البهلوية، ولا يستطيعون قراءة أي عبارة – ولو صغيرة- من تلك اللغة المندرسة».

أما الفارسية الحديثة الملقبة بـ « الدرية»، لعظمتها! فهي تلك التي برزت بعد فترة من الفتح الإسلامي لفارس. وبحسب المصادر الإيرانية فهي: « نظام كتابة مبني في معظمه على الأبجدية العربية، ويشتمل على اثنين وثلاثين حرفا، مستعمل لكتابة اللغة الفارسية وغيرها، بخط فارسي أو بالنستعليق*  في الغالب»[65]. وتقول مصادر غربية أنها: « اقتبست ما يصل إلى نصف مفرداتها من اللغة العربية، بالإضافة إلى بعض القواعد النحوية»[66]. فهل هذا سطو على اللغة العربية؟ أم تأثر بها!!!!؟ لنتابع.

ففي التفاصيل، مرت اللغة الفارسية بتطورات أملتها الظروف السياسية، التي تعرضت لها فارس، بعد الفتح الإسلامي. فعلى امتداد ما يسمى بـ « قرني الصمت للغة الفارسية»، الأول والثاني الهجريين، وبحسب المؤرخ الإيراني بوربيرار، فـ: « لم يكن في عهد ابن المقفع – أي في الحقب الأولى للقرن الثاني الهجري- أي شيء مكتوب باللغة الفارسية، كما أن أول نماذج للغة الفارسية الجديدة ظهرت في القرن الرابع الهجري». وخلال هذين القرنين « كان الشعراء الفرس ينشدون الشعر باللغة العربية في تلك الفترة». وما بين القرنين الرابع والثامن: « تأثر الأدب الفارسي، ومن قبله اللغة الفارسية، بشدة باللغة العربية». وبلغ عصره الذهبي … « ولا نرى خلال هذه الفترة المزدهرة حتى مفردة واحدة ضد العرب، بل مدحا وتبجيلا لثقافتهم وأدبهم ودينهم. حيث بلغ الأمر بناصر خسرو البلخي في إحدى قصائده أن يفضل العرب على العجم ويتمنى أن يكون عربياً». لكن الأدب الفارسي شهد  بعد ذلك عصر الانحطاط. وما بين القرنين الثاني والرابع، حيث نشطت الحركة الشعوبية، بدت الفارسية منتجة أدبيا، فقط، في اتجاهها المعادي للعربية والعروبة. وبعد قرون الانحطاط، ما بين التاسع والرابع عشر، عاد « الأدب الفارسي» لينتعش « مجدداً متأثراً بالأدب الأوربي، إلا أن العنصرية ضد العرب بلغت أشدها في هذه الفترة»[67].

لعل هذا الصمت، حيث لا وجود للغة فارسية، هو ما لاحظه الجاحظ في باب العصا (ص 281) من كتابه « البيان والتبيين»، حين علق على ما زعمه ابن المقفع وغيره من كتابات فارسية أو هندية تم ترجمتها إلى العربية، مثل « كليلة ودمنة»، فكتب يقول: « نحن لا نستطيع أن نعلم أن الرسائل التي في أيدي الناس للفرس أنها صحيحة غير مصنوعة، وقديمة غير مولدة، إذ كان مثل ابن المقفع وسهل بن هارون وأبي عبد الله وعبد الحميد وغيلان يستطيعون أن يولدوا مثل تلك الرسائل ويصنفوا مثل تلك السير». وفي السياق يأتي الباحث السعودي، عبدالله الضحيك، بما يؤكد أن مؤلف « كليلة ودمنة» هو في الحقيقة عراقي « يرجع إلى الحضارة الآشورية، ومؤلفه هو الوزير الآشوري (أحيقار). ولنا على ذلك مخطوط يقطع الشك باليقين نقله سهيل قاشا في كتابه (أحيقار حكيم من نينوى). لم يكن الكتاب هندياً، إنما اقتبس الهنود منه الكثير مع تغييرات وإضافات»[68].

أما على صعيد الإنجازات الحضارية، فيكتب عبد الله الضحيك قائلا: « إن تأثير الفرس في تاريخ الحضارة صفر، فالفرس بعد احتلالهم للعراق والأحواز لم يَجدوا بنائين قادرين على تشييد القصور والمبان، فاستعانوا بالبابليين على وجه الخصوص». ويستدل على ذلك بما ذكره الملك الأخمينى، داريوس، في إحدى مدوناته التي يقول فيها: « لقد أتيت من بعيد بالمواد التي بنيت بها القصر في سوزه، والشعب البابلي هو الذي حفر الأرض وكوم الحصى، وجلب خشب الأرز من لبنان، وقد أتى به البابليون حتى بابل، وكان عمال الخزف بابليين»[69]. ومن جهته ينقل د. ماجد عبدالله الشمس عن « جانين» القول: « وغدا الفن الفارسي، وهو فن ملكي متعدد النماذج والأصول، إذ لم يكن لإيران تقاليد عريقة، بينما عرف الشرق الذي خضع للفرس بغناه في هذا المجال وبغنى اختباراته». وعن الحياة الفكرية، فحدث ولا حرج، إذ: « لا يبدوا بأن حياة الإمبراطورية الفكرية الحقيقية كانت فارسية»[70]. يعني حضارة اقتباسات من الغير وليس إبداعا. والحقيقة التاريخية الثابتة، والظاهرة لكل عيان، أن ما يسمى بالحضارة الفارسية لم تترك أي أثر حضاري حيثما تواجدت، بخلاف الأثر الروماني مثلا. علما أن الحضارتين تعاصرتا وتنافستا وتحاربتا قرونا طويلة من الزمن.

 

من جهته، يقطع بوربيرار كل شك بيقين حين يعاين مصادر التراث لفارسي، فيقول: « يوجد لدينا في إيران عدد من النقوش على الصخور من عهد الإخمينيين والساسانيين، لا تتحدث هذه النقوش عن (1) أية ثقافة أو (2) حضارة أو (3) فكر أو حتى (4) عن دين». بل يقول بما لم يقله أحد من قبل: « لا يوجد في هذه النقوش أي كلام عن زرادشت وكتابه أفيستا. فلم تتحدث هذه النقوش عن الشؤون الثقافية، حيث كلها ومن دون استثناء إما تتحدث عن قضايا شخصية، وإما عن قضايا عسكرية». ويطالب أولئك: « الذين يدعون بوجود زرادشت وكتابي أفيستا وزند، أن يقدموا وثائق تاريخية تثبت هذا الأمر. فهؤلاء الذين يدعون بوجود أديان أو حكمة في إيران القديمة أو أي شيء ثقافي أو حضاري قبل نشوء الإسلام، لم يقدموا (1) أية وثيقة، ولا (2) أية نقوش، صخرية، ولا (3) حتى مسكوكة نقدية، حيث من دون هذه الوثائق يتحول الكلام في هذا المجال إلى أساطير»[71].

إذن حصيلة اللغة الفارسية، ما قبل التاريخ، هزيلة للغاية! فهي على المستوى الحضاري لم تنجز نصا أو نقشا، يوثق أدبا أو شعرا أو دينا أو علما، ولم تورث أثرا أو مَعْلما أو فنا يمكن الاسترشاد به. فكل ما توفر  « عدد من النقوش على الصخور من عهد الإخمينيين والساسانيين»!!! لذا؛ ومع أن البعض ينسبها إلا اللغات الهندوآرية القديمة[72]، إلا أن فقرها الحضاري ربما كان السبب لدى البعض في اعتبارها مجرد « لغة آرية مجهولة، تنسب إلى قبائل الفرس البدوية النازحة إلى إيران قبل قوروش الكبير». بمعنى أنها لم تنتج حضارة، ولم تكن لها أية مساهمات حضارية، تعكس حضورها ومكانتها. ولعل هذا الفقر، الذي يرجع أساسا إلى « ضعف اللغة البهلوية»، هو الذي « يفسر انعدام المؤلفات العلمية والأدبية، فهي لغة غير قادرة على استيعاب العلوم بمختلف أنواعها». وهذه حقيقة أدركها العجم قبل العرب، فهذا  كيكاوس صاحب كتاب « النصيحة» يوصي ابنه: « إذا كتبت رسائلك بالفارسية فلتكن مشوبة بالعربية، فإن الفارسية الصرف لا تعذب في المذاق». وصية؛ نجد نظيرا لها لدى البيروني، حيث يقول: « من تأمل كتاب علم قد نقل إلى الفارسي، كيف ذهب رونقه، وكسف باله، واسودّ وجهه، وزال الانتفاع به»[73] أي لا نص ولا روح نص. وعليه؛ فإذا كان للفارسية من حضور، خلال التاريخ الميلادي على الأقل، فهو ذلك الذي وجد أعظم تجلياته في سياق التاريخ الإسلامي أولا، ثم في سياق اللغة العربية ثانيا.

    كتب الصحفي السعودي، محمد السلمي، مقالة في صحيفة[74] « الوطن» السعودية، عرض فيها لرؤية الكاتب الإيراني، عبدالكريم سروش، عن أزمة الهوية التي يعاني منها الإيراني اليوم. وهي رؤية تكشف عن تساكن ثلاث هويات متصارعة في شخصية واحدة:

 الأولى، الهوية الدينية الإسلامية التي صورها بعض القوميين الإيرانيين، بشكل أو بآخر، بأنها هوية أجنبية وغريبة لا تمثل العنصر الإيراني (الفارسي)، بل تجعله أقرب إلى العرب منه إلى ذاته الفارسية.

 الثانية، الهوية الفارسية التي تتغنى بالماضي (ما قبل الإسلام) وتعتصر ألماً على فقدانه، وهذه الهوية تمت بلورتها في مدارس الاستشراق والاستعمار، ولكنها حظيت بقبول كبير لدى الشخصية الإيرانية الحديثة.

 الثالثة، هوية تتقمص الثقافة الغربية وتتبناها بشكل كامل وتنسلخ تماما من كل شيء قديم ما عدا اللغة الفارسية. إلا أن المشكلة ليست في التنظير، بل في تطبيق هذه النظرية وتقمصها، فقد كان من الصعوبة بمكان اختيار أحد هذه الأصناف دون أن يحتوي على أي من مكونات الصنفين الآخرين.

 

لعل أطرف وأغرب وأعجب التصريحات وأكثرها إثارة للدهشة، ما تناقلته وكالات الأنباء، « فرانس برس، رويترز، ي ب 12/9/1979»، عن مهدي بازركان، أول رئيس وزراء إيراني في عهد الخميني، حيث صرح للإذاعة الإيرانية، بعد نحو سبعة شهور من انتصار الثورة، قائلا: « إن جوهر الوجود الايراني كدولة قد تولد من اتصالنا مع الغرب، وإنه لمما يتنافى مع المبادئ الشرعية الاسلامية تدمير كل ما هو أجنبي». وأنه: « فيما عدا القصائد الفارسية القديمة للفردوسي* فإنه لا توجد أية فكرة عن القومية، وقد ظهر مفهوم الأمة والشعب الواحد فقط بعد تبلور الغرب»[75]! وبهذا التصريح الصريح فوق العادة لم يبق لإيران أي وجود حضاري يعتد به، لا حاضرا ولا ماضيا. بل أن وجودها برمته، بما في ذلك الشعور القومي، مدينة فيه للغرب.

وفي المحصلة؛ فإن كل ما أنتجته اللغة الفارسية القديمة والحديثة، طوال 2500 سنة، لم يكن إلا منتجات لحركة شعوبية، نشطت في حياكة الفتن، والعداء للعرب والعروبة والدين، فهل يمكن تصنيف مثل هذا الوجود والإنتاج إنجازا حضاريا!!؟ وهل هذه هي الثقافة الزاخرة التي يباهي يها خامنئي؟ ويسعى إلى تعميمها، وتربيعها على هرم الثقافة العالمية؟ … حقا! إن مما أدرك من كلام النبوة الأولى أنه إذا لم تستح فاصنع ما شئت.

الفصل الثالث

البعث الفارسي (1)

    

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

    قد يعجب المرء حين يلاحظ أن ما تؤمن به إيران اليوم، وما تعده من خطط، وتطبقه على الأرض، هو ذاته ما كانت تفعله الإمبراطوريات الفارسية من قبل. فهي تأخذ من كل الأديان الوضعية والكتب السماوية المحرفة، وتنسج التحالفات الغادرة والحقيقية، وتتحدث مع الجميع بلغة بولس وماني، أعظم رموز التحريف للكتب السماوية، والأشد مكرا ونفاقا وخداعا وكذبا. وتهيئ نفسها استراتيجيا عبر السعي لامتلاك ما استطاعت من أدوات القوة، وتخطط علانية لاستعادة أمجاد الإمبراطورية الفارسية وليس « الصفوية» فحسب، بل وتعلن ذلك أمام العالم أجمع، من حلفاء وأصدقاء وأعداء، كما سنرى ونسمع ونقرأ.

 

     أما أعجب ما في الأمر، أنه ورغم كل هذا الوضوح، نجد أن هناك من يصدقها، غير متعظ بماضٍ، ولا آبه بحاضر، ولا مستشرف بمستقبل، إلا بمصالحه التي باتت بكفة، وكل الدين والحضارة والتاريخ في كفة أخرى، أحط منزلة. وكأن « الاستحمار»، الذي تحدث عنه شريعتي، غدا صفة تنطبق على بعض السنة، بنفس القدر الذي تنطبق فيه على « الرافضة الصفوية»!!! وكأنه لا يكفي الأمة ما تعانيه من الجبْر، وتسلط « اليهودية» و« النصرانية» و« النصيرية» عليها، إلا إذا خرج أحفاد ابن العلقمي من صلبها، وليس من صلب الأعداء فحسب.

ورقة التاريخ، دول وجماعات الرفض

 

على امتداد التاريخ الإسلامي، لم يتوقف الفرس المجوس عن الانتقام من الإسلام وتخريبه من الداخل، وقتل العامة ( المسلمين = النواصب = أهل السنة) والعرب وهدم الكعبة. بل والعمل، بلا كلل أو ملل، على إحياء الإمبراطورية الفارسية. هذا الهدف للإمامية لم يكن خفيا لا في المصنفات العقدية للشيعية الروافض، ولا في المصنفات التاريخية، ولا في الأطروحات السياسية ولا في الثقافة والإعلام، ولا في لغة العامة منهم.

بعد تآمرهم على إسقاط الدولة الأموية (41هـ – 132هـ / 662م – 750م)، وهي في أوج قوتها، وبجهود الانقلاب الذي قاده أبو مسلم الخراساني* على نصر بن يسار، آخر ولاة خراسان من بني أمية، تسلم العباسيون الحكم ( 750 – 1517م). ولأن العباسيين ورثوا الفتنة، فقد حكموا بمنطق الخصومة للأمويين، الأمر الذي مكن الروافض وموالي الفرس وكل الخصوم، بقيادة أبو العباس السفاح، من تصفية الحسابات مع (1) بقايا الأمويين وقتلهم، وفي مرحلة لاحقة مع (2) العباسيين أنفسهم، وأخيرا مع (3) الإسلام. لذا ففي عهدهم الطويل تعرضت الدولة الإسلامية لاختراقات غير مسبوقة على يد الروافض.

ففي بدايات الدولة الأموية كانت الضرورة تقتضي وأد الفتنة، والعمل على بناء الدولة، والانطلاق نحو فتوحات واسعة تستهدف نشر الإسلام. لذا فقد تعامل الأمويون بحذر مع الموالي من الأعاجم فيما يتعلق بمراكز السلطة والقرار، دون أن يأبهوا لردود الفعل. لكن في العهد العباسي، حيث بلغ الاحتقان مداه، انحاز هؤلاء إلى العباسيين، بدعوى أنهم هاشميون، من آل البيت. أما وصولهم لمراكز السلطة والقرار، فيرجع إلى المصاهرات مع العرب، وبالتالي تأثُّر العباسيين بالثقافة الفارسية في السياسة والحكم. لكن؛ وكما كانت الإمبراطورية الفارسية، في زمن الإخمينيين والساسانيين، أضحت الدولة العباسية، مع طول الأمد، عبارة عن مراكز أو إمارات أو دول شبه مستقلة، حتى وإنْ بقيت تحت ولايتهم اسما. وكما يقول د. طه الدليمي فقد ظهرت في عهد العباسيين ظاهرة « الخليفة العربي والوزير الفارسي«. فالسلطة الإدارية والاستشارية، على الأقل، باتت بيد الأعاجم من الفرس. وهو اختراق مجوسي مهد الطرق لولادة الإمارات والدول المستقلة، في أنحاء العالم الإسلامي، ومكن الشعوبيين وتيارات الزنادقة والإلحاد والإباحية من الاستيطان في رحم الدولة العباسية، ونجحوا في تفتيتها ثم تفكيكها خلال الغزو التتري بخيانة دبرها وزير الخليفة المستعصم، ابن العلقمي، ونصير الدين الطوسي. ومن أبرز الدول والحركات التي ظهرت في عهدهم، مهدت لظهور الدولة « الصفوية» (1501م – 1736م)، يمكن ذكر:

أولا: الدولة الطاهرية ( 205هـ – 259هـ / 782 – 820)

أيا كانت التوصيفات التاريخية بحق الدولة الطاهرية فستبقى تمثل أول اختراق تاريخي في جسم الدولة الإسلامية. فقد خرجت فعليا من تحت سلطان الخلافة وإنْ بقيت تدين لها صوريا. وهو ما كان مستحيلا تحقيقه خلال العهد الأموي الذي استمر 91 عاما. لكنه تحقق في العهد العباسي، ومثَّل سابقة تاريخية، ستشجع آخرين على انتهاج ذات السبيل في الخروج على الخلافة، وتأسيس دول مدمرة، ومعادية للإسلام والمسلمين. بل وستسمح هذه السابقة بظهور عشرات الدول والفرق المنشقة والمحاربة للدين.

ثانيا: الدولة الصفاريه (254هـ -290هـ / 868م – 903م)   

مؤسسها هو يعقوب بن الليث الصفار، وقد أقام دولته في إقليم سجستان أو سستان، وهي منطقة كانت تقع شرقي إيران، ما بين خراسان جنوبا وبلوشستان شمالا. وتقع اليوم بين إيران وأفغانستان. والصفار هو الذي أطاح، سلميا، بالدولة الطاهرية. وكسابقتها مثلت نموذجا ثانيا للاستقلال عن الخلافة، مع بقائها تحت سلطانها.

ثالثا: الخُرَّمية ( 201هـ – 223هـ / 816م – 838م)

أول حركة مسلحة، مثلت خروجا صريحا على الخلافة. أسسها بابَك الخُرَّمي الذي ينسبه بعض المؤرخين إلى سلالة أبي مسلم الخراساني. وأن حركته جاءت انتقاما من العباسيين لقتلهم الخراساني. والثابت أن الحركة لم تكن إلا سليلة الديانة « المزدكية» الفارسية، التي اتخذت من الإباحية دينا لها. وقد ظهرت « الخُرَّمية« خلال فترة الصراع بين الأخوين الأمين والمأمون. واتخذت من جبال البَذَّ قاعدة لها، ثم توسعت في المناطق المجاورة ولاسيما منطقة الجبال بين همذان وأصفهان، وصولا إلى طَبَرِستان وجُرجان وبلاد الديلم. وقد حاول المأمون التصدي « للخُرَّمية« في أكثر من مناسبة إلا أنه فشل. ومات وهو يوصي بوجوب القضاء عليها مهما كلف الثمن. وبعث الخليفة المعتصم بالله (227 – 218هـ / 833 – 841م) حيدر بن كاوس المُلقب بـ « الأفْشِين«، والذي أطاح بـ « الخُرَّمية«، وأسر مؤسسها. ومن الطرائف أن « الأفْشِين« تحالف، بعد ذلك، مع المازيار مُحمّد بن قارن في طبرستان، للإطاحة بالحكم العباسي والانفصال بخراسان عنه. وكلاهما كانا مجوسيين على دين « المزدكية»، ويسعيان لاستعادة الإمبراطورية الفارسية وعقائدها، رغم أن بن كاوس كان من أقرب المقربين للخليفة!

رابعا: القرامطة ( 260 هـ – أواخر القرن الرابع الهجري / 870م – 1077م)

حركة باطنية مسلحة، شديدة العنف، وبالغة الدموية والوحشية. نبتت من رحم الطائفة الإسماعيلية الشيعية. ونادت بالإباحية ومشاعية المال والنساء وثنوية الآلهة، مسترشدة بعقائد المجوس. بل أنها لم تترك زندقة أو كفرا او إلحادا إلا وآمنت به ودعت إليه. أما أبرز دعاتها فهو حمدان بن الأشعث المُلقَّب بـ « قُرمط«، لقصر قامته. بدأت سنة 260هـ في جنوب فارس سرا على يد عبد الله بن ميمون القداح. ثم عبر مساعد له في العراق يدعى الفرج بن عثمان القاشاني المعروف بلقب « ذكرويه«، وخليفته أحمد بن القاسم. وفي سنة 278هـ، جاهر قرمط بدعوته في الكوفة. ولم تمض بضع سنين حتى نجحت الحركة بتأسيس أول دولة لها في البحرين بقيادة الحسن بن بهرام الشهير بأبي سعيد الجنابي سنة 286هـ / 899م. وخلفه ابنه سليمان الشهير بأبي الطاهر القرمطي. وهو المؤسس الفعلي لدولة القرامطة التي امتدت نحو الجزيرة العربية. وهو الذي هاجم مكة سنة 319هـ، وأوقع مجزرته المروعة بالحجاج في قلب الحرم، وانتزع الحجر الأسود، وأغرق بئر زمزم بالجثث. وتابع أخيه الحسن مسيرته، فاستولى على دمشق سنة 360هـ، لكنه فشل في صراعه مع العبيديين في مصر. وانتهت دولتهم على يد الأصفر التغلبي.

خامسا: الدولة العبيدية (296هـ –  464هـ / 909م – 1171م)

تأسست أولى بواكيرها في مدينة المهدية التونسية (909-973م)، ثم المنصورية في مصر (973 – 948م)، ثم القاهرة ( 973 – 1171م). ونسبت نفسها إلى السيدة فاطمة الزهراء. وتبعا لذلك أسميت بالدولة الفاطمية. وأول حكامها هو عبيدالله المهدي وآخرهم العاضد لدين الله. وخلال فترة حياتها امتد حكمها من تونس إلى الحجاز ومصر والشام، وفي بعض الفترات وصل حكمها إلى الجزائر والمغرب وجزيرة صقلية. وشكلت أكبر خروج عن الخلافة العباسية. ودامت قرابة 200 سنة إلى أن قضى عليها السلطان صلاح الدين الأيوبي.

وبحسب المؤرخين فهي دولة إسماعيلية، أسسها سعيد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القداح ابن

ديصان* الدنوي الأهوادي. ولأن منهج الطائفة الإسماعيلية باطني فقد (1) أخفى المؤسس وذريته حقيقة نسبهم على العامة لكونه مجوسي الأصل[76]، واضطر أن (2) يتسمى باسم عبيد الله، ويلقب نفسه بالمهدي. وبالتالي فما من صلة قرابة بالسيدة فاطمة ولا بآل البيت، و (3) انتهج نهجا سلميا، في البداية، لاستمالة الناس لدولته ودعوته. والسلمية هنا تعني الاكتفاء بالدعوة وعدم إجبار الناس على اعتناق دينهم إلى حين.

لكن ما أن اشتد حكمهم وقويت دولتهم حتى بدؤوا بإظهار عقائدهم وطقوسهم وإلحادهم وتحريفاتهم للدين من إيمانهم بالحلول والاستنساخ وعلم الغيب وادعائهم النبوة والربوبية والألوهية، إلى تعميمهم للقضاء الإسماعيلي على الإدارة، وحمْل المسلمين على المشاركة في إقامة الشعائر الشيعية، وإضافة جملة « حي على خير العمل» إلى الأذان. وفي سنة 365هـ أمر العزيز ابن المعز لدين الله بنقش سب الصحابة على جدران المساجد وفي الأسواق والشوارع والدروب، وكتابة عبارة « محمد وعلي خير البشر» على المرافق العامة، بل أن الخليفة العبيدي الحاكم بأمره (أي بأمر الله) ابن المعز بن عبيد الله القداح كان أول من أمر الناس بالسجود له، فإذا ذكر الخطيب اسمه على المنبر وجب قيام الناس، وإذا وقفوا خروا سجداً له؛ حتى ليسجد بسجودهم من في السوق من الرعاع.

في المقابل أحسنوا أيما إحسان للنصارى واليهود في مقابل التضييق على السنة، وعينوا منهم الوزراء وكبار رجال الدولة. وكانوا كلما تعرضوا لضائقة سياسية أو عسكرية استنجدوا بالصليبيين واليهود. بل أن النصارى في عهدهم سيطروا على « سواحل الشام بأكمله، حتى أخذوا القدس ونابلس، وعجلون والغور وبلاد غزة وعسقلان وكرك الشوبك وطبرية وبانياس وصور وعكا وصيدا وبيروت وصفد وطرابلس وأنطاكية، وجميع ما والى ذلك إلى بلاد إياس وسيس واستحوذوا على بلاد آمد والرها ورأس العين»[77].

هذه هي الدولة التي سبق وتجرأ الرئيس الليبي معمر القذافي على الدعوة إلى إحيائها، في خطاب له سنة 2011، قال فيه: « إنَّ الدَّوْلَةَ الفَاطِمِيَّةَ الجَدِيْدَة هِيَ تَارِيْخُنَا، هِيَ مُلْكُنَا، هِيَ إِرْثُنَا. نَحْنُ صَنَعْنَا الدَّوْلَةَ الفَاطِمِيَّةَ الأُوْلَى وَسَنَصْنَعُ الدَّوْلَةَ الفَاطِمِيَّةَ الثَّانِيَةَ، هَذِهِ دَوْلَتُنَا وَلَيْسَ مِن حَقِّ أحَدٍ أَن يَحْتَجَّ عَلَيْنَا وَمَن يَحْتَجُّ عَلَيْنَا هُوَ يَنْبَح، هِيَ دَوْلَتُنَا أُقِيْمَت فَوْقَ هَذِهِ الأَرْض، أَقَامَهَا أَجْدَادُنَا، وَلَوْلَا الفَاطِمِيُّونَ مَا كَانَتِ القَاهِرَة، فَالقَاهِرَةُ فَاطِمِيَّةٌ مَائَة فِي المَائَة، وَالأَزْهَرُ هُوَ مَسْجِدُ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاء وَهُوَ قَلْعَةٌ مِن قِلَاعِ الفَاطِمِيَّةِ، رَاجِعُوْا كُلَّ ثَقَافَتِكُم وَأَعْيَادِكُم وَمَوَاسِمِكُم فِيْ شَمَالِ أَفْرِيْقِيَا، كُلَّهَا شِيْعِيَّة، وَأوَّلُ دَوْلّةٍ شِيْعِيَّةٍ فِي التَّارِيْخِ فِي أَفْرِيْقِيَا هِيَ الدَّوْلَةَ الفَاطِمِيَّةَ، وَلَن نَعْتَرِفَ بَعْدَ اليَوْمِ بِإِمَامَةِ أيِّ حَاكِمٍ يُرِيْدُ أن يَعْمَلَ دَوْلَةً دِيْنِيَّةٍ مَا لَم يَكُن مِن آلِ البَيْتِ الذِيْنَ لَهُم الحقُّ الإِلَهِيُّ فِي الحُكْمِ». وردت عليه اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربيَّة السُعوديَّة فتوى جاء فيها أنَّهُ: « بعد الاطلاع على أقوال العُلماء والمؤرخين تبيَّن أنَّ الدولة الفاطميَّة كان لها من الضرر والإضرار بالمُسلمين ما يكفي في دفع كُل ما يرفع لواءها ويدعو بدعواتها، وأنَّها دولةٌ ضالَّة لا يجوز الدعوة إليها، لأنَّ هذه الدعوة غش وخيانة للإسلام وأهله».

سادسا: الدولة البويهية (322هـ – 454هـ / 933م – 1066م)

هي الدولة التي أدخلت نظام الوزارة على الخلافة. وجردت الخليفة بمقتضاه من صلاحياته. ومع أن مؤسسها زيدي؛ إلا أنها كانت أول من أدخل طقوس الشيعة إلى الحاضرة الإسلامية. وفي السياق يقول ابن الجوزي بـأنه: « جرت في العاشر من محرم عام (963م المصادف 352هـ ) احتفالات رسمية وفريدة في يوم عاشوراء حيث أغلقت الأسواق وسارت النادبات في شوارع بغداد وقد سودن وجوههن وحللن شعورهن ومزقن ثيابهن وهن يلطمن وجوههن ويرددن مرثية حزينة». وفي عهدها أيضا نشطت تيارات الإلحاد والزندقة والتحريف. وانتهى حكم البويهيين على يد السلاجقة الأتراك الذين دخلوا بغداد سنة 447هـ.

أما قصة نشوئها فترجع إلى مرداويج بن زيار، مؤسس الدولة الزيارية في جرجان وطبرستان بفارس. ففي سنة 320هـ/932م تلقى مؤسس الدولة البويهية، علي بن باويه، تكريما من ابن زيار، منحه بموجبه ناحية تسمى الكرج. ومنها انطلق علي بن بويه، وأخواه، نحو السيطرة على أصفهان أولا، في فارس التي سقطت بيده سنة 322هـ. وبعد سنة قتل مرداويج، واتجه البويهيون الديالمة نحو منطقة  كرمان سنة 324، ثم خوزستان، ليسيطروا على منطقة الأحواز سنة 326. وفي سنة 334هـ دخل أحمد البويهي بغداد، باتفاق مع الخليفة العباسي المستكفي بالله. وبرزت ظاهرة خلع الألقاب على القادة والوزراء. فما أن بايع أحمد البويهي الخليفة حتى تلقى منه لقب « معز الدولة»، فيما حصل أخاه الأكبر على لقب « عماد الدولة» والثاني فاز بلقب « ركن الدولة».

طوال عهدها الذي لم يتجاوز أربعة عقود؛ ظلت الدولة البويهية تحكم من وراء حجاب. وحذرة من فرض التشيع على العامة، أو منازعة الخليفة منصبه. لكنها، في نفس الوقت، جردته من صلاحياته، حتى بات مجرد اسم، لا شأن له في الدولة ورعايتها، إلا المنصب الذي يحتله، بالإضافة إلى منصب القضاء الذي رفض العباسيون التخلي عنه.

سابعا: الحشاشون ( 1090م – 1256م)

هي طائفة إسماعيلية نزارية، انشقت عن الدولة العبيدية، على خلفية موت المستنصر، سنة 487هـ/1094م، وتعيين أحمد الملقب بـ « المستعلي» إماما للطائفة، بدلا من نزار الذي أوصى به الأب قبل موته. كان حسن الصباح، مؤسس فرقة الحشاشين، قد غادر القاهرة بسبب خلافه مع الدولة العبيدية، ونزل في أصفهان سنة 1084م، داعيا إلى اعتناق الإسماعيلية. ورفض خلافة أحمد. وتبعه في ذلك إسماعيليو فارس. أما نزار فقد سجن في الإسكندرية ومات في سجنه. وفر ابنه الهادي إلى حيث يعيش الصباح. لكن ما كان يقلق الصباح هو البحث عن قاعدة قوية ينطلق منها. وبعد بحث وجد في قلعة ضالته. وهي أخدود بعرض ثلاثة أميال، وطول يبلغ 30 ميلا، وارتفاع عن سطح البحر يصل على 6000 متر، مما يجعلها تلامس الغمام، حتى وصفها البعض بـ « مأوى الجن»، لما يشبه استحالة الوصول إليها من أية قوة عسكرية. ولما دخلها الصباح لم يغادرها طيلة 35 عاما حتى مات.

وفي العموم اتخذ الحشاشون من القلاع الحصينة على قمم الجبال مأوى لهم. ثم تمددوا باتجاه بلاد الشام. وهناك وصل العراقي المولد سنان بن سلمان بن محمد، المعروف برشيد الدين، والملقب بـ « شيخ الجبل»* على قمة السلطة. وفي عهده ازدهرت الطائفة، وقويت شوكتها، وأعادت بناء قلعتي الرصافة والخوابي، واستولت على قلعة العليقة.

امتازت الطائفة بالسرية الشديدة والطاعة العمياء، واتخذت من الاغتيال منهج عمل. ولم يكن لها صديق ولا حليف. لذا فقد عادت الجميع، ابتداء من العباسيين والعبيديين والخوارزميين والزنكييين والأيوبيين والسلاجقة وانتهاء بالصليبيين. وضربت في كل اتجاه، وفرضت الأتاوات على كل دولة أو قوة وصلت إليها. واشتهر عناصرها، لدى الأوروبيين، باسم « الفدائيين». وهؤلاء تمتعوا بجرأة يحسدوا عليها. فلم يكونوا يأبهون لموت ولا لخوف، بل أشاعوا الرعب علانية بين الناس. وثمة أبحاث تؤكد أنها دانت بـ « المزدكية»، فأحلت كل المحرمات، وارتكبت من الفواحش ما الله به عليم، وولجت الإلحاد من أوسع أبوابه. واستمرت دولتهم قريبا من ثلاثة قرون، نفذت الطائفة خلالها سلسلة طويلة من الاغتيالات طالت الوزير السلجوقي نظام الملك، والخليفتين العباسيين المسترشد والراشد، وكونراد ملك بيت المقدس. لكنهك فشلوا مرتين في اغتيال صلاح الدين الأيوبي. وعجزت القوى والدول السائدة في عصرهم عن تصفيتهم، إلى أن قضى عليها المغول بقيادة هولاكو، الذي اقتحم قلاعها في فارس وارتكب فيها مذبحة كبيرة سنة 1256، ثم أطبق عليها في الشام الظاهر بيبرس سنة 1273.

ثامنا: الدولة « الصفوية» (1501م – 1736م)

تمثل نشأة الدولة « الصفوية» علامة فارقة في تاريخ الإسلام ببلاد فارس. فكل الدول السابقة والحركات الهدامة التي انطلقت منها أو اتخذت منها مستقرا أو نشطت في رحابها لم تستطع النيل من المسلمين في فارس. وبقيت حركات الزندقة والإلحاد والإباحية منتشرة في إطار الطبقات المثقفة والعليا، ولم تنل من رسوخ الإسلام في فارس. فقط، لما تأسست الدولة « الصفوية»، واعتمدت الاثنى عشريا مذهبا رسميا للدولة، انقلبت الأمور رأسا على عقب. فـ: « الدولة الصفوية هي التطبيق العملي الأول في التاريخ للأفكار الشيعية والتي كتبت في القرن الرابع للهجرة واستمرت ستة قرون حتى ظهرت الدولة الصفوية, ورغم ظهور دولا شيعية مثل الفاطمية في المغرب ومصر وقبلها البويهية سيطرت على بغداد وأبقت الحكام العباسيين شكلا, وجاءت عدة دول شيعية صغيرة, لكن كل هذه الدول لم تمارس القتل بالملايين والتشريد وحمل الناس على التشيع قسراً, وإدخال أفكار جديدة, وإحياء أفكارأ متطرفة, وإيجاد أحقاداً طائفية منذ ذلك اليوم إلى يومنا هذا»[78]. وفي ظلها عاش المسلمون أشد المحن قسوة في تاريخهم منذ البعثة النبوية. لأنهم هذه المرة استُهدفوا، في دينهم وعقائدهم وإيمانهم، عامةً وليس خاصةً. فتشيع منهم من تشيع، وقتل من قتل، ونفي من نفي، وفر من فر. ورغم زوال الدولة « الصفوية»، وتسلم « القاجاريين» الحكم (1779 – 1925م)، إلا أن فارس، بخلاف مصر، ظلت صفوية إلى يومنا هذا.

بدأت القصة مع إسماعيل شاه ( 1487- 1524م) الذي تعود أصوله إلى أب أذري وأم أرمينية. وهو بن حيدر بن صفي الدين الأردبيلي، (1252 – 1334م). وقد ولد من أب ذو أصول تركية أذرية وأم أرمنية. أما جده فهو سني على مذهب الشافعية. لكنه كان شديد التصوف على الطريقة البكتاشية، ومن التصوف اتجه حفيده خواجة علي ابن صدر الدين إلى التشيع، حتى صار للتشيع موطئ قدم في العائلة وصل إلى حد التخلي عن السنة، والغلو في التشيع. وللعائلة صلات مصاهرة مع آخر ملوك القسطنطينية. واستطاعت، خلال الفترة 1450 – 1488م، إنشاء تنظيم سياسي مسلح، تَكوَّن من وحدات خاصة من القزلباش. أما إسماعيل الصفوي فقد بدت عقائده أشبه ما تكون بخليط عقائد ماني وبولس. وبحسب علي الوردي، فإن ظهور الدولة « الصفوية» جاء: « في الوقت الذي كانت فيه قوة الدولة العثمانية تتعاظم على أثر فتح القسطنطينية، كانت منطقة أذربيجان الإيرانية تتمخض عن حركة صوفية قدر لها فيما بعد أن تكون جسما خطيرا على الدولة العثمانية، هي الحركة الصفوية». ويتابع الوردي القول: « وما يجدر ذكره أن الطريقة الصفوية لم تكن في بداية أمرها تختلف كثيرا عن الطريقة البكتاشية من حيث كونها مزيجا من التصوف والتشيع الاثنى عشري، وكان أتباعها يعرفون باسم القزلباش، أي ذوي الرؤوس الحمر، وذلك لأنهم يضعون على رؤوسهم قلنسوات حمراء فيها اثنتا عشر طية إشارة إلى الأئمة الاثنى عشر»[79]. وابتداءً من سنة 1494 تولى إسماعيل الصفوي زعامة التنظيم، ثم استولى على مناطق غيلان، متوسعا باتجاه فارس حتى سنة 1507، ثم دخول بغداد سنة 1508م.

سبعة وثلاثون عاما عاشها إسماعيل، « تحدث فيها عن نفسه» قائلا: « إن ولايتي الصوفية قد صدرت من ختم النبوة، وكمال الولاية»، فيما وصف مصطفى الشيبي حركته بأنها كانت: « شيعية الإطار، صوفية المذهب». وخلالها استقدم عشرات العلماء الشيعة من جبل عامل في لبنان، ومنحهم أعلى الصلاحيات والامتيازات، لفرض « الإمامية الاثنى عشرية» على المسلمين في بلاد فارس بحد السيف، حتى قيل، من شدة غلوائه وجنونه وحقده، أنه قتل أمه، إما لأنها رفضت التشيع لكونها حنفية المذهب، أو في رواية أخرى لأنها رفضت زواج المتعة، واعتبرته فعلا مشينا، وثالثة تقول بأنها فضحت سره. والثابت عنه، أنه اشتهر، بلسان ابنه طهماسب الأول[80]، بكونه ماجن وسكير وقاتل. ومع أن المؤرخين، بملاحظة الباحث الإيراني إسماعيل نوري، لم يجيبوا على سبب تحول العائلة إلى « الاثنى عشرية» واستبدال لقب « الشيخ» بـ « السيد*»، وفرض التشيع على أهل السنة، إلا أن أطرف الروايات تحدثت عن حقد شديد لديه على السنة منذ الإطاحة بالدولة العبيدية في مصر[81].

كانت المرحلة الثانية التي قادها عباس شاه الأول، ( 1587- 1629م)، والثاني (1642 – 1666م)، هي الأقوى في تاريخ الدولة « الصفوية»، والأشد خطورة على المسلمين. وإلى جانبه لعب محمد باقر المجلسي، (1616 – 1698)، أهم مشايخ « الصفوية» في وقته، دور العرّاب في نشر التشيع وتفريس شتى مناحي الحياة، حيث نشطت الثقافة والأدب الفارسي والشعر، وأعيد إحياء ما يسمى بـ « ملحمة الشاهنامة» الشعرية، التي تم نسبتها للفردوسي، الذي كان يكتب الشعر لقاء المال في عصره (935-1020م)، وبلغت الحركة الشعوبية أقصى مدياتها. وبلغ حقده على المسلمين في رسالة بعث بها إلى المبعوث الإسباني، أنتوني دي جوفا، وهو يحضه على محاربة العثمانيين، يقول فيها: « كم أتمنى أن أرى في أقصر وقت ممكن جميع مساجد الأتراك وقد تحولت إلى كنائس! وكل أملي أن أرى سقوط الخلافة العثمانية وخرابها»[82]!

لا شك أن « الدولة البويهية» قد وضعت حجر الأساس في تشيع بلاد فارس، لكنها لم تُحْدث ذلك التأثير الذي يكفي لحمل الغالبية الساحقة من المسلمين عن شافعيتهم أو حنفيتهم إلى دين « الإمامية». فالبويهيون كانوا زيدية غالية، أكثر منهم اثنى عشرية. ولو كان لهم أن ينجحوا لكان من الأولى القول بنجاح الدولة العبيدية في تشييع أهل مصر أو الشام أو شمال أفريقيا. فقد كانت فرصهم أوفر حظا من فرص البويهيين. فضلا عن أن التشييع في فارس جرى بحد السيف الذي خلف أزيد من مليون قتيل ومئات العلماء، وتسبب بتدمير المدن وإبادة قرى بكاملها. ومع ذلك فلم تنقطع الثورات السنية على الدولة « الصفوية» حتى تسببت في الإطاحة بها. لكن! فيما كان الشيعة أقلية صغيرة بفارس، على ساحل الخليج المقابل لمناطق الجزيرة العربية، إلا أن غالبية الفرس، بالذات، قبلوا التشيع مع نهاية الدولة « الصفوية» سنة 1722، فيما رفضته، حتى الآن، القوميات الأخرى المحاذية للدول السنية، وعدد غير قليل من السنة.

وكالعادة يأبى التاريخ إلا أن يحتفظ للرافضة ومجوس الفرس بسجلات الشرف. فمع الدولة « الصفوية» كانت الخيانة والغدر بحد ذاتهما واقعا، تمهره التحالفات والاتفاقات والمعاهدات والخطط الإستراتيجية مع الصليبيين، وفتح الأبواب على مصاريعها، لاستيطان الصليبيين في فارس وحثهم على التبشير بـ « النصرانية»، وطعن الفتوحات العثمانية بالظهر، وهي على أبواب فيينا، حاضرة أوروبا المسيحية آنذاك، والتخطيط لاجتياح الجزيرة العربية، وسعي محموم لمهاجمة مكة، وتدمير الحرم وهدم الكعبة، ونبش قبر الرسول r، وسرقة جثمانه الشريف ومساومة المسلمين به على بيت المقدس[83]، وتسليمها للصليبيين … وهو ما تثبته مراسلات عباس الأول مع بابا الفاتيكان[84] والقادة الصليبيين لاسيما مع ملك البرتغال مانويل الثاني، وقادته العسكريين.

بعض ما جاء في رسالة الحاكم البرتغالي في الهند، « البوكيرك»، إلى الشاه إسماعيل الأول، نشرها د. زكريا بيومي سليمان، وجاء فيها: « إني أ ُقدر لك احترامك للنصرانيين في بلادك وأعرض عليك الأسطول والجند والأسلحة، لاستخدامها ضد قلاع الترك (الدولة العثمانية) في الهند. وإذا أردت أن تنقضَّ على بلاد العرب أو تهاجم مكة فستجدني بجانبك في البحر الأحمر، أمام جدة أو في عدن أو في البحرين. أو القطيف أو البصرة. وسيجدني الشاه بجانـبه دوما ًعلى امـتداد الساحل الفـارسـي، وسـأنفـذ له كل ما يريد»[85]. بل أن الجيوش البرتغالية وصلت برّ جدة فيما اخترقت الجيوش « الصفوية» نجد في الجزيرة العربية باتجاه مكة ثم المدينة بحسب ما يقول د. عبدالله النفيسي[86]. أما نهاية إسماعيل ومخططه هذا فكانت بعودة الملك البرتغالي إلى بلاده بسبب اضطرابات داخلية، ثم على يد الأتراك في معركة صحراء « جالديران»، شمال تبريز، سنة 920هــ، التي فقد فيها نحو 28 ألف جندي، بحيث لم يبق له سوى ألفي جندي، وإصابته بجروح أفقدته حياته لاحقا.

أما عباس شاه، الأشد فظاعة ودموية من إسماعيل الأول، فقد وجه رسالة إلى ملك إسبانيا، فيليب الثاني، اقترح فيها عليه: « تشكيل حلف فاعل على مدى طويل بين دولتيهما ضد الباب العالي. فلو أرسل له فيليب الثاني، ما يحتاجه من القطع المدفعية والمهندسين، الذين يستطيعون صنعها في إيران، ودخل الحرب إلى جانبه ضد العثمانيين، فان الشاه يلتزم ببناء كنيسة في كل مدينة عثمانية يحتلها، ويسمح للقساوسة بالعمل بحرية أينما كانوا، وسوف يدعو الناس في مملكته إلى دخول المسيحية، ولكن من دون إجبارهم على ذلك». ورغم الاتفاق مع ملك إسبانيا على مهاجمة الإمبراطورية العثمانية إلا أن الجيش الإسباني لم يحقق شيئاً في هذا المجال. وفي آخر مقابلة للشاه مع السفير الإسباني قال له بأن: « الملوك المسيحيين لم يحققوا وعودهم. أنا أخضعت وحدي ثلاثمائة وستة وستين قلعة من الدولة العثمانية. وهم لم يأخذوا منها حتى بيتاً واحداً، ولا مخزناً واحداً، ولا حتى زريبة للماعز. ولو أنهم ساهموا في الخطة التي رسمتها لكنت احتليت القدس وسلّمتها لهم. من الآن فصاعداً سأعمل وحدي»[87].

ومن الطريف حقا أن « حركة الردة»، التي اكتسحت الجزيرة العربية بعد وفاة الرسول r، تم إخمادها بسرعة فائقة، رغم أنها مثلت أكبر تهديد للإسلام، بينما واصلت الحركة الشعوبية تقدمها بما يكفي ويزيد، لِئَن يطرح د. عبدالله محمد الغريب سلسلة من الأسئلة الاستنكارية الوجيهة، بحق « الحركة الشعوبية» وتشكلاتها التاريخية، قائلا:    

« هل من المصادفات أن يرجع البويهيون والقرامطة والعبيديون الى أصول فارسية؟! هل من المصادفات أن تتشابه عقائدهم، وأن تكون هي نفسها عقائد مزدك وماني وزردشت؟! وهل من المصادفات أن يظهروا في أزمنة متقاربة: العبيديون 296، والبويهيون 334، والقرامطة 278، وهل من الصدف أيضا أن يتقاسموا العالم الاسلامي: البويهيون في العراق، والقرامطة في شبه الجزيرة، والعبيديون في مصر والشام؟! وهل من المصادفات أن يلج هؤلاء جميعا من باب التشيع؟! وهل من المصادفات أن يكون المسلمون السنة العدو اللدود لهؤلاء الضالين، وأن يتعاونوا مع كل عدو للاسلام والمسلمين؟! ولسائل أن يسأل: لماذا مزجت الدرزية والنصيرية والبهائية والاسماعيلية مع تاريخ ايران؟! الجواب: فعلا ليس في ايران دروز أو نصيرون، أما البهائيون والصفويون فمتواجدون في ايران، ولكن الذين أسسوا المذهبين الدرزي والنصيري فهم فرس مجوس». وبما يكفي أيضا لِئَن يذهب إلى حد القول بأن: « جوهر الحركات الباطنية المجوسية واحد على مدار التاريخ». إذ، وبحسب الشيخ، فإن:《 حركة « مزدا وزردشت والمانوية والمزدكية» لا تختلف في أصولها العامة عن « الكيسانية، والرواندية، والبرمكية، والزنادقة»، وهذه لا تختلف عن « البويهيين، والعبيديين، والقرامطة»، وهؤلاء لا يختلفون عن « الصفويين، والدروز، والنصيريين، والحشاشين، والبهائيين»》[88].

بالتأكيد لم يكن ذلك من المصادفات. فهكذا جرت الأمور! إذ لم يكن الحديث يجري عن خيانة هنا أو هناك، في هذا الزمن أو ذاك، بل عن حرب معلنة ومفتوحة وشاملة على الإسلام والمسلمين، انطلقت شراراتها الأولى مع الفتنة، وإلى يومنا هذا لم ولن تتوقف بزوال الدولة « الصفوية»، التي ينسب إليها الدين الجديد رسميا، أو بلغة علي شريعتي صاحبة « التشيع الصفوي» مقابل « التشيع العلوي».

تاسعا: مملكة إيران ( 1925 – 1979م)

تأسست على يد رضا بهلوي سنة 1925، على أنقاض «الدولة القاجارية» التي كان آخر ملوكها أحمد مرزا القاجاري. وظلت قائمة حتى أطاحت بها ثورة الخميني في 12/2/1979. وقد تميز بنزعة استبدادية متوحشة، وتغريبية فجة، على شاكلة صديقه التركي مصطفى كمال أتاتورك. أما عنصريته فأبت أن تحتفظ بالاسم التاريخي للبلاد، فغير اسم « فارس» إلى  « إيران»، ليس بعدا عن فارس وتاريخها بل بوصفها إحدى الشعوب الآرية المتفوقة، وأن الاسم مشتق من كلمة آري. وهو ما يكشف عن عمق عنصريته وعلمانيته وتوجهه نحو العرق الأبيض، وتوافقه مع الأطروحة العرقية النازية. وبسبب علاقاته وتعاطفه مع الزعيم النازي، أودلف هتلر، خلال الحرب العالمية الثانية، اجتاحت القوات البريطانية والسوفياتية إيران سنة 1941. وفرّ الشاه منها، وخلت البلاد من حاكم حتى أعادت القوات الغازية ابنه محمد إلى الحكم ونصبته ملكا على البلاد.

أما ابنه محمد فاقترب من الغرب حتى انتهت إيران أشبه ما تكون بمقاطعة أمريكية، بواقع 900 معاهدة عسكرية وأمنية واقتصادية، و 45 ألف مستشار وخبير ومتخصص أمريكي يتقاضون نحو أربعة مليارات$ في السنة، و 400 ألف جندي واقعون تحت السيطرة الأمريكية التامة، وعلاقات عسكرية وأمنية قوية مع «إسرائيل». وسط طموح إمبراطوري بالتوسع إقليميا، ورغبة في الهيمنة والنفوذ، بما يكفي ليثير الفزع في الخليج والعراق، حتى أنه اشتهر بلقب « شرطي أمريكا في الخليج»[89].

وفي أكتوبر/ تشرين أول سنة 1971 في برسبوليس، وعلى امتداد ثلاثة أيام، احتفل بمرور 2500 عام على إقامة الإمبراطورية الفارسية، بحضور 90 ملك ورئيس ورئيس حكومة من العالم. وفي سنة 1976 استبدل التقويم الهجري بالتقويم الفارسي، ليغدو التقويم، بين ليلة وضحاها، من سنة 1395هــ إلى سنة  2535 ملكية. ولا يزال التقويم الذي تعرض لغضب واحتجاجات شعبية، زمن العلمانية والتغريب، ساري المفعول في جمهورية الخميني المسماة إسلامية.

وفي إحدى خطاباته القومية التي تمجد فارس، وتهتدي بأكاسرتها، لاسيما مؤسس الإمبراطورية الفارسية، وتؤسس لوراثة التاريخ الإمبراطوري، في صورة إيران الجديدة وهويتها العلمانية، قال: « ها أنت يا كورش الكبير .. ويا ملك الملوك .. نم آمنا هادئا قرير العين، فأنا أحرس هذا الشعب، وهذه البلاد»[90].

الفصل الرابع

البعث الفارسي (2)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ورقة الحاضر، جمهورية إيران الإسلامية

 

بدءً من الانقلاب الذي دبرته المخابرات الأمريكية والبريطانية على حكومة د. محمد مصدق في 19/8/1953، وتنصيب الجنرال فضل الله زاهدي مكانه، دخلت إيران في عهد استبدادي متوحش مع الشاه محمد رضا بهلوي، استمر زهاء ربع قرن، لينتهي بسقوط الملكية في إيران، ورحيل الشاه عنها في 16/1/1979 بعد سنتين من المواجهات الشعبية مع النظام، ( منتصف 1977 – منتصف 1979)، بمشاركة كافة القوى السياسية، العلمانية والدينية. وفي 1/2/1979 عاد الخميني إلى إيران على متن طائرة فرنسية خاصة، مجللا باحترام وحماية فرنسية رفيعة، وغطاء دولي، ودعم إعلامي غير مسبوق، قدمته محطة «BBC» البريطانية، بفرعها الفارسي، ووسط استقبال شعبي حاشد. وهكذا دخلت إيران عهدا جديدا تحت ما يسمى بحكم « ولاية الفقيه».

على متن الرحلة من باريس إلى طهران، تلقى الخميني من أحد الصحفيين، وأمام عدسات الكاميرا، سؤالا اعتياديا، لرجل غاب عن وطنه نحو عشرين عاما، وينتظر استقبالا شعبيا مليونيا، ممن باتوا يرون فيه قديسا ومخلِّصا. أما السؤال فهو: « ما هو شعورك تجاه عودتك مرة أخرى إلى إيران؟» فكان الجواب: « لا شيء» !!! ثم تكرر السؤال مرة أخرى، فبقي الجواب: « لا شيء»[91]!!! فمن هو هذا الرجل الذي لا يأبه لرقابة 150 صحافيا يرافقونه على متن الطائرة؟ ولا لملايين المستقبلين له في المطار؟ ولا يستشعر أية عاطفة أو حنين تجاه ما يفترض أنهم أهله وناسه ووطنه وسماءه وهواءه وتضاريسه؟ ولا لسنوات الغربة والملاحقات والمطاردات والضغوط من هنا وهناك؟ وما الغاية من العودة إنْ لم يكن ثمة ما يستحق ذلك؟

المبحث الأول

 

أصول الخميني في الروايات الشائعة

أولا: الرواية الشيعية

كعادة الرافضة في الرواية، على اختلاف مناحيها، من شبه المستحيل الحصول على نص قاطع. والسائد هو تعدد الروايات التي تناقض بعضها بعضا. بل أن الرواية الواحدة تنقض ذاتها بشكل صارخ. وقد يستعجب المحقق من فداحة القصور الذي يتجاوز حدود الفضيحة. والمشكلة حين تصل الروايات إلى هذا المستوى يلجؤون إلى حذفها في النسخ اللاحقة، أو ملاحقة النص في شتى وسائل الميديا الإعلامية، وحذفه من الجذور إذا استطاعوا، كما سبق وفعلوا مثلا بسيرة السيستاني على موقع « الويكيبيديا». لكنهم في الغالب يتجاهلون الأمر، وكأنه لا يعنيهم. وأكاد أجزم أنهم يتعمدون سلوك هذا المنهج استجابة (1) لدهمائهم من جهة، و (2) عملا بنظرية غوبلس النازية القائلة: « إكذب ثم إكذب ثم إكذب حتى يصدقك الناس»، و (3) تشكيك المسلمين بعقائدهم، و (4) أخيرا شحن المسلمين بأقصى قدر من الغيظ على آل البيت، رضوان الله عليهم، بفعل تأليههم وأنفسهم، واتهام الرسول r، بالتقصير في تبليغ الدعوة، ولعن صحابته، والطعن بأزواجه، رضوان الله عليهم. فليعذرنا القارئ على تقسيط رواية قناة « المنار»[92] الشيعية عن أصول الخميني إلى عدة مشاهد، باختصار وبعيدا عن التفاصيل، كي يتسنى لنا الفهم الدقيق لها.

  • المشهد الأول: هجرة الأجداد إلى الهند

 

عادة ما يتم نسبة الخميني إلى العرب، ومكة المكرمة، وعلى وجه التحديد إلى الإمام موسى بن جعفر الكاظم، رضي الله عنه (128هـ – 183هـ / 745م – 799م)، الحفيد الخامس للنبي r والإمام السابع وفق « الإمامية». لذا، وللمفارقة فهو عربي أصيل، وفي نفس الوقت يصف العرب بـ « الوحوش»! أما نسبته إلى أصول هندية، فترجعها القناة، بحسب الحلقة الأولى من برنامجها الوثائقي: « روح الله»، إلى أجداده الذين هاجروا من مكة على أن استقر بهم المقام في الهند، منذ أكثر من ألف عام، للعمل على نشر الإسلام في بلاد الهند، وخاصة في كشمير التي صارت موطنهم الجديد. وتستدل « القناة» في روايتها هذه بجد الخميني الثالث المسمى بـ « مير حامد حسين الموسوي»، الذي قتل مع ابنه المسمى « دين علي شاه»، على يد العائلات الإقطاعية، قبل 250 سنة من ولادة الخميني. أي سنة 1652، باعتبار أن الخميني ولد سنة 1902. بل وتدعم « القناة» روايتها بمعالم تاريخية تتعلق بوجود ضريح كبير في الهند للجد الثالث[93].

  • المشهد الثاني: هجرة الجد الأول إلى إيران

 

بعد مقتل والده وجده، هاجر « أحمد بن دين علي شاه»، من كشمير إلى النجف، رغبةً منه في تلقي العلوم الدينية، وبعد وقت قصير رحل إلى قرية « خمين» في إيران، وعمل بها قاضيا، بانتظار الحفيد القادم الذي سيتكنى بها.

  • المشهد الثالث: ولادة الأب

 

سنة 1864 أنجب الجد الأول « أحمد» مولودا أسماه « مصطفى»، هو والد « الخميني». أي بعد 212 سنة من مقتل جده « مير حامد حسين الموسوي» وأبيه « دين علي شاه»، على يد الإقطاعيين كما قالت « المنار»!!! هذا يعني، بحسب تواريخ القناة، أن أحمد ولد، على الأقل، في نفس العام الذي قتل فيه والده وجده، فضلا عن أنه عاش، على الأقل، 212 سنة حتى ينجب والد الخميني!!! وغني عن البيان أن خط النسب انقطع بين « أحمد» و « مصطفى» بسبب هذا الفارق الزمني العجيب.

  • المشهد الرابع: ولادة « الولي الفقيه»

 

بطبيعة الحال فقد تزوج مصطفى. وفي سنة 1902 أنجب الحفيد الثالث لجده الأول وأسماه « روح الله». لكن الشاه رضا خان بهلوي قتله بعد أربعة شهور من ولادة وليده، الذي سيغدو بعد 77 عاما « سيدا، وحاملا لقب وسلطة « الولي الفقيه» للإمامية. وصار الاسم الكامل له، بحسب المصادر الشيعية، هو: « روح الله بن مصطفى بن أحمد بن دين علي شاه بن مير حامد حسين الخميني».

لا شك أن أميز ما في رواية التنسيب الشيعية هذه، أنها خلت تماما من الاسم الهندي، لتبدو الأسماء المستعملة في الرواية متناسقة مع الأصول العربية لآل البيت وذريتهم. لكن التميز لا يتوقف عند هذا الحد. إذ أن أقدم جد للخميني هو الجدد الثالث المسمى « مير حامد حسين الموسوي»، المنتسب، بحسب الرواية الشيعية، إلى الإمام موسى الكاظم، الذي توفي قبله بنحو 1000 سنة. وهذا نسب لا يمكن أن ينقطع كليةً لو كان صحيحا، خاصة أن ضريحه بات معلما بارزا بين الناس. وهذا يؤشر على وجود ذرية يمكن التواصل معها أو، على الأقل تقصيها. أما الحقيقة فالنسب كما لاحظنا انقطع، للمرة الثانية، عند مصطفى الذي تفصله عن والده 212 سنة! فما الذي يجعل نسب الموسوي صحيحا؟ سؤال؛ أثار حفيظة بعض الشيعة.

ولعل صاحب « الثورة البائسة» و « الجمهورية الثانية»[94] (ص352)، كان من أوائل المتسائلين عن نسب الخميني. فقد كتب يقول: « الذي يعرفه الجميع أن جد الخميني (الأول) أحمد قدم من الهند إلى إيران .. قبل مائة عام، وسكن قرية خمين. وولد أباه مصطفى الذي قتل ابان ثورة الشباب في تلك القرية. وهذا كل ما يعرفه الشعب الإيراني من نسب الرجل وسوابقه». ويواصل د. الموسوي القول: « أما من هم أسرته؟ وأين كان موطنها في الهند قبل الهجرة إلى إيران؟ فهذا شيء لا يعرف أحد شيءً عنها، ولا هو أشار إليها من القريب ولا البعيد ولا أجهزة الإعلام أشارت .. إلى هذا الموضوع الحيوي من حياة أسرة الخميني … وبما أن هجرة جد الخميني إلى إيران كانت قبل مائة عام .. والمائة من السنين في حياة الأسر يعتبر تاريخا لثلاثة أجيال فقط. فإذن لا يمكن أن نصدق أن صلة الخميني مقطوعة بأسرته في الهند، أو قد نساهم. فـ .. ما هو السر الدفين في تناسي أسرته وقطع الصلة بهم؟ أليس هناك ما يعتبر غريبا وخطيرا في هذا الكتمان الشديد؟ وهذا التعتيم غير الطبيعي على نسب الخميني، ومؤسس الجمهورية الإسلامية، ومرشد الثورة الإسلامية في إيران؟».

المثير في شهادة الموسوي أنها لم تتوقف عند هذا الحد رغم خطورتها. فبعدها، وما تضمنته من تساؤلات، ختم بفقرة أشد إثارة، حين قال: « أترك الجواب للمعجبين بالرجل ومريديه وصحافته وزمرته في أرجاء إيران. وكلي أمل أن لا يهمس بعضهم في أذن البعض الآخر قوله تعالى: ﴿ لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾، ( المائدة: 101) ». المؤسف أن الرجل كما لو أنه كتم أمرا ما. لكنه توفي قبل أن يفصح عنه.

وبخصوص لقب عائلة الخميني وأسماء والده وإخوته، يذكر الموسوي أن والد الخميني، حين قدم من الهند، كان يحمل اسم « سينكا»، قبل أن يُكنى بـ « مصطفى»، أما الشقيق الأكبر للخميني فظل يدعى باسمه الهندي « بسنديدة» حتى مماته. ومن جهته يُثبت الخميني « لقبه العائلي» بخط يده، في كتابه « شرح دعاء السحر»، الذي كتبه حين كان يبلغ من العمر 27 سنة، بالصيغة التالية: « أما بعد فيقول المفتقر إلى الرب العظيم والمفتخر بالانتساب إلى الرسول الكريم، السيد روح الله ابن مصطفى الخميني الهندي». وفي حديثه عن لقب العائلة، لاحظ الكاتب الإيراني، أمير طاهر، أن: « جزء من العائلة أمضى عشرات السنين في كشمير، ومن ثم فإن الاسم العائلي الأصلي للخميني هو (الهندي)، وقد غير روح الله الخميني اسمه العائلي عام 1930، لكن شقيقه الأصغر احتفظ به».

ثانيا: روايات أخرى

 

  • رواية فهمي هويدي

تقول الرواية الشيعية، كما سبق وأشرنا، أن الجد الأول للخميني، أحمد، هاجر إلى النجف رغبة منه في تحصيل العلوم الدينية! لكن رواية الكاتب المصري، فهمي هويدي، تتحدث عن إبعاد السلطات البريطانية القابضة على الهند له في أوائل القرن19. وأنه في ديسمبر 1984، روى له حسين الخميني، حفيد الإمام، جانبا من قصة النزوح من كشمير إلى إيران خلال لقائه معه في طهران. ثم فصلها له بسنديدة، الشقيق الأكبر للإمام، أثناء لقائه به في مدينةقم، في يونيو 1985[95]. وفي متن كتابه، يتحدث هويدي عن عائلة يكاد اسم أي منها لا يفارق لقب « الهندي» أو «

 السيد». ويشير إلى ثلاثة أبناء لمصطفى هم:

الأول: « مرتضى»، الذي كان يعرف باسم « بسنديدة», (معناها المحمود بالفارسية). وقد نزح من خمين إلى قم للإقامة في بيت أخيه الخميني بعد نفيه إلى تركيا سنة 1964 ثم العراق. وحتى سنة 1986 كان قد بلغ من العمر 92 عاما.

الثاني: « نورد الدين». لا يعرف عنه الكثير، باستثناء أنه لم يواصل دراسته الفقهية. وانفصل عن ذلك المسار

تماما. وانتقل إلى طهران ليعمل موظفا مدنيا في وزارة العدل. حيث اشتغل بالخبرة القانونية. وكان يعرف باسم « السيد الهندي». ومات قبل الثورة بخمس سنوات عن عمر تجاوز السبعين.

الثالث: « روح الله»، الذي اختار لنفسه لقب « المصطفوي». وعرف فيما بعد باسم « آية الله روح الله الموسوي بن مصطفى بن أحمد الموسوي الخميني». من سلالة جد هندي نفاه الإنجليز من كشمير، وأب قتله الشاه رضا خان، وجاء منفيا إلى النجف على طريق الشغب والتمرد والثورة[96].

  • رواية إيرك رولو

 

ثمة رواية متداولة عن الأصول الهندية للخميني ترجع إلى إيرك لورو، الصحفي الفرنسي في صحيفة « لوموند». وقد كررها لورو على التلفزيون الروسي «RT»، بعد خمس سنوات من نشر الكاتبة، منال لطفي، لها  في صحيفة « الشرق الأوسط» السعودية. وهي عبارة عن حوار جرى بين لورو وشاه إيران المخلوع، محمد رضا بهلوي، في أعقاب احتفالات الشاه الإمبراطورية في برسبوليس سنة 1971، بمناسبة مرور 2500 عام على حكم الشاهنشاهية، التي بلغت كلفتها قرابة 120 مليون$[97]. وهو ما أثار حفيظة الإيرانيين وعلماء الشيعة بمن فيهم الخميني. وبدأ الحوار بسؤال الشاه عن رأيه في البيان الذي أصدره الخميني، منتقدا فيه البذخ في الاحتفالات، فـ « انفجر» الشاه غاضبا: « مَنْ الخميني حتى أرد على السؤال؟». قال له رولو: « هذا مجرد سؤال صحافي .. وهناك بيان نشر من الخميني، وأنا فقط أسألك رأيك». فرد الشاه ثانية: « أنا لن أرد على السؤال، لأن الخميني ليس إيرانيا ولا فارسيا. هذا هندي، وأنا لا أرد على الهنود»[98].

الطريف في عبارة الشاه « الخميني ليس إيرانيا ولا فارسيا»! أنها أفصحت، بشكل صارم ومبكر جدا، عن كون الخميني لا (1) ينتمي إلى بلاد فارس التاريخية، ولا (2) إلى إيران الحالية. أما قيمتها ففي أنها قيلت في وقت لم يكن فيه ثمة نزاع في ذلك الوقت بين الشيعة والعالم الإسلامي كما هو بعد الثورة. وبالتأكيد فلن تكون ثمة عداوة بين الصحفي الفرنسي والشيعة، أو الخميني، حتى يمكن الطعن في الرواية. وبالتالي فإنْ لم يكن الخميني هذا أو ذاك؛ وإنْ لم يكن هنديا بحسب الروايات الشيعية، التي ترجع أصوله إلى هجرات قديمة للأجداد؛ فمن يكون إذن؟

  • رواية إسبانية

 

« من هو آيات الله الخميني؟». سؤال كان عنوانا لمقالة وثائقية كتبها إسباني بعنوان: « ¿Quién es el ayatolá Jomeini? »، وقد أحدثت « ضجة في الأوساط الغربية»، بحسب ما يقول مواطن الكاتب Manuel Harazem، في مقالة له بعنوان: « الحقيقة الضائعة: الخميني هو ابن الجندي البريطاني William Richard Williamson»[99]. وثمة العديد من المقالات المستنسخة والمترجمة عن المقالة الأصلية، التي يبدو أنها اختفت من الفضاء الإلكتروني.

باختصار شديد، تجيب مقالة Alan Peters عن السؤال: « من هو الخميني؟» بأنه: « ابن البريطاني وليم ريتشارد وليامسونWilliam Richard Williamson  المولود في بريستول، انكلترا، سنة 1872، من أبوين بريطانيين وسلالة بريطانية صرفة». وأن: « الكولونيل ارشي تشيشولم،Archie Chisholm ، الموظف السابق في شركة النفط الإيرانية – البريطانية، التي أصبحت في وقت لاحق بريتيش بتروليوم BP، والذي يعرف أسرة الخميني جيدا، هو من بين أحد الشهود». وأن: « الكولولونيل، الذي أصبح رئيس تحرير سابق لصحيفة فاينانشال تايمز، حين سئل سنة 1979 عن الأصول البريطانية للخميني، أكد الخبر ولم ينفه». وذكرت المقالة أيضا أن الحديث عن أصول كشميرية للخميني هي قصة مفبركة. وأن النائب الموسوي، عن إقليم خوزستان في برلمان الشاه، يعرف أصول الخميني. وهو الذي سعى لترقية رتبته الدينية إلى « آية الله»، عن طريق المرجع آية الله شريعتمداري، لتجنب حكم الإعدام الذي ناله سنة 1964. ومع ذلك فقد قام الخميني لاحقا بتصفية الموسوي، ووضع شريعتمداري تحت الإقامة الجبرية[100].

المبحث الثاني

 

الخميني

أولا: عقائد الخميني

في المحصلة؛ حتى لو جرى التشكيك في كافة الروايات عن أصول الخميني، فالذي لا شك فيه، أن الرواية الأكثر دقة عنه هي تلك التي تقول بأن أصل الخميني ونسبه موضع شك وغموض. وهذا كفيل باستفزاز الذاكرة حول شخصية « ابن سبأ» جديد!!! وفي مثل هذه النهاية فلن يكون ثمة فرق بين « عبد الله» و « روح الله» و « بولس». فكلهم عمل ببراعة فائقة على استحداث دين جديد، أو بتطويره وفق ما تقتضيه الحاجة. ومع أننا مررنا ببعض عقائد الرجل؛ إلا أننا نستأذن العلماء والباحثين في تثبيت بعض من أبرزها، كما وردت في كتبه أو خطاباته، دون شرح أو تعليق، قبل التوقف عند أطروحة « ولاية الفقيه» التي استوردها من أرحام فقهاء جبل عامل و« الصفوية».

  • من خطاب بمناسبة ذكرى مولد الإمام المهدي في 15شعبان1400هـ:

    « لقد جاء الأنبياء جميعاً من أجل إرساء قواعد العدالة في العالم، لكنهم لم ينجحوا، حتى النبي محمد خاتم الأنبياء الذي جاء لإصلاح البشرية، وتنفيذ العدالة، وتربية البشر لم ينجح في ذلك. وإن الشخص الذي سينجح في ذلك ويرسي قواعد العدالة في جميع أنحاء العالم في جميع مراتب إنسانية الإنسان وتقويم الانحرافات هو المهدي المنتظر … فالإمام المهدي الذي أبقاه الله سبحانه وتعالى ذخراً من أجل البشرية، سيعمل على نشر العدالة في جميع أنحاء العالم، وسينجح فيما أخفق في تحقيقه الأنبياء».

ويتابع:

« إن السبب الذي أطال سبحانه وتعالى من أجله عمر المهدي عليه السلام، وهو أنه لم يكن بين البشر من يستطيع القيام بمثل هذا العمل الكبير حتى الأنبياء، وأجداد الإمام المهدي عليه السلام لم ينجحوا في تحقيق ما جاؤوا من أجله».

ويقول أيضاً:

    « لو كان الإمام المهدي عليه السلام قد التحق إلى جوار ربه، لما كان هناك أحد بين البشر لإرساء العدالة وتنفيذها في العالم … فالإمام المهدي المنتظر عليه السلام، قد أُبقي ذخراً لمثل هذا الأمر، ولذلك فإن عيد ميلاده – أرواحنا فداه – أكبر أعياد المسلمين، وأكبر عيد لأبناء البشرية، لأنه … عند ظهوره، فإنه سيخرج البشرية من الانحطاط، ويهدي الجميع إلى الصراط المستقيم، ويملأ الأرض عدلاً بعدما ملئت جوراًإن ميلاد الإمام المهدي عيد كبير بالنسبة للمسلمين، يعتبر أكبر من عيد ميلاد النبي محمد، ولذلك علينا أن نعد أنفسنا من أجل مجيء الإمام المهدي عليه السلام … إنني لا أتمكن من تسميته بالزعيم، لأنه أكبر وأرفع من ذلك، ولا أتمكن من تسميته بالرجل الأول، لأنه لا يوجد أحد بعده وليس له ثان، ولذلك لا أستطيع وصفه بأي كلام سوى المهدي المنتظر الموعود، وهو الذي أبقاه الله سبحانه وتعالى ذخراً للبشرية، وعلينا أن نهيئ أنفسنا لرؤياه في حالة توفيقنا بهذا الأمر، ونكون مرفوعي الرأس… على جميع الأجهزة في بلادنا … ونأمل أن تتوسع في سائر الدول، أن تهيئ نفسها من أجل ظهور الإمام المهدي عليه السلام وتستعد لزيارته».

  • من خطاب في ذكرى مولد الرضا الإمام السابع عند الشيعة بتاريخ 9/8/1984م:

    « إني متأسف لأمرين: أحدهما أن نظام الحكم الإسلامي لم ينجح منذ فجر الإسلام إلى يومنا هذا، وحتى في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يستقم نظام الحكم كما ينبغي. وأيضا: واضح أن النبي لو كان قد بلغ بأمر الإمامة طبقاً لما أمر الله به وبذل المساعي في هذا المجال لما نشبت في البلدان الإسلامية كل هذه الاختلافات والمشاحنات والمعارك، ولما ظهرت خلافات في أصول الدين وفروعه». (كشف الأسرار، ص 55).

  • إله المسلمين وإله الخميني

    « إننا لا نعبد إلهاً يقيم بناء شامخا للعبادة والعدالة والتدين، ثم يقوم بهدمه بنفسه، ويُجلس يزيداً ومعاوية وعثمان وسواهم من العتاة في مواقع الإمارة على الناس، ولا يقوم بتقرير مصير الأمة بعد وفاة نبيه». (كشف الأسرار، ص 123). وفي موضع آخر يقول: « إنه كان من الخير أن يُنزل الله آية تؤكد أن على بن أبى طالب وأولاده أئمة من بعد النبي، لأن ذلك كان كفيلا بعدم ظهور الخلاف حول هذه المسألة». ويقول عن الحسينيات: « لولا هذه المؤسسات الدينية الكبرى لما كان هناك الآن أي أثر للدين الحقيقي المتمثل في المذهب الشيعي، وكانت هذه المذاهب الباطلة التي وضعت لبناتها في سقيفة بني ساعدة وهدفها اجتثاث جذور الدين الحقيقي تحتل الآن مواضع الحق»، ( كشف الأسرار، ص 193).

  • تحريف القرآن

« إن الذين لم يكن لهم ارتباط بالإسلام والقرآن إلا لأجل الرئاسة والدنيا، وكانوا يجعلون القرآن وسيلة لمقاصدهم الفاسدة، كان من الممكن أن يحرفوا هذا الكتاب السماوي في حالة ذكر اسم الإمام في القرآن وأن يمسحوا هذه الآيات منه وأن يلصقوا وصمة العار هذه على حياة المسلمين». (كشف الأسرار،  ص 114)، استرشادا بكتاب « مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل» لـ، الميرزا حسين النوري الطبرسي.

  • أئمة الشيعة والأنبياء

« نقول بأن الأنبياء لم يوفقوا في تنفيذ مقاصدهم وأن الله سبحانه سيبعث في آخر الزمان شخصاً يقوم بتنفيذ مسائل الأنبياء». لكن: « بالإمامة يكتمل الدين والتبليغ يتم»، (كشف الأسرار، ص 154). ذلك أن: « تعاليم الأئمة كتعاليم القرآن»، ( الحكومة الإسلامية، ص 113)، بل: « إن للإمام مقاماً محموداً وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات الكون، فهؤلاء: « لا يتصور فيهم السهو والغفلة»، (الحكومة الإسلامية، ص 91)، لذا؛ فـ: « إن من ضرورات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل .. وقد ورد عنهم (ع) أن لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل»، ( الحكومة الإسلامية، ص52).

  • الصحابة وأهل السنة

في كتابه (وصيتنامة، ص19) كتب يقول: « إنني أدّعي وبجرأة بأن الشعب الإيراني بجماهيره المليونية في عصرنا الحاضر أفضل من شعب الحجاز الذي عاصر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومن شعب الكوفة والعراق المعاصرين لأمير المؤمنين والحسين بن علي (عليهما السلام)، فمسلمو الحجاز لم يطيعوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وتخلفوا عن جبهات الحرب بذرائع مختلفة حتى وبخهم الله تعالى بآيات من سورة التوبة وتوعدهم العذاب وكم رموا الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالأكاذيب حتى أنه لعنهم من على المنبر[101]ـ على ما نقلت الروايات».  وفي ( كشف الأسرار، 126 -127) يقول: « إننا هنا لا شأن لنا بالشيخين وما قاما به من مخالفات للقرآن ومن تلاعب بأحكام الإله وما حلّلاه وحرماه من عندهما وما مارساه من ظلم ضد فاطمة … وأن مثل هؤلاء الأفراد الجهال الحمقى والأفاقون والجائرون غير جديرين بأن يكونوا في موقع الإمامة وأن يكونوا ضمن أولي الأمر». بل: « إن كل ما يعاني منه المسلمون اليوم إنما هو من آثار يوم السقيفة»، ( كشف الأسرار ص155). وعن المسلمين أو « النواصب» بلغة القوم، فيقول: « الأقوى إلحاق الناصب بأهل الحرب في إباحة ما اغتنم منهم وتعلق الخمس به، بل الظاهر جواز أخذ ماله أينما وجد، وبأي نحو كان ووجوب إخراج خمسه»، ( تحرير الوسيلة، ج1 / ص352). إذ أن: « النواصب والخوارج لعنهما الله تعالى فهما نجسان من غير توقف»، ( تحرير الوسيلة). أما قوله في الفرق الشيعية الأخرى: « غير الاثنى عشرية … ؛ إذا لم يظهر منهم نصب ومعاداة وسب لسائر الأئمة الذين لا يعتقدون بإمامتهم طاهرون، وأما مع ظهور ذلك منهم فهم مثل سائر النواصب». ( تحرير الوسيلة).

  • عقيدة الحلول والاتحاد

 

   يصف علي ابن أبي طالب، رضي الله عنه، بأنه: « خليفته القائم مقامه في الملك والملكوت، المتحد بحقيقته في حضرت الجبروت واللاهوت، أصل شجرة طوبى، وحقيقة سدرة المنتهى، الرفيق الأعلى في مقام أو أدنى، معلم الروحانيين، ومؤيد الأنبياء والمرسلين علي أمير المؤمنين»، (مصباح الهداية، ص 1). وفي ص142 يشرح بأنه: « عليه السلام صاحب الولاية المطلقة الكلية والولاية باطن الخلافة .. فهو عليه السلام بمقام ولايته الكلية قائم على كل نفس بما كسبت، ومع الأشياء معية قيومية ظلية إلهية ظل المعية القيومية الحقة الإلهية، إلا أن الولاية لما كانت في الأنبياء أكثر خصهم بالذكر». وفي كتابه ( شرح حديث السحر، ص111)، يقول: « إن لنا مع الله حالات هو نحن ونحن هو وهو هو ونحن نحن[102]. فالوحدة في عين الكثرة والكثرة في عين الوحدة».

   

  • تحريف الأذان

 

   يقول موسى الموسوي: « أدخل الخميني اسمه في أذان الصلوات، وقدم اسمه على النبي الكريم، فأذان الصلوات في إيران بعد استلام الخميني للحكم، وفي كل جوامعها، كما يلي: الله أكبر ( خميني رهبر). أي أن الخميني هو القائد، ثم أشهد أن محمدا رسول الله .. إلخ». ويعلق الموسوي على بدعة الأذان موردا رواية عن مهدي بازركان، أول رئيس حكومة بعد سقوط الشاه، كادت تودي بحياته، فيقول: « لقد جرت العادة في البلاد الإسلامية إذا ذكر اسم النبي الكريم صلى الله عليه وسلم صلى الحاضرون ثلاثة مرات، وقال بازركان في خطاب جماهيري: ماذ تقولون لرسول الله إذا قال لكم تصلون علي مرة إذا ذُكرت وثلاث مرات إذا ذُكر ابني؟ وكان بازركان يقصد من (ابني) الخميني الذي يدعي أنه من أولاد الرسول صلى اللع عليه وسلم، وكاد البازركان يدفع حياته ثمنا لهذا الكلام». (الثورة البائسة 162، 163).

  • الشركيات والقبور

في كتابه (كشف الأسرار، ص30)، وتحت عنوان: « ليس من الشرك طلب الحاجة من الموتى»، يقول: « يمكن أن يقال إن التوسل إلى الموتى وطلب الحاجة منهم شرك، لأن النبي والإمام ليس إلا جمادين فلا تتوقع منهما النفع والضرر، والجواب: إن الشرك هو طلب الحاجة من غير الله، مع الاعتقاد بأن هذا الغير هو إله ورب، وأما طلب الحاجة من الغير من غير هذا الاعتقاد فذلك ليس بشرك !!، ولا فرق في هذا المعنى بين الحي والميت، ولهذا لو طلب أحد حاجته من الحجر والمدر لا يكون شركاً، مع أنه قد فعل فعلاً باطلاً. ومن ناحية أخرى نحن نستمد من أرواح الأنبياء المقدسة والأئمة الذين أعطاهم الله قدرة. لقد ثبت بالبراهين القطعية والأدلة النقلية المحكمة حياة الروح بعد الموت، والإحاطة الكاملة للأرواح على هذا العالم».

ثانيا:  تاريخية ولاية الفقيه

لا تختلف عقلية الخميني العقدية عن عقلية أسلافه من مشايخ « الإمامية»، ولا عن حكام الشيعة والدولة « الصفوية»، إلا في المزيد من الشطط والكفر والشرك. وليس غريبا عنه، كأستاذ فلسفة أصلا، أن يجد في عتاة الإلحاد والزندقة، كالحلاج وابن عربي ضالته، إلى جانب العقائد الوثنية القادمة من الهند، وكذا « النصرانية» وحتى « اليهودية» كما يقول كمال الحيدري. ولعله لا يختلف اثنان على أن عقيدته في « الولاية» كانت أبرز ما أحدثه في « الإمامية» منذ ظهرت بواكيرها الأولى مع عبد الله ابن سبأ. ومع أن أبرز علماء « الإمامية» خالفوه فيها، ودفعوا ثمنا باهظا في معارضته، سواء في حياتهم أو في حريتهم حتى التعفن في السجون أو الممات، إلا أنها غدت في وقت قصير جدا هي المهيمنة على الطائفة، ليس في إيران فحسب، بل حيثما تواجد الشيعة في العالم. وإذا كان إسماعيل شاه الصفوي قد فرض « الاثنى عشرية» مذهبا رسميا للدولة لأول مرة في التاريخ، واستعان بـ « ولاية الفقيه»، إلا أن الخميني فرضها رسميا على الدولة والمذهب حيثما تواجد، وليس في إيران فحسب.

وفي كتابه عن « الحكومة الإسلاميةص11،12»، يتحدث عن « ولاية الفقيه» قائلا: « إن العقلاء بفطرتهم يعتبرون في الحاكم كونه عاقلا أمينا عالما برموز السياسة والتدبير قادرا على التنفيذ والإجراء، … وعلى هذا فالأمة الإسلامية حسب اعتقادها بالإسلام وقوانينه العادلة الجامعة تتمنى أن يكون الحاكم عليها والمهيمن على شؤونها رجلا عاقلا عادلا عالما برموز السياسة قادرا على التنفيذ، معتقدا بالإسلام وعالما بضوابطه ومقرراته، بل أعلم فيها من غيره، ولا نريد بولاية الفقيه إلا هذا. وهذا العنوان كان ينطبق عندنا في عصر ظهور الأئمة (عليهم السلام) على أئمتنا (عليهم السلام) عترة النبي (صلى الله عليه وسلم) وأبواب علمه وفي عصر الغيبة ينطبق على من تفقه في الكتاب والسنة وعرف أحكامها. وبهذا البيان يظهر لك أن ولاية الفقيه الجامع للشرائط التي أشرنا إليها أمر يتمناه ويطمح إليه كل من اعتقد بالإسلام وجامعيته حسب عقله وفطرته. وليس معنى ولاية الفقيه تصديه لجميع الأمور بنفسه، بل هو يفوض كل أمر إلى أهله من الأشخاص أو المؤسسات مع رعاية القوة والتخصص والأمانة فيهم ويكون مشرفا عليهم هاديا لهم، مراقبا لهم بعيونه وأياديه ومسؤولا عن أعمالهم لو تساهلوا أو قصروا، ويشاور في كل شعبة من الحوادث والأمور الواقعة المهمة، الخواص المضطلعين فيها، حيث إن الأمر لا يرتبط بشخص خاص حتى يكون الاشتباه فيه قابلا للإغماض عنه، بل يرتبط بشؤون الإسلام والمسلمين جميعا وقد قال الله تعالى: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ، (الشورى: 38)، وإذا كان عقل الكل وخاتم الرسل خوطب بقوله تعالى: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر، ( آل عمران: 159)، فتكليف غيره واضح وإن تفوق ونبغ».

وفي قراءة الشيخ مصباح يزدي للولاية المطلقة في كلام الخميني[103]، ينقل عنه القول:

   « وإذا نهض بأمر تشكيل الحكومة فقيه عالم عادل فانه يلي من أمور المجتمع ما كان يليه النبي ) صلى الله عليه وآله(  منها، ووجب على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا. ويملك هذا الحاكم من أمر الإدارة والرعاية والسياسة للناس ما كان يملكه الرسول ) صلى الله عليه وآله( ، وأمير المؤمنين )عليه السلام) على ما يمتاز به الرسول والإمام من فضائل ومناقب خاصة»، (الحكومة الإسلامية ص 49).

ويقول أيضا في ( شؤون وصلاحيات « الولي الفقيه» من كتاب البيع ج2، ص466): « فيكون لهم في الجهات المربوطة بالحكومة كل ما كان لرسول الله والائمة من بعده صلوات الله عليهم أجمعين ولا يلزم من ذلك أن تكون رتبتهم كرتبة الأنبياء أو الأئمة (عليهم السلام) فان الفضائل المعنوية أمر لا يشاركهم (عليه السلام) فيه غيرهم».

وفي نفس الكتاب (ص 467) يقول الإمام: « فللفقيه العادل جميع ما للرسول والأئمة (عليهم السلام) مما يرجع إلى الحكومة والسياسة ولا يعقل الفرق، لأن الوالي. أي شخص كان. هو مجري أحكام الشريعة والمقيم للحدود الإلهية والآخذ للخراج وسائر الماليات والمتصرف فيها بما هو صلاح المسلمين».

ويقول في موضع آخر: « وعلى ذلك يكون الفقيه في عصر الغيبة ولياً للأمر ولجميع ما كان الإمام (عليه السلام) ولياً له، ( ص 496). ويقول كذلك في موضع آخر: « ثم إن المستحصل من جميع ما ذكرناه أن للفقيه جميع ما للإمام (عليه السلام) إلا إذا قام الدليل على أن الثابت له (عليه السلام) ليس من جهة ولايته وسلطنته بل لجهات شخصية».

بدأت قصة صعود الخميني وأفكاره في مطلع ستينات القرن العشرين. فقد اعتقل في أعقاب ما عرف سنة 1963 بـ « الثورة البيضاء»، التي أعلن الشاه بموجبها حزمة مما سمي بالإصلاحات، ذات النزعة التغريبية الفجة، والتي تسببت باحتجاجات شعبية دموية. وجاء الاعتقال على خلفية جملة قيل أن الخميني وصف الشاه بها بأنه: « رجل بائس سيئ». ثم أفرج عنه ووضع تحت الإقامة الجبرية لمدة ثمانية شهور، ثم اعتقل أواخر العام 1964، قبل أن يتم نفيه خارج إيران، ليعود، بعد 14 عاما قضاها في المنفى، قائدا للثورة الشعبية التي أطاحت بالشاه سنة 1979.

ما بين الإعلان عن « الثورة البيضاء» وسقوط الشاه، شهدت إيران مرحلة استبداد على شاكلة مصطفى

كمال أتاتورك في تركيا. لذا فقد ظهرت ردود فعل قوية من علماء ومفكرين إيرانيين من بينهم الخميني الذي كان ينشط باتجاه بديل إسلامي للتغريب الشاهنشاي. وبدأت الفكرة بالقول أن: « الإسلام يتطلب حكومة إسلامية يتزعمها ولي فقيه، أي كبار فقهاء القانون الإسلامي، في سلسلة محاضرات في أوائل سنة1970، صدرت فيما بعد في كتاب، بين الخميني أن المذهب الشيعي يتطلب الانصياع لقوانين الشريعة وحدها، وفي سبيل ذلك، لا يكفي أن يقود الفقهاء جماعة المسلمين، بل عليهم أن يقودوا الحكومة أيضاً». أما الكتاب فقد « انتشر على نطاق واسع في الأوساط الدينية، خاصة بين طلاب الخميني والملالي، وصغار رجال الأعمال، وراح هذا الفريق يطور ما سيصبح شبكة قوية وفعالة من المعارضة داخل إيران، مستخدمة خطب المساجد، وتهريب شرائط تسجيلات صوتية للخميني وطرق أخرى».

يقول الموسوي أن غياب البديل، بفعل الاعتقالات والقمع الشاهنشاهي، وليس الكفاءة، كان السبب الذي دفع المعارضة الإيرانية لاختيار الخميني كواجهة يمكن تقديمها للمجتمع الإيراني. ولم يكن أحد ليتصور أن يغدو هذا الاختيار هو الكارثة المنتظرة بعينها[104]. لكن إذا كان الشاه بهلوي خرج عن « الخط العقدي» لـ « الإمامية»، بانتهاجه فلسفة التغريب، إلا أنه لم يخرج عن « الخط الزمني» لفارس. أما الخميني فلم يخرج عن أي من الخطين، فيما استحدثه من « ولاية الفقيه». ولا ينفي هذا أن « ولاية الفقيه» لا تزال مسألة خلافية بين تيارين في « الإمامية»، أحدهما، وهو المهيمن، يؤيدها بشدة ويدافع عنها بكل ما أوتي من قوة، والثاني يعارضها، ويعتبرها الأداة الاستبدادية التي تحكم الإيرانيين بقوة السلطة وأدواتها وليس بدعواها الفقهية أو العقدية.

تقول المادة الخامسة من الدستور الإيراني: « في زمن غيبة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) تكون ولاية الأمر وإمامة الأمة في جمهورية إيران الإسلامية بيد الفقيه العادل، المتقي، البصير بأمور العصر، الشجاع القادر على الإدارة والتدبير وذلك وفقًأ للمادة 107». أما الفقرة الأولى من المادة 115 فتشترط: « أن يكون رئيس الجمهورية إيراني الأصل ويحمل الجنسية الإيرانية»! وهذا يعني استبعاد كافة القوميات من منصب الرئاسة دستوريا. ومع ذلك فالسؤال: لماذا حضرت جنسية الرئيس وغابت جنسية « الولي الفقيه»؟ الأمر ببساطة: لأن الذين وضعوا الدستور وقعوا في مآزق شتى، وتناقضات فاضحة، مثلما هو الحال في عقائدهم ورواياتهم.

  • فالخميني يمكن أن يكون هنديا أو بريطانيا أو من أية قومية أخرى، إلا أنه بالتأكيد لم يكن فارسيا أبدا. والتنصيص على الجنسية الإيرانية لـ « الولي الفقيه» سيؤدي إلى إخراجه من « الولاية» برمتها. لكن تجنب التنصيص على الجنسية لن يكون الحل السحري في تجنب الحرج، بقدر ما سيؤدي إلى فضائح أخرى لا تتوقف عن الانكشاف. فباعتبار « الولي الفقيه»، إماما لعموم المسلمين، وطاعته واجبة، فهذا يؤشر على أن الدستور، من المفتلرض، أنه لا يمانع بأن يحمل أية جنسية أخرى، كأن يكون مثلا مسلما ماليزيا أو إندونيسيا أو أفريقيا أو أوروبيا أو أمريكيا. لكن؛ هل سيصمد مثل هذا الاعتبار أمام المادة 12 التي تقول بأن: « الدين الرسميلإيران هو الإسلام والمذهب الجعفري الإثنا عشر، وهذه المادة تبقى إلى الأبد غير قابلة للتغيير»؟ بالتأكيد لن يصمد حتى لحظة واحدة! فعن أي مسلمين أو إمام يجري الحديث إذا كان النص الدستوري مذهبي وحتى طائفي وعنصري؟ وما هي هوية الثورة التي يطالب الدستور و« الولي الفقيه» بتصديرها؟

  • وبما أن الخميني بزعمهم ينتسب إلى سلالة الإمام موسى الكاظم، فهو بالتالي عربي! ومن المفارقات العجيبة فإن التنصيص على الجنسية الإيرانية، بالمحصلة مثل عدمه، سيخرجه أيضا من « الولاية». والأسوأ من ذلك أنه سيقصي منها كل فقيه يحمل لقب « السيد». وبدلا من أن يكون الانتماء لآل البيت نعمة يمتطون بموجبها ظهور العامة والخاصة والدهماء، فسيغدو لعنة تطارد من يجاهر بها. ولحل هذه المعضلة يلجأ القوم إلى قاعدتهم الذهبية التي تقول: « قبلنا الإسلام ولم نقبل العربية»! وهي تعني أن آل البيت مسلمون وكفى، وبالتالي فليس ثمة حاجة لمجرد الحديث عن أصولهم العربية، وهو منطق ثقافي عميق يتحصن في قعر فارس العنصرية، والحاقدة على الإسلام .. منطق يقضي بأن تحضر الفارسية على الدوام، فيما تغيب العروبة حتى عن « آل البيت». وبهذه الثقافة تمتزج أسطورة الحق الإلهي في « الولاية»، سواء في ظل الإسلام، عبر أطروحة « آل البيت»، أو في ظل كورش ويزدجر وسلالات الأباطرة الفرس!!!

لذا لم تكن « ولاية الفقيه» بدعة خمينية صرفة كما جرى الترويج لها. وما فعله الخميني من وضعها موضع التنفيذ هو استعادة صفوية لها بامتياز. وبالتالي فهي عدوان صريح على الإسلام والمسلمين، لا يناظره في الضراوة حتى الدولة العبيدية. أما أصل الفكرة فتعود بدايةً إلى الشيخ محمد بن مكي الجزيني (743 – 786هـ)، صاحب كتاب « اللمعة الدمشقية»، حيث وردت لأول مرة عبارة « نائب الإمام». فقد تلقى هذا دعوة من علي مؤيد، آخر ملوك الدولة السربدارية في خراسان بدءً من سنة ٧٦٦هـ. إلا أن الجزيني عجز عن السفر، واكتفى بإرسال كتابه كدليل يسترشد به فقهاء الشيعة. أما الفكرة فظلت طي الكتاب لأكثر من 200 عام[105].

يبدو أن الشاه إسماعيل، لما رام فرض التشيع على فارس والناس، فضلا عن التوسع في الجوار، تعرض لعقبة مذهبية في الإثنا عشرية، تحول بينه وبين الجهاد قبل خروج المهدي. ولعله وجد بداية أمره في التصوف ضالته الأولى في التغلب على المشكلة. وفي السياق ينقل بن صالح المحمود عن بعض المصادر الشيعية، رواية تقول بأن: « الشاه إسماعيل كان مع أتباعه الصوفية في الصيد في منطقة تبريز، إذ مرّ بنهر فعبره لوحده، ودخل كهفاً ثم خرج متقلداً بسيف، وأخبر رفقاءه: أنه شاهد في الكهف المهدي، صاحب الزمان، وأنه قال له: لقد حان وقت الخروج، وأمسك ظهره ورفعه ثلاث مرات ووضعه على الأرض .. وشدّ حزامه بيده ووضع خنجراً في حزامه وقال له: اذهب فقد رخصتك»[106]. وبالتأكيد لم يكن هذا كافيا، لاسيما وأن فارس بالكاد كان يوجد فيها كتاب عن التشيع، فضلا عن قلة العلماء والشيعة. وهو ما دفعه للاستعانة بعلماء جبل عامل في لبنان. وهكذا بدت الطريق ممهدة لصاحب لقب « مخترع الشيعة»، الشيخ نور الدين علي بن عبد العالي الكركي، كي يتلقى دعوة من الشاه إسماعيل، للقدوم إلى إيران سنة 916هـ. وقد ابتدع في البداية فكرة « نيابة عامة للفقهاء»، تُعنى بشؤون المذهب واحتياجات الأتباع، لكنه فيما بعد جعلها نيابة سلطة، يتولاها الفقيه بوصفه « نائب الإمام الغائب» بالوكالة[107]. لذا وبعد وفاة إسماعيل غدا الكركي نائبا عاما للإمام المهدي، وصاحب صلاحيات مطلقة، اقتصادية وسياسية ودينية في الدولة الشيعية الجديدة، إلى درجة أن الشاه طهماسب كان يعتبر نفسه نائبا له أيضا[108].

وبحسب المصادر الفارسية المعاصرة حول أصول مفهوم « ولاية الفقيه» فالتركيز يقع على الشيخ الكاشاني، آية الله أحمد النراقي، الذي توفي سنة 1245هـ. وتقول الشمراني أن: « الشيخ النراقي له الفضل في صياغة الفكرة وتفصيلها، وإنْ نُسبت صياغة العنوان إلى الشيخ ابن مكي الجزينى»، إذ أنه عمل على: « تعزيز دور الفقيه، ودعا إلى تبوئه مركز السلطة بطرحه نظرية ولاية الفقيه، بصيغة تعد خرقا للإجماع الشيعي في مسألة الولاية، في أول الأمر، وقد أثبت النراقي للفقيه كل ما هو للنبي والإمام، إلا ما أخرجه الدليل من إجماع أو نص أو غيرهما، وكان يدعو إلى الولاية المطلقة»[109].

سؤال: ما حاجة الشيعة لـ « ولاية الفقيه»؟

تؤمن « الإمامية» بوجود اثني عشر إماما، أولهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وآخر ذريته محمد المهدي. وهذا الأخير هو في الحقيقة « المهدي المنتظر» عند الشيعة. وتزعم الرواية الشيعية أنه غاب غيبتين:

الأولى: هي التي تسمى بـ « الغيبة الصغرى». وتبدأ منذ لحظة ولادته، التي كانت سنة 255هـ، أو بوفاة والده الحسن العسكري سنة 260هـ. واستمرت إلى سنة 329هـ. أي مدة 69 سنة. كان الإمام خلالها يتواصل مع شيعته عبر ما سمى بـ « السفراء الأربعة أو النواب أو الوكلاء».

الثانية: هي « الغيبة الكبرى»، فتبدأ من سنة 329هـ إلى حين ظهوره. وتبعا لذلك فقد انقطع التواصل بينه وبين شيعته. ولم يعد ثمة سفراء ولا وكلاء يشكلون أية حلقة وصل بينه وبين شيعته. ويرجع سبب هذه الغيبة إلى خشيته من القتل على أيدي العباسيين الذين كانوا يتربصون به، ويفتشون عنه حتى قبل ولادته لقتله. ونظرا لتعاظم الخطر على حياته فقد اضطر إلى الاختفاء في سرداب بمدينة سامراء العراقية، حيث ولد هناك.

وتُعلق « الإمامية» كل دينها على هذه الأسطورة. فلا جهاد ولا صلاة جمعة ولا هذا ولا ذاك إلا أن يظهر « الإمام الغائب». أما لماذا فكرة « الإمام الغائب» هي محض أسطورة؟ فلأن الإمام العسكري كان عقيما أصلا! ومات شابا ولم ينجب قط. ولم يرد ذكر « الغائب» في المصنفات التارخية بقدر ما أكدت على عدم ولادته وعقم والده المفترض. والعجيب أنه ولد واختفى في الوقت الذي ظهرت فيه الدولة البويهية (322هـ – 454هـ / 933م – 1066م)، حيث كان بإمكانه الاحتماء بها من أعدائه وخصومه المفترضين. كما كان بإمكانه الاحتماء بالدولة العبيدية. وتوفرت له فرصة أعظم حين ظهرت الدولة « الصفوية» (1501م – 1736م)، باعتبارها أول دولة شيعية إمامية! بل أن الفرصة مواتية لظهوره الآن في عهد دولة « ولاية الفقيه»! ومع ذلك لم يفعل. فلماذا؟

الجواب ببساطة: لأنه وهم، غير موجود إطلاقا. أما « المهدي المنتظر» فهو شخصية كائنة لدى « اليهودية» و« النصرانية» والإسلام. وأحاديث الملاحم والفتن كثيرة في كتب الرواة، لكن المسلمين لا يتوقفون عندها كثيرا، ولا يعلقون إقامة الدين عليها، بخلاف « الإمامية». ولا ريب أن أعجب ما في الأمر أنه بدلا من دعوته للخروج من سردابه جاءت « الصفوية» و« الخمينية» لتحكم الإغلاق عليه عبر فكرة « ولاية الفقيه»! وغدا الاجتهاد في وراثة صفاته وقدراته وفضله ومصادرة صلاحياته مغنما[110]! حتى أنه لم يبق له من الأمر شيء إلا أن يتوسل تحريره أو ينتظر الفرج! وهذه نتيجة منطقية لنظرية « الإمامية»، باعتبارها حركة إدارية للمذهب في مواجهة الإسلام، وليست تحقيقا للحق والعدالة. إذ أن نظرية « الإمام الغائب» هي، في المبدأ والمنتهى، المبرر الوحيد الذي يُمكِّن « الإمامية»، وطبقة الكهنوت، من الاستمرار بدعواها إلى أن تقوم الساعة. وبالتأكيد لو حضر « الغائب» سيبطل التيمم، وتنتهي « الإمامية». بينما الإسلام لا شيء يوقفه أو ينقص من قدره. فهو باق إلى قيام الساعة سواء ضعف المسلمون أو تمكنوا .. وسواء ظهر « المهدي المنتظر» أو لم يظهر.

تحتاج « الإمامية» لـ « ولي فقيه»، لأنها تدرك يقينا أن « المهدي المنتظر» مجرد أسطورة[111] .. لكنها تكبح جشعها، في تحقيق المكاسب المادية والمعنوية، طالما ظلت شؤون الطائفة والمذهب حبيسة عقيدتي « التقية» و « الانتظار». أما التوسع والثأر والانتقام من المسلمين، والتحالف مع الأعداء، والخروج على الدولة الإسلامية، وارتكاب الموبقات، وإشاعة الزندقة والإلحاد، ووقف الجهاد وتعطيل الجماعة، ومخالفة العامة في دينها، والطعن في ذات الله، جل وعلا، واتهام الرسول r، بالعجز والتقصير، وسب ولعن الصحابة، والمس بأعراض آل البيت … فهي أمور لا تحتاج إلى ولي فقيه. فالأحداث والنصوص والوقائع التاريخية تشهد عليها. لكن إذا تم التخلص من « التقية» و « الانتظار» فسيكون من اليسير وراثة « الإمام الغائب» في مكانته وصلاحياته، بحيث تغدو السيطرة على السلطة الدنيوية، باسم الحق الإلهي، من أعظم المكاسب التي يمكن أن تحققها طبقة الكهنوت. بل أن نظرية « ولاية الفقيه» ستعمل على تحرير الطبقة مما قيدت به نفسها تاريخيا، ويجعلها طليقة السراح في أن تفعل ما تشاء بعيدا عن أية قيود مذهبية. وهكذا كان. وفي هذا السياق لا ينفع القول بوجود معارضة قوية أو ضعيفة لدعوى « ولاية الفقيه». فطوال التاريخ كان التشيع يتقدم نحو دين وضعي جديد، دون أن يتوقف في لحظة مراجعة واحدة. فبأي عقيدة أو منطق سيتراجع الآن أو مستقبلا؟

في مستهل المادة الثانية عشر من الدستور الإيراني، نقرأ ما يلي: « الدين الرسمي لإيران هو الإسلام والمذهب الجعفري الإثنا عشر، وهذه المادة تبقى إلى الأبد غير قابلة للتغيير». ولا ريب أن كل ما في نص المادة يثير العجب، إلى حد الفضيحة التي لا يمحوها كل التاريخ، إلى أن تقوم الساعة. فالملاحظة الأولى تكمن في العبارة التالية: « الإسلام و المذهب الجعفري»! وكأن إيران تعترف رسميا، وبأرفع نص، أقرته « ولاية الفقيه»، أن فيها دينان هما الإسلام و المذهب الجعفري». أما الملاحظة الثانية التي لا تقل فداحة عن الأولى، فهي التي جاءت في العبارة التالية: « وهذه المادة تبقى إلى الأبد غير قابلة للتغيير»!!! أي أنها لن تتغير طالما بقيت « ولاية الفقيه» قائمة، وطالما أن « الإمام الغائب» لم يظهر. أما الملاحظة الثالثة فهي العبارة البينية « إلى الأبد». فإذا كانت المادة قد صممت لتبقى « إلى الأبد»، فالسؤال: ما هي « حدود» الأبد؟ هل هي حين ظهور « الإمام الغائب»؟ أم في قيام الساعة؟

ما قرأناه عن الدستور ويعرفه المتخصصون أن صياغته تحتاج إلى فقهاء وعلماء ومتخصصين في السياسة

والاقتصاد والتاريخ والاجتماع والثقافة والجغرافيا، وخبراء لغات ولهجات وقوميات وإثنيات ومذاهب، ومحترفين شرعيين وقانونيين، وممثلين عن علية القوم، يدققون بكل حرف وكلمة وموضوع وشأن. ثم يتم عرض النص على العامة من الناس في وسائل الإعلام لتلقي ردود الفعل والآراء، وتوزيعه على المؤسسات والدوائر المعنية، قبل أن يتم التصويت عليه واعتماده ونشره في الجريدة الرسمية. فهل غفل كل هؤلاء عما لاحظناه في المادة 12؟ هل هي سقطات لغوية في النص؟ أم خطأ في الترجمة من الفارسية إلى العربية؟ أم جهل في اللغة العربية؟ أم هي الحقيقة التي يؤمن بها الشيعة؟ وكيف يمكن أن يكون السقوط في نص دستوري مدويا بهذا الحجم والمستوى[112]؟
بحسب المادة الخامسة من الدستور نقرأ النص التالي: « في زمن غيبة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) تكون ولاية الأمر وإمامة الأمة في جمهورية إيران الإسلامية بيد الفقيه العادل، المتقي، البصير بأمور العصر، الشجاع القادر على الإدارة والتدبير وذلك وفقًأ للمادة 107». وهنا يعطي « الولي الفقيه» لنفسه صفة « الولاية» المطلقة على من يفترض أنهم القاصرين. وليس ثمة قيمة لما ورد في المادة 107 وهي تقول: « يتساوى القائد مع كل أفراد البلاد أمام القانون»، طالما أن « المادة 110» تعطيه كل الصلاحيات في:

1) « تعيين السياسات العامة لنظام جمهورية إيران الإسلامية بعد التشاور مع مجمع تشخيص مصلحة النظام.

2) الإشراف على حسن إجراء السياسات العامة للنظام.

3) إصدار الأمر بالاستفتاء العام.

4) القيادة العامة للقوات المسلحة.

5) إعلان الحرب والسلام والنفير العام.

6) نصب وعزل وقبول استقالة كل من:

أ- فقهاء مجلس صيانة الدستور.

ب- أعلى مسؤول في السلطة القضائية.

جـ- رئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في جمهورية إيران الإسلامية.

د- رئيس أركان القيادة المشتركة.

هـ- القائد العام لقوات حرس الثورة الإسلامية.

و- القيادات العليا للقوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي.

7) حل الاختلافات وتنظيم العلائق بين السلطات الثلاثة.

8) حل مشكلات النظام التي لا يمكن حلها بالطرق العادية خلال مجمع تشخيص مصلحة النظام.

9) إمضاء حكم تنصيب رئيس الجمهورية بعد انتخابه من قبل الشعب. أما بالنسبة لصلاحية المرشحين لرئاسة الجمهورية من حيث الشروط المعينة في هذا الدستور فيهم، فيجب أن تنال قبل انتخابات موافقة مجلس صيانة الدستور، وفي الدورة الأولى تنال موافقة القيادة.

10) عزل رئيس الجمهورية مع ملاحظة مصالح البلاد، وذلك بعد صدور حكم المحكمة العليا بتخلفه عن وظائفه القانونية أو بعد رأي مجلس الشورى الإسلامي بعدم كفاءته السياسية على أساس من المادة التاسعة والثمانين.

11) العفو أو التخفيف من عقوبات المحكوم عليهم في إطار الموازين الإسلامية بعد اقتراح رئيس السلطة القضائية. ويستطيع القائد أن يوكل شخصا آخر أداء بعض وظائفه وصلاحياته.

 

لعل الموسوي كان محقا حين قارن بين دستور الشاه وهو ينص على أن: « الملكية وديعة الهية أعطاها الله

 للملك عن طريق إرادة الشعب التي تجلت في الاستفتاء العام»، وأحد بنود المادة 110، ربما قبل تعديل سنة 1989، وبحسب الموسوي، تنص على أن: « ولاية الفقيه سلطة إلهية أعطاها الله للفقيه عن طريق إرادة الشعب التي أقرها في الاستفتاء العام»[113]. فما الفرق إذن بين ولاية الشاه وولاية الخميني، إذا كان كلاهما يتمتع بسلطة إلهية ولو نسبية؟ لنتابع الأمر مع خليفة الخميني، لنرى إنْ كان سيفرط بما ورث؟ أم سيحشد ما استطاع من الأساطير للحفاظ عليه من سلطانه المكتسب؟

ففي الانتخابات الرئاسية سنة 2009 بدا أن المرشد علي خامنئي داعما لولاية ثانية يتولاها أحمدي نجاد، رغم أن كل المعطيات كانت تشير إلى فشله أمام خصمه مير حسين موسوي. لكن ما أن تم الإعلان عن فوز نجاد حتى اندلعت انتفاضة شعبية هي الأعنف في تاريخ جمهورية « ولاية الفقيه». وبدت الانتفاضة في المبدأ والمنتهى ضد « الولي الفقيه» نفسه، الذي أكد فوز نجاد، وغطى على ابنه مجتبى، الذي أشرف على أضخم عملية تزوير لنتائج الانتخابات. لكن بعد أقل من عام على الاحتجاجات، والتنكر لأطروحات « الإمام الغائب» وقرب ظهوره، وكذا الأساطير التي تم ترويجها من جهة ونقضها وإعلان الحرب عليها من جهات دينية أخرى، خرج خامنئي لأول مرة، وفي معرض رده على استفتاءات حول « ولاية الفقيه»، ليفتي على الملأ بما يلي:

 

    « وفقا للمذهب الشيعي، يجب على جميع المسلمين طاعة الولي الفقيه والخضوع لأوامره، وتنطبق هذه الفتوى أيضا على الفقهاء الشيعة الآخرين ناهيك عن تابعيهم. وفي منظورنا، يعد الالتزام بحكم الفقيه جزءً لا يتجزأ من الالتزام بالإسلام وحكم الأئمة المعصومين».

 

ولا ريب أن أميز وأغرب ما في الفتوى أنها صدرت « وفقا للمذهب الشيعي»! وليس « وفقا للدستور»، الذي يبدو أنه خضع لتقية ما، عن حقيقة السلطة التي يتمتع بها « الولي الفقيه»، أو على الأقل تم تجاوزه كلية. ولا ريب أن هذا التصدير أثار حفيظة الحوزات الدينية، التي بدت الفتوى وكأنها تسعى صراحة لإخضاعها إلى سلطته[114]، خاصة وأن ولايته مقيدة بحدود ضيقة. وعلى وقْع التشكيك بأهليته ونزاهته، منذ تولى خلافة الخميني في « ولاية الفقيه»، مما يعني أن فتاواه ليست محصنة، شرعيا وموضوعيا، بما يكفي لمواجهة المراجع العليا، اضطر إلى سحب فتواه من كافة المواقع الإلكترونية! فهو لم يتمتع بلقب « آية الله» ولا بلقب « المرجع الأعلى» الذي حصل عليها بالضغوط أواخر العام 1994. بل أن أكثر ما ناله من الألقاب هو « حجة الله».

ومع ذلك، وخلال المعمعة، تواصلت مهرجانات الدعم والتنصيب من طبقة الكهنوت، للولي الفقيه الجديد،

بسلطاته وصلاحياته الإلهية، المعززة باسم « الله» و « المذهب» و « الإمام الغائب». وخرج سكرتير مجلس صيانة الدستور الإيراني، أحمد جنتي، في 27/7/2010، ليؤكد على ما سبق وأفتى به خامنئي واصفا إياه بأنه: « ذخر لأيام الضيق» وأنه مثلما: « كما كان الإمام علي حامي حماة الإسلام القرآني المحمدي فاليوم يقوم ولي الفقيه بنفس المهمة وإلا لم يبق شيء من الإسلام». وفي غمرة الاحتفالات بمولد « المهدي المنتظر»، وردا على من ينفي وجوده، قال جنتي أنه: « يعرف أشخاصا التقوا بإمام الزمان (المهدي المنتظر) وأحدهم يدعى ميرجهاني حيث التقيت به أنا شخصيا»[115]. ومع أن التواصل، بحسب «الإمامية» ذاتها، انقطع مع « الإمام الغائب»، بعد « الغيبة الكبرى»، إلا أنه يبدو أن أحد الذين التقاهم جنتي هو ذاك « السفير الخامس» الجديد، الذي تحدثت عنه صحيفة « القبس – 28/1/2011» الكويتية. فقد نقلت عن الشيخ الهمداني زعمه أنه « التقى مؤخراً الإمام الغائب … »، وأنه سأله عن « مكانة وسمعة السيد خامنئي»، فقال الإمام المهدي للشيخ همداني: « إنه من آل البيت ويجب على الجميع طاعته من دون تردد ومن دون أي شك، وكل من يعارضه فهو منافق أو كافر». كما نقلت « القبس» عن صحيفة « روز – 13/5/2011» الإيرانية تصريحا لقائد الحرس الثوري يقول فيه: « من يعارض المرشد يعارض الله والرسول وعلاقة نجاد مع المرشد مثل علاقة السيد وعبده». وأدلى آية الله محمد تقي مصباح يزدي بأقوال شركية جسيمة، من نوع: « إن طاعة رئيس الحكومة هي من طاعة الله … إن سلطة الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي تأتي من الله وليس من الشعب … طاعة الولي الفقيه من طاعة الغائب التي هي من طاعة الله، ما يجعل الخروج عليه ومعارضته نوع من أنواع الشرك بالله». وفي «عناصر الإحياء في نهضة الخميني» للرئيس الإيراني الأسبق، محمد خاتمي، ورد فيه … أن: « الحكومة، التي هي جزء من الولاية المطلقة لرسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، أحد أحكام الإسلام الأولية، ومقدمة على جميع الأحكام الفرعية، حتى الصلاة والصيام والحجت.. ومن الممكن أن يعطل أي أمر، عبادياً أو غير عبادي إذا ما تعارض مع مصلحة الإسلام، … وإن كل ما قيل حتى الآن، وما سيقال في المستقبل، ناجم عن عدم معرفة الولاية الإلهية المطلقة حق معرفتها»[116]. ولعل آخر الصيحات التي باتت في متناول البحث، ما نقلته وكالة « رسا» التابعة لحوزة قم، عن إمام جمعة طهران، كاظم صديقي، حين قال بأن « الإمام الثاني عشر للشيعة أوصى باتباع وطاعة أوامر الولي الفقيه». وأن الإمام المهدي قال بأن « الولي الفقيه هو حجتي عليكم»، مشددا على أن « خامنئي هو حجة الله على الأرض حالياً، لأنه نائب المهدي، والإمام ينوب عن الله أيضاً»[117].

                                                                           

أكثر تجليات الحضور الفارسي في جمهورية « ولاية الفقيه» لدى عامة المسلمين كان في علم الجمهورية الذي تم اعتماده في 29/7/1980. فما من علاقة موضوعية واضحة تربطه في الإسلام بقدر ما يحاكي شعاره ذات الشعار الكائن في علم طائفة «السيخ» في الهند! المنطقة والطائفة الأكثر شيوعا في نسبة أصول الخميني إليهما. ففي المادة 18 من الدستور: « يتألف العلم الرسمي لإيران من الألوان: الأخضر، والأبيض، والأحمر رمز الجمهورية الإسلامية وشعار (الله أكبر) ».

 

      أما الألوان فهي ذاتها في علم مملكة الشاه. وبالنسبة لشعار « الله أكبر» ( هكذا بالخط الكوفيالذي يمتد على حافتي المستطيلين من الداخل فقد جاءت غامضة، كما لو أنها إطار زخرفي، بل أن نوع الخط ليس كوفيا كما ورد في تعريف موسوعة « الويكيبيديا»، وليس فيه أثر من خط « النستعليق» الفارسي، ولا بطبيعة الحال الحرف العربي. ولا ريب أن أي معاين للعلم سيلاحظ تلقائيا أن الشعار هو ذاك الشكل الهندسي الذي يتوسط العلم، وليس العبارة الزخرفية التي يقول الدستور أنها « الله أكبر».

أما الشكل الهندسي للعلم فلم يأت الدستور على ذكره لا من قريب ولا من بعيد. ولأنه الشكل الوحيد والأميز في العلم فقد كان من الأولى التنصيص على المعنى الذي يحتويه. ولأنه تجاهل الشكل تماما فقد نشطت الاجتهادات في تحليله. فهناك من يقول بأن الشكل هو اسم « الله» الأعظم، وهناك من يقول أنه اسم الإمام « علي»، رضي الله عنه، وثالث يقول بأنه عبارة التوحيد « لا إله إلا الله». وهناك من يدلل على أنه مستوحى من علم الطائفة « السيخية»، فالشكل يبدو من حيث التصميم أقرب إليه من أي تأويل آخر. كما أنه يحاكي علم الشاه. وكل ما في الأمر أنه تم استبدال الشكل الهندسي من أسد يحمل سيفا إلى شعار السيخ. وهكذا يكون الجميع قد قال كلمته في العلم إلا الدستور! لكن هل غفل المشرعون عن علم الطائفة « السيخية» كما « غفلوا» في مواد الدين الرسمي لإيران وجنسية الرئيس وصلاحيات « الولي الفقيه»!!؟

الراجح أنهم لم يغفلوا عن ذلك. فالعلاقات بين « الإمامية» و« السيخية» جوهرية، من حيث تأثر الطائفتين ببعضهما البعض. فـ « السيخ» كلمة مشتقة من الجذر السنسكريتي، وتعني « التلميذ». وكطائفة، هي مجموعة من الهنود يُنسَب أحيانا تأسيسها إلى شخص يدعى Guru Nanak Dev في ولاية البنجاب الهندية، خلال الفترة ما بين 1469 – 1539. وتشترك مع الرافضة في الدعوة إلى « دين جديد» مستوحى من الإسلام و« الهندوسية»، شعاره « لا هندوس ولا مسلمين». وبحسب أقدم الوثائق « السيخية» المكتوبة باللغة الفارسية، ثمة أدلة بالغة على أن الفرس المجوس، وتحت ظلال الصوفية، نجحوا في خلق الطائفة « السيخية»[118]، التي حذت حذو « المجوسية»، ونكاية في « الهندوسية»، في استحداث دين جديد من الإسلام. وأظهرت، كما « الهندوسية»، عداء شديدا للإسلام والمسلمين. أما الفرق بينهما فهو أن الطوائف الهندية نشطت، ولمّا تزل، ضد المسلمين في الداخل الهندي، في حين نشطت « المجوسية» في الداخل الفارسي والخارج، وفي صلب الدين الإسلامي.

الأهم في المسألة أن العلم الإيراني هو نسخة منقحة من الشعار السيخي، قام بسرقته  معهد الخميني الدولي «Khomeini IRI». وأن الشكل الهندسي، هو في الحقيقة شعار « كاندا» السيخي. ويورد الكاتب الفارسي Ahreema في كتابه « Pictorial History of Iranian Flags = التاريخ المصور لرايات إيران» صورا عديدة لأعلام إيران، وتفاصيل مثيرة حول علم السيخ ومعاني رموزه. مؤكدا، في الفصل العاشر من الكتاب، بأن الخميني، الهندي الأصل، سرق شعار علم السيخ، الذي لا علاقة له بـ 8000 سنة من التاريخ الفارسي[119].

بعد كل هذا التاريخ المشين لفارس « المجوسية»، وحربها على الإسلام والمسلمين، تأتي جمهورية « ولاية الفقيه» لتستغفل الناس، باسم الله، ولتقول لهم بأن: « الثورة التي يريدها الله شيعية المنطلق إسلامية الصيغة عالمية الاهداف»[120]. فما شأن الله بمثل هذه الثورة؟ وما حاجة المسلمين بثورة عنصرية، في حين أن (1) هويتها ومنطلقاتها مذهبية، وأن (2) شكلها الإسلامي لا يخفي (3) أهدافها توسعية؟

الفصل الخامس

الطريق إلى فارس

الآن فقط، وعلى مدار المباحث الثلاثة السابقة، يمكننا أن نفهم حقيقة الثورة الإيرانية واستيلاء « الولي الفقيه» عليها. حقيقة المشتركات التاريخية والبنيوية بين الأديان « المجوسية» و« اليهودية» و« النصرانية» و« البوذية» و« السيخية» و « الهندوسية» من جهة، و« الإمامية» وفرقها ودولها من جهة أخرى. ولو أن المناهج التربوية والعلمية والمعرفية السائدة في العالم الإسلامي، والتي أفرزها عصر الجبر، كان بها أو برموزها ومؤسساتها، من المسجد إلى الجامعة، ومن الموالاة إلى المعارضة ومن الحكام إلى الثورات والحركات الوطنية، ذرة من الحقيقة لما استغفلت الأمة أو خدعت لعشرات السنين، ولما شرعنا بتقصي الحقائق، وتتبع العلاقات السرية والعلنية بين إيران ورموز النظام الدولي وقواه الحيوية في المنطقة كـ «إسرائيل»، بعد أن بات الخطر في عقر الديار، ويحيط بالأمة من كل جانب، وسط نزيف دموي لن يتوقف بسهولة.

  • ثانيةً؛ صفويو لبنان

 

اندلعت الحرب العراقية الإيرانية (1980- 1988) وسط شعبية عربية وإسلامية جارفة لإيران، وسخط شعبي كبير على الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، خاصة في أوساط الفلسطينيين، الذين رأوا فيها ثورة إسلامية تنادي بتحرير فلسطين. ولما توقفت الحرب، بقبول إيران قرار مجلس الأمن الدولي رقم 598، أعلن الخميني أن تجرع السم أسهل عليه من الموافقة على القرار. بعدها بسنة توفي الخميني، لكن إيران بقيت تواصل الصعود على ظهر « حزب الله» الذي أطق مقاومة ضد الغزو «الإسرائيلي» للبنان سنة 1982. وتبعا لذلك لم يتوقف الصعود الشعبي إلا مع انطلاقة الثورة السورية سنة 2011!!! وغني عن البيان أن القضية الفلسطينية كانت بمثابة حصان طروادة الذي اعتلت ظهره « ولاية الفقيه» طيلة ثلاثين سنة، تحولت بموجبها إلى قوة إقليمية عاتية.

حدث هذا بالرغم من توفر عشرات المؤشرات والمعلومات والوقائع والوثائق التي توجب الحذر من إيران. بل أن الحقائق صارت بمتناول العامة من الناس! ومع ذلك ظلت شعبية إيران وحزب الله في تصاعد! ووصل الأمر إلى حد تخوين من يضع فلسفة إيران الفارسية وسياساتها ومواقفها وأدواتها موضع مساءلة، عشية الثورة وغداتها، في قضايا كالحوار الذي قاده وزير العدل الأمريكي، رمزي كلارك، مع الخميني في العاصمة الفرنسية عشية الثورة، أو أزمة رهائن السفارة الأمريكية (4/11/1979)، أو العناية الفرنسية به ونقله على متن طائرة خاصة إلى طهران، وتغطية محطة الـ « BBC» البريطانية لوقائع الثورة الإيرانية وتحركات الخميني، أو الدور الطائفي التخريبي الذي لعبه موسى الصدر على الساحة اللبنانية خلال سبعينات القرن العشرين، أو دور حركة أمل في إشغال كتائب الثورة الفلسطينية وافتعال الاقتتال الداخلي معها، في جنوب لبنان لمدة عام قبل الغزو «الإسرائيلي»، ومن ثم جمع السلاح من فلول المقاومة الفلسطينية خلال الغزو، دون أن تتعرض الحركة أو الشيعة لأي نزع للسلاح، أو شنها حربين وحشيتين، خلال سنة واحدة، على المخيمات الفلسطينية سنة 1985، أو انكشاف فضيحة شحنات الأسلحة «الإسرائيلية» لإيران سنة 1986، أو الحوارات التي لم تنقطع بين ولي الفقيه و «إسرائيل» وأمريكا، أو تدمير «إسرائيل» لمفاعل تموز النووي في العراق سنة 1982، أو مفاوضات العقيد زرابي، مدير المجمع العسكري بإيران، على صفقات الأسلحة مع نظيره «الإسرائيلي» بن يوسف في زيوريخ، والسماح لتقنيين يهود بتدريب الجيش الإيراني على تعديل العتاد الحربي الأمريكي ليتلاءم مع قطع الغيار «الإسرائيلية» الصنع، بينما يتم تدمير المفاعل النووي العراقي، وتتعرض مجمعات التصنيع العسكري في العراق سنة 1985 للتفجير، أو نشاط اللوبي الإيراني الأمريكي الداعم لبناء علاقات استراتيجية بين الولايات المتحدة وإيران، أو …. إلخ

كانت البداية في لبنان! ولا شك أنها مفارقة تاريخية لا تنفك تعيد نفسها، لتذكر بظهور الدولة « الصفوية» التي استحكمت، وطبقت مشروعها، بهمة علماء جبل عامل، الذين أخذوا على عاتقهم إجبار المسلمين في فارس على التشيع، أو تحطيمهم وتشريدهم وإبادتهم. فبعد الغزو «الإسرائيلي» وتصفية الوجود الفلسطيني المسلح في جنوب لبنان وبيروت، بدأت القوات السورية الطائفية بالتعاون مع ميليشيات حركة « أمل» باستكمال المهمة، وشرعت بتصفية شاملة للوجود الفلسطيني من كل لبنان. وما أن انتهت مهمة الحركة حتى تولى « حزب الله» تصفية الوجود السني المسلح في لبنان، واحتكار ما رآه قرار المقاومة. وبموجبه تم منع أية قوة مسلحة من الاشتباك مع «إسرائيل» تحت أي ظرف كان، وإلا فالتصفية السياسية والجسدية بانتظاره. وهكذا سيطرت إيران عبر أداتها على لبنان، حتى خرج أمين عام الحزب، حسن نصرالله، وقال بصريح العبارة: « إن إيران هي حزب الله في لبنان».

كان « حزب الله»، ولمّا يزل، هو النموذج الأمثل، كأداة ضاربة لدى إيران، لتعميمه على الدول الإسلامية ذات الحضور الشيعي. وعملا بمفهوم « التقية» لدى « الإمامية»، يمكن للحزب أن يتواجد بشكل مباشر أو عبر مسميات وتشكيلات اجتماعية وسياسية واقتصادية وإعلامية ومالية وتجارية، أو في صيغة شخصيات رمزية كما في مصر وتونس وليبيا والمغرب، أو في صيغة قاعات ضخمة صممت لتكون لاحقا حسينيات أو يجري تشغيلها مؤقتا كمكتبات ودور رعاية وأنشطة مدنية وثقافية، أو عبر خلايا نائمة وشبكات عمل سرية في الأراضي والعقارات والمخدرات والسلاح والتجنيد، أو حتى معسكرات وقواعد تدريب كما هو الحال في إريتريا. لذا فهو موجود في العراق بنفس الاسم، لكنه موجود بمسميات وتشكيلات مختلفة في قطاع غزة، كـ حركة « الصابرين»، وفي نيجيريا واليمن، عبر حركة « أنصار الله» الحوثية، وفي دول الخليج وأفغانستان وغيرها. وهو يلعب ذات الدور الذي لعبه أسلافه من جبل عامل: أي التشييع وبناء المؤسسات الشيعية والتدريب وإعداد القوى الضاربة. لذا فهو ليس كأي تشكيل شيعي آخر في أية دولة في العالم. بل هو رأس حربة الدولة « الصفوية» الجديدة في إيران.

المبحث الأول

العدو الوجودي لإيران!

ما أن هلك كسرى، وافتقدت فارس فرصة الرد التي حظيت بها روما، حتى أنتجت أحقادا تاريخية، لم تندمل. لكن هذه المرة عبر شعار « يا لثارات الحسين» بدلا من « يا لثارات كسرى». وكأن الإسلام لم ينل من غطرستها بقدر ما عقدت العزم على جعل (1) تخريب الإسلام، و (2) اختراق العالم الإسلامي، و (3) الانتقام من المسلمين، الموضوع السياسي الوحيد للفرس المجوس. بمعنى أن العرب والمسلمين والإسلام هم العدو المستمر وليس أحدا غيرهم. لذا؛ وحين كان العالم الإسلامي يتجه، عبر حركة الفتوحات، نحو الخارج، كانت عقيدة مجوس فارس، ومن بعدها « الإمامية» وفرقها ودولها المتنوعة، على النقيض تماما، تتجه مسلحة بأحقادها التاريخية نحو الداخل الإسلامي، ولم تكن في يوم ما شريكة في فتح أو في مواجهة مع الغرب أو الشرق، بقدر ما كانت حليفة، وجسر عبور للقوى الغازية.

بل أن الفرس المجوس، وحتى ثقافة قطيع « الإمامية»، يعتبرون الفتوحات الإسلامية عامة، ولفارس خاصة، حتى هذه اللحظة من الزمن، « اعتداءات ظالمة وجائرة وغير مبررة على شعوب مسالمة»[121]. وهي ذات الأطروحة التي ترددها قوى الشرق والغرب من أن الإسلام هو دين الغزو والاعتداء، ووفقا لمصطلحات «عصر الجبْر»، « دين الإرهاب»!!! بطبيعة الحال فإن ما يثير العجب في مثل هذه الأطروحات التي لم تتوقف، أن دعاتها لا يتذكرون جيوش الروم والفرس حين كانت تستوطن الجزيرة العربية ومحيطها، وتستعبد أهلها، وتجوب شرق الأرض وغربها، بحثا عن مواطن البؤساء لاستعبادهم ونهبهم، ولا يتذكر الروافض أن دخولهم الإسلام ما كان ليكون لولا الفتح الإسلامي الذي قاده عرب المسلمين وليس عبيد الجاهلية ومن المجوس. بل أن مجوس الفرس لا يتذكرون أن قادة الفتح الإسلامي لفارس، والذين كانوا سببا بدخولهم الإسلام، هم الذين يتلقون اللعن، ويطالبون المسلمين اليوم بالتبرؤ منهم!!!!

لذا ليس غريبا دلالة الفقرة التي سطرها رئيس حكومة «إسرائيل»، أرييل شارون، أحد أعتى أساطير « الحركة الصهيونية» و « اليهودية العالمية» في « المربط اليهودي»، بحق الشيعة، حين كتب مبكرا، في مذكراته بعد غزو لبنان سنة 1982، يقول: « من دون الدخول في أي تفاصيل, لم أرَ يوماً في الشيعة أعداء إسرائيل على المدى البعيد»[122]. فلنتتبع بعض ما استقر واستجد من العلاقة الموضوعية والتاريخية بين اليهود والفرس (مجوسا) و (ثقافة) و ( إمامية).

فمن جهته فصل الكاتب « الإسرائيلي»، أمنون لورد، شهادة شارون ومعه جنرالات وساسة « إسرائيل» واليهود في مقالته « الفاضحة» في صحيفة « مكور ريشون – 27/3/2016[123]»، بالقول أن: « هناك أسئلة فوق المنطق السائد تتعلق بإمكانية وجود تعاون بين إسرائيل وإيران لمواجهة المحور العربي السني، لكن كما كل النازيين تبدو رغبة إيران في القضاء على اليهود تتجاوز هذا المنطق». لهذا فـ: « رغم خطابات العداء الإيرانية ضد تل أبيب، فإنه يمكن القول عن ذلك باللغة العبرية الحديثة إنه كلام من الهراء»، .. فبحسب الكاتب، ونقلا عن « خبراء إسرائيليين كبار في الشأن الإيراني مثل أوري لوبراني وتسوري ساغيه» فإن « هناك مصالح مشتركة بين إيران وإسرائيل»، بالإشارة إلى « إمكانية نشوب هبات شعبية في منطقة خوزستان ( العربية) الواقعة على حدود جنوب العراق وذات الأغلبية السكانية العربية، … مما يثير أجواء من القلق لدى صناع القرار الإيراني من إمكانية ظهور مطالبات من هؤلاء السكان بحقوقهم القومية أو الانضمام لدولة أخرى». ففي « المنطقة العربية السنية داخل إيران … المنطقة الأكثر غنى بالموارد النفطية، … تبدو المخاوف من التمرد العربي السني موجودة في أعماق دوائر صناعة القرار الإيراني، وتأخذ بالاتساع كلما توسعت الإمبراطورية الإيرانية».

 

   بطبيعة الحال فإن ما يتحدث عنه الكاتب من « مصالح مشتركة» ليس جديدا في ضوء تحالفات سابقة ترجع إلى « سنوات الستينيات من القرن الماضي حين كانت الإمبراطورية الإيرانية جزءا من الإستراتيجية الإسرائيلية»، ففي ذلك الوقت، بتأكيد الكاتب، « نشأ تعاون وثيق بين إسرائيل وإيران حول ما عرفت آنذاك بـ المسألة العربية التي أقلقت الجانبين على حد سواء، ولذلك قام عدد من الضباط المظليين الإسرائيليين بتدريب العديد من الطيارين الأكراد للعمل داخل العراق وإحداث قلاقل أمنية داخل الدولة التي اعتبرت آنذاك معادية لإسرائيل وإيران في آن واحد معا». وفي السياق نقل الكاتب عن الجنرال تسوري ساغيه قوله أن « هناك عمليات عسكرية تدريبية للأكراد في العراق بمشاركة إسرائيلية وإيرانية»، وأن « الإسرائيليين قاموا بتدريب الأكراد وتشغيلهم، في حين انخرط الإيرانيون في توفير الدعم اللوجستي لأن الأكراد تدربوا في الأراضي الإيرانية، كما أن طرق وصول الإسرائيليين إلى المناطق الكردية تمت عبر إيران».

أما عن عدو إيران والمشروع النووي، وبرؤية يهودية إيرانية، يشير الكاتب إلى: « وجود بعض التحليلات لخبراء إسرائيليين يقدِّرون بأن المشروع النووي الإيراني لم يقم بالأساس ضد إسرائيل، وإنما ضد العدو العربي السني الموجود في العراق قبيل سقوط صدام حسين». وفي السياق؛ ينقل أيضا عن سفير غربي يصفه بـ « الكبير» في العاصمة الأمريكية – واشنطن قوله أن « عددا من كبار اليهود ذوي الأصول الإيرانية المقيمين في نيويورك، أبلغوه أن المشروع النووي لبلادهم موجه بالأساس ضد عدوتهم الكبرى من الشرق وهي باكستان السنية»، وأنهم « رغم معارضتهم نظام آيات الله فإنهم سوف يعودون لإيران فور سقوطه».

وفي أطروحته الشهيرة بعنوان: « التحالف الغادر»، يتحدث رئيس اللوبي الإيراني في واشنطن، تريتا

بارزي، باستفاضة عن العلاقة التاريخية بين اليهود الفرس منذ العهد البابلي، ويتوقف عند تجليات العلاقة القائمة إلى اليوم بين عموم اليهود من شتى أنحاء العالم ويهود فارس في « إسرئيل»، وحنينهم إلى موطنهم الأم. لكن أبرز ما يتحدث عنه، عبر الشخصية « اليهودية» الفارسية، هو التشابه الكبير بين اليهود والفرس من جهة، مقارنة بالعرب من جهة ثانية[124]. وينقل الباحث عن خبير «إسرائيلي» في الشؤون الإيرانية قوله: « يُنظر إلى الإيرانيين على أنهم أسياد في الخداع، وأنا أعتقد بأن مكانتهم الأسطورية لا ينبع من كون الإسرائيليين يعرفون الإيرانيين ويقدرون قدراتهم وحسب، بل ولأنهم شديدو الاختلاف عن العرب. فعندما نقوم بتصنيف أعدائنا، نصنف العرب بأنهم متزمتون بحيث أنهم سيعملون وفقا للتوجيهات نفسها إلى الأبد، وذلك لأنهم عرب، إنهم ضيقوا الأفق وغير معقدين. لكن تصنيف الإيرانيين أصعب بكثير على الإسرائيليين لأنهم شديدو الشبه بنا»[125]. وهذا ما أكده بالضبط الكاتب « الإسرائيلي»، أمنون لورد، حين كتب يقول: « الإيرانيين والإسرائيليين هم الشعب الأكثر تشابها ببعضهم بعضا، لاسيما في طرق تفكيرهم في القضايا الأمنية والقومية، ونظم السيطرة والتكنولوجيا، وربما في طرق التفاوض، وهنا تظهر أوجه شبه كبيرة بين إسرائيل وإيران»[126]. ولعل من أبرز أوجه الشبه بين الجانبين ما خطه بارزي حول الشعور بالخطر. ففي أعقاب الغزو الأمريكي للعراق سنة 2003 قال بأن الدرس، كما هو حال اليهود، كان واضحا للإيرانيين، فـ: « عندما يهجم الخطر، لا يمكن الاعتماد لا على اتفاقيات جنيف ولا على ميثاق الأمم المتحدة لكي تحمي نفسها. وكما هو الحال مع إسرائيل تماما، توصلت إيران إلى أنه لا يمكنها الاعتماد على أحد سوى نفسها»[127].

قد تبدو الشخصية « اليهودية» ضمن ثقافة « الغيتو»، التي لا تجيد أي جوار حضاري مع الآخر، أبعد ما تكون عن الشخصية الفارسية. لكن بقليل من التدقيق تبدو المسألة أقرب إلى التطابق. وبحسب توصيف الكاتب الروسي، ديستوفيكي، للشخصية « اليهودية» في مقالته التاريخية عن « المسألة اليهودية»[128]، يتحدث فيها عن بعض الملامح الخارجية لها، ومنها: « عدم التبدل أو التحول على مستوى المعتقد الديني، عدم الامتزاج مع الآخرين، الثقة العمياء بأنه لا يوجد على الأرض سوى شخصية واحدة هي الشخصية اليهودية، أما الآخرون، وبالرغم من تواجدهم، إلا أنه يتوجب عدم أخذهم بالحسبان», ولتأكيد وجهة نظره يستعين ديستوفيسكي بنص توراتي يقول: « أُخرج من الشعوب واحتفظ بشخصيتك المتفردة، واعلم أنك الوحيد عند الرب، اسحق الآخرين، أو حولهم إلى عبيد أو استغلهم كما تشاء، ثق بأن جميع الشعوب سوف تخضع لك، أعرض عن الجميع باشمئزاز، ولا تختلط بأحد، وحتى عندما تطرد من الأرض وتفقد شخصيتك السياسية، حتى عندما تتشرد في مختلف أنحاء المعمورة وبين مختلف الشعوب – سيان – ثق بما وعدت به مرة وإلى الأبد، ثق بأن كل شيء سينصلح، وحتى يتحقق الوعد، عش، أعرض عن الآخرين، توحد، واستغل و … انتظر، انتظر».

 

الطريف في التوصيف أن التوراة نفسها تم كتابتها في بابل، بإشراف الفرس! لذا ليس غريبا أن يكون الرافضي ( بنسخته « المجوسية»« الإمامية») كاليهودي بنسخته الفارسية، غير قابل للتبدل أو التحول، كما يقول د. طه الدليمي في خلاصة آرائه حول « المسألة الشيعية». فهو دائما يتذمر، ويشكو المحنة والاضطهاد والمظلومية التي لا تتوقف، ويربط نفسه بآل البيت كما يربط اليهودي نفسه بإرادة الله باعتباره « شعب الله المختار»، وينتظر الخلاص بذات المحتوى الذي ينتظره اليهودي، ولا يتوقف حتى لو حصل على كل حقوقه بل سيادته .. وإذا كان اليهود يبدون من عجينة واحدة، سواء كانوا من الجاهلين أو المتعلمين، فلا فرق في الاعتقاد ونمط الحياة بين متعلم وجاهل ومؤمن وملحد، فكذلك الأمر بالنسبة للشيعة.

في زمن الشاه محمد رضا بهلوي، أطبقت عليه فكرة فارس التوسعية، حتى استغرقت كل حياته ووجوده على رأس السلطة في إيران. كان حلمه يتلخص باعتراف الغرب بدور مهيمن له على منطقة الخليج العربي. لذا، ووسط خشية من التوسع السوفياتي، فقد بذل كل جهد سياسي، وراوغ بأقصى ما يستطيع، لكي يمنع أي تدخل غربي، من الممكن أن يؤدي إلى إفساد حلمه عليه. وشرع في التوسع باتجاه المحيط الهندي وتسيير دوريات بحرية بمحاذاة الساحل الشرقي لأفريقيا، ووصف داوود هيرماديس باواند، الديبلوماسي الإيراني السابق، تدخله في الصومال بأنه: « كان حصيلة تصور جنون العظمة الذي تَمَلَّك الشاه حيال نفسه وحيال مكانة إيران». (مقابلة في 8/8/2004). وهو ذات التوصيف الذي أطلقه عليه اليهود. ومن جهته قال هنري بريشت، مسؤول مكتب إيران السابق في الخارجية الأمريكية: « لم يكن الشاه يسعى أن يكون المهيمن على المنطقة وحسب، بل وأراد أن يصبح قوة على المسرح العالمي». (مقابلة معه في 3/3/2004). وكمستبد، يتدخل في كل كبيرة وصغيرة في شؤون الدولة، وعلى مستوى القرار، تسببت بعض سياساته بمشكلات كبيرة. وبحسب بارزي، فقد كان: « العديد من مستشاري الشاه .. على دراية بالأخطار التي تشكلها سياساته، فقلة منهم كانوا في وضع يمكنهم من التعبير عن وجهات نظرهم للحاكم الإيراني المستبد». وينقل عن علي ناغي علي خاني، وزير سابق في عهد الشاه، « تأسفه» بتساؤل بليغ: « لماذا نطمح على أن نكون القوة المهيمنة في المحيط الهندي؟ كان الأمر سخيفا. فشعبنا فقير … حتى أن جيشنا لم يكن يملك القوة الكافية، وبما أن كافة قطع الغيار مصنوعة في الولايات المتحدة، كنا دولة معتمدة على الخارج بالكامل»[129]. فهل تختلف مملكة الشاه عن جمهورية « ولاية الفقيه»؟

لا شك أنها أوسع طموحا، وأوضح تعبيرا عن فلسفة فارس التاريخية. إذ ينقل بارزي عن شيرين هنتر قولها: « بالرغم من الاختلاف الكبير في طرق وتبريرات كل من البهلوي والخميني، كانت أهدافهما الإستراتيجية متشابهة إلى حد بعيد. تفوق الثوريون على جنون العظمة لدى البهلوي: فعلاوة على مجرد لعب دور الأول بين الأقران في المحيط الهندي ومنطقة غرب آسيا، سعت حكومة آية الله الخميني إلى قيادة العالم الإسلامي بأكمله. أي أن كلا من الشاه ( بعد العام 1967) والثوريين رغب في لعب دور سياسي يتجاوز الموارد المتوفرة لإيران»[130]. ومن جهته يقول باري روبن، مدير مركز البحوث العالمي للشؤون الدولية بالقدس ( غلوريا): « إن ما كان يعتبر طموحا مستندا إلى القومية لدى الشاه أصبح لدى من خلفوه طموحا موازيا مستندا إلى راديكالية إسلامية غالبا ما خدمت ببساطة كقناع رقيق للقومية»[131]. وفيما يلي جردة حساب موثقة لعلاقات « ولاية الفقيه» بـ «إسرائيل»، منذ انتصار الثورة:

  • « بعد شهور من اندلاع أزمة رهائن السفارة الأمريكية، قام أحمد كاشاني، النجل الأصغر لآية الله العظمى أبو القاسم كاشاني، بزيارة إسرائيل لمناقشة مبيعات الأسلحة والتعاون العسكري ضد البرنامج النووي العراقي في أوزيراك .. وأثمرت رحلته عن موافقة بيغن ( رئيس حكومة إسرائيل آنذاك) عن شحن إطارات طائرات الفانتوم المقاتلة إضافة إلى شحن أسلحة إلى الجيش الإيراني»[132].

  • وبحسب أحمد حيدري، تاجر السلاح الذي عمل لصالح الخميني فقد استوردت إيران 80% من أسلحتها من «إسرائيل». وبحسب معهد يافي للدراسات الاستراتيجية بتل أبيب دفعت إيران ما قيمته 500 مليون $ ثمنا لصفقات أسلحة خلال الفترة ما بين 1980 – 1983، وتفاوضت مع «إسرائيل» في باريس على تدمير المفاعل النووي العراق قبل شهر من الضربة، وزودت «إسرائيل» بخرائط وصور للمنشئات النووية[133].

 

  • « كان العالم في العام 1983 مكانا مختلفا عما هو اليوم. ففيما كان دونالد رامسفيلد، المبعوث الخاص للرئيس ريغان، يغدق الثناء على صدام حسين ببغداد، كانت إسرائيل تحث واشنطن على عدم الالتفات إلى الدعوات الإيرانية التي تطالب بتدمير الدولة اليهودية، وكان المحافظون الجدد يخططون للتقارب مع نظام الخميني، فيما كانت إيران – وليس الولايات المتحدة – تُعتبر بعيدة عن الواقع بتخيلها بروز هلال شيعي»[134].

 

  • في خضم جولات الحوار بين الأمريكيين و «الإسرائيليين» وإيران في العواصم الأوروبية، يذكر بارزي في جولة 9/7/1985 التي استمرت أربع ساعات في مدينة هامبورغ الألمانية، والتي جمعت بين مدير عام وزارة الخارجية «الإسرائيلية»، ديفيد كمحي، ومستشار الأمن القومي الأمريكي، روبرت ماكفرلين، والمقرب من الخميني، حسن خروبي. أما خروبي فقد خاطب «الإسرائيلي» قائلا: « يمكن أن تساعد أمريكا على إنقاذ إيران من

 

 وضعها الصعب. إننا مهتمون بالتعاون مع الغرب، فلدينا مصالح مشتركة معه، ونرغب أن نكون جزء منه»[135].

 

  • بعد حرب الخليج الثانية، وفي خضم البحث عن خطر جديد، يغري العرب بتوقيع اتفاق سلام مع «إسرائيل»، بدأت حكومة « رابين – بيريز» العمالية، بالترويج لاعتبار إيران خطر وجودي يهدد «إسرائيل» بعد أن كان يعتبرها رابين صديق استراتيجي. لكن الجنرال أوري ياغي، رئيس المخابرات العسكرية «الإسرائيلية»، رد بالقول: « يتعين القول أن هذا البلد ( إيران) يدعو إلى شن حرب مقدسة علينا، غير أن سياسته التسلحية ليست مرتبطة بنا، وسيبقى الأمر كما هو حتى لو لم يعد لنا وجود»[136]. وفي مقابلة معه في 27/10/2004، نقل بارزي عن يوسي ألفير، ضابط الاستخبارات ومستشار إيهود باراك، رئيس حكومة «إسرائيل»، القول بأن: « الإيرانيين ربما يتحدثون عنا، ولكننا لسنا همهم الاستراتيجي الأول ولا حتى الثاني، كما أننا لسنا سببا يدفعهم إلى تطوير أسلحة نووية»[137]. وفي 18/2/2006 نقلت ذات الوكالة عن رئيس مجلس الأمن القومي «الإسرائيلي»، عوزي دايان، في تصريح لإذاعة الجيش «الإسرائيلي»، قوله: « إيران ليست عدوا لإسرائيل، وأنه لا يجدر بنا تهديد إيران، من وجهة نظرنا إيران ليست عدوا، ولكن علينا التأكد من عدم تمكن إيران من اقتناء أسلحة دمار شامل»[138].

 

  • في مقابلة مع مسؤول في وزارة الخارجية الإيرانية في طهران (آب 2004) ينقل بارسي عن مسؤول إيراني القول: « في السنة الأولى للثورة، لم نعترف بإسرائيل، ولكن كانت تربطنا علاقات دبلوماسية بالولايات المتحدة. وإذا دعت الضرورة يمكن لإسرائيل الاتجار مع إيران عبر الولايات المتحدة. سيكون ذلك حلا مؤقتا لأننا لا نستطيع الاعتراف بإسرائيل في هذه المرحلة .. ستكون إسرائيل قادرة على بلوغ أهدافها، ولن تعارض إيران من الناحية العملية سياسات إسرائيل في المنطقة»[139].

وبعد سلسلة واسعة من التوثيقات وتقصي ردود الفعل حول تصريحات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، في 26/10/2005، المماثلة لعبارته بأن: « إسرائيل يجب أن تمحى من الخريطة»، والمقابلات والآراء والحوارات مع اليهود الإيرانيين في «إسرائيل»، وتعلقهم بإيران، وزيارتهم لها عبر تركيا، يخلص بارزي، إلى القول بأن: « اليهود والإيرانيون ليسوا غرباء عن بعضهم. فثقافة الطرفين، وديانتهما، وتاريخاهما متشابكة بشكل وثيق منذ العصور البابلية»[140]. فهل يختلف موقف الإيرانيين تجاه اليهود؟

الحقيقة أنه لا يختلف ولن يختلف. فالكاتب نفسه يؤكد على « المعاملة التاريخية اللطيفة» لليهود في إيران، والتي « جعلت اليهود أقل ممانعة للتأثيرات الفارسية في الديانة اليهودية»، فضلا عن أن « قلة من اليهود الإيرانيين أخذوا تصريحات نجاد على محمل الجد، وهم ممن أشاروا إلى أن الأوضاع لم تتغير كثيرا بالنسبة إلى اليهود الإيرانيين في عهده … ولم يمس أحد بسوء الكنس الأربعين في إيران، والعديد منها ملحق بمدارس عبرية. كما لم يلحق أذى بالمكتبة العبرية .. أو بالمستشفيات والمقابر اليهودية»[141]. بل وصل الأمر إلى حد توجيه انتقاد شديد للرئيس الإيراني في البرلمان الإيراني، من النائب اليهودي، موريس موهتامد، وكذا رئيس المجلس اليهودي في إيران، هارون يشايي. ولعل أشد ردود الفعل، هي تلك التي جاءت من سلف نجاد، الرئيس محمد خاتمي، حين قال في بداية العام 2006: « لا تنسوا أن إحدى جرائم هتلر، والنازية، والاشتراكية القومية الألمانية، هي ارتكاب مجزرة بحق أناس أبرياء، من بينهم العديد من اليهود»[142].

منذ انتصاب « ولاية الفقيه» على رأس السلطة، وإلى يومنا هذا، يكاد من المستحيل العثور على عدو وجودي لإيران غير الإسلام والمسلمين. وبقطع النظر عن طوفان المعلومات التي وثقها بارزي في « التحالف الغادر»، وغيره من الباحثين والكتاب، فإن تجليات العلاقة مع «إسرائيل» والولايات المتحدة، وإجمالي خصوم الإسلام وأعداءه، لم تعد تخطؤها عين العامة من الناس، ناهيك عن المثقفين، وأعمق منهم المتخصصين. وفي أعقاب توقيع الاتفاق النووي (14/7/2015)، بين إيران ودول الخمسة زائد1، علق، ودلل بعض الخبراء والمختصين، وبعض من تولوا ملف التفاوض مع إيران على ببرنامجها النووي، أن صقور المحافظين في الولايات المتحدة ضيعوا صفقة مع إيران أثمن بما لا يقارن مع ما أتيح لإدارة أوباما سنة 2015[143].

كان التفاوض على البرنامج النووي مع « الشيطان الأكبر»، وبقية « الشياطين»، قد بدأ في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق سنة 2003. ولا شك أنه أحد بنود « صفقة ضخمة محتملة» تحدث عنها بارزي لمعالجة « كافة نقاط النزاع» بين الولايات المتحدة وإيران. فقد « أعدّ الإيرانيون اقتراحاً شاملاً .. أذهل .. الأمريكيين. فهو لم يكن اقتراحا رسميا وحسب، على اعتبار أنه حصل على موافقة المرشد الأعلى، بل إن ما تضمنه من بنود كان مدهشا أيضا». وفيه « وضع الإيرانيون كل أوراقهم على الطاولة، وصرحوا عن كل ما يريدونه من الولايات المتحدة، وعن الأشياء التي هم على استعداد لتقديمها بالمقابل». وفيما يسميه الباحث « حوار الاحترام المتبادل»، وبقليل من التصرف الفني، فقد عرض الإيرانيون:

  • « وقف دعمهم لحماس والجهاد الإسلامي … والضغط على المجموعتين كي توقفا هجماتهما على إسرائيل.

  • وفيما يتعلق بحزب الله؛ وليد إيران، وشريكها الأكثر جدارة في العالم العربي، عرض رجال الدين عملية نزع سلاحه وتحويله إلى حزب سياسي صرف.

  • وفي الموضوع النووي، عرض الاقتراح الإيراني فتح البرنامج النووي الإيراني بالكامل أمام عمليات تفتيش دولية غير مقيدة من أجل إزالة أية مخاوف من برامج التسلح الإيرانية. وسيوقع الإيرانيون على البروتوكول الإضافي الخاص بمعاهدة عدم الانتشار، كما سيعرضون على الأمريكيين إمكانية المشاركة الكثيفة في البرنامج كضمانة إضافية وإيماءة على حسن النية.

  • في موضوع الإرهاب، عرضت إيران التعاون الكامل في مواجهة كافة المنظمات الإرهابية؛ وأهمها القاعدة.

  • في الموضوع العراقي، ستعمل إيران بنشاط مع الولايات المتحدة على دعم الاستقرار السياسي وإقامة مؤسسات ديمقراطية، والأهم من ذلك، تشكيل حكومة غير دينية.

  • وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية و «إسرائيل» يقول الباحث: « ربما كان البند الأكثر إثارة للدهشة، ذلك المتعلق بعرض إيران القبول بإعلان بيروت الصادر عن القمة العربية؛ أي خطة السلام التي أعلنها ولي العهد السعودي في مارس/آذار 2002، والتي عرض العرب بموجبها إبرام سلام جماعي مع إسرائيل، مقابل موافقة إسرائيل على الانسحاب من كافة الأراضي المحتلة والقبول بدولة فلسطينية بالكامل، والتوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين. من خلال هذه الخطوة، ستعترف إيران رسميا بالحل القائم على دولتين»[144].

المبحث الثاني

الاتجاه نحو الداخل

علاوة على الإرث التاريخي لفارس « المجوسية»، فقد بلورت جمهورية « ولاية الفقيه» أيديولوجية تتلاءم مع الواقع الدولي. وبدت الجمهورية، في أطروحتها التوسعية، نسخة طبق الأصل عن أطروحة « صك الانتداب» (1920)، الذي سبق وبلورته بريطانيا وفرنسا عشية الحرب العالمية الأولى، تحت غطاء ما أُسمي بـ « عصبة الأمم»، بهدف استعمار ما صُنِّف بـ « العالم الثالث»، ووفقا لوثيقة الصك التي زعمت أن « رفاهية وتطور هذه الشعوب تشكل أمانة مقدسة في عنق المدنية». كما لم تختلف أطروحتها عما فعله الاتحاد السوفياتي في أعقاب العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956، وتبنيه لأطروحة « حق تقرير المصير»، ودعم حركات التحرر والتمرد في العالم الثالث. وغني عن البيان، بعد نحو مائة عام، أن أطروحة الانتداب لم تكن سوى أبشع عملية إبادة ونهب دولي منظمين، مثلما كانت « الماركسية» مجرد أيديولوجيا للتوسع والهيمنة، فضلا عن تمكين الاتحاد السوفياتي، بالدرجة الأساس، من الاضطلاع بدوره الوظيفي في قيادة « المركز» وفرض الرقابة على مناطق التوتر في منطقة « الهامش». فما هي الأيديولوجية التي هندستها إيران لاختراق قلب « الهامش» الدولي؟

يتحدث الدستور الإيراني في مقدمته عن « تصدير الثورة» و « نصرة المستضعفين» و « حكومة المستضعفين في الأرض» و « المحرومين» و « المضطهدين»، فيقول: « بالنظر إلى محتوى الثورة الإسلامية في إيران، التي كانت حركة تهدف إلى نصرة جميع المستضعفين على المستكبرين، فإن الدستور يعدّ الظروف لاستمراريّة هذه الثورة داخل البلاد وخارجها، خصوصاً بالنسبة لتوسيع العلاقات الدولية مع سائر الحركات الإسلاميّة والشعبيّة حيث يسعى إلى بناء الأمة الواحدة في العالم ﴿ إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون92 : 21 ] [ ويعمل على مواصلة الجهاد لإنقاذ الشعوب المحرومة والمضطهدة في جميع أنحاء العالم».

وفي المادة 154 من الفصل العاشر، قسم السياسة الخارجية، يبدو وكأن المشرع استعان حتى بمفردات «

 صك الانتداب»، حين يقول: « تعتبر جمهورية إيران الإسلامية سعادة الإنسان في المجتمع البشري كله قضية مقدسة لها، وتعتبر الاستقلال والحرية وإقامة حكومة الحق والعدل حقًا لجميع الناس في أرجاء العالم كافة، وعليه فإن جمهورية إيران الإسلامية تقوم بدعم النضال المشروع للمستضعفين ضد المستكبرين في أية نقطة من العالم، وفي الوقت نفسه لا تتدخل في الشئون الداخلية للشعوب الأخرى».

هكذا تسللت « الإمامية» إلى العالم الإسلامي، وترجمت « التوسع» أيديولوجيا بشعارات ومبررات مطاطة، بحسب الظروف. فحازت على الشرعية حين امتطت ظهر القضية الفلسطينية، وتدخلت في الدول ذات الحضور الشيعي بدعوى حماية المستضعفين والدفاع عن حقوق المحرومين، واستوطنت أمنيا وعسكريا لحماية المراقد المقدسة والعتبات في العراق، وهاجمت في سوريا دفاعا عن محور المقاومة والممانعة، ثم غيرت سقف المبررات الطائفية عبر أطروحة الدفاع عن المراقد والعتبات، ثم تحول الأمر إلى حرب وجودية، لتنتهي أخيرا بالدفاع عن كرمنشاه وطهران. وشرعت في عملية تخريب طائفية منظمة في البحرين، ولم تتوقف عن التحضير للتدخل في اليمن، لتقود انقلابا شاملا، ويعلن الزعيم الحوثي، عبد الملك الحوثي، عشية التدخل السعودي، عبر عملية عسكرية باسم « عاصفة الحزم – 26/3/2015»، أن سقف « الحركة الحوثية»، لمن لم يعلم بعد « عال جدا جدا»[145]! وكأن الاستيلاء على الدولة والمجتمع والثورة لم يكفه!!! وكل هذا يجري وفق ما رسمته « الخطة الخمسينية لتصدير الثورة الشيعية[146]» التي صاغها عالم الفيزياء الإيراني محمد جواد لاريجاني، ونالت موافقة المرشد علي خامنئي. ولا ريب أن أوضح ما في هذه التدخلات وغيرها:

  • أنها كانت ولمّا تزل، وطبقا للخطة الخمسينية تجري باتجاه الداخل الإسلامي، عبر إشعال الحروب وتوطين الفتن والتدخلات الأمنية والسياسية والعسكرية والعقدية .. وهي ذات التدخلات القديمة التي قامت بها فارس، وتؤمن بها منذ عهد الأكاسرة، وهذا يعني أن الشيعة في « أية نقطة في العالم»، هم المقصودون أولا، وأكثر من غيرهم، بمصطلحات « المستضعفين» و « المحرومين» و « المضطهدين»، باعتبارهم رأس الحربة في الثأر والانتقام.

  • وفي المقابل ظلت إيران، منذ انتصاب « ولاية الفقيه» تتجه، على الدوام، نحو التفاهم مع « المستكبرين»، وتطبيع العلاقات مع «إسرائيل» والولايات المتحدة خصوصا والغرب عموما. لذلك حرصت على ألا تطلق طلقة واحدة، في تاريخها الملكي أو الجمهوري، ضد «إسرائيل» أو التصدي لأي عدوان دولي على أي بلد عربي أو إسلامي.

المبحث الثالث

الخيانة ( العراق وأفغانستان)

عطفا على وقائع الغدر التاريخية، ودول فِرَقِها وجماعاتها المارقة على الدين، عادت « الاثنى عشرية» لتهاجم تحت مظلة النظام الدولي. ودشنت أول حضور دموي لها، كالعادة، في العراق ما بين سنتي 1981 – 1988، ثم ابتداء من سنة 2003. وفي وقت لاحق في أفغانستان سنة 2001. ابتدأ العراق الحرب بعد أن استنفذ كل وسائل الحوار مع « الولي الفقيه». ومع أنه أعلن عن استعداده لوقف الحرب، بعد سنتين على اندلاعها، إلا أن إيران ابت إلا أن تستمر. وما كانت لتتوقف إلا بعد أن قبلت إيران قرار مجلس الأمن رقم 598، الصادر في 28/5/1988 .. هنا فقط توقفت الحرب بطريقة تفوق صعوبة تجرع السم لدى الخميني. لكنها لم تنته حتى بعد الغزو الأمريكي للعراق وسقوط بغداد في 10 أفريل/نيسان سنة 2003. ولا بعد انسحاب الأمريكيين وتسليمهم البلاد إلى إيران والمليشيات الشيعية.

وفقا لوقائع الخيانة والغدر؛ وبألسنة علية القوم، ثمة ثلاثة رؤساء؛ أولهم يكشف عن الأمر، والثاني يحرض على المزيد، والثالث يعاتب على الثمن! والنتيجة سقوط دولتين مسلمتين، وضحايا وتشريد وتنكيل واستباحة كل محرم. كان أول من افتتح المزاد هو الرئيس الأسبق، ورئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام، علي أكبر هاشمي رفسنجاني. ففي معرض كلمة له بجامعة طهران، في 8/2/2002، أعلن أن: « القوات الإيرانية قاتلت طالبان، وساهمت في دحرها، وأنّه لو لم تُساعد قوّاتهم في قتال طالبان لغرق الأمريكيون في المستنقع الأفغاني». وتابع قائلاً: « يجب على أمريكا أن تعلم أنّه لولا الجيش الإيراني الشعبيّ ما استطاعت أمريكا أنْ تُسْقط طالبان»[147]. تبعه محمد علي أبطحي، نائب الرئيس، محمد خاتمي، للشؤون القانونية والبرلمانية. ففي محاضرة له في ختام أعمال مؤتمر «الخليج وتحديات المستقبل13/1/2004»، الذي ينظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية سنويا، أكد أبطحي على أقوال رفسنجاني، بالقول أن: «بلاده قدمت الكثير من العون للأمريكيين في حربيهم ضد أفغانستان»، وقاطعا في القول، بأنه: « لولا التعاون الإيراني لما سقطت كابول وبغداد بهذه السهولة؛ لكننا بعد أفغانستان حصلنا على مكافأة وأصبحنا ضمن محور الشر، وبعد العراق نتعرض لهجمة إعلامية أمريكية شرسة»[148]!!!

 

      لكن «أبطحي»: « لم يوضح طبيعة التعاون الإيراني مع واشنطن فيما يتعلق بأفغانستان والعراق». فما كان من رئيسه محمد خاتمي إلا أن بادر إلى التفصيل في الأمر أيما تفصيل، وذهب إلى حد تحريض الأمريكيين على احتلال العراق، كما سبق واحتلوا أفغانستان، وكأن ما قاله « رفسنجاني» و«أبطحي» لم يشف صدور غلاة الصفويين من التفاخر والاعتزاز بالخيانة. ونظرا لأهمية تصريحاته؛ سننقل نص الحوار المصور الذي ورد في برنامج وثائقي بثته مؤسسة «السحاب» خلال لقائها السادس مع د. أيمن الظواهري بتاريخ 3/8/2009، وهو يتحدث عن الدور الإيراني في تسليم بلدين مسلمين للولايات المتحدة:

« الرئيس خاتمي:  

«الطالبان كانوا أعداءنا، وأمريكا ترى أيضاً أن الطالبان أعداؤها، ولو أطاحوا بالطالبان فإن هذا سيخدم بالدرجة الأولى مصالح إيران».

«السحاب»:

وقرر الإيرانيون أن يتحدثوا للأمريكان، وكان المكان الوحيد الذي يلتقي فيه الوفدان الإيراني والأمريكي هو الأمم المتحدة، وهناك حمل عضوٌ من الوفد الإيراني رسالةً لحكومة الولايات المتحدة. وعن هذا قالت هيلاري مان عضوة وفد الولايات المتحدة في الأمم المتحدة :

هيلاري مان:

« لقد قال إن إيران مستعدة للتعامل بلا قيود مع الولايات المتحدة في الحرب على الإرهاب وإذا تمكنوا من العمل معنا في هذا الصدد فإن هذا سيوفر احتمال تحول جذري في علاقات الولايات المتحدة وإيران».

«السحاب»:

وبدأ الدبلوماسيون الإيرانيون والأمريكان يجتمعون سراً فيما عرف بمجموعة 6 +2 وعن هذا تقول هيلاري مان:

هيلاري مان:

« تمت هذه الاجتماعات في نيويورك وأيضاً في جنيف وكان الإيرانيون راغبين في القيام بكل ما هو ضروري ليساعدوا في التأكد من أن حملة الولايات المتحدة العسكرية يمكن أن تنجح«.

«السحاب»:

واستمر القصف الجوي الأمريكي الذي بدأ في السابع من أكتوبر لعالم 2001 لقرابة شهر ولكن بدون نتيجة، وكان حلفاء إيران من التحالف الشمالي المحصورون في وادي بانشير يحتاجون أن تقصف أمريكا الطالبان حيث يسدون الطريق لكابل، وهنا قرر الإيرانيون أن يمدّوا الولايات المتحدة بالمعلومات الاستخباراتية الحيوية، واستخدموا مجموعة 6 + 2 .

محسن أمين زاده «مساعد وزير الخارجية الإيراني»:

« لم يكن قد بقي شيء في أفغانستان لتدميره، فقد دمر كل شيء من قبل، واستهدفت الحملة الأمريكية الملاجئ والكهوف وأسقطوا قنابل هائلة كان بإمكانها تدمير الجبال ولكن بلا نتيجة. وكان أحد موفدينا في هذه الجلسات عسكري، وكان يمدهم بالمعلومات عن الأحوال داخل أفغانستان«.

هيلاري مان:

« لقد ضرب الطاولة وقال: أنا لدي ما يكفي من هذا، هذا حديث شيق ولكن لن نتقدم إذا لم تنجح حملة القصف هذه».

محسن أمين زاده «مساعد وزير الخارجية الإيراني»:

«إذا أرادت أمريكا أن تنجح فإنها ستحتاج لمعونة التحالف الشمالي وأصدقاء إيران«.

هيلاري مان:

« وأخذ خريطة وبسطها على الطاولة، وبدأ يحدد الأهداف التي على الولايات المتحدة التركيز عليها وخاصة في الشمال. وأخذنا الخريطة وأرسلناها للقيادة المركزية. وبالتأكيد أصبحت هذه هي استراتيجية الولايات المتحدة العسكرية«.

«السحاب»:

جاك سترو «وزير الخارجية البريطاني«:

« إيران كانت دولة ذات شأن في المنطقة، وكان من المهم لي أيضاً أن أرى الإيرانيين، لكي نضمهم معنا لما كنا ننوي أن نفعله بصدام وهو التخلص منه. نحن لا نستطيع تجاهل الخطر الذي يشكله صدام حسين لهذه المنطقة ولدول مثل إيران والكويت وللشعب العراقي نفسه ولأمن المنطقة والعالم«.

محمد خاتمي:

« لم يكونوا دائماً يعارضون صدام، صدام عدونا ونحن أول من يرغب في تدميره «.

«السحاب»:

وقدم خاتمي الآن عرضاً غير متوقع، فقد عرض أن تمد إيران أمريكا بالمعلومات الاستخباراتية والمشورة اللازمتين للإطاحة بصدام.

جاك سترو «وزير الخارجية البريطاني«:

« لقد كان هناك ترتيب دولي فيما يتعلق بأفغانستان وقد شاركوا فيه، ولا أدري إن كنتم قد لاحظتم ذلك، وقد كانت نتيجته جيدة جداً«.

محمد خاتمي:

« أنا قلت له: لنكرر تجربة أفغانستان في العراق، ولنجعلها ستة زائد ستة , ست دول مجاورة للعراق، والدول الخمسة الدائمة العضوية في مجلس الأمن ومنهم أمريكا ومصر».

محسن أمين زاده «مساعد وزير الخارجية الإيراني»:

« بالنسبة لنا فإن مستقبل العراق مهم جداً، ولا يقل أهمية عن مستقبل أفغانستان، والكثير من الشخصيات العراقية الفاعلة كانت منفية في إيران وسوف تكون زعامات العراق القادمة«.

محمد خاتمي:

« انظروا لإيران على أنها القوة التي يمكن أن تحل المشاكل بدلاً من أن تنظروا لها على أنها مشكلة بحد ذاتها».

في 21/2/2010، رد الرئيس الإيراني السابق، أحمدي نجاد، بعصبية فائقة، على الإعلان الأمريكي بتصنيف إيران من ضمن « محور الشر» إلى جانب كوريا الجنوبية والعراق، فقال: « إننا تعاونا مع الإدراة الأمريكية في الغزو ضد أفغانستان. لكنهم وقحون جداً. قمنا بالتعاون معهم في أفغانستان والعراق، كما أنهم قاموا بفرض بعض شروطهم علينا في مجال الملف النووي .. ورضينا بذلك أيضا، وتقبلنا كل شروطهم التي أُمليت علينا، وبعد كل ذلك التعاون والتنسيق المشترك؛ أقدم الرئيس الأمريكي بوش وبصلافة على اتهامنا بأن ايران دولة من دول محور الشر»[149].

المبحث الرابع

 

إيران واعتراض الثورات العربية

 

 

بالمقارنة مع نظم اليوم؛ فلم يكن الحجاج بن يوسف الثقفي مستبدا عادلا بقدر ما اتصفت سيرته بالظلم والجور وسفك الدماء. لكن المؤكد أن شرعيته لم تكن جزء من شرائع وضعية، ولا من تحالفات مع قوى دولية مهيمنة خارج الحضيرة الإسلامية. لكن في عصر الحكم الجبري الذي نعيش، فإن الشرعية الأبرز للنظم السياسية العربية هي تلك التي تتيحها الشرائع الوضعية المهيمنة على العالم، عبر ما يسمى بالنظام الدولي ومؤسساته التابعة. وبالتالي فالاستبداد الشائع محاط بحماية دولية غير مسبوقة. وتبعا لذلك فإن المعادلة القائمة، بين السلطة والأمة، ليست أصيلة ولا حقوقية ناهيك أن تكون شرعية، إلا في حدود الاجتماع القائم على العصبية القبلية أو الأسرية التاريخية أو المصلحية.

وتبعا لذلك ثمة حديث رسمي لا ينقطع عن الوحدة الوطنية رغم أنه مصطلح وضعي انتهازي لا علاقة له بالشريعة ولا بالحق ولا بالحقيقة. ولم يكن في يوم ما رابطا اجتماعيا. وهو في الواقع دائما ما يتوجه إلى الداخل، باعتباره رابطا أمنيا صرفا، لا وظيفة له إلا ضبط العلاقة بين النظام السياسي والمجتمع. لذا؛ من الطبيعي أن تضعه أشد النظم استبدادا ودموية في مقدمة خطوطها الدفاعية لتبرير استمرار تمسكها بالسلطة، بموجب معادلة « الأمن مقابل الاستبداد» … هبة النظم السياسية العربية للشعوب. وتبعا لذلك؛ فإن أية محاولة احتجاج شعبية أو نقابية، ولو ذات طابع مطلبي أو حقوقي، ستكون متهمة تلقائيا بخرق الوحدة الوطنية واستهداف الأمن والاستقرار وتهديد السلم الاجتماعي. لكن إذا ما ضعفت القبضة الأمنية، لأي سبب، تشظت المرجعيات المصطنعة للمصطلح، كالتعايش والتوافق والاعتدال والوسطية وغيرها من الترهات. واتجهت ذات القوى، السياسية والاجتماعية، التي كانت تدافع عن الوحدة الوطنية نفاقا، إلى الاستقطاب وتصفية الحسابات.

من الحتمي، مع هكذا شرعيات ومعادلات حكم، أن تنفجر الصيغة القائمة عاجلا أم آجلا. وهكذا كان في

17/12/2010، حين انطلقت الشرارة من محمد بوعزيزي، المثقف الذي يعمل بائعا على عربة خضار، في تونس. وفي أقل من شهر على اندلاع الاحتجاجات، سقط أحد أعمدة الاستبداد في العالم العربي. ولأن المشكلات متماثلة، فقد مثلت هذه الشرارة نموذجا يحتذى لدى الشعوب العربية، حيث انطلقت الاحتجاجات تباعا في مصر وليبيا واليمن وسوريا والعراق والأردن والبحرين والمغرب، وسط « همهمات» شعبية في دول أخرى كالجزائر والسعودية وموريتانيا والكويت ولبنان. بل أن صدى ما أُطلق عليه الربيع العربي بلغ مشارق الأرض ومغاربها، لاسيما دول أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

أدرك العالم خطورة ما يحدث في المنطقة. فلأول مرة يتحرك عامة الناس كفاعل استراتيجي ظل مغيبا منذ عشرات السنين. وجاءت أعمق ردود الفعل الدولية، عبر ذلك التصريح المبكر في 5/2/2011، الذي أدلت به وزيرة الخارجية الأمريكية، هيلاري كلينتون، في مؤتمر ميونخ الأمني، حين قالت بأن: « منطقة الشرق الأوسط تواجه عاصفة بكل معاني الكلمة»[150]. أما بعد مضي خمس سنوات على « العاصفة» فقد صار الحديث يجري عن « زلازل» تنبئ بـ « انهيار النظام الدولي» ونهاية عصر معاهدة « سايكس – بيكو» التي حكمت المنطقة قرابة المائة عام. فكيف قرأت إيران وقائع العاصفة؟ وكيف تفاعلت مع حراك « المستضعفين» و « المظلومين»؟

لا شك أن إيران، شاءت أم أبت، ستكون في قلب الحراك ما لم تتحرك لاحتوائه، لاسيما أن حراك انتخابات 2009 المزورة لم يبرد بعد، من شدة القمع الذي ووجه به. وكان أول رد فعل إيراني من قبل خامنئي صدر في 4/2/2011، في أعقاب سقوط الرئيس المصري الأسبق، حسني مبارك، حين قال: « إن الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 التي أطاحت بالشاه المدعوم من الولايات المتحدة مثال للشعوب التي تعيش في ظل أنظمة دكتاتورية مشابهة». وفي خطبة الجمعة أمام المصلين في طهران، قال: « صحوة شعب مصر الإسلامي هي حركة تحرير إسلامية، وأنا باسم الحكومة الإيرانية أحيي الشعب المصري والشعب التونسي»[151].

ومع انفجار الاحتجاجات الشعبية في ليبيا واليمن وسوريا والبحرين، سارعت إيران إلى الاستثمار في الثورات الشعبية، عبر تأسيس ما أسمي بـ « مؤتمر الصحوة الإسلامية». وعشية افتتاحه الأول في طهران، في 17 – 18/9/2011، أعلن وزير الخارجية الأسبق، علي أكبر ولايتي، في مؤتمر صحفي، أن المؤتمر سيناقش خمسة محاور رئيسية، هي: (1) أسس الصحوة الإسلامية ومفاهيمها، و (2) دور الأشخاص المؤثرين فيها، و (3) تعريف التيارات، و (4) دراسة المخاطر التي تهدد الصحوة الإسلامية، و (5) توحيد صفوفها، بالإضافة الى مناقشة أهداف الصحوة الإسلامية وتداعياتها ومستقبلها.

المهم؛ أنه خلال الافتتاح، ألقى مرشد الثورة، علي خامنئي، كلمة قال فيها: « إن الهبات العربية استلهمت من

 الثورة الإسلامية الإيرانية مفاهيمها ومعانيها»، وأن « أهمية هذه الهبات تكمن في أنها تنبثق من الجماهير لا من مجموعة معينة قليلة من الناس»، وأن: « تونس واليمن والبحرين سوف تجري على منهاج واحد من إحياء العزة والكرامة الوطنية لنيل مطالبها كما أن ما نعرفه عن مصر تاريخا وشعبا هو الذي دفع الشعب المصري إلى النزول إلى الساحة لقول كلمته». ثم وجه كلمته لأنصار الثورات العربية قائلا: « لا تثقوا بأميركا والناتو والأنظمة الإجرامية مثل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا التي قسمت من زمن بعيد أراضيكم ونهبتها، ولا تصدقوا ابتساماتهم ووعودهم التي تختبئ خلفها المؤامرات والخيانة»[152].

لم يغب « مثال»  خامنئي عن المؤتمر، فقد أتى على تفصيله وزير الخارجية، علي أكبر صالحي، في كلمته. ونقلت وكالة « إرنا» الإيرانية للأنباء عنه القول، مبدئيا،: « إن إيران ترى بأن الثورات الأخيرة في المنطقة هي حركات شعبية أصيلة لها أهداف ودوافع إسلاميه عالية وهي نتاج الصحوة الإسلامية في العهد الراهن، ولم تتفاجأ إيران به». لكن هذه الأصالة بشروط! وبحسب صالحي فإن: « الحركات الشعبية بحاجة الى عنصري النموذج والحافز»، ولعله من باب اختصار الوقت، قدم صالحي عرضا صريحا للثورات العربية يقول فيه: « إن إيران التي حققت انجازات ملفتة بكافة الميادين تعتبر نموذجاً مناسباً»[153].

وفي الإجمال فإن كل الاحتجاجات في العالم العربي بحسب خامنئي هي بمثابة « الصحوة الإسلامية التي تسير على الطريق الذي رسمه الرسول»، باستثناء الثورة السورية التي لم تعد شعبية ولا أصيلة، لا لشيء إلا لأنه يعتبرها مجرد « نسخة مزيفة عن الثورات في مصر وتونس واليمن وليبيا، … لأن يد أمريكا في أحداث سوريا مكشوفة بوضوح» بخلاف الحال في البحرين، حيث الاحتجاجات هناك، بحسب خامنئي، هي: « النضال الحقيقي المماثل لحركة الشعب المصري والتونسي واليمني»[154]. لذا، وبطبيعة الحال، لم يكن للثورة السورية أي حضور أو تمثيل في المؤتمر.

 

فشلت إيران، التي تتمتع بمكر ودهاء كبيرين، في الاختبار فشلا ذريعا. ووقعت في فخ الثورات الشعبية العربية، فلم تأت الثورات على هواها، بما يوافق وما سبق وأعلنه الرئيس الإيراني السابق، أحمدي نجاد، صراحة في تصريحات نقلتها وكالة «إيرنا» الإيرانية، خلال حفل توديع وزير الأمن الإيراني السابق وتقديم الوزير الجديد، عن حقيقة دولة « ولاية الفقيه» من أن: « هدف النظام الإيراني هو نشر التشيع  في العالم، ورفع راية المهدي المنتظر»، وأن: « نشر هذه المهمة في العالم يقع على عاتق الجمهورية الإيرانية»، وأنه: « في النظام الولائي فإن الجميع هم جنود إمام العصر المهدي المنتظر»، وأن: « ولاية الفقيه هي حلقة الاتصال مع الأمام المهدي»، وأن: «

هدفنا الغائي هو تحقيق الأسرة العالمية المهدوية»[155].

هكذا انكشفت خطط إيران ومساعيها في فرض الوصاية على الثورات أو احتوائها. وتبين بأبلغ الأدلة، لعامة المسلمين فضلا عن خاصتهم، أن « المستضعفين» و « المظلومين» في العالم ليسوا سواء، مثلما هو حال « المستكبرين». وبلا أية مبالغات تُذكر؛ فإن إيران نجحت حين استثمرت في التشيع وآل البيت، وحياكة العلاقات الخفية مع «إسرائيل» والولايات المتحدة وروسيا وعموم الغرب، والتحالفات الدولية، وتسقيط البلدان الإسلامية، وفي النظم السياسية، والجماعات الإسلامية وحركات المقاومة الإسلامية في فلسطين، والأيديولوجيات القومية، والمشروع النووي وغيرها. لكن استثمارها في الثورات العربية مثل أنكى هزيمة لها منذ انتصاب « ولاية الفقيه» على رأس السلطة في إيران.

لا شك أن أطروحة إيران الزاعمة بأنها لم تفاجأ بالثورات الشعبية، باعتبارها، كما يقول صالحي « نتاج الصحوة الإسلامية في العهد الراهن»، لم تعد ذات جدوى، بعد أن أتت عليها الثورات الشعبية من الجذور، وأطاحت برصيدها في العالم الإسلامي إلا من بعض الدوغمائيين من القوميين العرب، ورموز إسلامية لو وجد بعضها له موطئ قدم في مكان آخر لما بقي أحد منهم يندب حظه العاثر أمام العتبات المقدسة. بل أن الثورات العربية التي أطاحت بالأيديولوجيا الناعمة لتصدير الثورة، أغلقت الأبواب أمام إيران، ودفعتها لمزيد من الانكشاف عبر التدخلات المباشرة، وقيادة الثورات الطائفية المضادة، إلى الواجهة، وباستعمال مكشوف لكافة أدوات القوة، الأمنية والعسكرية والديمغرافية، وعبر تفعيل الطابور الخامس من طوائف الشيعة في العالم الإسلامي، والزج بهم في مواجهات طاحنة.

لذا؛ لم يعد لإيران أية فرصة للحديث عن محور مقاومة وممانعة، وهي التي سلمت أفغانستان والعراق لـ « الشيطان الأكبر» وصغاره، وهدمت سوريا، وشردت أهلها وأعملت فيها مذابح صفوية، وانقضت على الثورة اليمنية عبر حركة الحوثيين، واستولت على العراق ولبنان، وتهدد بالمزيد من التوسع.

ولا يمكن لإيران أن تتوارى خلف أطروحة المقاومة والممانعة، وحرب « المستضعفين» ضد « المستكبرين»، وهي تعترض مسار الثورات العربية بوحشية دموية، خاصة في سوريا والعراق واليمن، وفي نفس الوقت تخوض، مع أدواتهان حروبا توسعية تصفها بـ « المصيرية» تارة و « الوجودية» تارة ثانية و « الدفاعية» تارة ثالثة.

ولا يمكن أن تتأسى الثورات العربية بنموذج ثورة الخميني، لتصبح، هي والأمة، مطية للتوسع الفارسي

المجوسي، وسبيلا لهدم الإسلام … تلك الثورة التي يزعمون أن الله عز وجل « يريدها شيعية المنطلق إسلامية الصيغة عالمية الأهداف».

باختصار؛ انتهى عصر الخداع. فكان على إيران أن تختار بين الهزيمة المنكرة التي تلقتها من الثورات الشعبية أو الانكشاف التام، والتوجه نحو الداخل الإسلامي بكل ما أوتيت من أدوات للقوة، وتحالفات صريحة مع النظام الدولي. فكان الخيار الثاني بدايةً لصراع علني سياسي انتقامي حاقد، يستلهم وقائعه التاريخية من مكانة الإمبراطورية الفارسية قبل الإسلام، وما حل بها من زوال في بداية التاريخ الإسلامي. لكنه صراع، وإنْ شعر بقليل من النشوة والطموح في التوسع، بذات الحيثية التاريخية التي كانت تتوسع بها الإمبراطورية الفارسية، إلا أنه يظل مشوبا بالخوف والقلق في ظل معادلة « لا كسرى بعد كسرى». فلنتابع أبرز مفرداته عبر بعض التصريحات لقادة إيران ومعمميها.

المبحث الخامس

 

خطاب الهيمنة

قد يكون قادة العرب أو المسلمون قد تحدثوا عن نوايا توسعية فارسية خلال حكم أسرة بهلوي لإيران، لكنهم لم يسبق لهم أن تحدثوا بلغة طائفية، إنْ صح التعبير مجازا، إلا بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في ربيع العام 2003. ففي أعقاب زيارة قام بها الملك الأردني، عبدالله الثاني، والرئيس العراقي، غازي الياور، إلى الولايات المتحدة، ولقائهما بالرئيس الأمريكي، جورج بوش الابن، نقلت صحيفة « الواشنطن بوست – 8/12/2004» تصريحات للملك الأردني رأى فيها أن: « إيران تجد مصلحتها في اقامة جمهورية اسلامية في العراق, وهي تمول نشاطات خيرية عدة في هذا البلد لتحسين صورتها, وشجعت أكثر من مليون عراقي على عبور الحدود للتصويت في الانتخابات العامة المقررة في30 كانون الثاني (يناير) وفقاً لرغبتها»، و: « أن هناك كثيرين وعدداً كبيراً من الإيرانيين سيستخدمون خلال الانتخابات للتأثير في النتيجة»، محذرا من: « وصول حكومة موالية لإيران إلى السلطة في بغداد, تعمل بالتعاون مع طهران ودمشق لإنشاء هلال يخضع للنفوذ الشيعي، يمتد إلى لبنان، ويخل بالتوازن القائم مع السنة»[156]. كما نقلت الصحيفة تصريحا مماثلا للرئيس العراقي، قال فيه: « إن سكوت دول الجوار عن تدخل إيران بشكل سافر في شئوننا خدمة لمصالحها وأطماعها ستكون نتيجتها هلالاً شيعياً سيؤثر على علاقات دول الجوار لاسيما الخليجية منها».

مع أن التصريحين صارا علامة مميزة حين الحديث عن « الصراع الطائفي»، إلا أن وقائع التوسع في

الداخل الإسلامي تتجه اليوم، وبلسان قادة إيران، نحو رسم الحدود التاريخية للإمبراطورية الفارسية. ولا ريب أن مثل هذه التصريحات، التي خلت من أية تقية، لا تمت بصلة لا لمستضعف قريب ولا لمستكبر بعيد. فلنتابع ولنتأمل ما يلي من تصريحات.

أولا: التوسع

قبل انطلاقة الثورات العربية، وفي تصريحات، باللغة الإنجليزية، نقلتها وكالة «إيرنا5/3/2009» الإيرانية أمام حلقة دراسية حول الأداء السياسي للنظام، صرح مستشار القائد الأعلى للثورة الإيرانية للشؤون العسكرية والقائد السابق لحرس الثورة في طهران، الجنرال يحيى رحيم صفوي، أن: « الجمهورية الإسلامية تُعتبر قوة ذات نفوذ في المنطقة»، وأن: « العالم يشاهد النفوذ السياسي لإيران وهو يتمدد في المنطقة بأكملها بما فيها لبنان وفلسطين»[157]. وفي بضع سنين من انطلاقتها، أوضح نائب القائد العام للحرس الثوري الإيراني، العميد حسين سلامي، في 4/10/2014 أن: « حروب إيران أصبحت خارج حدودها وأن دائرة قوتها تمتد جغرافياً إلى شرق البحر المتوسط، وأن ميزان القوى قد تغير لصالح الجمهورية الإسلامية». وتابع القول: « لقد خضنا حرباً في السابق داخل حدودنا الوطنية الجغرافية، لكن حربنا اليوم امتدت مع الأعداء إلى شرق البحر المتوسط، وهذا يشير إلى اتساع نطاق اقتدار القوات المسلحة الإيرانية». وفي تصريحات لاحقة، نقلتها وكالة أنباء « فارس» عنه، بعد اختتام مناورات عسكرية واسعة للجيش الإيراني، قال سلامي بأن: « الثورة الإسلامية ارتبطت بأواصر مع العراق، لتتشكل هناك قوات شعبية يبلغ حجمها عشرة أضعاف حجم حزب الله في لبنان»، وأن: « سوريا تشكلت فيها أيضاً قوات شعبية تستلهم فكر وقيم الثورة الإسلامية الإيرانية»، معتبرا أن « جماعة أنصار الله التابعة لجماعة الحوثيين في اليمن يمارسون الآن دورا كدور حزب الله في لبنان، بفضل اتخاذهم قيم الثورة الإسلامية نموذجاً». ومن جهته رأى رئيس البرلمان الإيراني، علي لاريجاني، أن بلاده: « استطاعت أن تشكل قوة ردع تحفظ أمنها وتساعدها على الوقوف في وجه التهديدات»، وأن: « العلاقة بين الإيرانيين وحكومتهم ووفائهم لثورتهم الإسلامية وتصدير هذه الثورة إلى بقية دول المنطقة، .. كلها أمور تساعد على حفظ البلاد من الداخل»[158].

ولعل قوة تصريحات سلامي أنها تأتي بعيدا عن مصطلحات الأيديولوجيا القائلة بأن العدو هو « الشيطان الأكبر» وعموم « المستكبرين». فالعدو الآن لا يشمل أية قوة أجنبية. وبلغة علي سعيدي، مندوب خامنئي، فإنه يقع ضمن: « العمق الاستراتيجي لإيران ( وبات) يمتد من البحرين والعراق حتى اليمن ولبنان وشواطئ البحر المتوسط وحتى أميركا اللاتينية»، ووفقا لما نقلته وكالة « فارس» للأنباء، التابعة للحرس الثوري، عن سعيدي، فإنه: «

 على إيران أن تحافظ على عمقها الاستراتيجي في هذه المناطق بكل ما لديها من قوة»[159].

وفي السياق بدت سنة 2015 حافلة بتصريحات عمائم وجنرالات إيران. وخلال مؤتمر صحفي عقده بمنطقة الأحواز العربية، وبحضور كبار القادة والضباط من الصف الأول في الحرس الثوري، نشر موقع « رهياب نيوز» الإيراني، تصريحات للعميد باقر زادة أعلن فيها أن: « حدود الدولة الإيرانية لم تعد منطقة شلمجة – المنطقة الحدودية بين الأحواز والعراق – بل إن منطقة حدودنا تمتد إلى العاصمة اليمنية صنعاء». وأضاف: « لقد ضحت إيران بمئات الآلاف من أبنائها أثناء الحرب العراقية ـ الإيرانية حتى تحافظ على ثورتها الإسلامية ووحدة أراضيها ووحدة صف شعبها، وإن دماء شهدائنا ما زالت تقف سداً منيعاً ضد أعداء إيران والثورة الإيرانية بالمنطقة وفي العالم». وفي تعليقه على سقوط صنعاء بيد الحوثيين في اليمن قال: « هذا الانتصار … لم يعد انتصاراً سهلاً أو حدثاً عادياً وعابراً في المنطقة، بل أنه انتصار تاريخي للثورة الإسلامية الإيرانية»، لذا فإن: « خيارات الدول الخليجية أصبحت تتقلص في مواجهتها للمشروع الإيراني»، أما لماذا؟ فلأنه: « لم يعد في العراق اليوم لا صدام حسين ولا بن لادن في أفغانستان»، وبالتالي فإن: « إيران تستطيع أن تصل لأماكن لا يتصورها زعماء العرب»[160].

هكذا فإن: « إيران اليوم أصبحت إمبراطورية كما كانت عبر التاريخ وعاصمتها بغداد حاليا، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم كما في الماضي»[161]. هذا ما نقلته وكالة أنباء « ايسنا» للطلبة الإيرانيين عن علي يونسي، المستشار الحالي الرئيس، حسن روحاني حاليا، ووزير الاستخبارات الإيرانية في عهد الرئيس الأسبق، محمد خاتمي. وخلال انعقاد منتدى الهوية في إيران، حيث أدلى بهذه التصريحات، تابع يونسي القول: « إن جغرافية إيران والعراق غير قابلة للتجزئة وثقافتنا غير قابلة للتفكيك، لذا إما أن نقاتل معا أو نتحد، .. وإن منافسينا التاريخيين من ورثة الروم الشرقية والعثمانيين مستاؤون من دعمنا للعراق .. سندافع عن كل شعوب المنطقة، لأننا نعتبرهم جزء من إيران، وسنقف بوجه التطرف الإسلامي والتكفير والإلحاد والعثمانيين الجدد والوهابيين والغرب والصهيونية» .. أما عن « الاتحاد الإيراني» الذي تنوي بلاده تأسيسه في المنطقة، فأوضح أنه: « لا نقصد من الاتحاد أن نزيل الحدود، ولكن كل البلاد المجاورة للهضبة الإيرانية يجب أن تقترب من بعضها بعضا، لأن أمنهم ومصالحهم مرتبطة ببعضها بعضا .. لا أقصد أننا نريد أن نفتح العالم مرة أخرى، لكننا يجب أن نستعيد مكانتنا ووعينا التاريخي، أي أن نفكر عالميا، وأن نعمل إيرانيا وقوميا». وفي كل الأحوال، سواء أوضح أو أغفل أو خبص في الكلام، فبالنسبة ليونسي « كل منطقة الشرق الأوسط إيرانية»[162].

كلام يبعث على النشوة حقا. وهو ما شجع الجنرال حسين سلامي، نائب قائد الحرس الثوري، ثانية على الانبهار بما وصلت إليه إيران من نفوذ: « إن المسؤولين في إيران لم يكونوا يتوقعون هذا الانتشار السريع للثورة الإسلامية خارج الحدود لتمتد من العراق إلى سوريا ولبنان وفلسطين والبحرين واليمن وأفغانستان». ووفق ما نقلت عنه وكالة « مهر» الإيرانية للأنباء، خلال كلمة له في مدينة مشهد، فإن: « شعبَيْ اليمن والبحرين، وعبر تسلحهم بمبادئ الثورة الإسلامية، استطاعوا إبطال مفعول كل السياسات السعودية، فضلا عن هزيمة كل مخططات الاستكبار»[163]. أما مهندس التوسع الإيراني وقائد فيلق القدس في الحرس الثوري، الجنرال قاسم سليماني، فقد نقلت عنه وكالة « إيسنا» الإيرانية للأنباء، شبه الرسمية، القول أن: « بلاده حاضرة في لبنان والعراق، وأن هذين البلدين يخضعان بشكل أو بآخر لإرادة طهران وأفكارها»، وفي السياق لم يفته مزاد التوسع حين قال بأن الثورات العربية أخذت: » تأخذ طابعا إسلاميا رويدا رويدا، وتتبلور مع مرور الزمان على شاكلة الثورة الإسلامية الإيرانية«، بل أن: « ايران بإمكانها التحكّم في هذه الثورات لتوجهها نحو العدو، وأن هذه الإمكانية متوافرة في الأردن»[164].

وعلى طريقة المصنفات « الإمامية» في الرواية، حيث تأتي رواية لتنسف ما سبق وما لحق، جاء النفي الإيراني لكل هذه التصريحات تباعا. ولعل أول النافين كان رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني، الذي أكد، خلال زيارته للكويت، أن: « دعم إيران للمقاومة ضد إسرائيل في فلسطين ولبنان ليس بغرض الهيمنة»، مشيرا إلى أن: « مبادئ الثورة الإسلامية في إيران تناهض مبدأ الهيمنة والنزعة الإمبراطورية»[165]. أما الرئيس حسن روحاني، فقد قال في خطاب جماهيري، معلقا فيه على أحداث اليمن في ظل عاصفة الحزم التي تقودها السعودية ضد الحوثيين وقوات الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح، أن بلاده: « لا تسعى للسيطرة على المنطقة عبر التمدد الشيعي والصفوي»، وعلى العكس من ذلك فإن كل ما تريده إيران هو « أمن المنطقة وعزة شعوبها»[166]! صدق من قال: « حدث العاقل بما لا يُعقل فإن صدّق فلا عقل له».

فبعد ثلاثة أسابيع بالضبط، جاء الرد على روحاني من قائد الحرس الثوري، الجنرال محمد علي جعفري.

وبحسب موقع محطة « برس تي في» الإخبارية الإيرانية، اعتبر جعفري أن: « نظام الهيمنة الغربي بات يخشى من توسع الهلال الشيعي في المنطقة»، باعتباره: « يجمع ويوحد المسلمين في إيران وسوريا واليمن والعراق ولبنان». وبهذا المحتوى تغدو شعوب مناطق النفوذ الإيراني وكأنها مرحبة به أيما ترحيب، أما عن سبب الخشية الغربية؛ فالمسألة تكمن في أن « الهلال الشيعي»، بحسب الجعفري: « موجه كالسيف في قلب الكيان الصهيوني»[167]. ويبدو أن حِدَّة « سيف الهلال»، بالمقارنة مع ما نقلته عنه وكالة أنباء « فارس»، وصلت إلى أن « نظمت إيران 100 ألف من القوات الشعبية المسلحة المؤيدة للنظام السوري وللثورة الإسلامية الإيرانية ضد المعارضة السورية، وذلك في إطار جبهة المقاومة»، و « سلحت 100 ألف من الشباب الثوري والمؤمن في قوات الحشد الشعبي التي قاتلت وأوجدت رصيدا عظيما للدفاع عن الإسلام والسيادة الإسلامية والثورة الإيرانية في المنطقة»، بل أن الأعداء يعلمون أيضا بأن: « لإيران تأثيرا في اليمن من دون أن تقوم بتدخل مباشر فيه، حيث ينتفض الشعب اليمني بنفسه ويواصل طريق الثورة الإسلامية والشهداء والشعب الإيراني العظيم ويقتدي بهم»[168].
بعد جولة له في بعض الدول الخليجية، اتسم رد وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، إزاء كل وقائع الحدث الصفوي التوسعي بظرافة يحسد عليها، لاسيما وهو يحاول عبثا التخفيف من الغضب الذي خلفته عاصفة التصريحات الإيرانية، عبر ما أسماه « رسالة إلى كل الجيران». وفيها يقول إن: « الانطباع والفهم الخاطئ والخطير الذي يبثه من يضمر السوء لنا جميعًا عبر أوهام مغلوطة ومن خلال رصد انتقائي لبعض التصريحات غير الواقعية التي يبثها الإعلام وتكون ركيزة لهذا القلق والوهم هو أن إيران تطمح لإحياء إمبراطوريتها التاريخية، وأن هذا الأمر باطل لا صحة له ويهدف إلى إثارة الرعب، وهو معد ومصمم لتكريس العنف بين دول المنطقة»[169]. من الواضح أن ظريف يجيد اللغة التي تدغدغ العرب .. المجاملة وترضية الخواطر! لكنها سرعان ما سقطت في أطرف حادثة حدودية بين الدول. ففي  30/11/2015 فوجئت وسائل الإعلام والمراقبين باجتياز مئات الآلاف من الإيرانيين والشيعة الأفغان والباكستانيين الحدود العراقية لإحياء ذكرى أربعينية الإمام الحسين رضي الله عنه. والطريف في الأمر أن هؤلاء تجاوزوا الحدود بلا أية وثائق سفر! وليس بسبب عدم القدرة على استيعاب نقاط المراقبة والدخول لهم. ووسط صيحات استنكار حكومية عقيمة أصلا إلا من غضب عامة السنة، أعلن الجنرال الإيراني عطا الله صالحي بصريح القول، وخلافا لنفي وزارة الداخلية الإيرانية أن يكون الحادث متعمدا، مؤكدا أنه: « ليس من حق العراق منع الإيرانيين من دخول أراضيه لأنها أرض أجدادنا سابقا، ونحن أحق فيه! لذا يتوجب على العراقيين معرفة هذا الحق وتجنب استفزاز الأمة الإيرانية»[170].

كما والت السقوط على وقع تصريحات مستشار خامنئي للتعبئة والإرشاد، حسن رحيم، وهو يبشر بسقوط المزيد من الحكومات العربية في غضون بضعة شهور إلى سنة. فأمام حشد من ضباط ومسؤولين ورجال دين من الحرس الثوري الايراني، وطبقا لشريط مرئي مؤرخ في 2/3/2016، أفصح بورازغدي عن نوايا إيران بالقول: « قال الإمام في البداية أننا سنصدر الثورة والآن تمّ تصديرها، وصلنا إلى لبنان وغزة وسوف نصل إلى الباقي … هل تعتقدون أنها كانت صدفة أن تسقط خمس حكومات عربية في أربعة أشهر؟ وإن شاء الله ثلاث أو أربعة في كم شهر أو السنة المقبلة سوف يسقطون .. لازم نتهيأ إلى معركة عالمية .. شباب الاستخبارات والتخريب يجب أن يكونوا على أتم الاستعداد .. هناك جمهورية إسلامية تصنع في سيناء ومصر»[171]. وستسقط تباعا، وتذهب تصريحات لاريجاني وروحاني وصالحي أدراج الرياح، حين تغدو تصريحات المرشد الأعلى عما يجري في سوريا من تداعي لملل الكفر على الإسلام « حرب الإسلام على الكفر»!

ثانيا: مخاوف وطموحات

طوال التاريخ الإسلامي، نهجت فرق التشيع منهج اللاعودة. فهي كالعاصفة، غالبا ما تخلف دمارا لكنها لا تستمر، ولا يمكن لها أن تستمر. فبقدر ما تطمح إلى التخريب إلا أن الخشية من النهاية المحتومة، تبقى تراودها على الدوام إلى أن تستنفذ طاقتها. وكل ما في الأمر أنها مهيأة لِئَن تعيش لحظتها، ولسان حالها يقول: « فليكن من بعدي الطوفان». وإلى أن يحين موعد الطوفان تبقى « ولاية الفقيه»، ومن ورائها « الإمامية» وفرقها، في صراع ما بين الخشية من القادم والطموح المأمول. فلنتابع بتأمل حزمة جديدة من التصريحات.

  • المخاوف

لم تكد تمض بضعة شهور على إجبار النظام للثورة السورية على حمل السلاح حتى بدأت دعوات أصحاب العمائم، المنادية بـ « الجهاد» وحشد المزيد من « المجاهدين»، تشق طريقها في أوساط الشيعة حيثما كانوا.  فالخوف من سقوط « المربط النصيري» بات أمرا مريعا لقادة إيران ومفكريها واستراتيجييها. وبشكل مبكر جدا دعا أحمد جنتي، عضو مجلس الخبراء، في خطبة الجمعة بطهران (25/5/2012) إلى الجهاد قائلا: « على الشيعة العرب الدخول إلى سوريا والجهاد إلى جوار النظام السوري حتى لا تقع سوريا بأيدي أعداء آل البيت»!. ثم توالت الدعوات تباعا، حتى أنها لم تستثن المرشد الأعلى، الذي سبق وتحدث عن « أيادٍ أمريكية واضحة في الثورة السورية» بخلاف الثورات الأخرى، ولم يتحدث حينها عن أعداء « آل البيت» بقدر ما اعتبر الثورات نتاج « الصحوة الإسلامية» في إيران.

فلنبدأ برجل الدين الإيراني، مهدي طائب، الذي يترأس ما يسمى بـ « مقر عمار الإستراتيجي» والذي تأسس سنة 2009، بعد انتخابات سنة 2009، بمشاركة عدد من الشخصيات السياسية والدينية الشهيرة بإيران بـاسم « أنصار حزب الله»، وهي مؤسسة موالية للمرشد الأعلى. أما المقر فقد أخذ على عاتقه مهمة مكافحة « الحرب الناعمة»، الموجهة ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

ففي 14/2/2013، أدلى طائب بتصريحات حول مكانة سوريا الإستراتيجية بالنسبة لإيران مقارنة بإقليم الأحواز العربي الذي تحتله طهران. فقال: « سوريا هي المحافظة الـ35، وتعد محافظة استراتيجية بالنسبة لنا. فإذا هاجَمَنا العدو بغية احتلال سوريا أو خوزستان، الأوْلى بنا أن نحتفظ بسوريا». ونقل موقع « دانشجو»، التابع لقوات التعبئة الطلابية « البسيج الطلابي»، عن طائب قوله: « لو احتفظنا بسوريا حينها سنتمكن من استعادة خوزستان، ولكن لو خسرنا سوريا حينها لن نتمكن من الاحتفاظ بطهران»[172]. لكن من سيستنجد « بـ «إسرائيل» والولايات المتحدة للاحتفاظ بسوريا؟ هل هم « النواصب أعداء آل البيت» أم « الروافض أحباب آل البيت»؟ سنرى!

في خضم هجوم « الدولة الإسلامية» على قرية عين العرب السورية ( كوباني بالكردية)؛ وعلى هامش « ملتقى العراق والتحالف الدولي ضد داعش – 9/10/2014»، الذي أقيم في « معهد الدراسات الاستراتيجية للشرق الأوسط» بالعاصمة طهران، أدلى مساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون العربية والإفريقية، حسين أمير عبداللهيان، بتصريح مماثل لم يسبقه إليه، خلال الثورات العربية إلا العقيد الليبي الهالك، معمر القذافي، ورامي مخلوف[173]. وكان التصريح فضيحة مدوية، وهي تطيح على الملأ بأطروحة « المقاومة والممانعة». وجاء فيه: « إن سقوط نظام بشار الأسد في سوريا يمثل تهديداً لأمن إسرائيل»، وحتى لا يذهب أحد ما مذاهب في التأويل والتبرير فقد أوضح عبداللهيان قائلا: « قمنا بنقل هذه الرسالة بصورة جيدة إلى أميركا، وإذا كان من المقرر أن تجري سياسة تغيير النظام السوري عبر أداة مكافحة الإرهاب، فإن الكيان الصهيوني لن ينعم بالأمن». ومع أنه أكد قائلا: « نحن لا نريد أن يبقي الرئيس السوري بشار الأسد في السلطة إلى الأبد» إلا أنه حذر من أن: « أي عمل خبيث وأسلوب خاص بذريعة مكافحة داعش، من شأنه أن يؤدي إلى تغيير جذري في سوريا، سيرتب على التحالف وأميركا والصهاينة عواقب وخيمة»، وأنه: « إذا لزم الأمر فإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ستتخذ أي إجراء في إطار القوانين الدولية لدعم حلفائها»[174].

 

بهذا المعنى؛ فإن إيران في حالة دفاع حتى لو كانت تهاجم في مناطق أخرى. هذا ما قاله الأستاذ في العلاقات الدولية في وزارة الخارجية الإيرانية والسفير السابق لدى الأمم المتحدة، البروفيسور سيد محمد كاظم سجاد بور، في برنامج « بلا حدود» على قناة « الجزيرة» إن: « إيران في وضع دفاعي، والموقف الإيراني

 في العقدين الماضيين كان وضعا دفاعيا»[175].

في أي حال تبقى سوريا هي أس السياسة الدفاعية لإيران، لأنها تتموضع على قمة (1) أيديولوجيا المستضعفين ضد المستكبرين، ولأنها (2) تمثل خط التواصل الاستراتيجي مع الهلال الشيعي. وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء الإيرانية عن وزير الدفاع الإيراني، محمد دهقان، فإن سوريا هي « الخط الأمامي لجبهة المقاومة»، وهو عين ما قاله قائد الحرس الثوري، محمد علي جعفري، من أن: « النظام السوري يشكل الخط الأول في جبهة المقاومة الإسلامية في المنطقة، وأنه يسير في طريق الثورة الإسلامية الإيرانية» .. بل أن « قلب الشعب السوري اتحد مع النظام الإسلامي لتحقيق أهداف الإيرانيين» .. وأكثر من ذلك، اعتباره بأن: « ظهور مائة ألف مسلح من اللجان الشعبية السورية الموالية للثورة الإسلامية الإيرانية، كان نتيجة لتسليح المعارضة السورية»[176].

ولا شك أن استعمال الجعفري لعبارة « النظام السوري»، وسط دعوات لإزاحة الأسد عن السلطة، لم تكن اعتباطية بقدر ما كانت منتقاة بعناية. فكما هو معروف فإن مشكلة الشام تقع في كونها مربطا دوليا أمنيا بقيادة الطائفة « النصيرية»، تماما كـ « المربط اليهودي» في بيت المقدس، وليست مجرد سلطة مستبدة أو طاغية مجرم. وهو ما يعني أن الحدث السوري هو شأن دولي بامتياز. وفي هذا السياق بالضبط، وخلال مؤتمر صحفي في طهران مع نظيره الأوروبي، مارتن شولتز، قال رئيس البرلمان الإيراني، علي لاريجاني، أن: « الأزمة السورية ليست مسألة شخص»، بل أنه من « الخطأ الإستراتيجي حصر المشاكل الخطيرة في شخص»، لذا فإن طهران تلعب دورا أساسيا من أجل الاستقرار الإقليمي وخصوصا في سوريا»[177]. وهو ما أكده ثانية اللواء محمد علي جعفري، خلال تأبينه مجموعة من قتلى إيران في سوريا، حين سخر من أولئك الذين يظنون أن الثورة السورية شأن محلي بالقول: « اعتبار البعض أن الحرب الدائرة في سوريا شأن داخلي ولا علاقة للإيرانيين به سذاجة كبيرة»، مشيرا إلى أن: « الدفاع عن سوريا سيمنع بلوغ التهديدات إلى أرض إيران»، وأن: « القتال في سوريا للدفاع عن جبهة المقاومة الإسلامية، والوقوف في وجه التهديدات، قبل أن تصل إلى الحدود الإيرانية»، مع الإشارة إلى: « وجود رغبة لدى القوات البرية بالحرس الثوري للتوجه إلى سوريا». أما خامنئي؛ فقد نقل عنه الجعفري القول: « لولا هذا الدفاع لوصلت التهديدات إلى أراضينا»[178].

 

في الحقيقة لم يتوقف مسلسل الغضب والرعب الذي استبد بـ « الولي الفقيه»، حتى بعد أن استنجدت إيران،

عبر قاسم سليماني، بسرعة التدخل الروسي قبل انهيار النظام. فما كانت توفره « التقية» من رصيد استراتيجي يحظر استعماله إلا عند الحاجة، بدا أن إيران تستنفذه بلسان أعلى مرجعية سياسية ودينية في البلاد. فقد خرج « الولي الفقيه» عن طوره وما تفرضه « التقية» من حذر، وأدار ظهره حتى لتحالفاته من بقايا القوميين العرب ورموز المقاومة وأنصار إيران وحزب الله، ليصف القتال الدائر في سوريا دفعة واحدة، وبلا أية محاذير، بأنه « حرب الإسلام على الكفر»! هذا ما نقلته وكالة « فارس» الإيرانية للأنباء، عنه بلسان الأمين العام لـمجلس صيانة الدستور، أحمد جنتي، في كلمة له خلال حفل تأبين 46 عسكرياً إيرانيا قتلوا في سوريا. وبهذا التصريح غدا المسلمون في سوريا، ومعهم سنة المقاومة والممانعة وأنصارهم، كفار! بينما كل الروافض والطوائف الكفرية والباطنية وعبدة الشياطين وميليشيات القتل والشبيحة واللصوص والمجرمين والمرتزقة والأمريكيين والبريطانيين والفرنسيين والروس وكل ملل الكفر باتوا مسلميييييين!!! يصدر هذا الكلام عمن اعتاد وصف المسلمين والجماعات الجهادية والمقاومة بـ « التكفيريين»!

ووفق ما نقله جنتي، فقد بلغت هستيريا الرعب لدى خامنئي أن قال بأن: « باب الشهادة الذي أغلق بانتهاء الحرب الإيرانية العراقية فتح مجددا في سوريا، وأن الشباب طلبوا بإصرار السماح لهم بالذهاب إلى جبهات القتال حيث يقاتل الإسلام فيها الكفر كما كان أيام الحرب الإيرانية العراقية». ومع أن التصريح يعكس النقص الشديد في الموارد البشرية التي تتعرض للاستنزاف الشديد في سوريا، إلا أن المسألة تتجاوز الكفر والإيمان إلى الحد الذي باتت فيه إيران مهددة على الأقل بدفع الثمن، لذا وبلسان خامنئي: « إذا لم يذهب الشباب للقتال في سوريا؛ وإذا لم يقاتلوا هناك؛ فإن العدو سيهاجم إيران، وسيستهدف مدينة كرمانشاه وغيرها من المناطق الحدودية»[179].

حتى بالنسبة لـ « حزب الله»، وبحسب حسن نصرالله، فإن: « المسألة مسألة وقت. وما تحتاجه هذه المعركة المصيرية التاريخية هو الوقت»[180]، و: « إذا ما انتصر الإرهاب التكفيري في سوريا سنشطب جميعا»[181]. لذا؛ وطبقا لما نقلت عنه صحيفة « الأخبار» اللبنانية، فإنه: « لن يكون هناك سقوط للرئيس السوري بشار الأسد ونظامه، لأن سقوطه يعني سقوط الحزب بالذات، وسقوط محور الممانعة». وكل ما في الأمر أنه: لا خيار للحزب في الحرب السورية، ولا تراجع عنها .. المعركة هناك طويلة ولن تنتهي»[182]. الطريف في مواقف « حزب الله» أنه لم يعترف بتدخله في سوريا إلا بعد سقوط مدينة القصير. بعد ذلك نقلت عنه مصادر صحفية قوله أنه: « حان وقت التعبئة»، والحقيقة أنه خلال لقاء حزبي داخلي خرج الحزب من التقيه، وأقرّ أخيرا بأن « الحزب اتخذ منذ عام 2011 قرار المشاركة في الحرب في سوريا»، غير آبه بعواقب قراراته، التي ذهب بمقتضاها إلى حد القول أنه: « حتى لو استشهد في هذه الحرب نصف مقاتلي الحزب وبقي النصف الآخر ليعيش بكرامة وعزة وشرف سيكون هذا الخيار هو الأفضل»[183]. وبمناسبة يوم القدس الذي أعلنه الخميني في آخر يوم جمعة من شهر رمضان، فات حسن نصرالله تحذيرات عبد اللهيان القائلة بأن « سقوط نظام بشار الأسد في سوريا يمثل تهديداً لأمن إسرائيل»، أو كأنها لم تكن! ومع ذلك فقد خرج ليقدم ما يبدو بديلا عن طريق هضبة الجولان السورية المغلقة أمام أية مقاومة من أي نوع منذ قامت «إسرائيل»! ليقترح سلسلة من البدائل تجاوزت إيقاع « ما بعد بعد حيفا»[184]، لتغدو على وزن: « نعم نعم، طريق القدس يمر بالقلمون والزبداني وحمص وحلب والسويداء والحسكة .. لا تستطيع أن تكون مع فلسطين إلا إذا كنت مع الجمهورية الإسلامية في إيران، وإذا كنت عدوا للجمهورية الإسلامية فأنت عدو

لفلسطين والقدس»[185].

  • الطموحات

 

لم تغب أنظار إيران عن السعودية كهدف أسمى تتوج بموجبه سلطان فارس التاريخي، شمال الجزيرة العربية وجنوبها. كما لم تغب عن « الإمامية الصفوية» ثاراتها مع الصحابة في قبورهم، وثاراتها مع البيت الحرام، وأخرى مع مناطق بعينها كالبحرين خاصة. إذ أن كل الحقد الفارسي التاريخي على الخليفة أبي بكر الصديق، ومحاولات التدخل وضم البحرين إلى إيران، واعتبارها محافظة إيرانية، والعبث بديمغرافيتها والمس بثقافة أهلها، سببه أن أول مسمار دق في نعش فارس « المجوسية» كان بقرار من الصديق، وانطلاقا منها. فبعد انتهاء حروب الردة في البحرين، انطلقت فكرة فتح فارس عبر المثنى بن حارث الشيباني الذي كان يشاغل الفرس على تخوم العراق. فلما بلغ الأمر الخليفة، بعد الانتهاء من تصفية حروب الردة، سأل عنه، فجاءه الرد على لسان قيس بن عاصم التميمي: « هَذَا رَجُلٌ غَيْرَ خَامِلِ الذِّكْرِ، وَلَا مَجْهُوْلَ النَّسَبِ، وَلَا ذَلِيْلَ العِمَادِ». لكن المثنى الذي شغفته مجاهدة فارس حضر إلى المدينة وقابل الصديق، رضي الله عنه، وقال له: « يَا خَليفَةَ رَسُولَ اللَّهِ اسْتَعْمِلْنِي عَلَى مَن أَسْلَمَ مِن قَوْمِي أُقَاتِلُ بِهِمُ هَذِهِ الأَعَاجِمَ مِن أَهْلَ فَارِس»، فكان عهدا كتبه الخليفة للمثنى الذي استشهد في خضم فتح فارس.

في دول الخليج عامة، وفي السعودية خاصة، بلغت التهديدات الإيرانية أوجها مع استيلاء الحوثيين على اليمن، وما أعقبه من تدخل عسكري سعودي على شاكلة التدخل في البحرين. ولا شك أن التدخلات السعودية أثارت حنق الإيرانيين. وفي هذا السياق ليس صحيحا قراءة ما يجري بين الجانبين بأنه من قبيل التصعيد الإعلامي أو السياسي أو محض ضغوط إيرانية نفسية أو استعراض للقوة. فمهما كانت خلفيات التدخلات السعودية أو مبرراتها، وبقطع النظر عن أية تحفظات، فهي تمثل اعتراضا في أرفع مستوى لمسارات المشروع الصفوي. وفي المقابل؛ مهما حاولت إيران نفي التوسع الإمبراطوري، المحمل بكل الإرث الفارسي المجوسي وأحقاد « الإمامية»، فإن ما فعلته في اليمن هو تمدد جديد لا هدف له إلا محاصرة الجزيرة من جنوبها. وباستثناء ما قامت به روسيا مؤخرا من ضم لمنطقة القرم ( 17/3/2014)، ودعم الانفصاليين الروس في شرق أوكرانيا، لا نكاد نلحظ توسعا إقليميا من أية دولة في كل العالم، وعلى عين النظام الدولي، إلا ذاك الذي تقوم به إيران في العالم الإسلامي.
في المحصلة تبدو إيران على الأرض في وضعية هجوم لا يستثني أحدا مما تعتبره ولايات فارس التاريخية. وفي هذا السياق، وبعد أقل من أسبوعين على تصريحات وزير الخارجية محمد ظريف، يأتي هجوم قائد الحرس الثوري الإيراني، اللواء محمد علي جعفري، على السعودية خلال مهرجان البحوث العلمية بجامعة « بقية الله» الطبية في طهران، وأمام المسؤولين الإيرانيين وقادة الحرس الثوري. بل أن الهجوم طال الحكومة الإيرانية، وطالبها: « أن لا تهادن النظام السعودي، لأن نظام آل سعود آيل للسقوط»، وعلى المسؤولين الإيرانيين أن: « يتركوا الانتقادات البسيطة التي يوجهونها للنظام السعودي، من خلال بعض التصريحات التي نسمعها تصدر من هنا وهناك، وعليهم أن يتخذوا مواقف حازمة ضد السعودية … (فـ) لم يوجّه المسؤولون في إيران انتقادات إلى السعودية بشكل مباشر، ولكن اليوم ومن خلال حرب السعودية على اليمن، ظهر الوجه الحقيقي لنظام آل سعود، لذلك على المسؤوليين الإيرانيين أن يتركوا سياسة المهادنة والدبلوماسية مع السعودية»، وفي الإجمال يريد جعفري، الذي يصف أحداث اليمن بأنها « أحدث إنجاز للثورة الإسلامية»، أن تخرج إيران من سياسية المهادنة وتدخل في مواجهة مباشرة، بعيدا عن البروتوكولات السياسية والدبلوماسية، وأن يكون واضحا للداخل والخارج، بحسبه، أن: « الثورة الإيرانية لا يمكن أن تنحصر داخل حدود معينة أو داخل إيران وحدها، بل جاءت هذه الثورة عابرة للحدود، لنصرة كل الشعوب المضطهدة من الشرق حتى الغرب»، وفي بليغ القول وآخره، فإن: « الموجة الأولى من الثورة الإيرانية فككت الاتحاد السوفيتي، والموجة الثانية سوف تسقط نظام آل سعود في المنطقة»[186].

من جهته رصد مهدي خلجي في مقالته، الصادرة عن « معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، سلسلة من التصريحات الإيرانية المعادية للسعودية، خاصة بعد تدخلها في اليمن. وبحسب خطاب لخامنئي في 9/4/2015، بدا المرشد في خطابه واثقا حين قال: « سيخسر السعوديّون حتماً في هذا …. وسيمرّغ أنفهم في التربة». وعقب اجتماعه مع الرئيس العراقي، فؤاد معصوم، في 14/5، حذر من أن « السعوديّين قد ارتكبوا خطأ كبيراً في اليمن، وأنهم حتماً سيتضرّرون من جرّاء ذلك»، وأنّ « متخذي القرار في السعوديّة بشأن اليمن لديهم عقلية غير حكيمة وجاهلة». وفيما بين التاريخين (في2/5) كان رئيس ديوان مكتبه، محمد محمدي كلبايكاني، قد أكد بأن: « آل سعود سيسقط قريباً بنعمة الله». وفي اليوم نفسه، ومن جهته، كرر سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، ذات القول بأن « مصير آل سعود سيكون مثل مصير صدام»[187]. وإثر توقيع الحوثيين اتفاقاً مع الحكومة اليمنية في أيلول/سبتمبر 2014 بعد عدة سنوات من الصراع، هنأ كبير مستشاري ممثل المرشد الأعلى في الحرس الثوري الإسلامي، مجتبى ذو النور، الشيعة في اليمن، مشيراً إلى أن « انتصار الجمهورية الإسلامية في اليمن سيفتح الأبواب أمام غزو المملكة العربية السعودية». أما حسين أمير عبداللهيان، نائب وزير الخارجية، فقد رأى بأن « أمن اليمن هو من أمن إيران والشرق الأوسط … ولن ندع الآخرين يعبثون بأمننا المشترك من خلال تصرفاتهم المغامرة»[188].

 

من جهته يلخص العميد مرتضى قرباني، رئيس مؤسسة متاحف الثورة الإيرانية، وأحد المقربين من قاسم سليماني، الموقف من السعودية برسالة موجهة للداخل الإيراني تقول: « عندما اندلعت الحرب مع العراق أراد صدام حسين أن يتغدى في مدينة المحمرة ويتعشى في مدينة الأحواز طمعا في هذه المناطق الهامة والحساسة، ومن بعدها أراد أن يحتل طهران، ولكن استطعنا إيقاف تحركاته وتحرير مدننا من الاحتلال العراقي في تلك المرحلة التي كنا نعاني فيها من ذلك الحصار القاسي». أما اليوم فإن: « خطوط دفاع الثورة الإيرانية باتت .. في اليمن وسوريا والعراق ولبنان، ونحن على أهبة الاستعداد لتطبيق أوامر المرشد الإيراني خامنئي، للتحرك في أي مكان، لأنه هو من يقود هذه البلاد والثورة، ولأنه ممثل الإمام المهدي المنتظر في العالم». لذا وبكثير من الثقة يتابع الجنرال القول: « على الإيرانيين اليوم أن لا يخافوا من التهديدات التي تطلق من قبل الأعداء لأننا في الحرب مع العراق صمدنا بأقل التجهيزات العسكرية، ولكن اليوم إذا أصدر المرشد خامنئي الأوامر بضرب السعودية … فلدينا 2000 صاروخ جاهزة لإطلاقها باتجاه السعودية من أصفهان»[189].

المبحث السادس

 

الغطاء الأمريكي والرعب اليهودي

نظرية « الصالح العام»؛ هي نظرية ميكيافيلية بامتياز. وهي التطبيق الحرفي لمبدأ « الغاية تبرر الوسيلة». فمن أجل الصالح العام يمكن التعامل مع العدو والحليف بنفس القدر إذا كانت المصالح العامة تتطلب ذلك. لذا فمن غير المنطقي أن يطيح الغرب بشاه إيران الذي يؤمن بالتغريب قدر إيمان أتاتورك به، ويقدم النفط للشركات الغربية أكثر مما تقدمه أية دولة، ويجعل من بلاده مقرا أمنيا وعسكريا للولايات المتحدة و « الناتو» والصناعات العسكرية وصيانة الطائرات، وبابا مفتوحا لـ «إسرائيل»، بل ويربط ماضي فارس، عرقيا، بحاضرها ومستقبلها، في قطيعة تامة مع الإسلام[190]. فما الذي قصر به الشاه حتى يطاح به بشكل مهين وسريع، حتى غدا متشردا لا يجد دولة تؤويه! ثم يؤتى برجل دين برعاية أمنية دولية، وحشد إعلامي دولي لا نظير له حتى ذلك الحين!!!؟ بل ويقيم دولة تحكمها طبقة الكهنوت « الإمامية»، والأدهى أن تعلن أن أمريكا هي « الشيطان الأكبر» وتنادي بـ « الموت لأمريكا»!!!

إذا لم يكن هذا منطقيا؛ فهل من المنطقي القول، وضمن نظرية « الصالح العام»، أن إيران الرافضية أجدى، على المدى الطويل، في تحقيق مصالح الغرب والنظام الدولي من إيران الغربية؟ ربما. إذ أن إيران الرافضية، وطبقا لوقائع التاريخ، كانت وستظل أشد خطرا على الإسلام والمسلمين والدولة الإسلامية. وبالتالي فإن اختراقها للعمق الإسلامي سيكون أسهل من أية قوة أخرى مكشوفة عقديا كـ «إسرائيل» مثلا. صحيح أن مفهوم التغريب وأدواته ظل أحد الوسائل المتبعة في اختراق الثقافة وتخريب المجتمعات الإسلامية. لكن هذا إلى حين، كما هو الحال اليوم في تركيا مثلا. وكي لا تبقى تركيا على هامش القارات سياسيا، وخارج الإسلام عقديا، وثقافة بلا هوية واقعيا، كان على تركيا، وفق نظرية « العمق الإستراتيجي» أن تصفي مشكلاتها أولا، ثم تتصالح مع العالم الإسلامي ثانية كي تكون في « المركز»[191] ثانيا. هكذا يمكن لتركيا أن تتجه نحو استعادة التاريخ والهوية والثقافة الإسلامية والمكانة. أما إيران؛ فسواء كانت غربية الثقافة أو إمامية العقيدة فإن خطرها يكمن في شخصيتها القومية التاريخية، وحمولتها العنصرية الثقيلة، وثاراتها مع العروبة والإسلام، أكثر مما يكمن فيما تختار من نمط حياة أو نظام سياسي لا مثيل له في عالم من المفترض أن الوضعية تهيمن عليه. وحتى لو نافست الغرب على النفوذ والتمرد عليه، كما حاول الشاه أن يفعل ذلك في عهده[192]، فهي لم يسبق لها أن شكلت خطرا وجوديا عليه، لا من حيث الثقافة ولا من حيث المعتقد.

أولا: الغطاء الأمريكي

 

في دولة رأسمالية تقوم فلسفتها على السوق، حيث يمكن تسليع أي أمر أو شيء؛ وحيث مبدأ الكسب والخسارة هو معيار النجاح والفشل، يبدو كل شيء ممكنا، بما في ذلك العلاقة مع إيران « الإمامية»، المؤمنة بـ « الولاية»، والكاظمة لغيظ فارس « المجوسية». فما من سبب يمنع قيام تحالفات إستراتيجية بين الجانبين، لاسيما أن البراغماتية، وكل المشتركات المصيرية بين الولايات المتحدة وإيران وحتى «إسرائيل»، متوفرة لديهم تاريخيا وموضوعيا ومستقبليا. بالإضافة لما ذكره تريتا بارزي في « التحالف الغادر» عن مقترح إيراني بعد غزو العراق سنة 2003 لتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة و «إسرائيل»، كشف النائب الألماني السابق د. يورغن تودنهوفر، في مقالة له نشرت في 6/10/2013، في ثلاثة صحف ألمانية هي: « berliner-zeitung» و«Frankfurter Rundschau» و«Kölner_Stadt-Anzeiger»[193]، عن مشروع تقاسم نفوذ بين الولايات المتحدة وإيران، كان الكاتب فيه وسيطا بين الجانبين، لتقديم العرض إلى الإدارة الأمريكية في 26/4/2010. ويقول الكاتب بأن الورقة الإيرانية نصت على أن « إيران تريد السلام مع الولايات المتحدة، وأنها طلبت أن تكون المفاوضات مع الأمريكيين (1) ندِّية، و (3) على أعلى مستوى، و (3) بعيدا عن الصخب الإعلامي الأمريكي، وأن (4) يكون وزير العدل الألماني، ولفغانغ شويبيليه، وسيطا لترتيب هذه المفاوضات». وفي ذلك الحين لم تنف إيران ما ورد في مقالة تودنهوفر. أما جوهر المشروع، فينص على:

1)       « تقديم إيران ضمانات موثقة وحقيقية تتعهد فيها بعدم صنع القنبلة النووية، من بين تلك الضمانات التزام الحكومة الإيرانية بعدم تخصيب اليورانيوم لأكثر من نسبة 20% المخصصة للأغراض الطبية.

2)       الاستعداد للوصول إلى اتفاق مرض مع أمريكا حول تقاسم مناطق النفوذ في الشرق الأوسط.

3)       استعداد إيران للمساهمة البناءة في إيجاد الحلول للصراع في أفغانستان والعراق.

4)       الاستعداد للتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية لمحاربة الإرهاب العالمي بأفكار وإجراءات ملموسة».

من وحي البنود الأربعة، وعشية تشكيل التحالف الدولي ضد « الدولة الإسلامية»، كشفت صحيفة « وول ستريت جورنال» الأمريكية عن « رسالة سرية[194] بعث الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، إلى المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، آية الله علي خامنئي، الشهر الماضي، يؤكد فيها المصالح المشتركة بين البلدين في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية». وأن: « الخطاب الذي أرسل منتصف أكتوبر/ تشرين الأول الماضي يوضح أن التعاون بين الولايات المتحدة وإيران بشأن محاربة التنظيم مرتبط باتفاق يجري التفاوض عليه بين إيران ودول أخرى بخصوص البرنامج النووي الإيراني». وأن مسؤولي

الإدارة « لم ينفوا وجود الرسالة حين سألهم دبلوماسيون أجانب في الأيام القليلة الماضية»[195].

من جهتهم، وكالعادة، رفض الإيرانيون، بلسان المرشد[196]، الطلب الأمريكي، فيما وصف الرئيس حسن روحاني التحالف الدولي ضد « الدولة الإسلامية» بأنه « مثير للسخرية»[197]. ومع أن الجانبين دخلا في جدل إعلامي، إلا أن الرئيس الأمريكي عاد بعد نحو شهرين، وخلال التفاوض على البرنامج النووي الإيراني، ليقدم عرضا أمريكيا لإيران، في مقابلة مع الإذاعة الوطنية « NBR – 18/12/2014»[198]، قال فيه ما لم يقله من قبل: « إن طهران يمكن أن تصبح قوة إقليمية ناجحة للغاية إذا وافقت على اتفاق طويل الأمد توقف بموجبه برنامجها النووي»، وأن « أمامها فرصة للتصالح مع العالم»، وأن « رفع العقوبات عن طهران سيساعدها على أن تصبح قوة إقليمية ناجحة للغاية، تلتزم أيضا بالمعايير والقواعد الدولية»، أما عن سر هذا العرض الفاتن، بحسب أوباما، فلأنه: « سيكون .. في مصلحة الجميع».

بعد استيلاء الحوثيين على العاصمة اليمنية – صنعاء والكثير من المحافظات اليمنية، نشرت مجلة « فورين بوليسي» تقريرا يقول بأنه بعد الدعم العسكري الأمريكي للقوات الإيرانية في العراق وسوريا؛ فإن « اليمن يمكن أن يكون ساحة المعركة القادمة» … وأن « الشراكة القلقة بين واشنطن وطهران تمتد الآن إلى اليمن». وختم التقرير بالقول: « أن الولايات المتحدة مستعدة للسماح لإيران بتوسيع نفوذها في المنطقة، وهذا في جزء منه للمساعدة في تأمين صفقة نووية»[199].

رغم « الشراكة القلقة»؛ إلا أن الجيوش الإيرانية، الأمنية والعسكرية، منتشرة في العديد من الدول، وسط عشرات المليشيات الشيعية المدججة بالسلاح، وعشرات القنوات الفضائية، وتصريحات إيرانية لا تكل ولا تمل من الحديث عن التوسع، ومقترحات سياسية للتفاهم على المنطقة، الواحد تلو الآخر، وترحيب أمريكي وغربي وشرقي بدور إيراني يرفع عنها كاهل التدخلات، وبما يسمح للقوى الدولية الالتفات إلى مشاكلها الداخلية. من جهتها أوردت مجلة «economist» البريطانية في تقرير لها شهادات ذات مغزى عن طريقة عمل المليشيات الشيعية وأهدافها. واستنادا إلى شهادة الشيعي العراقي، أوس الخفجي، يقول الكاتب أن: « العديد من المقاتلين الشيعة يدَّعون ببساطة أنهم يدافعون عن المراقد الشيعية المقدسة .. لكن رجاله في سوريا لا يقاتلون لأجل الأسد». أما الخفجي نفسه فيأمل بأن يشكل « حراس الثورة الشيعية، قوة واحدة في المنطقة كاملة». وبحسب التقرير فإن: « دور المليشيات يتعدى المراقد. رجال حزب الله لا يخفون سيطرتهم على جنوب سوريا، على الحدود الإسرائيلية، كما يلمحون بأن هذه الأرض لن ترجع للأسد. أحد قادة حزب الله قال إن الحزب في سوريا هو من يبدأ الضربات». وأحد قادة المليشيات يقول: « كل بلد عملية منفصلة، لكن الهدف واحد». وببساطة؛ فالتقرير يفسر دعم النظام الدولي لهذه المليشيات، ومثلها الكردية، وعدم التعرض لها على خلفية قراءة مواقف: « الحكومات الغربية (التي) تنظر للمليشيات الشيعية بشكل أقل قلقا عن نظرائها السنة، بالرغم من أنها تنافسها بالدموية أحيانا». لذا فإن: « أحد الأسباب لذلك هو أنهم لم يستهدفوا الغربيين بعد»[200]. ومع أنه ما من خطر يتهدد الوجود الدولي في المنطقة، إلا أن Charles Krauthammer كتب مقالا نقديا في صحيفة « الواشنطن بوست» بعنوان: « حلم أوباما في الشرق الأوسط تحقق: إيران قوة إقليمية ناجحة جدا». وفيه يقول: « هذا هو الشرق الأوسط الجديد. واقعه الاستراتيجي واضح للجميع: إيران في ارتفاع، بمساعدة مستغربة من قبل الولايات المتحدة». ووفقا لرؤيته، التي تعتمد على الواقع السياسي بعيدا عن الإرث السياسي للنظام الدولي، يقول الكاتب: « كانت إستراتيجية أوباما الأولية في الشرق الأوسط هي الانسحاب منه ببساطة … ولكن، بعد أن تم ملء الفراغ اللاحق من قبل مختلف الأعداء كما هو متوقع، جاء أوباما بفكرة جديدة تقول: نحن لن ننسحب فقط، بل وسنقوم بتسليم العصا لإيران». وبالمقارنة مع عقيدة الرئيس الأمريكي الأسبق، ريتشارد نيكسون، خلال الحرب الأمريكية – الفيتنامية في سبعينات القرن الماضي، يعلق الكاتب على إستراتيجية أوباما ملاحظا أنه: « قد لا يكون على علم حتى بأنه يعيد تجسيد عقيدة نيكسون، ولكن مع تغيير قاتل. ولقد كان تركيز نيكسون الرئيس هو جعل الفيتناميين يأخذون المسؤولية عن تلك الحرب منا. ولكن هذه العقيدة تطورت، وتم تعميمها لجعل قوى صغيرة مختلفة تنوب عنا في حراسة مناطقها. وفي الخليج، كانت إيران وكيلنا الرئيس»[201].

في ظل تصعيد المربط الصفوي؛ من الطبيعي أن يرفض الأمريكيون مطالب دول الخليج بتحرير اتفاق دفاع مشترك، يكون بمثابة قانون ملزم. ومن الطبيعي أيضا أن تفشل قمة كامب ديفيد، الأمريكية الخليجية، قبل أن تبدأ. وفي مؤتمره الصحفي، تعليقا على القمة، عبر الرئيس أوباما عما وصفه بالتزام « راسخ»، لكن في حدود تبق معها الخيارات الأمريكية مفتوحة، غير مقيدة بأية التزامات قانونية، وبما لا يتجاوز: « توسيع الشراكة الأميركية في عدة مجالات مع دول مجلس التعاون الخليجي»، التي رأى أنها: « ستتيح للولايات المتحدة اتخاذ التدابير والسبل المناسبة، بما في ذلك استخدام الخيار العسكري». لذا فقد كان أوباما حريصا، في المؤتمر، على التأكيد

بأن: « الهدف من التعاون الأمني ليس إدامة أي مواجهة طويلة الأمد مع إيران أو حتى تهميش إيران»[202].

وفي الواقع؛ تتباين مواقف الساسة الأمريكيين بين مؤيد للتفاهم مع إيران ومعارض لها. لكن التباين يقع

على خط تقاسم النفوذ مع إيران وحدود الدور الوظيفي الذي يجب أن تلعبه غيران في المنطقة، ولا يقع أبدا على خط العداء كما يروج بعض المحافظين. فالكل يعلم أن إيران تتجه نحو استعادة الدور الإمبراطوري لها في المنطقة وحتى في العالم. ولا يهم إنْ كان بمقدور إيران الوصول إلى هذه المكانة أم لا بقدر ما تعمل جاهدة على تحقيق أهدافها دون أية ممانعة دولية. وفي سياق المخاوف، كتب القائد السابق لقوات التحالف في حلف « الناتو»، James Stavridis، مقالة في مجلة « فورين بوليسي» ختمها بالقول: « إذا ما استطعنا حل القضية النووية مع إيران، فإن المشكلة القادمة ستكون أمة طموحة، وممولة تمويلًا جيدًا، لديها طموحات واضحة ليس في المنطقة فقط، ولكن على الصعيد العالمي أيضًا. ابقوا مترقبين»!

 

     وفي مطلع المقالة أورد James Stavridis سلسلة من عناوين الصحف الأمريكية عشية الحديث عن قرب توقيع اتفاق نووي مع إيران، مثل: « الزعيم الإيراني الكاريزمي والمراوغ يسعى لتوسيع حدود دولته، والضغط بقوة ضد الجيران في المنطقة، خصوصًا إلى الغرب. إيران تمارس الهيمنة في مجموعة واسعة من العواصم الإقليمية، من بغداد إلى بيروت. طرق التجارة تفتح، وستبدأ الثروة في التدفق إلى الأمة، وهو ما سيمكن القيام بالمزيد من المغامرات». ثم تساءل: « هل تبدو هذه العناوين مألوفة؟». وفي إجابته يذكر بأن هذه العناوين: « تصف تأسيس الإمبراطورية الفارسية منذ حوالي 2500 سنة من قبل قورش … ولا نميل إلى التفكير بإيران اليوم كقوة إمبريالية، ولكنّ الإيرانيين يفعلون ذلك بالتأكيد. وفي الواقع، هذا الأمر منسوج في حمضهم النووي الوطني وتوقعاتهم الثقافية. ونحن بحاجة إلى اتخاذ قرار بشأن كيفية التعامل مع واقع التمدد الجيوسياسي الإيراني، الذي سترتفع وتيرته فقط إذا ما تم رفع العقوبات. وإستراتيجية طهران الجيوسياسية، المرتكزة على العقيدة الشيعية كحركة دينية، مأخوذة بشكل مباشر من كتيب خطة اللعب لإمبراطوريات الفرس الثلاث الأولى، التي استمرت لأكثر من ألف سنة. وتسعى إيران للحصول على هيمنة إقليمية، ومستوى عالمي كبير من النفوذ، وتطوير مركز قوة لا يعد جسرًا بين الشرق والغرب، بل قوة قائمة في حد ذاتها»[203].

لم تبتعد التقييمات الاستخبارية الأمريكية عن تقييمات العسكريين. ففي جلسة استماع له، أمام لجنة الخدمات العسكرية بمجلس النواب الأميركي (12/1/2016)، قال النائب السابق لمدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «CIA »، مايكل موريل، أن: « القضية لا تكمن في برنامج طهران النووي بل في قائمة طويلة من المشاكل معها أولاها أنها تريد أن تكون القوة المهيمنة في المنطقة»، بل أنه: « من الصواب القول إن إيران تريد إحياء الإمبراطورية الفارسية»، وأن « هذا التوجه لا يقتصر على الحكومة الراهنة أو المرشد الأعلى الحالي وحدهما بل يعود إلى عهود غابرة في التاريخ الإيراني». والمشكلة الثانية: « أن إيران هي الدولة الوحيدة في العالم التي ما زالت تستخدم الإرهاب أداة في يد الدولة ضد جيرانها والعالم من حولها»، أما المشكلة الثالثة فهي أن إيران تدعم « مجموعات إرهابية عالمية»[204]! ومع ذلك لم تضع الولايات المتحدة إيران ولا أي من مليشياتها ومرتزقتها على أية قائمة من قوائم الإرهاب الأمريكية أو الدولية، ولا حتى « النظام النصيري» في سوريا!

كل من اطلع على وقائع الحقبة الواقعة بين منتصف القرنين19 و 20 لا شك أنه أدرك تماما كيف تم توضيع المربط اليهودي في بيت المقدس والنصيري في الشام. أما اليهودي؛ فقد كانت وقائع تثبيته في النصف الأول من القرن20، خلال مرحلة الانتداب البريطاني. ومن الطريف أن الصراع الفلسطيني العربي مع بريطانيا لم يكن ليقل ضراوة عن الصراع اليهودي معها، لكنه انتهى بقيام الدولة « اليهودية» بمباركة الاتحاد السوفياتي، وامتناع بريطانيا عن التصويت على قرار التقسيم!!! تماما كما يبدو الصراع اليوم بين الأمريكيين والإيرانيين منذ أكثر من 35 عاما!!! وبذات المكر الدولي وخبائثه يجري تمرير المربط الصفوي، وبالتواءات شتى وسلسة، وخالية من أي حسم، بحيث يبدو الأمر لعامة المسلمين وكأن النظام الدولي في تعارض مع إيران لكنه في الواقع في توافق تام معها.

وكنموذج طريف؛ فقد قدم موقع «جلوبال ريسك إنسايس» تقريرا، بعد توقيع الاتفاق النووي مع إيران، تحدث فيه عن: « تحول جذري في ميزان القوى بالشرق الأوسط، سيسمح لإيران بالعودة بثقة لساحة النزال الدولي». لكن « من الخطأ فهم الصراع بين الرياض وطهران، على أنه صراع طائفي، إذ أن هاجس إيران من السعودية يتمحور حول الصراع على الهيمنة الإقليمية». وفعليا فإن: « طموحات الهيمنة الإقليمية الإيرانية، جغرافيا وسياسيا، تتركز خلال العقد المقبل على مسار المعركة الجيوسياسية المتصاعدة مع القوى السنية المنافسة لها في المنطقة» ... ومع أن التقرير يستبعد أن يكون هناك منتصر واضح على الجانب السياسي بخلاف الجانب الاقتصادي الذي يميل لصالح إيران .. إلا أنه يؤكد على أن « التنافس الجيوسياسي شبه الطائفي، والسعي للهيمنة على المشهد الإقليمي سيستمر حتى عام 2025»[205].

 

ثانيا: رعب «إسرائيل»

قد تبدو الدولة « اليهودية» بأحسن حال، في ظل التمزيق الذي تعانيه الدولة القومية في العالم العربي، والحروب الطاحنة التي تدور رحاها في عدة دول، وما خلفته من خسائر هائلة في الاقتصاد والاجتماع والبنى التحتية، المدنية والعسكرية. فلم يعد ثمة جيش عراقي ولا سوري ولا أي جيش عربي يمكن، بالمنطق اليهودي، أن يهددها. بل أن القضية الفلسطينية تراجعت سياسيا على كل مستوى، محلي وإقليمي وعربي ودولي. لكن هل انهيار المربط النصيري وتصعيد المربط الصفوي يصب في صالحها؟ أم يخصم من رصيدها؟

الواقع أن «إسرائيل» في حالة رعب يصل إلى حد الشعور بالتهديد الوجودي. ففي كل الأحوال، القانونية

والسياسية والاقتصادية والأخلاقية، تبدو «إسرائيل» في حالة تراجع[206]! وقد يعجب البعض من هذا التقييم،

لكنها الحقيقة التي يدركها اليهود منذ تأسيس الدولة. فمنذ السبي البابلي يعيش اليهود حالة استنفار دائم ليس خشية من العرب والمسلمين بقدر ما هي خشية من عقدة الذات التي تأبى الاندماج في أي جوار ثقافي أو حضاري، وما تخلفه من مشكلات مع البشرية لا تلبث أن تنفجر في شكل اضطهاد مستمر. وبعد إقامة الدولة « اليهودية»، درج المسؤولون اليهود والمثقفين على ترديد عبارات كثيرا ما تكررت على ألسنتهم، من قبيل: « لن يحدث هذا بعد اليوم! نعرف كيف ندافع عن أنفسنا! ما جرى لنا علّمنا أن ندافع عن أنفسنا وحدنا»! لذا؛ فقد سعت «إسرائيل» مبكرا لصناعة الأسلحة المتطورة فضلا عن حيازة السلاح النووي.

لكن ما يخيف «إسرائيل» اليوم ليس البرنامج النووي الإيراني. فليس بين فارس واليهود صراع وجودي بقدر ما كانت العلاقة على الدوام ودية أكثر مما هي علاقة اليهود بأوروبا وبقية دول العالم. بل أن التراث اليهودي العقدي برمته يدين بوجوده إلى فارس ذاتها. كما أنه ليس بين فارس الأمس وفارس اليوم صراعا وجوديا، مثلما أنه لم يكن ثمة صراع وجود بين روما الأمس وروما اليوم. وبمنطق المصالح وأخلاق الحرب، لم تكن الإمبراطورية الرومانية فرحة بزوال الإمبراطورية الفارسية. وهنا بالضبط تكمن نقطة ضعف «إسرائيل»، وخشيتها التي تصل إلى حد الرعب من بناء المربط الصفوي الفارسي. فهو في كل الحسابات سيكون خصما من رصيد المربط اليهودي. فما من كبير جدوى من المربط اليهودي إذا ما تضخم المربط الصفوي، الذي دائما ما كان يدفع فارس إلى التوجه نحو الداخل الإسلامي، فضلا عن أن « اليهودية» العالمية ستخسر خاصة وأنها باتت تشكل عبءً بالغ الخطورة على الرأسمالية، بالإضافة إلى تآكل منظومة الشرعيات الاجتماعية والسياسية والقانونية والدولية التي حكمت المنطقة خلال المائة سنة الماضية. وهذا يتطلب قوى جديدة أكثر فاعلية من القوى الحالية التي استهلكت فاعليتها وجدواها بفعل ممارساتها المتوحشة طوال عشرات العقود الخالية.

على مقربة من توقيع اتفاق نووي مع إيران أعلن رئيس حكومة «إسرائيل»، بنيامين نتنياهو، عن زيارة للولايات المتحدة الأمريكية، يلقي خلالها خطابا أمام الكونغرس الأمريكي، يحذر فيه من خطر توقيع الاتفاق. كانت الزيارة آخر المحاولات «الإسرائيلية» لعرقلة الوصول إلى اتفاق. وفي 2/3/2015 قال نتنياهو في خطابه: « إذا كان العالم حريصا على أن تكون إيران جزءً من المجتمع الدولي فلا بد من ضمان ألا تكون مصدرا للإرهاب والرعب لجيرانها وللعالم بأسره»، واتهم إيران بغزو العديد من بلدان الجوار، مشيرا إلى أنها باتت تسيطر على أربع عواصم عربية. لكن وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، رد عليه في اليوم التالي بالقول: « إن خطاب نتنياهو مكرور وممل .. كرر كل أنواع الاتهامات والأكاذيب ضد إيران في خطابات سابقة … إنه يسعى للتأثير سلبا على المحادثات الجارية بين إيران والقوى الكبرى وهو لا يستطيع ذلك لأن التوتر لا يفيد أحدا». ولأن نتنياهو يعلم أنه يكذب؛ ويعلم أن التاريخ لا يكذب، وأن العلاقات «الإسرائيلية» الإيرانية لم تنقطع منذ عهد فارس مرورا بالشاه وانتهاء بـ « ولاية الفقيه»، فقد جاء رد الرئيس الأمريكي، في حديث للصحفيين أمام البيت الأبيض، بمثابة الصفعة له حين قال: « لم نتوصل إلى اتفاق بعد مع طهران. ولكن إذا نجحنا فسيكون ذلك أفضل شيء ممكن للتعامل مع إيران لمنعها من امتلاك سلاح نووي»[207]. بمعنى أن الولايات المتحدة لن تلقي بالا لأكاذيب نتنياهو، وستمضي قدما في تطبيع علاقاتها مع إيران مهما كانت الاعتراضات « اليهودية».

فعليا؛ ومن وجهة نظر « إسرائيل» كدولة مهددة بالتراجع إلى مراتب خلفية، فإن: « بنيامين نتنياهو على حق: زيارته الأخيرة إلى واشنطن وخطابه أمام مجلسي الكونغرس الأمريكي، كانا بحق مصيريين وتاريخيين وفق كل المعايير»! هذا ما خلص إليه الكاتب سعد محيو في مقالته المثيرة حول حقيقة المعارضة «الإسرائيلية» لأي اتفاق مع إيران، وما يخلفه من خصومات إستراتيجية، تمس مكانة «إسرائيل» ونفوذها وحتى مشروعها. وبحسب المقالة، فإذا كانت الولايات المتحدة تريد أن تكون الصفقة مع إيران « بداية تحوّل استراتيجي كبير» لتوجّهاتها في الشرق الأوسط وقارة أوراسيا، فإن محور هذا التغيير يتلخص في « إعادة ترتيب أوضاع المنطقة، بحيث تتمكن الولايات المتحدة من تخفيف أعبائها ومسؤولياتها فيها من دون المس بمصالحها الأساسية، ثم لنقل مركز الثقل في نشاطاتها إلى منطقة آسيا – الباسيفيك التي باتت عملياً، المركز التجاري والاقتصادي والعسكري الأول في العالم بدل أوروبا، وذلك للمرة الأولى منذ خمسة قرون. وهذا يتطلب، من ضمن ما يتطلب، الاعتراف بالأدوار الإقليمية للعناصر الرئيسة في هذه المنطقة، والتي شكّلت كل أنظمة الشرق الأوسط السابقة في التاريخ: الإيرانيون والأتراك والعرب، وفي الدرجة الثانية اليهود والأكراد والمسيحيون وباقي الأقليات .. وهذا بالتحديد هو ما تخشاه إسرائيل، لأنه سيعني ببساطة تقويض النظام الإقليمي السابق الذي أقيم غداة الهزيمة العربية في حرب 1967، والذي رسّخ السيطرة شبه المطلقة لإسرائيل على نظام الشرق الأوسط، برعاية أمريكية ومباركة .. من تركيا الأتاتوركية، .. ومن إيران الشاهنشاهية، … ومصر الساداتية … ».

ويتابع الكاتب القول:

  « كل هذا الصرح، النووي والإستراتيجي، سيكون عرضة إلى الانهيار، في حال تم التوصل … إلى اتفاق، ما سيؤدي في الواقع إلى تسديد ضربات قد تكون قاتلة للمشروع الإسرائيلي في حلّته الصهيونية، الذي استند بقضه وقضيضه إلى فكرة تفرّد الدولة العبرية بالتفوق العسكري والإستراتيجي والاقتصادي الإسرائيلي المطلق، في إطار إمبراطورية حقيقية تمتد من المحيط الأطلسي إلى الخليج الفارسي. وهذا ما قد يفسِّر جانباً من الهستيريا الحقيقية التي تنتاب العديد من الدوائر الحاكمة في إسرائيل. فما هو على المحك لا يقل عن كونه تغيير كل البنية الإستراتيجية التي انبثق من ثناياها جل مشروع الدولة اليهودية العام 1948، لكن بخاصة العام 1967»[208].

 

لا شك أن الخلاف مع المحافظين على أشده في الولايات المتحدة تجاه البرنامج النووي الإيراني. لكن المشكلات التي تواجهها الولايات المتحدة واحدة، سواء في الداخل الأمريكي أو الخارج. والمشكلات التي يواجهها العالم لم تعد تخفى على أحد، سواء تعلق الأمر بأزمات الرأسمالية أو الشرق الأوسط أو ظهور قوى عالمية وإقليمية كبرى وغيرها، وبالتالي فالصراع داخل أمريكا يتعلق بنظريتين: تتوجه الأولى؛ إلى الداخل بعيدا عن الغرق في المستنقعات العالمية، فيما الثانية ذات طابع أيديولوجي، لا ترى في التخلي عن أدوات القوة المباشرة سبيلا ناجعا للحفاظ على النفوذ والقيادة. وترى الأولى؛ أنه إذا كانت «إسرائيل» قد بلغت قدرا لا بأس به من العجز عن إدارة المنطقة، أو التعامل مع المتغيرات الثابتة ( القضية الفلسطينية)، والجديدة، فلا مفر من أن تفسح في المجال لغيرها. ومع ذلك فقد علق كاتب « الفورين بوليسي»، Dov Zakheim، على ما اعتبره « قراءة خاطئة للشرق الأوسط»، واصفا الرئيس الأمريكي بأنه: « مولع بفكرة أن كل شيء سيكون جيدًا في المنطقة إذا ما تم منح إيران مكانها المهيمن الصحيح، وإذا ما انخفضت إسرائيل إلى ممثل إقليمي من الدرجة الثانية»[209].

ملاحظة Zakheim فيما يتعلق بخفض مكانة «إسرائيل» هي إحدى أهم ما يرعب الدولة « اليهودية». فالشخصية « اليهودية» إذا ما تراجعت استراتيجيا مرة واحدة فإن التراجع سيسير بمعدل متوالية هندسية. لذا فقد بدت حالة الرعب جلية في أعقاب توقيع الاتفاق النووي مع إيران (14/7/2015)، وما تبعه من عاصفة من الردود التي عكست مشاعر الرعب من تراجع في المكانة، أو فقدان الهيمنة والنفوذ على المنطقة، إلى الدرجة التي دعا فيها الكثير من المسؤولين والكتاب اليهود إلى إقامة تحالفات مع الدول العربية والإسلامية لمحاصرة النفوذ الإيراني. ولا بأس إن كانت هذه التحالفات واقعة في إطار تقاطع المصالح سرا أو علانية، أو

بفعل معاهدة صلح مع «إسرائيل»، أو أنها كتحصيل حاصل لعلاقات قائمة[210].

ففي اليوم التالي تحدثت صحيفة « يديعوت أحرنوت» « اليهودية» عن واقع إيران ومستقبلها بعد توقيع الاتفاق. ونقلت عما وصفته بمصدر سياسي رفيع قوله أن: « رفع العقوبات يُدخل إلى الخزينة الإيرانية بين خمسمائة وسبعمائة مليار $ في الـ 15 سنة القادمة»، سيجري استغلاله: « لدعم الإرهاب والدول التي ترعاها إيران. ولن يخدم حقوق الإنسان أو الرفاه الاقتصادي، ولن يؤدي إلى تغيير الحكم بل يثبت نفسه». وأشار إلى أنهم في «إسرائيل» يعرفون: « نشاطا إرهابيا إيرانيا في ثلاثين دولة على الأقل. وامتد هذا النشاط إلى دول في أميركا اللاتينية، والولايات المتحدة، ودول أفريقية، وفي جنوب شرق آسيا. ومؤخرا شبكة إرهابية في قبرص يقودها حزب الله وتوجهها إيران»، وأن: « أخطبوط الإرهاب الإيراني يسيطر على المنطقة بأسرها». مشيرا إلى أن: « إيران تدعم حزب الله وحكم الأسد وهي الممول الأساس للحوثيين بالمال، والوسائل القتالية، والتوجيه العسكري. إضافة للنشاط المتزايد في ليبيا … »[211].

وفي ذات اليوم كتب دان مرغليت في صحيفة «إسرائيل اليوم» مقالة بعنوان: « برعاية أوباما… إيران تتحول إلى القوة العظمى الأقوى في الشرق الأوسط»، قارب فيها بين رئاستين أمريكيتين هما جيمي كارتر وباراك أوباما، مشيرا إلى أنهما تشابها سياسيا فيما خلفاه من أضرار على المنطقة. إذ يرى أنهما: « تسببا في وصول الوحش الإيراني إلى مستوى جعل منه القوة الأكبر في الشرق الأوسط، فكارتر لعب دورا مهما في إسقاط نظام الشاه الذي كان يقمع حقوق الإنسان ويتصرف ببربرية، لكنه فتح الباب أمام الجمهورية الإسلامية بزعامة الخميني، وبعد 36 سنة يمنح أوباما للورثة في طهران مفتاح سياسة الشرق الأوسط». ويخلص في مقالته إلى القول بأن: « الأضرار التي تسبب بها هذان الرئيسان فيما يتعلق بالموضوع الإيراني هي حقيقة واقعة، ومواجهة إرثهما تستوجب من إسرائيل والسعودية ومصر والأردن ودول الخليج وحتى تركيا، البحث عن كيفية التعاون الأمني من أجل كبح طهران، النووية الإرهابية أو الإرهابية فقط، خلال الـ 15 سنة القادمة»[212].

وفي مقالة له في صحيفة « هآرتس» بعنوان: « الخيار الأفضل في السوق»، اعتبر أوري بار يوسف « الاتفاق هو الخيار الأفضل في السوق»، بالمقارنة مع خيارات أخرى قاتمة. وبعبارات كاشفة عن نمط التفكير اليهودي قال: إن « احتمال الاتفاق بين إيران والدول الغربية لم يكن في الحسبان»، وبحسبه، فإن: « سبب عدم قبول نتنياهو وإسرائيل بالاتفاق» يرجع إلى: « أننا غير مهيئين نفسيا لقبول إمكانية مواجهة الأخطار الكبيرة بالطرق الدبلوماسية»[213].

واقع الأمر أن «إسرائيل» فشلت في اعتراض الاتفاق النووي في الكونغرس الأمريكي. ومن باب الثورة السورية، خلص المستشرق اليهودي، أفرايم هراره، إلى قناعة عبر عنها في صحيفة « إسرائيل اليوم»، تقول بأن: « المجتمع الدولي يسعى للمراهنة على الأقلية الشيعية أمام الأغلبية الجارفة، … استكمالا للاتفاق النووي الموقع بين القوى العالمية الكبرى وإيران، واستكمالا للدعم الروسي غير المحدود للنظام السوري وحليفه الإيراني»[214].

في الحقيقة ثمة مخاوف كبيرة غير تلك الشائعة. فقد حفل اليوم الثاني من مؤتمر معهد أبحاث الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب، وبحضور عدد من رجالات السياسة والجيش «الإسرائيليين»، في التعبير عن المخاوف من جهة واقتراح الحلول من جهة أخرى. ومن جهتها نقلت صحيفة «إسرائيل اليوم» تصريحات وزير الدفاع، موشيه يعلون، قال فيها: « لو قُدّر لي أن أختار بين خطر تنظيم الدولة أو إيران، فإن الأخيرة أكثر خطورة، لأنها تمتلك بنية تحتية عسكرية في خمس قارات، فضلا عن كون حزب الله هو إحدى أدواتها بالمنطقة، وفي حال شعرت إيران أنها آمنة اقتصاديا فستكون قادرة على إنجاز قنبلتها النووية». لذا، والكلام لوزير الدفاع: بما أن « البنية التحتية الإيرانية الخاصة بالعمليات المسلحة ما زالت التهديد الكبير لإسرائيل»، … فإن « العلاقات الإسرائيلية الأميركية هي الأهم في العلاقات

الخارجية الإسرائيلية أكثر من الاحتفالات ومؤتمرات السلام»[215].

من جهتها نظرت وزيرة الخارجية «الإسرائيلية» السابقة، تسيبي ليفني، إلى الخطر عبر مقاربة الشرعية السياسية الدولية بين «إسرائيل» وإيران، ملاحظة أن: « إيران باتت تمتلك تجديدا لشرعيتها في العالم، في حين أن إسرائيل تفقد شرعيتها». ولأن «إسرائيل» لا يمكن أن تفلت من الخطر طالما هناك انحياز من النظام الدولي، لاسيما الأمريكي، لصالح إيران، فقد لجأت ليفني إلى مقاربة سياسية إقليمية تقول فيها أن: « هناك فرصا قد تكمن في الاتفاق النووي مع إيران، وقد فرطت إسرائيل في الفرصة الأولى حين اختارت ألا تؤثر على جوهر الاتفاق مع الولايات المتحدة»، … لكن « من المحظور أن نضيع فرصة ثانية في عدم التأثير على تبعات الاتفاق، بإقامة تحالفات مع دول المنطقة، والأهم يجب علينا ألا نفرط في فرصة الانفصال عن الفلسطينيين، حتى نحافظ على إسرائيل آمنة»[216].

أما خيار وزيرة القضاء، آيليت شاكيد، فقد رأت الحل في إقامة دولة كردية. فبها تخلط «إسرائيل» الأوراق في الدول الأربعة الكبرى التي يتواجد فيها الأكراد، وهي العراق وسوريا وتركيا وإيران. فقد نقل عنها مراسل صحيفة « يديعوت أحرونوت» يوآف زيتون، قولها: « هناك حاجة ماسة لإقامة دولة كردية بالعراق»، وبحسبها فقد: « آن الأوان لإصلاح المعاناة التي واجهها الأكراد، وهو أحد الشعوب الكبرى في العالم وليس له دولة»، وأن: « على إسرائيل المطالبة بصورة علنية لإقامة هذه الدولة الكردية، كي تكون فاصلا بين إسرائيل وإيران وتركيا، من أجل تقوية مواقف الأطراف المعتدلة بالمنطقة»، وبحسبها أيضا: « هذه مصلحة عالمية إستراتيجية واضحة. وإلى أن يتحقق هذا الأمر، يجب على إسرائيل بناء جسور سياسية واقتصادية وثقافية مع الأكراد، كي نرى فيهم شركاء إستراتيجيين في جبهة واحدة، هذا هو الوقت لقيام شراكة مع أكراد تركيا، وأشقائهم في المنطقة كلها»[217].

لا يزال البحث مستمرا …

مائة عام مضت على معاهدة « سايكس – بيكو»، وتفكيك العالم الإسلامي وإقامة « الدولة القومية» المستوردة من الغرب، وانتصاب « الحكم الجبري» على العالم وفي القلب منه العالم العربي .. مائة عام مضت والدول العربية وشعوبها تتجرع القهر والظلم والاستبداد والغزو، كما لو أنهم كرة يتقاذفها اللاعبون من كل حدب وصوب .. مائة عام مضت .. والعرب عجزة، بكل نظمهم السياسية، وحركاتهم التحررية، وأحزابهم المدنية والثورية، وجماعاتهم الإسلامية، أو شخصيات من أي نوع أيديولوجي، أو حتى ثوار شعبيين … عجزة؛ وهم يتطلعون، وعلى الدوام، لمن مزقهم شرّ ممزق، أن ينتصر لهم، أو يحررهم أو يأخذ بيدهم، ويوفر لهم الحرية والديمقراطية، ويهيئ لهم التمتع بالمال والسلطة والمناصب.
كلهم، إلا من رحم الله، وقعوا في مواقف مشينة، وتطلعوا إلى تدخلات دولية، وأملوا، منذ اللحظات الأولى، بانتصارات سريعة، وهم على الأرائك متكؤون .. دون أن يكلفوا أنفسهم بدفع ما يلزم عليهم من التكاليف! ولا يبدو أنهم أدركوا أو أنهم معنيين بالإدراك، كما أدرك اليهود والفرس المجوس من قبلهم، أنهم المعنيون الأُوَل في الدفاع عن أنفسهم، بدلا من الاستجارة بمجرمي النظام الدولي. ولا ولعل الأوان يفوت قبل أن يدركوا، ولو لمرة واحدة، قول الله عز وجل: ﴿ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾،  [الحج: 18]؟

بهمة النخب؛ من الزعامات والقيادات والمثقفين والمؤدلجين على غير هدى، ومعهم الضالين والمضلين والفاسدين والمفسدين وأهل الهوى عامة، .. بهمة هؤلاء جميعا وأمثالهم، من الأسلاف الذين ﴿ تَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾، [المؤمنون: 53 [، خُدعت الأمة في مائة سنة مرتين. مرة من الخارج، انتهت إلى تقطيع أوصالها، حين أدركت هذه النخب « الاضطهاد العثماني»، وسعت بمعية « الصديقة بريطانيا» إلى الانفصال عن الدولة العثمانية، دون أن تدرك عداوة وبغضاء ملل الكفر، بل وتحالفت معها، ووثقت بوعودها، بل دون أن تدرك وجهتها إلى أين؟ وما يلزمها من أدوات للقوة. فكانت النتيجة حتى اليوم تمزيق العالم الإسلامي، وتشتيته إلى 56 دولة، من بينها 22 دولة عربية، وكل واحدة منها تصف نفسها بـ « دولة القانون»، ذات الجذور الضاربة بعمق التاريخ وما قبله، في حين أن بعضها ولد من العدم، وبلا اسم إلى حين، وبعض آخر لا يحمل اسما حتى هذه اللحظة!!!

أما الخديعة في المرة الثانية فكانت من الداخل، حين أصر الأخلاف على الدوران في دائرة ﴿ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾، [الروم: 32[، يدافعون عن مكاسب الاستقلال وإنجازاته العظيمة، وكأنه الأصل الأصيل، والركن الركين الذي جاءت به التوراة والإنجيل والقرآن الكريم، متناسين أنه من أصبح في يوم ما جزء من كل لم يكن من عقيدتنا ولا باختيارنا أو من صنعنا، ولا كنا شركاء في توليده، بقدر ما كنا مستهلكين لمنتجات سياسية غربية، أو جسر عبور للقوى المعادية. أما الذين تصدوا لهذا الواقع، وحاربوا الشرق والغرب، من النخب إياها، فهم أنفسهم الذين رفضوا حقوق الشعوب وحاربوها وقادوا الحملات المضادة، ودعموا نظم الاستبداد، وشرّعوا للقتل والسجن والتضييق والاختطاف والاغتصاب والنهب والتشريد والتهجير. لذا ما من فائدة في إدانة هؤلاء أو مقاطعتهم أو فضحهم، بعد كل التخريب والإفساد الذي أحدثوه، والدماء التي سفكوها أو تسببوا بسفكها، والظلم الذي أوقعوه بالأمة مقابل مصالحهم وأهوائهم. وبالتأكيد سيقول البعض: أن التاريخ لن يرحمهم أو يذكرهم إلا بأسوأ ما عملوا!!! ولأنهم لا يحسبون حسابا لرب أو لنبي أو لدين، ولا لأية قيمة أخلاقية أو إنسانية، أو عقل فلن يعنيهم، من قريب أو من بعيد، ما سيقول عنهم التاريخ! لكن التاريخ سيقول: أننا في المرتين استغفلنا وخدعنا، لما صفقنا لعقود طويلة بحماس لأمثال مهرجي « رأفت الهجان» و « الحدود» و « التقرير» و « كاسك يا وطن» و « غربة» و « حرب تشرين» و «الصعود إلى الهاوية» و « الرصاصة لا تزال في جيبي» و « فارس بلا جواد» … تماما كما صفقت ذات النخب من قبل لفرنسا وبريطانيا، ومن بعد لأمريكا وروسيا وإيران.

بالمقارنة والتجربة؛ تَبيَّن أن « الماركسية» بدت أقل انغلاقا من الأيديولوجيا « القومية»، وبما لا يقارن. ورغم أن الأيديولوجيتان المارقتان انزوتا، وسقطت الماركسية في الحضيض، وتخلى عنها الغالبية الساحقة من معتنقيها، إلا أن الغالبية الساحقة من القوميين العرب، ومعهم بقايا اليسار، والمستنصرين بالرأسمالية و الناتو، أصروا على دوغمائية لا نظير لها. فمهما جادلتهم أو آتيتهم من بينات عقدية وشرعية وحتى موضوعية وواقعية إلا أنهم يأبون مجرد الاستماع إلا وأصابعهم في آذانهم. وكأن الله، عز وجل، قد ختم على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، حتى باتوا لا يبصرون هدى، ولا يسمعون حقا، ولا يفقهون قولا، ولا يعقلون أمرا، ولا يهتدون سبيلا. ويبدو أن بعض القوى الإسلامية التاريخية، بما فيها الفلسطينية، ستحسم موقفها، وستتحمل وزر خطاياها المدمرة، وستعلن رسميا، وعلى الملأ، سحب الغطاء عن الصفوية الجديدة وكل أدواتها، وتجريدها من غطاء المقاومة والممانعة. لكن فقط؛ بعد أن تطويها الأحداث، وتبيت في طي السجلات في الكتب، مجرد قوى بلهاء، إنْ لم تُرمى بالعمالة والخيانة!!! لذا لن يكون عجيبا أن يكون هضم العرب أسهل من غيرهم عند الإيرانيين[218].

« الهضم»! هو ما ينتظر كل العالم الإسلامي من إيران، التي بات رموز النظام الدولي، خاصة الأمريكيين والروس، يتنافسون على التحالف معها. ومن سخرية الأقدار أنه في الوقت الذي غدا فيه الإيرانيون يفاضلون في التحالف بين الغرب والشرق، نجد من نخب المسلمين من يتحالف حتى مع الشياطين، في مصر والعراق وسوريا واليمن وليبيا، وربما غدا في تونس وغيرها، لقتل أنفسهم! يحدث هذا بينما « المربط الصفوي» يتجذر، ويتمدد كالسرطان في جسد الأمة، مفجرا الصراعات الدموية في عديد الدول القريبة والبعيدة، ومخلفا دمارا هائلا، وحائزا على كل الدعم والحماية الدولية.

وكالماضي وبأسوأ منه حالا؛ عادت « الإمامية» محملة بتراكمات التاريخ الفارسي المجوسي والعقدي والسياسي والأخلاقي المشين، لمن يزعم أنه يعتقد بحب « آل البيت» فلم يعد ثمة خلافات كبيرة بين فرق « الإمامية» كما كانت في التاريخ. وبات الشيعة وكل قوى الرفض أقرب إلى الالتئام، من أي وقت مضى، تحت سقف « ولاية الفقيه»!!! الغارقة بالتحالفات الغادرة مع النظام الدولي واليهودية العالمية، ماضيا وحاضرا، والمحملة بشتى أدوات القوة الأمنية والعسكرية والإعلامية، لتستحوذ، عبر نيابة « الإمام الغائب»، على مشروعية تمثيل قوى الرافضة في شتى أنحاء العالم. وتشرع ببث تحريفاتها وأساطيرها وخزعبلاتها وشعوذاتها ودجلها عبر عشرات القنوات الفضائية، ووسط تعظيم لا نكران فيه لكفر أو شرك، بقدر ما ينتهي بشهادة زور جماعية عاتية: « اللهم صل على محمد وآل محمد»! حتى لو كان التعظيم والثناء يتعلق بالتطاول نصا على الله عز وجل، أو طعنا بالرسول وبأمهات المؤمنين، أو سبا ولعنا للصحابة الكرام ودعوة للتبرؤ منهم، أو تكفيرا للمسلمين، أو تحريفا في الدين، أو إشاعة لإباحية وفواحش « المزدكية» و « المانوية» و « الحشاشين» و « القرامطة» ورداحي « البويهية» و « العبيديين»، أو ارتكابا لجرائم وحشية بحق الأبرياء، أو تهجيرا لعباد الله وتجويعا للأطفال، وحصارا للمدن، وتدميرا لها وللمساجد والقرى، وتهديدات بالغزو والتدخلات المسلحة، أو تداولا للسخافات وأساطير الجنون المستهدفة لدهماء الشيعة في الحسينيات وعلى منابر الفضائيات.

كالماضي يدفع الإسلام والمسلمون ثمن الحقد المجوسي، وعقدة النقص الحضارية لدى الفرس، حيث لا لغة تنتج أو توثق، ولا ثقافة، ولا بحر، ولا آثار، ولا خيرات، مما جعل فرس المجوس أقرب إلى التوحش من الاستئناس، وذووا قيم أقرب إلى قيم الهمج والرعاع من أية قيم أخرى، وهو الأمر الذي يفسر توحشهم ماضيا وحاضرا، حيث لا وجود لأية مرجعية أخلاقية أو رصيد معرفي إنساني، يهذب سلوكهم، ويوجه اختياراتهم العقدية والإنسانية والسياسية إلا الغزو والتوسع، والتبجح بميراث غير موجود أصلا. ولما تفتقد أمة إلى هذا الرصيد، فمن الطبيعي أن تلجأ إلى قيم الغدر والخيانة والحيلة والمكر والدهاء، وهو ما تجيده فارس فعلا، وما دأبت عليه قبل الإسلام وبعده، وما تعتبره من مفاخرها!

كالماضي أيضا تتوجه إيران المجوسية، وكالعادة، نحو الداخل الإسلامي، كما فعلت « الإمامية» وفرقها من قبل. ومع بيان صريح في الخطاب العقدي والسياسي الذي نجد مخرجاته في وقائع الهيمنة والتوسع في العالم الإسلامي، وفي تماثل تام بين ما يزعمه أنصار « ثورة ولاية الفقيه» من أن الله عز وجل « يريدها شيعية المنطلق .. إسلامية الصيغة .. عالمية الأهداف»، وما سبق وزعمه جدهم إسماعيل شاه الصفوي، حين وصف دولته بأنها « شيعية الإطار .. صوفية المذهب»! وغني عن البيان أن التاريخ يعيد نفسه، موضوعيا ومنهجيا، بذات المحتوى.

ما يجري هو توضيع لـ « مربط فارسي» على غرار « المربط اليهودي»، وليس فتنة طائفية. ولا شك أن شواهد التاريخ ومدوناته أولى بالتوصيف، وأبلغ بالبيان والفهم. فلم يكن الصراع مع « الإمامية» في بعثها الفارسي المستمر، ليمر عبر مصطلح « الفتنة بين طائفتين»! فهذا لم يثبت في كافة المصنفات التاريخية. ولم يسبق أن وصَّف المؤرخون المسلمون أمة الإسلام بأنها طائفة. كما أنهم لم يوصِّفوا قط الصراع مع دول وجماعات الرافضة كذلك. أما فتنة « الخوارج» والصراع على السلطة، فتلك بنص القرآن الكريم[219] تتعلق بـ « طائفتين من المؤمنين» لا شأن لـ « الرافضة» بها إلا كأوزاغ الفتنة بين المؤمنين، كابن سبأ و « السبئية». بل أن الثابت تاريخيا، في التوصيفات الشائعة بحق « الإمامية» ودولها وجماعاتها، أن المؤرخين والعلماء استعملوا فيها مصطلحات كـ « الشعوبية، الحشوية، السفلة، الفِرَق، الرافضة، الزنادقة، المارقين، أهل البدع .. الباطنية … » إلخ بخلاف توصيفات بعض نخب اليوم، المدعومة بترويج إعلامي دولي، ممن يتحدثون عن وقائع « فتنة» ذات محتوى « طائفي» بين « السنة» و « الشيعة»! وتبعا لذلك يجري توصيف الصراعات الدامية في سوريا واليمن والعراق على أنها صراعات طائفية، رغم أن بعض التوصيفات الغربية، وحتى « اليهودية»، تتحدث صراحة عن صراع سياسي بغلاف طائفي. ومن زاوية أخرى، فحتى « الرافضة» لا يقبلون التوصيف الطائفي. كونهم يعتبرون أنفسهم يمثلون « الإسلام الصحيح»! في حين أنهم طائفة لا تتجاوز 7% من إجمالي المسلمين المقدر عددهم في العالم بنحو 1.7 مليار إنسان.

منذ قرر النظام الدولي التخلي عن الشاه بدأ يعد العدة لبناء « المربط الصفوي»، بذات الخديعة التي بنت فيها بريطانيا « المربط اليهودي» في بيت المقدس، وفرنسا « المربط النصيري». فبعد توقف الحرب مع إيران ( 28/5/1988)، بدأت الموجة الهجومية الثانية على العالم الإسلامي، إثر موجة « سايكس – بيكو». وعن سبق إصرار، استقر الرأي الأمريكي على تدمير العراق، الذي ورطوه بغزو الكويت في 2/8/1991، وهو ما كشفته السفيرة الأمريكية المتجولة، إيلان غلاسبي، خلال جلسة استجواب لها أمام الكونغرس الأمريكي، أثناء الحرب، اتهمت فيه بالكذب وإخفاء المعلومات. فهي التي تم تعيينها، بعد انتهاء الحرب مع إيران، برتبة سفيرة متجولة فوق العادة. وهو ما يعني أن الولايات المتحدة في أقصى حالات الاستنفار السياسي والدبلوماسي. وتبعا لذلك شرعت غلاسبي في زيارة كافة الدول العربية بما فيها العراق. وهناك اشتكى العراقيون خلال الاجتماع  الذي عقد قبل أسبوع من اجتياح الكويت (25/7/1990)، مما اعتبروه تعنتا كويتيا في رد « الحقوق» العراقية فيما يتعلق بإجمالي السياسة النفطية، وبتشغيل الكويت لحقل الرميلة النفطي طوال سنوات الحرب. فما كان من غلاسبي إلا أن اعتبرت الشكوى مشكلة ثنائية. وهو تقييم يعني في المحصلة ضوءً أخضرا للعراق بأن يحل مشكلته مع الكويت بالطريقة التي يراها مناسبة. وهو ما حصل وأدى إلى الوقوع في الفخ. لكن الأمريكيين أخضعوا العراق لحصار خانق لأكثر من عشر سنوات، وأظهروا إصرارا عنيدا على إسقاطه، وهو ما حصل في ربيع العام 2003، لينتهي الأمر بتسليمه إلى إيران.

لا ريب أن النظام الدولي نجح في فرض الهيمنة على العالم الإسلامي، لكنه يبقى عاجزا عن اختراقه من الداخل بذات القدر الذي يمكن أن تفعله فارس المجوسية. فالأمر بكل بساطة أن ملل الكفر الصريحة مكشوفة عقديا بخلاف قوى الرفض، المستوطنة فيه ديمغرافيا، والمجاورة ثقافيا وحضاريا له. وفي المحصلة؛ إذا كان الغرب قد نجح طويلا في الاستثمار بالطائفة « النصيرية»، فإنه، وفق كل المعايير، تبقى إيران « الرافضية» و « الصفوية»، كـ « النصيرية» و « اليهودية»، أنجع وأجدى في الاختراق من « علمانية» الشاه. وقد أثبتت المراهنة الدولية، وواقع الحال خلال الـ 35 سنة الماضية، أن « ولاية الفقيه» نجحت في أطروحاتها الأيديولوجية، ذات المحتوى العقدي، من حيث خسر الشاه.

وبقليل من المقارنة مع أطروحة « النصيرية» وما اضطلعت به من وظائف أمنية دولية، لا يبدو أن إيران بعيدة عنها، إنْ لم تكن في صلب الأطروحة عقديا ودستوريا وسياسيا. ففي كانت بريطانيا مشغولة بزراعة « اليهودية» في بيت المقدس، كانت فرنسا تؤهل « النصيرية» للاستيلاء على سوريا. ولم يكن لهذا التأهيل من هدف إلا احتواء كافة حركات التحرر والتمرد، الإسلامية والوطنية، التي كان من الطبيعي أن تظهر، ردا على تقسيم العالم الإسلامي، وهدم الخلافة، وإقامة الدولة اليهودية. بل أن سوريا « النصيرية» غدت مسؤولة أمنيا عن أية قوى تحررية محلية أو دولية، تتواجد في المنطقة أو تمر عبر سوريا. وهو الأمر الذي جعل من كافة هذه الحركات موضع رقابة دولية أمنية صارمة، بدت مخرجاتها في الفشل الذريع لكل هذه الحركات التي كانت مكشوفة الظهر للنظام الأمني الدولي، وبالاسم، منذ لحظة ولادتها. حدث هذا طوال عشرات العقود تحت مسميات أيديولوجية راديكالية من نوع « سوريا الأحرار» و « سوريا الثورة» و « سوريا الصمود والتصدي» وأخيرا « سوريا المقاومة والممانعة». فهل اختلف « غطاء الولي الفقيه» ومشايخه عن « الغطاء النصيري»؟

لم يختلف أبدا بقدر ما اتخذ من الإسلام غطاء له. وبالتأكيد لم يكن « غطاء الولي الفقيه» مفارقة بقدر ما عكس صعود القوى الإسلامية في المنطقة. بل أن عقيدة « الولي الفقيه» والمراجع الشيعية جرى ترجمتها في الدستور الإيراني الذي يتحدث بالنص في مقدماته عن « تصدير الثورة» و « نصرة المستضعفين» و « حكومة المستضعفين في الأرض» و « المحرومين» و « المضطهدين»، في مقابل « المستكبرين»[220]. بل أن الأمر واقع في صلب « كافة حركات التحرر في العالم»! وبالتالي لم يكن من المصادفات أن « تستثمر» جمهورية « ولاية الفقيه» في التحالف مع القوى الراديكالية « في أية نقطة من العالم»، لاسيما الفلسطينية والعربية منها، ومع النشطاء والمثقفين والقوى السياسية والاجتماعية وأصحاب الأيديولوجيات المناهضة للنظم وأمثالهم. ولا ريب أن هذه التحالفات واقعة قطعا في سياق « الاحتواء والرقابة» التي مارستها « النصيرية» خلال الأربعين سنة الماضية قبل انطلاقة الثورة السورية.

في 10/9/2009، تناقلت المواقع الإلكترونية الإيرانية تصريحات عن رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية  الجنرال حسن فيروز آبادي، خلال مراسم توديع وزير الدفاع الإيراني السابق وتقديم خليفته الجديد بحضور كبار القادة العسكريين، يتحدث فيه عن جزء من « اسثمارات» إيران في الأمن القومي الإيراني. مشيرا إلى أن: « دعم القضية الفلسطينية بالرغم من التكلفة السياسية والدعائية والمالية لا يشكل أمرًا عبثيًا ومكلفًا لنا ولم يفرض علينا؛ بل إنه يعد ضربًا من الاستثمار لتحقيق مصالح (امتيازات) إقليمية ودولية لنا». وأضاف قائلا: « إن دعمنا لحركات التحرر يدخل في صلب حماية الأمن القومي الإيراني ويزيد من قوتنا الإقليمية، وهو في سياق ما ننفقه للحفاظ على أمننا القومي واتساع رقعة قوتنا في المنطقة»[221].

والحقيقة أن « اسثمارات» إيران بلغت مدى أعمق وأوسع مما يصف البعض تحالفاته معها مجرد علاقة مصلحية، فرضتها ظروف قاهرة. ولو وُضعت هذه العلاقة في ميزان الشريعة لقياس مدى المصالح المتحققة والمفاسد المترتبة، وليس في قالب البراغماتية الضيقة، لتوجب التخلي عنها قطعيا. فلنتأمل ما قاله الكاتب « الإسرائيلي»، أمنون لورد، جيدا في مسألة « الاسثمارات» الإيرانية في العدو الذي لم يكن في يوم ما اليهود ولا «إسرائيل»،:

« بعد مرور هذه السنوات على قيام نظام آيات الله الإيراني يمكن فهم لماذا اتخذت إيران من معاداة إسرائيل واليهود منهاجا لها»، ويجيب بالقول: « حتى يوجه كل العداء العربي الإسلامي تجاه عدو واحد وهو إسرائيل واليهود». وهكذا تستثمر إيران في الأيديولوجيا على المستوى العربي برمته. لذا، وبحسب لورد، فإن « بعض اليهود الإيرانيين المقيمين في الولايات المتحدة» يعتبرون أن « الإيرانيين والإسرائيليين أصدقاء»، وتبعا لذلك يطرح الكاتب سؤالا لطالما اعتبر « من قبيل الهراء» بالنسبة لليهود، لكنه أثار التباسا وحتى استنكارا، قبل انطلاقة الثورة السورية سنة 2011، لدى الكثير من المسلمين وأنصار إيران و « حزب الله» عن وجود تحالفات بين إيران و « إسرائيل». أما السؤال فيقول: « لماذا تُشعل إيران الحروب ضد إسرائيل في الجبهة الشمالية داخل لبنان من خلال حزب الله، وفي الجنوب داخل غزة من خلال حماس؟»، وردا على ذلك يقول الكاتب: « إجابة هذا السؤال ذكرها الرئيس الأميركي باراك أوباما مفسرا ما تقوم به القيادة الإيرانية تجاه إسرائيل بأنها لـ أغراض داخلية»[222]!

    مع وفرة الشواهد والوقائع والأدلة والبينات، بما فيها شهادات أبو الحسن بني صدر[223]، أول رئيس جمهورية في « ولاية الفقيه» فرّ منها، على هوية العدو لدى إيران، وكذا الدور الوظيفي الذي تلعبه.. ومع أن كل المقترحات التي قدمها الإيرانيون لتطبيع العلاقة مع الولايات المتحدة و « إسرائيل» تضمنت بنودا صريحة تتعلق بـ « مكافحة الإرهاب» أو احتواء حتى « حزب الله» وتحويله إلى يافطة سياسية .. ومع كل التوسع والجرائم التي تنفذها إيران عبر جيشها وحرسها الثوري، فضلا عن أدواتها وطابورها الخامس في العديد من الدول العربية .. ومع اعترافهم الصريح بأنهم تحولوا إلى إمبراطورية عاصمتها بغداد، وإعلانهم بأنهم « فقط» يستثمرون في الأمن القومي الإيراني … ومع أنهم يهددون حتى بغزو بلاد الحرمين وتهديد مكة المكرمة[224]، كما فعل من قبلهم الأمريكيون[225] … مع كل هذا وذاك، لا زالت بعض النخب والدول تقدم الغطاء التام والشرعية لإيران، وتهيئ دولها ومجتمعاتها لاختراقات مدمرة!!! في حين أن النظام الدولي لم يعط إيران ما تشاء. فلم يحقق التدخل الروسي في سوريا (30/9/2015) من أهدافه، أهم من فرض معاهدات بغطاء من الرئيس السوري بشار الأسد، مكنتهم من الحصول على تواجد عسكري بلا أمد، ومحاصرة لـ « المربط الصفوي» في حدود وظيفية، بخلاف ما تأمل إيران.

وفي السياق كانت قراءات الكاتبين، آري هيزتين وفيرا ميتلين شابير، في مجلة « ذي ناشونال إنترست – 6/4/2016»[226]، الأميركية ملفتة للنظر فيما يتعلق بواقع ومستقبل العلاقة بين روسيا وإيران. ففي مقالتهما المشتركة لاحظ الكاتبان أن « هناك اختلافات في المصالح بين روسيا وإيران في العديد من القضايا المشتركة بين الطرفين». وأن « فكرة التحالف الروسي الإيراني مبنية على مصالح رئيسية مشتركة أبرزها الحد من هيمنة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط في فترة ما بعد الحرب الباردة». لكن بالنسبة لروسيا فإن « إيران هي مجرد أداة في هذا التكتيك». إذ « رغم الحملات العسكرية الروسية والإيرانية في سوريا والتي تجري بالنيابة عن نظام الأسد، فإن لدى البلدين أهدافا مختلفة. أما الاختلاف فيقع في مستوى حدود الطموح لدى الجانبين: « فروسيا مهتمة بمنع سقوط نظام الأسد، وبالحفاظ على دولة عميلة في المنطقة، وأما إيران فمهتمة بأن تبسط نفوذها الكامل على سوريا».

    إنْ كان في العمر بقية .. فبالتأكيد سيكون، بعون الله، للحديث بقية …

الوثائق والمصادر والمراجع

أولا: القرآن الكريم

ثانيا: الحديث النبوي الشريف

ثالثا: وثائق مرئية ونصية

  • الشيخ أبو المنتصر البلوشي: « لا إله إلا الزهراء – 7/10/2010»، قناة « وصال»، موقع يوتيوب: http://cutt.us/SjBh.

  • « أحمد الزند: نحن هنا على أرض هذا الوطن أسياد، وغيرنا هم العبيد»، مداخلة هاتفية مع الإعلامي، توفيق عكاشة، « قناة الفراعين – 12/1/2014»، على الشبكة: http://cutt.us/8HzUu

  • « أحمد الزند يسيء للنبي»، 11/3/2016، قناة « صدى البلد» المصرية، موقع « يوتيوب»:  http://cutt.us/mvEbL

  • « اعتراف أحمدي نجاد»، 30/11/2011، على الشبكة، موقع « يوتيوب»: http://cutt.us/XaQ4F.

  • « أوباما: إيران يمكن أن تصبح قوة إقليمية ناجحة جدا إذا تصالحت مع العالم»، 29/12/2014، قناة « الحرة»، على الشبكة: http://cutt.us/FvGG

  • « بني صدر والخميني: قصة الثورة و”خيانة الأمل»، 17/5/2012، موقع قناة «RT» الروسية، على الشبكة: http://cutt.us/aNgdzK ، وعلى موقع « يوتيوب»: http://cutt.us/lKLQc

  • بوربيرار (مؤرخ إيراني)، شريط وثائقي من أربع حلقات بعنوان: « ترجمة الفلم الوثائقي لفضح الحضارة الفارسية المزيّفة»، قناة « حركة النضال العربي لتحرير الأحواز»، على موقع « يوتيوب»: http://cutt.us/kkSzc

  • تقرير قناة « أخبار الآن»، على موقع « يوتيوب» بتاريخ 12/6/2009: http://cutt.us/Ev1C

  • حسن رحيم (مستشار خامنئي للتعبئة والإرشاد)، فيديو خاص بموقع « جنوبية»، 7/3/2016، على الشبكة: http://cutt.us/wqgk، وعلى موقع « يوتيوب»: http://cutt.us/gp3R

  • « روح الله»، برنامج من عشر حلقات يتحدث عن الخميني من ولادته حتى وفاته، أيلول / 2012، الحلقة الأولى، قناة « المنار» الفضائية، على موقع « يوتيوب»: http://cutt.us/aOMB.

  • د. عبدالله النفيسي، « بداية التشيع في إيران»، قناة « العربية»، 2011، على الشبكة: http://cutt.us/kkom

  • « الشيعة يقولون الفتوحات الإسلامية ظالمة»، 6/10/2009، على الشبكة، موقع « اليوتيوب»: http://cutt.us/aRejv

  • « الشيعي اللبناني فايز شكر إذا هُـدد بشار سندمر مكة على رؤوس ساكنيها»، 13/8/2013، قناة «OTV» اللبنانية، موقع « يوتيوب»، على الشبكة: http://cutt.us/hupyj

  • « فاطمة من حريم الله»!، المعمم رضوان الدرويش، موقع « يوتيوب»: http://cutt.us/ogglH

  • « فورين بوليسي: شراكة واشنطن مع طهران تمتد الآن إلى اليمن»، 13/2/2015، قناة « الحرة» الأمريكية، على الشبكة: http://cutt.us/7ZK9

  • « المعمم الرافضي حسين المطوع / الأئمة هم الله والله هو الأئمة»، http://cutt.us/KFSXQ

  • « معمم شيعي يقول أن فاطمة الزهراء إله – 23/11/2011 »، قناة « وصال»، موقع « يوتيوب»: http://cutt.us/Ut2ZE

  • الدستور الإيراني

  • د. عبدالرحيم البلوشي ( أبو المنتصر)، « الخطة السرية الخمسينية لآيات الله»، منشورات « رابطة أهل السنة في إيران»، لندن، 20/9/2010، وكاتبها وصاحبها هو عالم الفيزياء، د. محمد جواد لاريجاني. وهو من قدمها لمرشد الثورة علي خامنئي ووافق عليها. وبحسب د. عبدالله النفيسي فإن لاريجاني نفسه هو من كشفها، وقام المرشد، في حينه، بمعاقبته عبر إبعاده عن ملفات التفاوض وحتى سجنه بسبب ثرثرته.

  • « وصيةالإمام الخميني»، على الموقع الفارسي: http://cutt.us/8BdBO

رابعا: الموسوعات والقواميس

  • « أخمينيون»، موقع «ويكيبيديا»، على الشبكة: http://cutt.us/oeoy6. وفي النص ثمة شهادة للمؤرخ الإيراني پورپيرار يتحدث فيها عن دور« إسرائيل في إعلاء شأن الحضارة الإيرانية الساطعة قبل الإسلام لتعميقالهوة بين الإيرانيين والعرب.

  • « قاموس التوراة»، منشورات « سكريبنر»، نيويورك، 1909. A Dictionary of the Bible; Charled Scribner’s Sons; New York; 1909.

  • « موسوعة الفرق». موقع « الدرر السنية»، على الشبكة: http://www.dorar.net/enc/firq/1843

  • « لغة فارسية»، موقع « ويكيبيديا»، على الشبكة: http://cutt.us/a7ua1

  • موقع « المعرفة» على الشبكة: http://cutt.us/JJD7z

  • « الموسوعة العربية العالمية»، http://cutt.us/lvIF

  • « ويكيبيديا الإخوان المسلمين»، شخصية « عصام الراوي». على الشبكة: http://cutt.us/bxpga

خامسا: المصادر والمصنفات الإسلامية والشيعية

ما ثبت منها في المتون أُحيلت إلى مصادرها في ذات الموضع. وأغلبها متواجدة على الشبكة. وما لم يثبت مباشرة في المتون تم توثيقه.

سادسا: كتب

 

  • « التوراة تاريخها وغاياتها»، المؤلف أميركي الجنسية، ولم يرد اسمه في الكتاب، ترجمة وتعليق سهيل ديب، دار النفائس، بيروت – لبنان.

  • أديب صعب، « الأديان الحية: نشوؤها وتطورها»، بيروت – لبنان، دار النهار للنشر، ط3 / 2005.

  • إحسان إلهي ظهير ( رئيس تحرير مجلة ترجمان الحديث لاهور باكستان)، « الشيعة والتشيع: فرق وتاريخ»، دار ترجمان السنة، ط1.

  • د. آرثر روبن، « اليهود في العصر الحاضر»، دراسة اجتماعية، برلين 1904 = Arthur Rupin: The Jews of the Present: A Socio-Scientific; Berlin 19; Berlin 1904.

  • آرثر كريستنسن: « إيران في عهد الساسانيين»، القاهرة– مصر، الهيئة المصريَّة العامَّة للكتاب، ترجمة وتحقيق يحيى الخشَّاب وعبد الوهَّاب عزَّام، ط1/ 1988م.

  • إسرائيل شاحاك، « الديانة اليهودية وتاريخ اليهود: وطأة 3000 عام»، ترجمة رضى سلمان، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت لبنان، ط4/ 1997.

  • أندريه بارو: « بلاد آشور»، بغداد – العراق، دار الرشيد للنشر، ترجمة وتحقيق: سليم التكريتي، 2011.

  • « تاريخ الشاه إسماعيل»، بالفارسي، طبع مركز تحقيقات فارس، إيران- وباكستان، إسلام آباد، عالم آراء صفوي.

  • تريتا بارزي، التحالف الغادر: حلف المصالح المشتركة: التعاملات السرية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة»، ترجمة أمين الأيوبي، الدار العربية للعلوم، بيروت – لبنان، ط1 – 2008، البريد الإلكتروني asp@asp.com.lb.

  • جفري بارندر، « المعتقدات الدينية لدى الشعوب»، الكويت، عالم المعرفة، عدد 173، سلسلة كتب ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ترجمة د. إمام عبدالفتاح إمام، ط1/ 1993.

  • د. زكريا بيومي سليمان، « قراءة جديدة في تاريخ العثمانيين: التحالف الصليبي الماسوني الاستعماري وضرب الاتجاه الإسلامي»، جدة – المملكة العربية السعودية، عالم المعرفة، ط1/ 1991.

  • زهرة جمهور علي الشمراني، « التشيع الفارسي وموقفه من المخالفين»، رسالة « ماجستير»، كلية الدعوة وأصول الدين، جامعة أم القرى، المملكة العربية السعودية، 2012.

  • الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير،« تاريخ الطبري»، عمان – الأردن، بيت الأفكار الدولية.

  • ظفر الإسلام خان، « التلمود: تاريخه وتعاليمه»، بيروت – لبنان، دار النفائس، ط2/1971.

  • د. شهلا حائري، « المتعة: الزواج المؤقت – حالة إيران: 1978 – 1982»، بيروت – لبنان، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، ط7/ 1996، ترجمة فادي حمود. والكتاب رسالة دكتوراه في الأنثروبولوجيا من جامعة كالفورنيا في لوس أنجيلوس.

  • الشهرستاني، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم، « الملل والنحل»، بيروت – لبنان، دار الكتب العلمية، ط2.

  • عبد العزيز بن صالح المحمود: « عودة الصفويين»، 1 محرم 1428.

  • د. عبدالله محمد الغريب: « وجاء دور المجوس: الأبعاد التاريخية والعقائدية والسياسية للثورة الإيرانية»، نسخة إلكترونية، ص32، « شبكة الدفاع عن السنة»، على الشبكة: http://cutt.us/yAgR. والكتاب للشيخ أحمد بن سرور زين العابدين، والاسم أعلاه مستعار.

  • د. علي شريعتي، « التشيع العلوي والتشيع الصفوي»، بيروت – لبنان، دار الأمير، ط1، 2002.

  • د. علي شريعتي، « دين ضد الدين»، دار الأمير، بيروت – لبنان، ط1/ 2003.

  • علي الكاش، « اغتيال العقل الشيعي: دراسات في الفكر الشعوبي»، منشورات E – ktub، لندن – المملكة المتحدة، ط1.

  • د. علي الوردي، « لمحات من تاريخ العراق»، بغداد – العراق، دار الراشد.

  • غوستاف لوبون: « حضارة العرب»، القاهرة – جمهورية مصر العربية، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، البريد الإلكترونيhindawi@hindawi.org ، ترجمة عادل زعيتر، 2012.

  • فهمي هويدي، « إيران من الداخل»، ط4، 1991، القاهرة، مركز الأهرام للترجمة والنشر.

  • د. كامل الشيبي، « الصلة بين التصوف والتشيع»، بيروت – لبنان، دار الأندلس، ط2، 1982.

  • د. ماجد عبدالله الشمس، « الحضارة العربية وأثرها في إيران واليونان»، منشورات دار علاء الدين، دمشق – سوريا، ط1/2011.

  • محمد البنداري، « التشيع بين مفهوم الأئمة والمفهوم الفارسي»، دار عمار، ص62. الكتاب صدر باسم مستعار. وهو للدكتور العراقي بشار عواد معروف. هذا ما كشف عنه في حوار معه على موقع « الجلفة» الجزائري، 10/7/2013. على الشبكة: http://cutt.us/V3ff8

  • « مذكرات أرييل شارون»، ترجمة أنطوان عبيد، مكتبة بيـسان، بيروت– لبنان، الطبعة الأولى سنة 1412هـ/1992م. وديفيد ليفي، لصحيفة « هآرتس – 1/6/1997» اليهودية، وكذا الصحفي اليهودي، أوري شمحوني، في صحيفة « معاريف23 /9/1997» اليهودية.

  • د. موسى الحسيني، « الثورة البائسة»، 1983، طبعة لوس أنحلوس، الولايات المتحدة الأمريكية.

  • د. ناصر القفاري، « أصول مذهب الشيعة الإمامية الاثنى عشرية: عرض ونقد»، المجلد الأول – ط1، 1993.

 

سابعا: أبحاث ومقالات

 

  • أبو عبدالرحمن ( نصراني أسلم): « كيف اخترع – بولس – المسيحية ، وهدم النصرانية؟»، 27/5/2008، موقع « من خير أمة إلى كل نصراني عاقل»، على الشبكة: http://cutt.us/DH9qW.

  • آري هيزتين وفيرا ميتلين شابير: « التحالف الروسي الإيراني ضعيف وتشوبه خلافات»، 6/4/2016، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/fgcum

  • د. أكرم حجازي، « تركيا: أسئلة التاريخ والمصير»، ورقة قدمت إلى مؤتمر العلاقات العربية التركية، 11/1/2011، منتدى المفكرين المسلمين – الكويت.

  • بدر الدين كاشف الغطاء: « الإمبريالية الفارسية – ولاية الفقيه تعرض على أميركا تقاسم مناطق النفوذ في الشرق الأوسط»، 3/11/2013، موقع « وجهات نظر»، على الشبكة: http://cutt.us/mgi83.

  • بلال الهاشمي: « الخميني أصله هندي وهذا هو البرهان»!!، 9/9/2011. موقع الكاتب على الشبكة: http://cutt.us/QtbRs

  • « التحالف اليهودي الفارسي منذ قدم التاريخ»، على موقع « إسلام ويب»: http://cutt.us/BOH6

  • طارق محمد الشافعي، « بولس وأثره في النصرانية»، على الشبكة: http://cutt.us/u0R4

  • ستانلي ويس، « إنترناشيونال هيرالد تريبيون»، 10 يوليو2012، http://cutt.us/czwji   

  • سليم مطر: « المانوية البابلية .. أساس التصوف العراقي»، على الشبكة: http://cutt.us/sFWUh

  • « شبهة من نصراني»: منتدى « التوحيد»، 16/8/2010، على الشبكة: http://cutt.us/aaMm0

  • شريف عبد العزيز: « دماء على أستار الكعبة من أبي طاهر القرمطي حتى الخوميني الرافضي»، 23/12/2006، موقع « مفكرة الإسلام»، على الشبكة: http://cutt.us/Qd7g

  • شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (المتوفى: 748هـ)، سير أعلام النبلاء، 18 جزء، دار الحديث- جمهورية مصر العربية – القاهرة، طبعة 1427هـ – 2006م.

  • عبدالله الضحيك: « إيران عدو لا ينتهي»، موقع « الكادر»، على الشبكة: http://cutt.us/mhew3.

  • عبد الله الضحيك، « التلمود البابلي الصناعة الفارسية اليهودية»، موقع « الكادر»: http://cutt.us/3pa0E

  • عبدالله الضحيك: « حمراء الكوفة»، على موقع « الكادر» في الشبكة: http://cutt.us/Q2po.

  • عبدالله الضحيك: « عراقية كتاب كليلة ودمنة»، 24/3/2016، موقع القادسية، على الشبكة: http://cutt.us/prRb3.

  • عبدالله الضحيك: « الفُرس بين البربرية والحضارة»، موقع « الكادر»، على الشبكة: http://cutt.us/SRhDD.

  • عبد الله الضحيك: « لوثة كسرى وسفر عزرا: جريمة تحريف التوراة علي يد الفرس واليهود»، 13/2/2015، موقع « القادسية»، على الشبكة: http://cutt.us/YsdK

  • عبدالله الضحيك: « قصيدة لقيط بن يعمر الإيادي- التاريخ يعيد نفسه‏»، موقع «الكادر»، على الشبكة: http://cutt.us/oOVf

  • عبدالله الضحيك: « مقارنة بين الحالة الثقافية للإمبراطورية الفارسية والعصر العربي الجاهلي»، موقع « المؤسسة الأحوازية للثقافة والإعلام»، على الشبكة: http://cutt.us/lsfkR

  • د. عصام الراوي: « نوازع القومية وأسس العقيدة»، صحيفة « البصائر»، عدد (13) الأربعاء 4 رمضان 1424هـ الموافق 29 تشرين الأول 2003م، على الشبكة: http://cutt.us/lT0OJ

  • فيدور ديستوفيكي: « المسألة اليهودية»، ترجمة حسن سامي اليوسف. وبحسب المترجم فقد نشرت المقالة أول مرة في مجلة « يوميات كاتب – آذار 1877»، وهي مجلة الكاتب نفسه. وهي موجودة في مجلد « يوميات كاتب» من مجموعة الأعمال الكاملة، المطبوعة في بطرس بورغ سنة 1866، والصادرة عن « دار آس سوفورين للطباعة والنشر»، بعد وفاته بخمس سنوات. على الشبكة: http://cutt.us/5Wed

  • أ. د محمد أمحزون: « الدولة الصفوية في إيران .. التاريخ والمنهاج»، مجلة « البيان»، 27/6/2013. نقلا عن: ] محمد بديع جمعة: « شاه عباس الكبير»، ص 107، ( مصدره: نصر الله فلسفي: « زندكاني شاه عباس أول،» ج 4، ص 15) [. على الشبكة: http://www.albayan.co.uk/Article2.aspx?id=2983

  • محمد السلمي: « إيران بين أزمة الهوية وأزمة التاريخ والعرب»، صحيفة « الوطن» السعودية، 5/2/2016. على الشبكة: http://cutt.us/mbIP

  • مصباح يزدي: « ولاية الفقيه المطلقة في كلام الامام الخميني»، موقع « الشيخ مصباح يزدي»، على الشبكة: http://cutt.us/ukYUO

  • منال لطفي: « الخميني.. الهندي»، صحيفة « الشرق الأوسط»، لندن، الأربعاء 15 صفـر 1430 هـ 11/2/2009، العدد 11033. أرشيف الصحيفة على الشبكة: http://cutt.us/3BkH

  • د. هلكوت حكيم: « الشاه عباس الكبير. مؤسس إيران الحديث بين أسطورته وحقيقته»، صحيفة « الحياة» اللندنية، 8/2/1999. قراءة في كتاب « شاه عباس، إمبراطور فارس»، الصادر عن دار « بيرن»، للكاتب الإيراني، هوشنك نهاوندي، الوزير السابق في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، بالاشتراك مع الباحث الفرنسي إيف بوماتي. موقع الصحيفة: http://cutt.us/beFl

ثامنا: مقالات بلغات أجنبية

  • Alan Peters: «The Clerics Lash Back as Iranians Question Their Legitimacy»، ١٧‏/٣‏/٢٠٠٤، موقع « freerepublic»، على الشبكة: http://cutt.us/ckZf. كما نشرت أيضا بعنوان: « Root of Islamist Fascism»، على موقع « indymedia»، 3/5/2004، على الشبكة: http://cutt.us/9S1tB. كما نشرت بعنوان المقالة الأصلية: «Who is the Ayatollah Khomeini? »، على الرابط: http://cutt.us/6VVuS. ووردت بلغتها الأم (الإسبانية)، مؤرخة في 20/8/2011، في صيغة مشاركة في منتدى وموقع « Burbuja»، الذي كان أول من نشرها، على الرابط: http://cutt.us/6CDSe. وحيثما نشرت المقالة كان ثمة ملاحظة في آخرها تقول بأن: Alan Peters هو اسم مستعار لمراسل قضى سنوات عديدة في إيران يعمل في قضايا الأمن والاستخبارات. وكذلك « الخميني كان عميلا للغربKhomeini was an agent for the West»، وهي منشورة على الرابط: http://cutt.us/JbXmW، ويشير الموقع إلى مصدرها على الرابط التالي: Source: realitymediapk.com/khomainiexposed/. لكنه معطل.

  • Ahreema, Pictorial History of Iranian Flags, Iran Politics Club, March 17, 2012, Chapter 10: Interim Government & Islamic Republic of Iran’s (IRI) Flags. / على الشبكة: http://cutt.us/q5wfk

  • Charles Krauthammer: « حلم أوباما في الشرق الأوسط تحقق: إيران قوة إقليمية ناجحة جدا = Obama’s Nixon doctrine: anointing Iran»، 23/4/2015، صحيفة « واشنطن بوست» الأمريكية، على الشبكة: http://cutt.us/QPLPx

  • Chris Patten (رئيس جامعة أوكسفورد): « نصر متأخر لمنع الانتشار النووي»، 2015/7/22، موقع « بروجيكت سينديكيت»:  http://cutt.us/RDjY

  • Daniel W. Brown : «A New Introduction to Islam, 17 Oct 2003, page 191»، على الشبكة: . http://cutt.us/Z7uK5

  • Gareth Evans (وزير خارجية أستراليا سابقا): « الصفقة الإيرانية التي تأخرت عشر سنوات»، 2015/7/23، « بروجيكت سينديكيت»: http://cutt.us/xFJa2.

  • Dov Zakheim : « إدارة أوباما والقراءة الخاطئة للشرق الأوسط»، 23/3/2015، مجلة « فورين بوليسي» الأمريكية، على الشبكة: http://cutt.us/2lOR

  • James Stavridis: « عودة الإمبراطورية الفارسية: لماذا على الغرب أن يقلق من طموحات طهران الإقليمية؟ = What to Do About an Imperial Iran»، 30/6/2015، موقع مجلة « فورين بوليسي»، على الشبكة: http://cutt.us/cGx4C

  • Jürgen Todenhöfer في صحيفة « berliner-zeitung» الألمانية (6/10/2013): http://cutt.us/1RVyd، بعنوان: «Atomstreit Israel IranNetanjahu oder Ruhani: Wer ist glaubwürdiger? »

  • Manuel Harazem (كاتب إسباني): « الحقيقة الضائعة: الخميني هو ابن الجندي البريطاني William Richard Williamson»، ترجمة موقع « العراق تايمز»، المصدر الأصلي: مدريد –  « العرب الآن»، 22 فبراير 2013، على رابط معطل: http://alarabalaan.com/news-6167.html#fragment-6167.

  • Shireen Hunter, Iran and the world (Indian University Press,1990), 42.

  • Barry Rubin, ” Iran: The Rise of a Regional Power,” The Middle East Review of International Affairs 10, no.3 (September 2006).

  • « The Shia crescendo« ذروة الصعود الشيعي»، 28/3/2015، مجلة « الإكونومست»، على الشبكة: http://cutt.us/T0vfM

  • مقالة بعنوان: «What is Persian? »، جامعة ميريلاند – الولايات المتحدة الأمريكية، مركز الدراسات الفارسية، على الشبكة: http://cutt.us/jjUdU

 

تاسعا: تصريحات ومقالات يومية

 

  • « أبطحي: لولا إيران لما سقطت كابول وبغداد»، 13/1/2004، موقع « إسلام أون لاين»، على الشبكة: http://cutt.us/obnM4. ورابط « موسوعة الرشيد»، على الشبكة: http://cutt.us/Q3UOf

  • « الأردن وإيران تدعوان لتعاون إقليمي ضد الإرهاب»، 8/3/2015، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/4NpYE

 الحوثي: طموحاتنا لا حدود لها والخيارات مفتوحة، 21/1/2015، موقع الجزيرة نت، على الشبكة:  http://cutt.us/yxwj

  • أمنون لورد « صحيفة إسرائيلية: توافق طهران وتل أبيب ضد سنة إيران»، 27/3/2016، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/KCni

  • « أوباما: ملتزمون بمواجهة أي تهديدات خارجية لدول الخليج»، 15/5/2015، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/yb8v.

  • « أوباما وإيران: لا جديد بخطاب نتنياهو»، 3/3/2015، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/wvDVt

  • « إيران: أصبحنا إمبراطورية عاصمتنا بغداد، 8/3/2015، موقع « العربية نت»، على الشبكة: http://cutt.us/0cTND

  • « إيران تنفي سعيها للهيمنة على المنطقة عبر التمدد الشيعي»، 15/4/2015، موقع «الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/5RcNm

  • « إيران: جيوشنا الشعبية بالعراق وسوريا واليمن أضعاف حجمها بلبنان»، 31/12/2014، موقع « الجزيرة نت»:  http://cutt.us/api3T

  • « إيران: سقوط بشار الأسد يهدد أمن إسرائيل»، 12/10/2014، موقع « العربية نت»، على الشبكة: http://cutt.us/saDh

  • « إيران: عمقنا الاستراتيجي من البحرين لشواطئ المتوسط»، 16/10/2014، موقع « العربية نت»، على الشبكة: http://cutt.us/SfIEu

  • « بعد لغة التهديدات.. “ظريف”: هذه رسالة إيران “ لكل الجيران »، 26/5/2015، موقع « التقرير»، على الشبكة: http://cutt.us/Ag3hn

  • « خامنئي يرى الاحتجاجات في البحرين حقيقية وفي سوريا انحرافاً»، 30/6/2011، موقع « العربية نت»، على الشبكة: http://cutt.us/y1UKW.

  • « خامنئي يشيد بالانتفاضة الاسلامية في العالم العربي»، وكالة « رويترز» للأنباء، 4/2/2011. على الشبكة: http://cutt.us/b3o8M

  • « خامنئي يمتدح الثورات ويتجاهل سوريا»، 17/9/2011، موقع «الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/3sxW6

  • « خامنئي: أنا نائب المهدي المنتظر وطاعتي واجبة على الجميع»، 22/7/2010، موقع « العربية نت» على الشبكة: http://cutt.us/H1Kwb

  • « خامنئي: رفضنا طلبا أميركيا للتعاون ضد تنظيم الدولة»، 15/9/2014، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/spQa

  • « خامنئي: قتالنا بسوريا حرب على الكفر»، في 25/2/2016، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/QwNbq.

  • « خليل زاده: أميركا نسقت مع إيران قبل غزو العراق»، 7/3/2016، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/kL45C

  • « الجربا يزور سوريا ونصر الله يصف معركتها بالمصيرية»، 17/2/2014، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/Mwbz

  • « جلوبال ريسك»: إيران ستكون «القوة العظمى» في الشرق الأوسط عام 2025»، 11/3/2016، موقع « الخليج الجديد»، على الشبكة: http://www.thenewkhalij.net/ar/node/32326

  • « جنرال إيراني: ألفا صاروخ جاهزة لضرب السعودية من أصفهان»، 1/10/2015، موقع « عربي21»، على الشبكة: http://cutt.us/UbvOZ

  • « جنرال إيراني: النظام السوري الخط الأول للمقاومة الإسلامية»، 7/5/2015، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/yb6DH

  • « الجنرال الايراني: ليس من حق العراق منع الإيرانيين من دخول أراضيه»، 3/12/2015، صفحة « مركز أخبار العراق» على موقع التواصل الاجتماعي « فيسبوك»، على الشبكة: https://t.co/IYbih52qi5

  • « دبلوماسي إيراني: تحركنا بالمنطقة دفاعي وعلاقتنا بالسعودية طيبة»، 5/5/2015، موقع « الجزيرة نت»، برنامج « ما وراء الخبر»، على الشبكة: http://cutt.us/SwULt

  • « رجل دين إيراني: الله هو الذي اختار آية الله خامنئي لقيادة إيران .. قال إنه يعرف شخصاً التقى المهدي المنتظر»، 28/7/2010، موقع « العربية نت» على الشبكة: http://cutt.us/jyjMR

  • « رجل دين إيراني يصف سوريا بالمحافظة الإيرانية الـ35 ( مهدي طائب: سوريا أهم من الأهواز ولو خسرناها سنخسر طهران) »، 15/2/2013، موقع « العربية نت»، على الشبكة: http://cutt.us/pqC3K

  • « رسالة أوباما لخامنئي ومستقبل المنطقة»، 7/11/2014، برنامج « حديث الثورة»، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/PbB7g

  • « رفسنجاني: قواتنا قاتلت طالبان وأنقذت أميركا من المستنقع الأفغاني»، 9/2/2002م، صحيفة « الشرق الأوسط السعودية»، على الشبكة: http://cutt.us/5x3rW.

  • « روحاني: التحالف ضد تنظيم الدولة مثير للسخرية»، 18/9/2014، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/tbJC8

  • سعد محيو: « نتنياهو وإيران – مصير الصهيونية برمته على المحك»، 3/3/2015، موقع « سويس إنفو»، على الشبكة:  http://cutt.us/mueHC

  • « سليماني: إيران حاضرة في لبنان والعراق وستحضر في الأردن»، 25/3/2015، موقع وكالة « هوا الأردن» الإخبارية، على الشبكة: http://cutt.us/yw8j

  • « سفير بشار السابق بعمّان يهدد بإنزال جوي في السعودية»، 15/2/2016، موقع « كل الأردن»، على الشبكة: http://cutt.us/bZRhI.

  • « صحف إسرائيلية: أوباما منح إيران إدارة الشرق الأوسط»، 15/7/2015، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/Eq27N

  • « صحيفة: أوباما يراسل إيران سرا بشأن تنظيم الدولة»، 6/11/2014، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/ZU6p

  • « طهران : دعمنا للقضية الفلسطينية ليس إلا لتحقيق مصالحنا»، 10/9/2009، موقع « مفكرة الإسلام»، على الشبكة: http://cutt.us/ZycA

  • « ظريف: لا مشاكل مع جيراننا في المنطقة»، 27/7/2015، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/6WdqB

  • علي خامنئي، صحيفة « جمهوري إسلامي – 14/6/2004»، نقلا عن: صباح الموسوي: « فكر الشعوبية في مناهج الحوزة الصفوية».

  • « عضو كونجرس يدعو إلى تدمير مكة»، 20/5/2005، موقع «middle-east-online»، على الشبكة: http://cutt.us/YO11Z.

  • « فورين بوليسي: أميركا توفر غطاءً جويا لتطهير عرقي بالعراق»، 30/3/2015، موقع «الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/UyFyP

  • « قائد الحرس الثوري الإيراني: تدخلنا باليمن وسوريا لتوسيع خارطة الهلال الشيعي»، 7/5/2015، موقع « العربية نت»، على الشبكة: http://cutt.us/CER7

  • « قائد الحرس الثوري: الموجة الثانية لثورتنا ستسقط آل سعود»، 28/4/2015، موقع « عربي21»، على الشبكة: http://cutt.us/aj9r

  • « كلينتون: الشرق الأوسط في عاصفة»، 5/2/2011، موقع « الجزيرة نت»: http://cutt.us/aH5h

  • « كولونيل أمريكي يدرس قواته “مادة” تحرضهم على تدمير مكة»، 12/5/2012، موقع صحيفة الوفد « المصرية»، على الشبكة: http://cutt.us/hudE

  • « لاريجاني: الأزمة السورية ليست مسألة شخص»، 7/11/2015، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/1KAZS

  • « لاريجاني من الكويت: الدعم الإيراني للمقاومة في فلسطين ولبنان ليس بغرض الهيمنة»، 10/3/2015، قناة « المنار» الفضائية التابعة لـ « حزب الله»، على الشبكة: http://cutt.us/1L2y

  • محمد أحمدي نجاد – الرئيس الإيراني، (بالفارسية): « حضرت زهرا (س) الگوی همه پیامبران ، ائمه و صالحان است»، موقع وكالة « مهر»: http://cutt.us/N8QT.

  • محمد المذحجي (إمام جمعة طهران): « خامنئي هو حجة الله على الأرض»، صحيفة « القدس العربي»، 26/2/2016، على الشبكة: http://cutt.us/wYC4T

  • « مخلوف: استقرار إسرائيل مرتبط بسوريا»، 10/5/2011، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/cZnc

  • « مستشار خامنئي: نفوذنا يتمدد في المنطقة ككل بما فيها لبنان وفلسطين»، 6/3/2009، صحيفة « القوة الثالثة»، على الشبكة: http://cutt.us/psSK

  • « مستشرق إسرائيلي: المجتمع الدولي يدعم الشيعة»، 28/2/2016، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/xkd7

  • « مسؤول إيراني: حدودنا امتدت إلى صنعاء»، 26/1/2015، موقع «الصحوة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/KlKIY

  • « مسؤول إيراني كبير: لم نتوقع هذا التمدد السريع لنفوذنا»، 15/3/2015، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/Pb65m

  • « مسؤول أميركي: إيران تريد إحياء الإمبراطورية الفارسية»، 13/1/2016، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/9huGF

  • « مقتل 27 عسكريا إيرانيا بسوريا في أربعة أيام»، 6/2/2016، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/rg2qX

  • مهدي خلجي: « الحرب في اليمن تصعد لهجة الخطاب الإيراني المعادي للسعودية»، 18/5/2015، موقع « معهد واشنطن»، على الشبكة: http://cutt.us/tyj81

  • « نتنياهو- دول عديدة بالمنطقة ترانا شريكا»، 15/3/2016، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/5aMd

  • « نجاد: هدفنا نشر « التشيع» ورفع راية « المهدي المنتظر»، 9/9/2009، صحيفة « الوطن»، على الشبكة: http://cutt.us/N167s

  • « نصر الله: تأخرنا في الذهاب إلى سوريا»، 29/3/2014، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/oZYoY

  • « نصر الله: سقوط بشار الأسد يعني سقوط حزب الله»، 5/5/2015، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/cZMuS

  • « نصر الله: طريق القدس يمر بالقلمون والزبداني»، 10/7/2015، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/drDko.

  • « نصر الله: قد نعلن التعبئة العامة على كل الناس»، 23/5/201، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/brNH

  • « وزير الدفاع الإسرائيلي: إيران أخطر من تنظيم الدولة»، 20/1/2016، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/Y60pa

  • « وزير الخارجية الإيرانية: لم نتفاجأ بتطورات المنطقة»، صحيفة « الرياض» السعودية، 19/9/2011، على الشبكة: http://cutt.us/A7By

[1] د. موسى الحسيني، « الثورة البائسة»، 1983، طبعة لوس أنحلوس، الولايات المتحدة الأمريكية، ص 207،125.

[2] بحسب المجلسي فإن: « القائم يهدم المسجد الحرام حتى يرده إلى أساسه والمسجد النبوي إلى أساسه»، ( بحار الأنوار 52/338 والغيبة للطوسي/282). وبالنسبة للعياشي: «عن أبي عبد الله قال: سألت عن المساجد التي لها الفضل فقال:       =

=  المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، قلت: والمسجد الأقصى جعلت فداك؟ قال: ذاك في السماء، إليه أسرى برسول الله عليه وسلم، فقلت: إن الناس يقولون إنه بيت المقدس فقال: مسجد الكوفة أفصل منه»، ( تفسير الصافي3/166). أما ابن بابَوَيه القمي فيقول: « لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد رسول الله ومسجد الكوفة»، ( الخصال/137). ويروي الشيخ المفـيد عن أبي بصير قوله: « قال أبو عبد الله عليه السلام:  إذا قام القائم هدم المسجد الحرام حتّى يردّه إلى أساسه، وحول المقام إلى الموضع الذي كان فـيه، وقطع أيدي بني شيبة وعلقها بالكعبة، وكتب عليها: هؤلاء سرّاق الكعبة»، ( إرشاد 2 /383).

[3] د. ناصر القفاري، « أصول مذهب الشيعة الإمامية الاثنى عشرية: عرض ونقد»، المجلد الأول – ط1، 1993، ص10.

[4] بويع علي رضي الله عنه بالخلافة بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، وكان كارهاً رافضاً البيعة، وما قبلها إلا لإلحاح الصحابة عليه، وفي ذلك يقول رضي الله عنه:

« ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي، وجاءوني للبيعة فقلت: والله إني لأستحي من الله أن أبايع قوماً قتلوا رجلاً قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة، وإني لأستحي من الله أن أبايع وعثمان قتيل على الأرض لم يدفن بعد، فانصرفوا، فلما دفن رجع الناس فسألوني البيعة، فقلت: اللهم إني مشفق مما أقدم عليه، ثم جاءت عزيمة فبايعت، فلقد قالوا: يا أمير المؤمنين، فكأنما صدع قلبين، وقلت: اللهم خذ مني لعثمان حتى ترضى). رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وعندما تمت البيعة لعلي رضي الله عنه، دخل عليه طلحة والزبير ورؤوس الصحابة رضي الله عنهم وطلبوا إقامة الحدود، والأخذ بدم عثمان رضي الله عنه. فاعتذر علي رضي الله عنه عن هذا الأمر مؤقتاً لأن هؤلاء القوم لهم مدد وأعوان، فطلب منه الزبير أن يوليه الكوفة ليأتيه بالجنود، وطلب طلحة البصرة ليأتيه بالمدد، للسيطرة على الخوارج والأعراب وكسر شوكتهم. فقال علي رضي الله عنه مهلاً علي حتى أنظر في الأمر.

وانتظروا، ولم يكن انتظارهم طويلاً، فاجتمعوا ومعهم عدداً من الصحابة رضي الله عنهم بعلي رضي الله عنه، فقالوا: « أن هؤلاء القوم قد اشتركوا في دم الرجل، وأحلوا بأنفسهم. فقال لهم: « يا إخوتاه، أني لست أجهل ما تعلمون، ولكن كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم!؟ ها هم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم، وثابت إليهم أعرابكم، هم خلالكم يسومونكم ما شاؤوا، فهل ترون موضعاً لقدرة على شيء مما تريدون؟ قالوا: لا. قال: « فلا والله لا أرى إلا رأياً ترونه إن شاء الله. أن هذا الأمر أمر جاهلية، وإن لهؤلاء القوم مادة … إن الناس من هذا الأمر إن حُرك أمور: فرقة ترى ما ترون، وفرقة ترى ما لا ترون، وفرقة لا ترى هذا ولا هذا حتى يهدأ الناس وتقع القلوب مواقعها وتؤخذ الحقوق، فاهدؤوا عني وانظروا ماذا يأتيكم ثم عودوا». وقال رضي الله عنه: « أن الأمر الذي وقع لا يدرك إلا بإقامته، وإنها فتنة كالنار، كلما استعرت ازدادت واستنارات» .

[5] بحسب أحاديثهم هم: عمار والمقداد وسلمان، رضي الله عنهم! وبهذا المعنى يكون حتى « آل البيت» مرتدين.

[6] ينقل الباحث العراقي، علي الكاش منها: « الكيسانية، العبيدية، الرافضة، الشيخية، القرتية، البابية ( البابكية ومنها فرقة المحمرة)، التعليمية، الكريمخانية، الخطابية، الزيدية، الدرزية، المخطئة، المستعلية، الحافظية، الجارودية (3  فرق)، البترية، الدكينية، الخلفية، الخشبية، السبعية، المختارية، المرئية، الإسحاقية، الحربية، السبئية، السيابية، الكربية، الواصلية السبعية ( الصاحبية والناصرية). البهرة ( هم ثلاث فرق علوية وداودية وسليمانية)، الكاملية ( الكميلية)، الأبرقية، الممطورة،       =

 =  السميطية، الأفطحية، الواقفية ( الواقفة)، الثلاث عشرية، النفيسية، البزيغية، القرامطة، النصيرية، اليعفورية، الغرابية، الربعية، اليعقوبية، الغمامية، الإسماعيلية، الأزورية، الإثنى عشرية ( الإمامية)، الكشفية، البيانية، الرزامية، السنانية، الصالحية، البثرية، الخرمدينية، التوابين، الكربية، الباقرية، الجناحية، الجعفرية الواقفة، الطالبية، الشميطية، الحلولية، المباركية، الغالية، الكاملية، العلبائية، المغيرية، المنصورية، الشريعية، الطيارية، العجلية، العميرية، الكيالية، النعمانية، اليونسية، النحيلة، القطيعية، الغرابية، المحمدية، الحسينية، الشيخية، الزرارية ( التميمية) الجريرية، اليمانية، الرنودية، الصفرية، الأحمرية، الحصنية، ( الأحمدية)، المهدوية، الحشاشون، القاديانية، الرشتية، العقبية، الركنية، الكوهرية، النوربخشية، الثنوية، الهشامية (4 فرق)، الشيطانية ( شيطان الطاق)، الميمونية، الخابطية، الأغاخانية، المفضلية الموسائية، المفضلية، النزارية ( الصباحية أو الحميرية). والذمية( بفتح المعجمة، سموا كذلك لذمهم النبي محمد)، البدائية ( وهم القائلون بجواز البداء على الله تعالى لعدم علمه بعواقب الأمور». « مختصر اليمانيات المسلولة على الرافضة المخذولة/7»، … إضافة إلى الفرق الجديدة التي استحدثت كالصفوية والشبك والعلى اللهية والأباضية والقزلباشية والبكتاشية وغيرها في الدول العربية وإيران والهند والباكستان والأفغان إلى الفرق المذكورة، والفروع الأخرى التي تشعبت عن القديمة … علي الكاش، « اغتيال العقل الشيعي: دراسات في الفكر الشعوبي»، منشورات E – ktub، لندن – المملكة المتحدة، ط1/ 2015، ص 220.

[7] مصنفات الشيعة الرئيسية هي: (1) « الكافي»، لمحمد يعقوب الكليني، وورد في مقدمته (ص25) أنه عرضه على الإمام الثاني عشر في سردابه في سامراء، فقال الإمام الثاني عشر سلام الله عليه « الكافي كاف لشيعتنا». و (2) « الاستبصار» و (3) « التهذيب»، لأبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، و (4) « من لا يحضره الفقيه»، لأبي جعفر، محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابَوَيه القمي، الملقب بالشيخ الصدوق. وتضمنت المصنفات الأربعة 44244 حديثا. أما بقية المصادر فقد كتبت قبل قرون قليلة لا تتعدى الثلاثة الأخيرة إلا بعقود قليلة، وتصادف تدوينها خلال العهد الصفوي. من أبرزها في القرن الحادي عشر الهجري: (1) « الوافي»، لمحمد بن مرتضى الملقب بالفيض الكاشاني المتوفى سنة 1091هـ، و (2) « بحار الانوار»، لمحمد باقر المجلسي المتوفى سنة 1110هـ، و (3) « وسائل الشيعة»، لمحمد بن الحسن الحر العاملي المتوفى سنة 1104هـ، و (4) « مستدرك وسائل الشيعة»، للمرزا حسين النوري المتوفى سنة 1320هـ. مع الإشارة إلى مؤلف « سليم بن قيس الهلالي»، المتوفي سنة 76هـ، ويعتبره المجلسي  « أصل من أصول الشيعة وأقدم كتاب صنف في الإسلام». لكن الشيعة تبرؤوا منه لكونه يتحدث عن 13 إماما وليس 12. وفيما خلا هذه الجزئية يبقى الكتاب مصنفا  يصعب التخلي عنه بالجملة. نفس المرجع.

* بالتأكيد؛ لم تكن مصادفة أن يكون هذا الاسم للكتاب اختيارا اعتباطيا لدى الخميني. فهو ذات الاسم الذي سبق واختاره أبو يعقوب السجزي لأحد كتبه، وهو أحد كَتَبَة فرقة « القرامطة» ومؤرخيها آنذاك.

[8] إنْ كان ما قاله الجزائري وأمثاله بحق المسلمين من الماضي « المدسوس»، فإن من النماذج الحية والراهنة على تكفير المسلمين، ما نقله الموقع الرسمي لأهل السنة والجماعة عن وكالة « مهر» الإيرانية للأنباء ((29/2/1387 بحسب التقويم الإيراني))، من تصريحات وردت على لسان الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد وهو يقول: « إن فاطمة الزهراء كانت أسوة لجميع الأنبياء والأئمة والصالحين»، وأضاف: « إن الله تعالی مع أسمائه قد تجلّی في صورة فاطمة الزهراء وإنه تعالی يعرّف نفسه إلی العالمين عن طريق فاطمة». وتابع قائلاً: « إن مصير العالم والكون في اختيار فاطمة وهي التي تتصرف في العالم كيف تشاء». وأكد أحمدي نجاد علی أن « العالم لم يتحمل مصيبة مثل مصيبة فاطمة، وأن الأشقياء هم الذين ظلموها، لأنها خلاصة الكون». وأضاف بالقول: « إن الذين ظلموها هم الذين لا يؤمنون بالنبي ولا بالرسالة ولا بالإمامة ولا بالله تعالی، والظلم بالنسبة إلی فاطمة ظلم إلی الله تعالی»! راجع بالفارسية: « حضرت زهرا (س) الگوی همه پیامبران ، ائمه و صالحان است»، موقع وكالة « مهر»: http://cutt.us/N8QT.                                                                     =

=  وكذلك ما نقلته وكالة « الأناضول» التركية للأنباء من تصريحات للمرشد نفسه، علي خامنئي، في كلمة له نقلها الأمين العام لـمجلس صيانة الدستور، أحمد جنتي، في 25/2/2016، بمناسبة تأبين 46 إيرانيا قتلوا في سوريا، حيث وصف القتال الدائر في سوريا بأنه: « حرب الإسلام على الكفر». موقع « الجزيرة نت»: http://cutt.us/QwNbq. الطريف أن ما يقوله الرئيس نجاد بات « ثقافة كفر» فولوكلورية لدى عامة الشيعة. وهذا فيديو بعنوان: « لا إله إلا الزهراء – 7/10/2010، نشره الشيخ أبو المنتصر البلوشي على قناة « وصال»، عن تأليههم لفاطمة الزهراء، رضي الله عنها. على موقع « يوتيوب»: http://cutt.us/SjBh، وفيديو آخر بثته قناة « وصال»، ونشر في 23/11/2011 على موقع « يوتيوب»: http://cutt.us/Ut2ZE بعنوان: « معمم شيعي يقول أن فاطمة الزهراء إله»، وأخرى للمعمم رضوان الدرويش تقول بأن « فاطمة من حريم الله»!، موقع « يوتيوب»: http://cutt.us/ogglH

* هناك من يقول بأنها مدينة طرطوس السورية.

[9] أبو عبدالرحمن: « كيف اخترع –  بولس – المسيحية ، وهدم النصرانية؟»، 27/5/2008، موقع من خير أمة إلى كل نصراني عاقل، على الشبكة: http://cutt.us/DH9qW. من المدهش جدا أن نجد هذا المنطق لدى المفكر الإيراني، د. علي شريعتي!!! الذي اشتهر كإصلاحي حتى لدى الكثير من السنة العرب وغيرهم، رغم شعوبيته الواضحة كما سنرى لاحقا. أما عن مشابهته لبولس في منهج التلون، فيكشف عنه بنفسه حين  تلقى سؤالا من أحد طلبته يستفسر فيه عما بدا شعورا لدى طلابه حول « إعجابه جدا بالدين البوذي»، فأجاب: « نعم فأنا سني المذهب، صوفي المشرب، بوذي ذو نزعة وجودية، شيوعي ذو نزعة   =

=  دينية، مغترب ذو نزعة رجعية، واقعي ذو نزعة خيالية، شيعي ذو نزعة وهابية، وغير ذلك .. اللهم زد وبارك»!!! راجع: د. علي شريعتي، « دين ضد الدين»، دار الأمير، بيروت – لبنان، ط1/ 2003، ص 213.

[10] طارق محمد الشافعي، « بولس وأثره في النصرانية»، على الشبكة: http://cutt.us/u0R4

[11]  ثمة ملاحظات جديرة بالاعتبار في هذا السياق أوردها الباحث العراقي علي الكاش في كتابه « اغتيال العقل الشيعي»، يقول فيها بأن: « المعرفة العالية بتعاليم اليهودية وما تضمنته من أفكار تؤكد بما لا يقبل الشك وجود شخصيات وليس شخصية واحدة من اليهود هي من زودت الإمامية بأفكار اليهود» .. ويلاحظ بأن: « البعض ممن يتعجب من وجود شخص واحد هو ابن سبأ الذي يلعب بالعقيدة الإسلامية بمعزل عن تدخل واعتراض الصحابة وبقية المسلمين، لا يعني مطلقا بأنه كان وحده يلعب في الميدان بل هناك مؤسسة يهودية كبيرة وراءه، وهو واجهتها الأمامية». مرجع سابق، ص 418.

[12]  في رواية ابن حزم الأندلسي يقول ابن سبأ: « لو أتيتموني بدماغه ألف مرة ما صدقنا موته، ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً».

[13] مرجع سابق.

[14] علي الكاش، « اغتيال العقل الشيعي: دراسات في الفكر الشعوبي»، مرجع سابق، ص 455. قد يبدو طريفا أن يتحدث المرجع الشيعي كمال الحيدري، وعلى قناة الكوثر» الشيعية، عن مصادر التراث الشيعي. راجع على موقع «يوتيوب»: كارثة كمال الحيدري يعترف بأن التراث الشيعي أكثره من اليهود والنصارى والمجوس. http://cutt.us/D89Z. لكنها الحقيقة الواقعة. وكمثال على ذلك، نذكر ما جاء في «التلمود» البابلي وهو يخاطب اليهودي: « اعلم أن أقوال الحاخامات أفضل من أقوال الأنبياء وزيادة على ذلك اعتبار أقوال الحاخامات مثل الشريعة لأن أقوالهم هي قول الله الحي، فإذا قال لك الحاخام؛ إن يدك اليمنى هي اليسرى وبالعكس فصدق قوله، ولا تجادله فما بالك إذا قال لك إن اليمنى هي اليمنى واليسرى هي اليسرى». (الكنز المرصود/45). وفي المقابل يقول ابن بابويه في كتاب « الاعتقادات: « الأئمة كالرسل، قولهم قول الله، وأمرهم أمر الله وطاعتهم طاعة الله، ومعصيتهم معصية الله، ولا ينطقون إلا عن الله وعن وحيه». فما الفرق بين القولين؟

[15] مع هذا فقد اتهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه أخذ الإسلام عن مصادر شتى. وبغرض الرد على الشبهات، قام باحث بتصنيفها إلى ثلاثة مصادر، هي: (1) « الأشخاص»، مثل: شعراء العرب الجاهليين كامرؤ القيس وأمية بن الصلت، ودعوة زيد بن عمرو بن نفي، ولبيد بن ربيعة وقس بن ساعدة، وعبد الله بن أبي سرح، والأسقف نسطور، وبلعام بن باعوراء، وسليمان بن يسار، وعداس النصراني، وجبر الخضرمي، وورقة بن نوفل، والراهب بحيرى، وأن سلمان الفارسي كان يمد الرسول       =

=   الرسول بالمعتقدات  الفارسية. وأنه اقتبس أمورًا فيزيائية من أرسطو. ومن (2) « الكتب المقدسة»، مثل: التلمود، والمؤلفات الحاخامية، والمدراش، والكتاب المقدس، الأبوكريفا (الأناجيل غير القانونية)، وكتاب الهاجادا، والأبستاق (الأفيستا)، وكتاب بوندهانيشنيه. ومن (3) « الديانات»، مثل: الزرادشتية، والمانوية والصابئة، والوثنية العربية، والهندوسية، والحنيفية، والهرطقات المسيحية. ومن (4) تراث الأمم والأساطير: كتابات الإغريق وخاصة أبقراط وجالين، والتراث البابلي كملحمة جلجامش، والآداب السريانية، والأساطير الأرمنية، والأساطير اليهودية والطقوس اليهودية، والأساطير الزرادشتية، وحضارة الأرمن. وردت في منتدى « التوحيد» بعنوان: « شبهة من نصراني»، 16/8/2010، على الشبكة: http://cutt.us/aaMm0

[16] جفري بارندر، « المعتقدات الدينية لدى الشعوب»، عالم المعرفة، سلسلة كتب ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني   للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ترجمة د. إمام عبدالفتاح إمام، ط1/، عدد 173، 1993، ص 394، الهامش الرابع.

[17] أديب صعب، « الأديان الحية: نشوؤها وتطورها»، دار النهار للنشر، بيروت – لبنان، ط3 / 2005، ص 12.

* الشائع القول بأن الزرادشتية هي المجوسية. وأن المجوس هم عبدة النار. لكن المجوس يقدسون النار ولا يعبدونها، وهم في الأصل قبيلة تنتمي إلى الميديين الذين سكنوا أواسط آسيا قبل الميلاد، وهم الذين أسسوا، بمعية قبائل الفرس، الإمبراطورية الأخمينية في فارس. والأقوى عالميا في ذلك الوقت.

[18] « الموسوعة العربية العالمية»،   http://cutt.us/lvIF

[19] د. علي شريعتي، « دين ضد الدين» »، مرجع سابق، ، ص 60 – 62.

[20] « الموسوعة العربية العالمية»،   http://cutt.us/lvIF، مصدر سابق. وكذلك موقع « المعرفة» على الشبكة: http://cutt.us/JJD7z

[21] آرثر كريستنسن: « إيران في عهد الساسانيين»، القاهرة – مصر، الهيئة المصريَّة العامَّة للكتاب، ترجمة وتحقيق يحيى الخشَّاب وعبد الوهَّاب عزَّام، ط1/ 1988م، ص 180. وكذلك علي شريعتي الذي يعتبر المانوية مزيجا من عقائد الزردشتيين واليهود والمسيحيين. د. علي شريعتي، « التشيع العلوي والتشيع الصفوي»، بيروت – لبنان، دار الأمير، ط1، 2002، هامش 2 / ص 57.

[22] سليم مطر: « المانوية البابلية .. أساس التصوف العراقي»، على الشبكة: http://cutt.us/sFWUh

[23] آرثر كريستنسن: « إيران في عهد الساسانيين»، مرجع سابق، ص 172.

[24] د. علي شريعتي، « التشيع العلوي والتشيع الصفوي»، مرجع سابق، هامش 2 / ص 57.

[25] آرثر كريستنسن: « إيران في عهد الساسانيين»، مرجع سابق، ص 180.

[26] سليم مطر: « المانوية البابلية .. أساس التصوف العراقي»، مرجع سابق.

[27] الشهرستاني، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم، « الملل والنحل»، بيروت – لبنان، دار الكتب العلمية، ط2، ص 86.

[28] الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير، « تاريخ الطبري»، عمان – الأردن، بيت الأفكار الدولية. ص 88.

[29] د. شهلا حائري، « المتعة: الزواج المؤقت – حالة إيران: 1978 – 1982»، بيروت – لبنان، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، ط7/ 1996، ترجمة فادي حمود، ص 40. والكتاب رسالة دكتوراه في الأنثروبولوجيا من جامعة كالفورنيا في لوس أنجيلوس.

[30] فرقة قالت: « إن الله خلق روح علي رضي الله عنه وأولاده، وفوض العالم إليهم فخلقوا الأرض والسماوات». انظر: د. كامل الشيبي، « الصلة بين التصوف والتشيع»، بيروت – لبنان، دار الأندلس، ط2، 1982، ص156.

[31] د. علي شريعتي، « التشيع العلوي والتشيع الصفوي»، مرجع سابق، ص 208، 211.

[32] سليم مطر: « المانوية البابلية .. أساس التصوف العراقي»، مرجع سابق.

[33] نقلا عن: عبدالله الضحيك: « الفُرس بين البربرية والحضارة»، موقع « الكادر»، على الشبكة: http://cutt.us/SRhDD.

[34] د. علي شريعتي، « دين ضد الدين». مرجع سابق، ص 138. يبدو أن القوم لم يفارقوا منهج الأكاسرة، أو بولس وهو يتحدث عن بني إسرائيل، مخاطبا قومه: « أيها الأخوة لسنا أولاد جارية بل أولاد حرة»، ] غلاطية 31: 4[. فالعرب هم أبناء « الجارية» هاجر، واليهود هم أبناء « الحرة» سارة، أم النبي إسحق. وكلتاهما زوجتا النبي إبراهيم عليهم السلام.

[35] عبدالله الضحيك: « قصيدة لقيط بن يعمر الإيادي- التاريخ يعيد نفسه‏»، موقع «الكادر»، على الشبكة: http://cutt.us/oOVf

[36] لما قام  الصحابي عبدُ الله بن حُذافة السهميّ بنقل، رسالة الرسول، صلى الله عليه وسلم، إلى كسرى، وتلاها عليه، رد كسرى غاضبا، ومزقها، ثم قال: « عَبْدٌ مِنْ رَعِيَّتِي يَكْتُبُ اسْمُهُ قَبْلِي»، وسبَّ النبيّ. فلمَّا بلغه، صلى الله عليه وسلم، فعل كسرى وقوله، دعا عليه قائلا: « مَزَّقَ اللَّهُ مُلْكَهُ». أما نص الرسالة النبوية فقالت: « بسم الله الرحمن الرحيم. مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى كِسْرَى عَظِيمِ فَارِسَ، سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، وَآمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَشَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ وَأَدْعُوكَ بِدُعَاءِ اللَّهِ، فَإِنِّي أَنَا رَسُولُ اللَّهِ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً؛ لأُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ. فَإِنْ تُسْلِمْ تَسْلَمْ، وَإِنْ أَبَيْتَ فَإِنَّ إِثْمَ الْمَجُوسِ عَلَيْكَ».

[37] في الحديث النبوي: إذا هَلَكَ كِسْرَى فلا كِسْرَى بعدَه وإذا هَلَكَ قَيْصَرُ فلا قَيْصَرَ بعدَه والذى نفسى بيدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فى سبيل الله. وله طرق أخرى.

[38]  علي الكاش، « اغتيال العقل الشيعي»، مرجع سابق، ص 53.

[39] عبدالله الضحيك: « إيران عدو لا ينتهي»، موقع « الكادر»، على الشبكة: http://cutt.us/mhew3. وينقل الكاتب عن المؤرخ اليوناني هيرودتس قوله أن: « ولاية بابل كانت تدفع أيام حكم الملك الأخميني دارا أعلى نسبة من الضرائب تقدر بألف وزنة( طالت ) من الفضة». مشيرا إلى أن « الطالنت» الواحد يساوي 30,3 كغم. وهذا يعنى أن ولاية بابل وحدها كانت تدفع سنويا ثلاثين ألف طن و300  كغم من الفضة.

[40] خلال مداخلة هاتفية له مع الإعلامي، توفيق عكاشة، على « قناة الفراعين – 12/1/2014»، استعمل المستشار أحمد الزند، رئيس نادي القضاة، وأحد أركان الانقلاب العسكري في مصر، التعبير الفرعوني أو الفارسي وحتى اليهودي، الاستعلائي تجاه الآخرين، وحتى تجاه شعبه، قائلا: « نحن هنا على أرض هذا الوطن أسياد، وغيرنا هم العبيد»!! وجدير بالذكر أن المستشار الزند عين وزيرا للعدل في 20/5/2015. على الشبكة: http://cutt.us/8HzUu، ثم أقيل في 13/3/2016، بعد أن قال في 11/3/2016، خلال برنامج تليفزيوني، على قناة « صدى البلد» المصرية: « سأسجن أي أحد حتى لو كان النبي عليه الصلاة والسلام. على موقع « يوتيوب»: أحمد الزند يسيء للنبي http://cutt.us/mvEbL

[41]  من ضمن هذه التصريحات ما أورده الموسوي من تصريحات أدلى بها مرشد الثورة، علي خامنئي، لصحيفة « جمهوري إسلامي – 14/6/2004»، أثناء استقباله مجموعة من رجال الدين وعدد من الأكاديميين من أعضاء مؤسسة دائرة المعارف الإيرانية، يقول فيها أن: « الأمة الإيرانية تصلح لِأن تكون على هرم الثقافة العالمية»وفي اليوم التالي أن: « الشعوب الإسلامية مدينة لجهود وأبحاث الإيرانيين في المجالات الثقافية». مرجع سابق: نقلا عن: صباح الموسوي: « فكر الشعوبية في مناهج الحوزة الصفوية».

[42]د. عبدالله محمد الغريب: «وجاء دور المجوس: الأبعاد التاريخية والعقائدية والسياسية للثورة الإيرانية»، نسخة  إلكترونية =

= ص32، « شبكة الدفاع عن السنة»، على الشبكة: http://cutt.us/yAgR. والكتاب للشيخ أحمد بن سرور زين العابدين، والاسم أعلاه مستعار. مع الإشارة إلى أن الزعامة الدينية لقبيلة « ميديا» انتقلت في عصر زراديشت إلى قبيلة « المغان».

[43]  آرثر كريستنسن: « إيران في عهد الساسانيين»، مرجع سابق.

[44] في كتابات علي شريعتي يعتبر النظام الاجتماعي الفارسي نظاما طبقيا دينيا تمييزيا ومحكم الإغلاق، بحيث يبقى السيد سيدا والعبد عبدا أبد الدهر، ويتهكم بالإشارة إلى أن عبقرية العبد لا تسمح له بالارتقاء والنبوغ إلا في موضعه. للمتابعة لدى: د. علي شريعتي، « دين ضد الدين». دار الأمير، بيروت – لبنان، ط1/ 2003، ص 67 – 71.

[45] إحسان إلهي ظهير ( رئيس تحرير مجلة ترجمان الحديث لاهور باكستان)، « الشيعة والتشيع: فرق وتاريخ»، دار ترجمان السنة، ط1/ 1984، ص 94 – 95. كما يمكن متابعة مقالة عبدالله الضحيك: « حمراء الكوفة»، على موقع « الكادر» في الشبكة: http://cutt.us/Q2po وكيف أسسها المسلمون لتكون دارا للمجاهدين ثم تحولت مع الوقت إلى بؤرة مجوسية للفتن والغدر وقتل الصحابة، وأولهم عمر ثم علي والحسين وغيرهم، حتى صارت في العهد العباسي حاضنة للزندقة والزنادقة، وموطن الطعن في الدين ووضع آلاف الأحاديث وحياكة المؤامرات لضرب الدولة الأموية والعباسية وهدم الدين، وتنبه معاوية والمهدي لمجوسها من الفرس وأحفادهم.

[46] د. عصام الراوي: « نوازع القومية وأسس العقيدة»، صحيفة « البصائر»، عدد (13) الأربعاء 4 رمضان 1424هـ الموافق 29 تشرين الأول 2003م، على الشبكة: http://cutt.us/lT0OJ

[47] « ويكيبيديا الإخوان المسلمين»، شخصية « عصام الراوي». على الشبكة: http://cutt.us/bxpga

[48] د. علي شريعتي، « التشيع العلوي والتشيع الصفوي»، مرجع سابق، ص 122.

[49] ستانلي ويس، « إنترناشيونال هيرالد تريبيون»، 10 يوليو2012،  http://cutt.us/czwji                                     

[50] « التحالف اليهودي الفارسي منذ قدم التاريخ»، على موقع « إسلام ويب»: http://cutt.us/BOH6

[51] « أخمينيون»، موقع «ويكيبيديا»، على الشبكة: http://cutt.us/oeoy6. وفي النص ثمة شهادة للمؤرخ الإيراني پورپيرار يتحدث فيها عن دور« إسرائيل في إعلاء شأن الحضارة الإيرانية الساطعة قبل الإسلام لتعميق الهوة بين الإيرانيين والعرب.  فالتاريخ الإيراني يستند في كتابته إلي بحوث قام بها اليهود. إذ بذلوا جهدا لإعلاء شأن الإخمينيين كمحررين لهم وكمدمرين لحضارة بين النهرين. فاليهود يسعون أن يقدموا الإخمينيين كمبدعين للثقافة والحضارة أو أي شيء يرغبونه وذلك بسبب الخدمة التي قدمها لهم الإخمينيون بتحريرهم من السبي البابلي. وخذ على سبيل المثال علماء الآثار والمؤرخون اليهود كـ غيريشمن وداريشتيد واشكولر، كما أن 90% من مؤرخي التاريخ الإيراني هم من اليهود. أي أن اليهود قاموا بتهويل تاريخ الإخمينيين، فهؤلاء حاولوا خلال المائة سنة الماضية، أن يصوروا قورش في التاريخ الإيراني بشكل يتطابق وصورته في التوراة، حيث تقدمه كصورة نبي، وقد نجحوا في ذلك. إذ لم يُعرف قورش في إيران حتى قبل 100 عام»!

[52] عبد الله الضحيك: « لوثة كسرى وسفر عزرا: جريمة تحريف التوراة علي يد الفرس واليهود»، 13/2/2015، موقع « القادسية»، على الشبكة:   http://cutt.us/YsdK

[53] « التوراة تاريخها وغاياتها»، المؤلف أميركي الجنسية، ولم يرد اسمه في الكتاب، ترجمة وتعليق سهيل ديب، دار النفائس، بيروت – لبنان، ص 29.

[54] بالمقارنة مع عبد الله الضحيك، « التلمود البابلي الصناعة الفارسية اليهودية»، موقع « الكادر»: http://cutt.us/3pa0E

[55] من بين الطوائف العائدة إلى بيت المقدس يذكر ظفر الإسلام خان طائفة: « المهستنيون mehestanites الذين عادوا من السبي البابلي مشبعين بعقائد زرادشت القائمة على الإيمان بالفلكيات والأرواح الطيبة والشريرة». وردت لدى: ظفر الإسلام خان، « التلمود: تاريخه وتعاليمه»، بيروت – لبنان، دار النفائس، ط2/1971، ص 37.

[56] « قاموس التوراة»، منشورات « سكريبنر»، نيويورك، 1909، ص 28.  A Dictionary of the Bible; Charled Scribner’s Sons; New York; 1909.

[57] إسرائيل شاحاك، « الديانة اليهودية وتاريخ اليهود: وطأة 3000 عام»، ترجمة رضى سلمان، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت لبنان، ط4/ 1997، ص96. وفي ص97 من الكتاب يتحدث شاحاك عن: « كتاب في مصر يعود تاريخه إلى  415 ق. م يحتوى على نص لأمر صادر عن ملك فارس، داريوس الثاني، ويتضمن تعليمات ليهود مصر بالنسبة إلى تفاصيل التقيد بفرائض عيد الفصح».

[58] « التوراة تاريخها وغاياتها»، مرجع سابق، ص 52. نقلا عن د. آرثر روبن، « اليهود في العصر الحاضر»، دراسة اجتماعية، برلين 1904 = Dr. Arthur Rupin: The Jews of the Present: A Socio-Scientific; Berlin 19; Berlin 1904.

[59] نفس المرجع، ص 18.

[60] ظفر الإسلام خان، « التلمود: تاريخه وتعاليمه»، مرجع سابق، ص 52.

[61]  أَخْبَرَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى الأَشْجَعِيُّ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ حُسْنَ الأَخْلاَقِ. حديث نبوي صحيح.

[62] قارن مثلا مع موقف الترك من العرب. ففي 6/4/2010، وجه رئيس الحكومة التركية آنذاك، رجب طيب أردوغان، كلمة إلى الجمهور العربي، بمناسبة افتتاح أول قناة تركية تبث باللغة العربية « TRT»، قال فيها: « إن مصير اسطنبول ومستقبلها لا يختلفان عن مصير الدول العربية ومستقبلها، وقد تكون الحدود السياسية قد خطت بين أوطاننا في التاريخ القريب، وربما الألغام قد زرعت بين دولنا، وربما الجدران والسدود قد شيدت بين أراضينا. إلا أننا نمتلك من القوة والإرادة ما يجعلنا نتجاوز كل هذه العقبات»، لكن العبارة الأبلغ التي تضمنتها الكلمة جاء فيها: « من دونكم لا معنى للعالم».

[63] غوستاف لوبون: « حضارة العرب»، القاهرة – جمهورية مصر العربية، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، البريد الإلكترونيhindawi@hindawi.org ، ترجمة عادل زعيتر، 2012، ص 456.

[64] « الفهلوية» كلمة تعني في الثقافة العامية عند العرب المتذاكي أو المتفلسف!!! ولسنا متأكدين إن كانت الكلمة الرديفة « بهلوي» لها نفس المعنى الشعبي في اللغة الفارسية. وهي، بالمناسبة، الكلمة التي اتخذها نسبا له، شاه إيران السابق، محمد رضا بهلوي، الذي أطاح به الخميني سنة 1979.

* « النستعليق» كلمة مركبة من كلمتي النسخ والتعليق. وتعني الخط الذي تكتب فيه الفارسية.

[65] دهخدا، علی ‌اکبر. « لغت نامه دهخدا». جلد ۸ صفحهٔ ۴۴، جاب دانشكاه تهران. نقلا عن « ويكيبيديا: « أبجدية فارسية، http://cutt.us/AgNMr

[66] مقالة بعنوان: «What is Persian? »، مركز الدراسات الفارسية، جامعة ميريلاند – الولايات المتحدة الأمريكية، على الشبكة: http://cutt.us/jjUdU

[67] « لغة فارسية»، موقع ويكي بيديا العالمي، على الشبكة: http://cutt.us/a7ua1

[68] عبدالله الضحيك: « عراقية كتاب كليلة ودمنة»، 24/3/2016، موقع « القادسية»، على الشبكة: http://cutt.us/prRb3. وثمة   تعليق بليغ على المقالة من أحد القراء يقول فيه: « في بداية ولادة المدنية كان الفرس أجهل الشعوب، يستجدون الحضارة من الشرق والغرب. والدليل على ذلك أنك حين تريد نقل التاريخ الفارسي فيجب عليك أن تنقل تاريخهم من كتابات الفراعنة ودول المشرق أو الهند واليونان أو التوراة والإنجيل. فكل ملك فارسي يتعمد ألاّ يكون بلده مثقف ليستطيع تمشية الخرافة التي يسطرها عليهم، ومعروف أن الشهنامة، وهي أقدم مصدر فارسي، ليست فارسية وإنما هي نتاج حضارة الهند».

[69] عبدالله الضحيك: « الفُرس بين البربرية والحضارة»، على الشبكة: http://cutt.us/bco6z. ، نقلا عن عالم الآثار الفرنسي، أندريه بارو: « بلاد آشور»، دار الرشيد للنشر، بغداد – العراق، ترجمة وتحقيق: سليم التكريتي، 2011، ص 114. ومن المفيد متابعة ما كتبه في مقالته الموسومة بـ: « مقارنة بين الحالة الثقافية للإمبراطورية الفارسية والعصر العربي الجاهلي»، موقع « المؤسسة الأحوازية للثقافة والإعلام»، على الشبكة: http://cutt.us/lsfkR

[70] عبدالله الضحيك: « إيران عدو لا ينتهي»، موقع « الكادر»، مرجع سابق. نقلا عن: د. ماجد عبدالله الشمس، « الحضارة العاربية وأثرها في إيران واليونان»، منشورات دار علاء الدين، دمشق – سوريا، ط1/2011، ص 27.

[71] ثمة شريط وثائقي للمؤرخ الإيراني بوربيرار من أربع حلقات بعنوان: « ترجمة الفلم الوثائقي لفضح الحضارة الفارسية المزيّفة»، قناة « حركة النضال العربي لتحرير الأحواز»، على موقع « يوتيوب»: http://cutt.us/kkSzc

[72] « What is Persian? »، مرجع سابق.

[73] عبدالله الضحيك: « مقارنة بين الحالة الثقافية للإمبراطورية الفارسية والعصر العربي الجاهلي»، مرجع سابق.

[74] محمد السلمي: « إيران بين أزمة الهوية وأزمة التاريخ والعرب»، صحيفة « الوطن» السعودية، 5/2/2016. على الشبكة: http://cutt.us/mbIP

* يقصد بازركان ملحمة « الشاهنامة» التي كان أبو القاسم منصور الفردوسي (935-1020م) يكتبها مقابل أجر! فإذا انقطع عنه توقف ووبخ مؤجره! ولأنه لا يوجد غيرها نجد الإيرانيين حتى الآن يعظمونها لدرجة أن وصفها لسان الدين بن الخطيب بـ  « قرآن الفرس»، باعتبارها الوحيدة التي تذكرهم بماضيهم، وليس لأنها الأعظم في تاريخهم.

[75] في خضم جولات الحوار بين الأمريكيين و «الإسرائيليين» وإيران في العواصم الأوروبية وحتى في «إسرائيل»، يذكر بارزي جولة 9/7/1985 التي استمرت أربع ساعات في مدينة هامبورغ الألمانية، التي جمعت بين مدير عام وزارة الخارجية «الإسرائيلية»، ديفيد كمحي، ومستشار الأمن القومي الأمريكي، روبرت ماكفرلين، والمقرب من الخميني، حسن خروبي. خاطب هذا الأخير «الإسرائيليين» قائلا: « يمكن أن تساعد أمريكا على إنقاذ إيران من وضعها الصعب. إننا مهتمون بالتعاون مع الغرب، فلدينا مصالح مشتركة معه، ونرغب أن نكون جزء منه». لدى: تريتا بارزي، التحالف الغادر: حلف المصالح المشتركة: التعاملات السرية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة»، ترجمة أمين الأيوبي، الدار العربية للعلوم، بيروت – لبنان، ط1 – 2008، البريد الإلكترونيasp@asp.com.lb ، ص 63 و 68.

* زعم أنه آخر أحفاد الأكاسرة، وتارة ابن غير شرعي لبني عباس. والأرجح أنه لم يعرف له أصل ثابت، فضلا عن تعمده التكتم على اسمه الحقيقي وتغيير كنيته، وتشيعه مبكرا. وقتَل نحو نصف مليون عربي في خراسان. تنبه له الخليفة أبو العباس السفاح، واستدرجه وقتله.

* سلالة آسيوية ترجع إلى اليهودية والنصرانية ثم الأديان المجوسية كالزرادشتية والمانوية والمزدكية.

[76] هذا بعض ما قاله بالأمس الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء 15/151، بحق عبيد الله المهدي، أن: « في نسب المهدي أقوالٌ: حاصِلُها: أنَّه ليس بهاشميٍّ، ولا فاطميٍّ»، وفي كتاب كتبه عنهم المؤرخ أبو شامة يعنوان: « كشف ما كان عليه بنو عبيد من الكفر والكذب والمكر والكيد»، قال عن العبيديين: « يدَّعون الشرف، ونسبتهُم إلى مجوسي، أو يهودي، حتى اشتهر لهم ذلك، وقيل: الدولة العلوية و الدولة الفاطمية، وإنما هي الدولة اليهودية أو المجوسية أو الملحدة، الباطنية». وكذلك الإمام الباقلاني في كتابه « كشف الأسرار وهتك الأستار»، حيث وصفهم بأنهم: « هم قوم يظهرون الرفض ويبطنون الكفر المحض»، بالإضافة إلى إشارة الباحث الباكستاني ظفر الإسلام خان إلى أن اليهود تبوؤا: « مناصب هامة جدا في مصر حتى العصر الحديث، وخصوصا في الدولة الفاطمية، التي نكاد أن نقول إن اليهود هم الذين كانوا يحكمونها من وراء الخليفة». وكتب الإمام الباقلاني كتابًا سماه « كشف الأسرار وهتك الأستار»، وصفهم فيه بأنهم: « هم قوم يظهرون الرفض ويبطنون الكفر المحض»، وقال عنهم شيخ الإسلام، ابن تيمية، في رده على البكري: « هم ملاحدة في الباطن، أخذوا من مذاهب الفلاسفة والمجوس ما خلطوا به أقوال الرافضة فصار خيار ما يظهرونه من الإسلام دين الرافضة، وأما في الباطن فملاحدة، شر من اليهود والنصارى».

[77] « موسوعة الفرق». موقع « الدرر السنية»، على الشبكة: http://www.dorar.net/enc/firq/1843

* فقط من باب الملاحظة والتأمل في حقيقة « النصيرية» وأمثالها من الطوائف الباطنية؛ فقد كان رجل المافيا، الشبيح محمد توفيق الأسد، ابن عم الرئيس السوري، بشار الأسد، وتيمنا بفرقة « الحشاشين» كمرجعية عقدية وثقافية على الأقل، يلقب نفسه بـ « شيخ الجبل» قبل مقتله في منطقة اللاذقية على الساحل السوري في 14/3/2015.

[78] عبد العزيز بن صالح المحمود: « عودة الصفويين»، 1 محرم 1428.

[79] د. علي الوردي، « لمحات من تاريخ العراق»، بغداد – العراق، دار الراشد، ص45.

[80] وقد جاء ذلك في رسالة بعث بها الشاه طهماسب الأول بن إسماعيل الصفوي إلى السلطان سليمان القانوني بن سليم الأول يقول له فيها: « إن أبي حين دخل مع أبوك الحرب في معركة جالديران كان سكرانا في ذلك اليوم ولم يكن لوحده في حالة سكر بل إن قائده دورميش خان وسائر أمراء الجيش بل إن اغلب الجيش كان في حالة سكر» .

 * « السيد» لقب استحدث للدلالة على صلة حامله بخط الدم لـ « آل البيت». وعادة ما يرتدي العمامة السوداء. ومع الوقت تحول إلى تجارة رابحة.

[81] Daniel W. Brown: «A New Introduction to Islam, 17 Oct 2003, page 191»، على الشبكة: http://cutt.us/Z7uK5

[82] أ. د محمد أمحزون: « الدولة الصفوية في إيران .. التاريخ والمنهاج»، مجلة « البيان»، 27/6/2013. نقلا عن: ] محمد بديع جمعة: « شاه عباس الكبير»، ص 107، ( مصدره: نصر الله فلسفي: « زندكاني شاه عباس أول،» ج 4، ص 15) [. على الشبكة: http://www.albayan.co.uk/Article2.aspx?id=2983

[83] شريف عبد العزيز: « دماء على أستار الكعبة من أبي طاهر القرمطي حتى الخوميني الرافضي»، 23/12/2006، موقع « مفكرة الإسلام»، على الشبكة: http://cutt.us/Qd7g

[84] فقد جاء في رسالة، تلقاها عباس شاه من البابا بولس الخامس، مع وفْدٍ وصل إلى إيران، بعض مما يلي:

  • ] كم يتمنى البابا إضعافَ الدولة العثمانية، وكم يأمل في التعاون مع جميع القوى الراغبة في تحقيق هذا الأمل! وسيجتهد في استنفار جميع الملوك النصارى للاتحاد بينهم؛ كي يقوموا بهجمة مشتركة ضد الدولة العثمانية من الغرب، في حين يقوم الشاه عباس بهجمة أخرى من الشرق.

  • يعد البابا بإرسال المهندسين والخبراء العسكريين للعمل من أجل تقوية جيش إيران.

  • يرغب البابا في إنشاء سفارة في كلٍّ من أصفهان وروما؛ للإشراف على توطيد العلاقات بين الطرفين.

  • يأمل البابا من شاه إيران أن يُحْسِن معاملة نصارى إيران، وكذلك النصارى الأجانب، وألاّ يعاقب من يعتنق الدين النصراني، وألاّ يجبر النصارى على التخلي عن دينهم [. عودة إلى أ. د محمد أمحزون: « الدولة الصفوية في إيران .. التاريخ والمنهاج»، مرجع سابق. نقلا عن: ] محمد بديع جمعة: مرجع سابق، ص 271 – 272، ( مصدره: أحمد تاج بخش: « إيران درزمان صفويه»، ص 220 – 241، تبريز، 1340ه) [.

[85] د. زكريا بيومي سليمان، « قراءة جديدة في تاريخ العثمانيين: التحالف الصليبي الماسوني الاستعماري وضرب الاتجاه   =

 =   الإسلامي»، جدة – المملكة العربية السعودية، عالم المعرفة، ط1/ 1991، ص63.

[86] د. عبدالله النفيسي، « بداية التشيع في إيران»، قناة « العربية»، 2011، على الشبكة: http://cutt.us/kkom

[87] د. هلكوت حكيم: « الشاه عباس الكبير. مؤسس إيران الحديث بين أسطورته وحقيقته»، صحيفة « الحياة» اللندنية، 8/2/1999. قراءة في كتاب « شاه عباس، إمبراطور فارس»، الصادر عن دار « بيرن»، للكاتب الإيراني، هوشنك نهاوندي، الوزير السابق في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، بالاشتراك مع الباحث الفرنسي إيف بوماتي. موقع الصحيفة:  http://cutt.us/beFl

[88] د. عبدالله محمد الغريب( الشيخ محمد بن سرور) ، « وجاء دور المجوس»، مرجع سابق، ص 77.

[89] د. موسى الحسيني، « الثورة البائسة»، مرجع سابق.

[90] د. موسى الحسيني، « الثورة البائسة»، ص12.

[91] نفس المرجع.

[92] « روح الله»، برنامج من عشر حلقات يتحدث عن الخميني من ولادته حتى وفاته، أيلول / 2012، الحلقة الأولى، قناة « المنار» الفضائية، على موقع « يوتيوب»:  http://cutt.us/aOMB. مع الإشارة إلى مقالة الباحث في الشؤون الإيرانية والتاريخ الصفوي، بلال الهاشمي، الذي قام بدوره في التحقيق في الرواية، في مقالته: « الخميني أصله هندي وهذا هو البرهان»!!، 9/9/2011. موقع الكاتب على الشبكة: http://cutt.us/QtbRs

[93] نفس المرجع.

[94] وفيه يقول الموسوي: « قدم جده من الهند قبل 120سنة وسكن قرية خمين في إيران. ووالده هو مصطفي ابن احمد وكان يدعى سينكا، ولد سنة 1842 في كشمير من أسرة سيخية ثرية، وكان والد سينكا تاجر خمر وعلى علاقة ودية بالإنجليز، ولما تعرف على فتاة مسلمة تدعى طاهرة وهي ابنة أحد التجار المسلمين قرر اعتناق الدين الإسلامي للزواج منها فهدده أهله بالقتل ففر مع طاهرة من كشمير إلى مدينة لكفؤ، وأسلم سينكا على يد سيد حامد حسين مؤلف كتاب عبقات الأنوار. وحفيد عم الخميني يسمى ودا ويعيش بالقرب من مدينة سريناجار عاصمة كشمير، وهو مسؤول عن معابد السيخ هناك. وهذه المعلومات استقاها المؤلف من علماء الشـيعة في كشمير».

[95] فهمي هويدي، « إيران من الداخل»، ط4، 1991، القاهرة، مركز الأهرام للترجمة والنشر، حاشية 6 / ص20 ، 21.

[96] نفس المرجع، ص21.

[97] نفس المرجع.

[98] إيريك رولو: « شاه إيران يقول أن الخميني هندي وليس إيراني»، مقابلة مع الصحفي خالد الراشد، برنامج « رحلة من الذاكرة»، تلفزيون « روسيا اليوم RT»، 14/6/2014، على موقع «يوتيوب» في الشبكة: http://cutt.us/jizbi. وذات الحوار أوردته منال لطفي: « الخميني.. الهندي»، صحيفة « الشرق الأوسط»، لندن، الأربعاء 15 صفـر 1430 هـ 11/2/2009، العدد 11033. أرشيف الصحيفة على الشبكة:  http://cutt.us/3BkH

[99] Manuel Harazem (كاتب إسباني): « الحقيقة الضائعة: الخميني هو ابن الجندي البريطاني  William Richard Williamson»، ترجمة موقع « العراق تايمز»، المصدر الأصلي: مدريد –  « العرب الآن»، 22 فبراير 2013، على رابط معطل: http://alarabalaan.com/news-6167.html#fragment-6167.

[100] مثل مقالة (1) Alan Peters: «The Clerics Lash Back as Iranians Question Their Legitimacy»، ١٧‏/٣‏/٢٠٠٤، موقع « freerepublic»، على الشبكة: http://cutt.us/ckZf. ونشرت أيضا بعنوان: « Root of Islamist Fascism»، على موقع « indymedia»، 3/5/2004، على الشبكة: http://cutt.us/9S1tB. كما نشرت بعنوان المقالة الأصلية: «Who is the Ayatollah Khomeini? »، على الرابط: http://cutt.us/6VVuS. ووردت بلغتها الأم (الإسبانية)، مؤرخة في 20/8/2011، في صيغة مشاركة في منتدى وموقع « Burbuja»، الذي كان أول من نشرها، على الرابط:     http://cutt.us/6CDSe. وحيثما نشرت المقالة كان ثمة ملاحظة في آخرها تقول بأن: Alan Peters هو اسم مستعار لمراسل قضى سنوات عديدة في إيران يعمل في قضايا الأمن والاستخبارات. وكذلك (2) « الخميني كان عميلا للغربKhomeini was an agent for the West»، وهي منشورة على الرابط: http://cutt.us/JbXmW، ويشير الموقع إلى مصدرها على الرابط التالي: Source: www.realitymediapk.com/khomainiexposed/. لكنه معطل.

[101] على الموقع الفارسي: http://cutt.us/8BdBO

[102] هذه العبارة « هو نحن ونحن هو وهو هو ونحن نحن» حذفت من بعض النسخ. وها هو يرددها معمم آخر. على موقع « يوتيوب » بعنوان:  « المعمم الرافضي حسين المطوع / الأئمة هم الله والله هو الأئمة»، http://cutt.us/KFSXQ

[103] « ولاية الفقيه المطلقة في كلام الإمام الخميني»، موقع « الشيخ مصباح يزدي»، على الشبكة:  http://cutt.us/ukYUO

[104] د. موسى الحسيني، « الثورة البائسة»، مرجع سابق، ص15.

[105] زهرة جمهور علي الشمراني، « التشيع الفارسي وموقفه من المخالفين»، رسالة « ماجستير»، كلية الدعوة وأصول الدين، جامعة أم القرى، المملكة العربية السعودية، 2012، ص 233، 234.

[106] عبد العزيز بن صالح المحمود، « عودة الصفويين، مرجع سابق»، نقلا عن:  « تاريخ الشاه إسماعيل»، ص88، طبع مركز تحقيقات فارس، إيران- وباكستان، إسلام آباد، عالم آراء صفوي، ص64.

[107] محمد البنداري، « التشيع بين مفهوم الأئمة والمفهوم الفارسي»، دار عمار، ص62. الكتاب صدر باسم مستعار. وهو للدكتور العراقي بشار عواد معروف. هذا ما كشف عنه في حوار معه على موقع « الجلفة» الجزائري، 10/7/2013. على الشبكة: http://cutt.us/V3ff8

[108] زهرة جمهور علي الشمراني، « التشيع الفارسي وموقفه من المخالفين»، مرجع سابق، ص234.

[109] نفس المرجع، ص234.

[110] تقول الشمراني في رسالتها: في السابق كانوا يصفون أئمتهم بصفات الكمال البشري، فبعد أن كان الإمام: « أفضل من جميع رعيته في صفات الكمال كلها من الفهم والرأي والعلم والحزم والكرم والشجاعة وحسن الخلق والعفة والزهد والعدل والتقوى والسياسة الشرعية ونحوها، وبكلمة يلزم أن يكون أطوع خلق الله لله، وأكثرهم علما وعملا بالبر والخير»*، أصبح الفقيه النائب عن الإمام هو من يتصف بهذه الصفات. أما إذا تطورت نظرية ولاية الفقيه في الأزمنة القادمة، فإن هذه الصفات حتما ستتغير وتتطور كي تناسب النظريات المستجدة بعد ذلك. عودة إلى: زهرة جمهور علي الشمراني، « التشيع الفارسي وموقفه من المخالفين»، مرجع سابق، ص232. *: نقلا عن: (« تلخيص الشافي للطوسي»، ص٣٢٠، و « دلائل الصدق للمظفر»، ج٢، ص١٧، نقلا عن « الشيعة في الميزان»، محمد جواد مغنية، ص٤).

[111] في سياق تقرير لها عن انتخابات العام 2009 في إيران، أوردت قناة « أخبار الآن»، خبرا طريفا يعتبر بموجبه الرئيس الإيراني الأسبق، علي أكبر هاشمي رفسنجاني، « الإمام الغائب» أو المهدي المنتظر خرافة. وقال تقرير « القناة» بالنص: « انتقد اكبرُ هاشمي رفسنجاني، الذي يعدُ من أهمِ رجالِ الدين في إيران، تمسكَ بعضِ الايرانيين حتى الآن بمسألةِ الاعتقاد بعودةِ الإمامِ الشيعي الثانيَ عشر المعروف بالإمام الخفي. ودعا رفسنجاني من يروجُ هذه الافكارَ إلى الجلوسِ إلى العلماء والابتعادِ عما سماها بالخرافاتِ. وتكتسب تصريحات رفسنجانى التي أتت في القناة الثانية الإيرانية أهمية كبيرة لما يتمتع به الرجل من     مكانه مقدرة داخل أوساط الشعب الإيراني. وشدد رفسنجاني على ضرورة أن لا يمتطى الساسة المعتقدات الدينية لمصالح دنيوية مؤكدا على أن الإيرانيين من حقهم أن يعرفوا حقيقة أن المهدى المنتظر والإمام الشيعي الثاني عشر مجرد خرافات لا أساس لها من الصحة، وستثبت الأيام أنها مجرد أوهام صدقها الإيرانييون. ودعا رفسنجاني من يروج لهذه المعتقدات الجلوس مع العلماء الصحاح ومراجعة أفكاره ومسوغاتها، ومن ثم مخاطبة الشعب الإيراني». على موقع « يوتيوب»: http://cutt.us/Ev1C

[112] علاوة على ما بدا ازدواجية واضحة في الهوية الدينية لإيران، فقد اعترض من جهته النائب عن أهل السنة في إقليم بلوشستان، الشيخ عبد العزيز ملا زاده، في مجلس الخبراء خلال كتابة الدستور قائلا للخميني: « إن الدولة الإسلامية لا يوجد لها مذهب رسمي في دستورها، فلماذا تكرسون الخلاف والاختلاف إلى الأبد بجعلكم للبلد مذهبا رسميا في الدستور، ألا يكفي أن يكون دين الدولة هو الإسلام؟ ثم انسحب من المجلس».

[113] د. موسى الموسوي، « الثورة البائسة»، مرجع سابق، ص175.

[114] بالمقارنة مع: « خامنئي: أنا نائب المهدي المنتظر وطاعتي واجبة على الجميع»، 22/7/2010، موقع « العربية نت» على الشبكة: http://cutt.us/H1Kwb

[115] « رجل دين إيراني: الله هو الذي اختار آية الله خامنئي لقيادة إيران .. قال إنه يعرف شخصاً التقى المهدي المنتظر»، 28/7/2010، موقع « العربية نت» على الشبكة:  http://cutt.us/jyjMR

[116] صحيفة « النور»، ج 20، ص 170 ـ 171

[117] محمد المذحجي (إمام جمعة طهران): « خامنئي هو حجة الله على الأرض»، صحيفة « القدس العربي»، 26/2/2016، على الشبكة: http://cutt.us/wYC4T

[118] Ahreema, Pictorial History of Iranian Flags, Iran Politics Club, March 17, 2012, Chapter 10:
Interim Government & Islamic Republic of Iran’s (IRI) Flags. / على الشبكة: http://cutt.us/q5wfk  مع الإشارة إلى أن الكاتب قومي وشديد العداء لجمهورية ولاية الفقيه وللإسلام والعرب على الخصوص.

[119] نفس المرجع أعلاه.

[120] نقلا عن: د. عبدالله محمد الغريب، « وجاء دور المجوس»، مرجع سابق، ص 337.

[121] هذا نموذج مما تعج به مواقع الشيعة ومنتدياتهم بالإضافة إلى موقع « اليوتيوب»: http://cutt.us/aRejv

[122] « مذكرات أرييل شارون»، ترجمة أنطوان عبيد، مكتبة بيـسان، بيروت– لبنان، الطبعة الأولى سنة 1412هـ/1992م، ص 583-584. وبمثله قال وزير الخارجية «الإسرائيلي» الأسبق، ديفيد ليفي، لصحيفة « هآرتس – 1/6/1997» اليهودية في: « إن إسرائيل لم تقل في يوم من الأيام أن إيران هي العدو». وكذا الصحفي اليهودي، أوري شمحوني، في قوله لصحيفة       =

=   « معاريف23 /9/1997» اليهودية: « إن التهديد الجاثم على إيران لا يأتيها من ناحيتنا بل من الدول العربية المجاورة! فإسرائيل لم تكن أبداً ولن تكن عدواً لإيران».

[123] أمنون لورد « صحيفة إسرائيلية: توافق طهران وتل أبيب ضد سنة إيران»، 27/3/2016، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/KCni

[124] تريتا بارزي، « التحالف الغادر»، مرجع سابق، ص 8 – 13.

[125] نفس المرجع سابق، ص12.

[126] أمنون لورد « صحيفة إسرائيلية: توافق طهران وتل أبيب ضد سنة إيران»، مرجع سابق.

[127] تريتا بارزي، « التحالف الغادر»، مرجع سابق، ص10.

[128] فيدور ديستوفيكي: « المسألة اليهودية»، ترجمة حسن سامي اليوسف. وبحسب المترجم فقد نشرت المقالة أول مرة في مجلة « يوميات كاتب – آذار 1877»، وهي مجلة الكاتب نفسه. وهي موجودة في مجلد « يوميات كاتب» من مجموعة الأعمال الكاملة، المطبوعة في بطرس بورغ سنة 1866، والصادرة عن « دار آس سوفورين للطباعة والنشر»، بعد وفاته بخمس سنوات. على الشبكة: http://cutt.us/5Wed

[129] تريتا بارزي، « التحالف الغادر»، مرجع سابق ، ص39. مقابلة مع علي ناغي علي خاني في 7/4/2004.

[130] نفس المرجع، ص49، نقلا عن: Shireen Hunter, Iran and the world (Indian University Press,1990), 42.

[131] نفس المرجع، ص 132،  نقلا عن:

Barry Rubin, ” Iran: The Rise of a Regional Power,” The Middle East Review of International Affairs 10, no.3 (September 2006).

[132] نفس المرجع، ص 52.

[133] نفس المرجع، ص 85.

[134] نفس المرجع، ص 59.

[135] نفس المرجع، ص 63.

[136] نفس المرجع، ص 86، نقلا عن وكالة « AFP»، 5 أفريل/ نيسان 1993.

[137] نفس المرجع، ص 100.

[138] نفس المرجع، ص 120.

[139] نفس المرجع، ص 126، وكذلك صفحات 108 و 109.

[140] نفس المرجع، ص10.

[141] نفس المرجع، ص10. لا مجال للمقارنة إطلاقا مع أية حقوق وحريات لأكثر من 20 مليون مسلم سني في إيران، أو لدى أهل الأحواز العربية، أو حتى في بناء مسجد لمليون ونصف مليون سني في العاصمة طهران.

[142] نفس المرجع، ص10. بطبيعة الحال لا يتذكر هؤلاء بالأمس جرائم حركة «أمل» الشيعية في لبنان بحق المخيمات الفلسطينية، ولا اليوم حيث جرائم إيران بحق السنة في العراق وسوريا واليمن.

[143] من الجدير بالإشارة هنا الاطلاع على مقالة: Chris Patten (رئيس جامعة أوكسفورد): « نصر متأخر لمنع الانتشار النووي»، 2015/7/22، موقع « بروجيكت سينديكيت»:  http://cutt.us/RDjY، وكذلك مقالة، Gareth Evans (وزير خارجية أستراليا سابقا): « الصفقة الإيرانية التي تأخرت عشر سنوات»، 2015/7/23، نفس الموقع: http://cutt.us/xFJa2. والحديث في المقالتين، يجري عن مقترح في الفترة ما بين 2003 – 2006.

[144] تريتا بارزي، « التحالف الغادر»، مرجع سابق ، ص123.

[145] الحوثي: طموحاتنا لا حدود لها والخيارات مفتوحة، 21/1/2015، موقع الجزيرة نت، على الشبكة:  http://cutt.us/yxwj

[146] نشرها د. عبدالرحيم البلوشي ( أبو المنتصر)، منشورات « رابطة أهل السنة في إيران»، لندن، 20/9/2010، وكاتبها وصاحبها هو عالم الفيزياء، د. محمد جواد لاريجاني. وهو من قدمها لمرشد الثورة علي خامنئي ووافق عليها. وبحسب د. عبدالله النفيسي فإن لاريجاني نفسه هو من كشفها، وقام المرشد، في حينه، بمعاقبته عبر إبعاده عن ملفات التفاوض وحتى سجنه بسبب ثرثرته.

[147] « رفسنجاني: قواتنا قاتلت طالبان وأنقذت أميركا من المستنقع الأفغاني»، 9/2/2002م، صحيفة « الشرق الأوسط السعودية»، على الشبكة: http://cutt.us/5x3rW.

[148] « أبطحي: لولا إيران لما سقطت كابول وبغداد»، 13/1/2004، موقع « إسلام أون لاين»، على الشبكة:         http://cutt.us/obnM4. ورابط « موسوعة الرشيد»، على الشبكة: http://cutt.us/Q3UOf

[149] موقع « يوتيوب» على الشبكة: http://cutt.us/XaQ4F، من الجدير الإشارة إلى كتاب « المبعوث» للسفير الأمريكي الأول، بعد غزو العراق، زالماي خليل زادة، حيث يتحدث فيه عن الاتصالات السرية بين الولايات المتحدة وإيران عشية التحضير لغزو العراق وبعد الاحتلال، والتنسيق بينهما أمنيا وعسكريا وسياسيا، فيما يتعلق بمستقبل العراق. « خليل زاده: أميركا نسقت مع إيران قبل غزو العراق»، 7/3/2016، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/kL45C

[150] « كلينتون: الشرق الأوسط في عاصفة»، 5/2/2011، موقع « الجزيرة نت»: http://cutt.us/aH5h

[151] « خامنئي يشيد بالانتفاضة الاسلامية في العالم العربي»، وكالة « رويترز» للأنباء، 4/2/2011. على الشبكة: http://cutt.us/b3o8M

[152] « خامنئي يمتدح الثورات ويتجاهل سوريا»، 17/9/2011، موقع «الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/3sxW6

[153] « وزير الخارجية الإيرانية: لم نتفاجأ بتطورات المنطقة»، صحيفة « الرياض» السعودية، 19/9/2011، على الشبكة: http://cutt.us/A7By

[154] « خامنئي يرى الاحتجاجات في البحرين حقيقية وفي سوريا انحرافاً»، 30/6/2011، موقع « العربية نت»، على الشبكة: http://cutt.us/y1UKW  وجاءت توصيفاته هذه في خطاب له بمناسبة يوم البعثة النبوية حسب التقويم الشيعي.

[155] « نجاد: هدفنا نشر « التشيع» ورفع راية « المهدي المنتظر»، 9/9/2009، صحيفة « الوطن»، على الشبكة:      http://cutt.us/N167s

[156] في زيارة له إلى إيران، سلم خلالها رسالة خطية من الملك عبدالله الثاني، قال وزير الخارجية الأردني، ناصر جودة، خلال اجتماع له (7/3) مع الرئيس الإيراني، حسن روحاني أن: « المشكلة الأساسية التي تواجهها المنطقة هي الإرهاب والتطرف, وإنها ليست بين السنة والشيعة»! وهو تراجع واضح عن مقولة الهلال الشيعي. للمتابعة: « الأردن وإيران تدعوان لتعاون   إقليمي ضد الإرهاب»، 8/3/2015، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/4NpYE وبعد نحو أربعة أشهر من تصريح جودة، أدلى وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، في مؤتمر صحفي مع نظيره العراقي، إبراهيم الجعفري، في بغداد بتصريح قال فيه: « لا مشاكل لدينا مع جيراننا»! لكنه أردف قائلا أن: « أهم المشاكل في المنطقة هي التطرف والطائفية»!!! للمتابعة: « ظريف: لا مشاكل مع جيراننا في المنطقة»، 27/7/2015، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/6WdqB

[157] « مستشار خامنئي: نفوذنا يتمدد في المنطقة ككل بما فيها لبنان وفلسطين»، 6/3/2009، صحيفة « القوة الثالثة»، على الشبكة: http://cutt.us/psSK

[158] « إيران: جيوشنا الشعبية بالعراق وسوريا واليمن أضعاف حجمها بلبنان»، 31/12/2014، موقع « الجزيرة نت»:   http://cutt.us/api3T

[159] « إيران: عمقنا الاستراتيجي من البحرين لشواطئ المتوسط»، 16/10/2014، موقع « العربية نت»، على الشبكة:      =

=   http://cutt.us/SfIEu

[160] «مسؤول إيراني: حدودنا امتدت إلى صنعاء»، 26/1/2015، موقع «الصحوة نت»، على الشبكة:  http://cutt.us/KlKIY

[161] بالمناسبة؛ فإن أول اعتراف صريح عن غطاء جوي أمريكي لتطهير عرقي في العراق كان في شهر آذار 2015، خلال حصار مدينة تكريت من قبل ميليشيات الحشد الشعبي الشيعية. الطريف أن هذا الاعتراف، الذي ورد في تقرير مجلة « فورين بوليسي – 30/3/ 2015» الأمريكية، ختمته بفقرة غير مسبوقة في صراحتها، تقول: « سواء تم التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران أم لا فإن الحقيقة التي لا ريب فيها هي أن (1) معظم العراق يبدو على المدى الطويل ولاية فارسية، تابعة لرجال الدين الإيرانيين، وأن (2) هذا الأمر سيقود إلى المزيد من العنف الطائفي والحرب الأهلية، وأن (3) أميركا توفر غطاء جويا لتطهير عرقي في العراق». للمتابعة: « فورين بوليسي: أميركا توفر غطاءً جويا لتطهير عرقي بالعراق»، 30/3/2015، موقع «الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/UyFyP

[162] « إيران: أصبحنا امبراطورية عاصمتنا بغداد، 8/3/2015، موقع « العربية نت»، على الشبكة: http://cutt.us/0cTND

[163] « مسؤول إيراني كبير: لم نتوقع هذا التمدد السريع لنفوذنا»، 15/3/2015، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/Pb65m

[164] « سليماني: إيران حاضرة في لبنان والعراق وستحضر في الأردن»، 25/3/2015، موقع وكالة « هوا الأردن» الإخبارية، على الشبكة:  http://cutt.us/yw8j

[165] « لاريجاني من الكويت: الدعم الإيراني للمقاومة في فلسطين ولبنان ليس بغرض الهيمنة»، 10/3/2015، قناة « المنار» الفضائية التابعة لـ « حزب الله»، على الشبكة: http://cutt.us/1L2y

[166] « إيران تنفي سعيها للهيمنة على المنطقة عبر التمدد الشيعي»، 15/4/2015، موقع «الجزيرة نت»، على الشبكة:  http://cutt.us/5RcNm

[167] « قائد الحرس الثوري الإيراني: تدخلنا باليمن وسوريا لتوسيع خارطة الهلال الشيعي»، 7/5/2015، موقع « العربية نت»، على الشبكة: http://cutt.us/CER7

[168] نفس المرجع.

[169] « بعد لغة التهديدات.. “ظريف”: هذه رسالة إيران “ لكل الجيران” »، 26/5/2015، موقع « التقرير»، على الشبكة: http://cutt.us/Ag3hn

[170] « الجنرال الايراني: ليس من حق العراق منع الإيرانيين من دخول أراضيه»، 3/12/2015، صفحة « مركز أخبار العراق» على موقع التواصل الاجتماعي « فيسبوك»، على الشبكة: https://t.co/IYbih52qi5

[171] فيديو خاص بموقع « جنوبية»، 7/3/2016، على الشبكة: http://cutt.us/wqgk، وعلى موقع « يوتيوب»: http://cutt.us/gp3R

 

[172] « رجل دين إيراني يصف سوريا بالمحافظة الإيرانية الـ35 ( مهدي طائب: سوريا أهم من الأهواز ولو خسرناها سنخسر طهران) »، 15/2/2013، موقع « العربية نت»، على الشبكة: http://cutt.us/pqC3K

[173] خلال لقاء أجرته صحيفة « نيويورك تايمز – 9/5/2011 » الأميركية  مع رامي مخلوف، ابن خال الرئيس السوري بشار الأسد، قال فيه: « لدينا الكثير من المقاتلين .. وسنجلس هنا ونعتبرها معركة حتى النهاية». وأضاف: « إذا لم يكن … استقرار هنا في سوريا فمن المستحيل أن يكون هناك استقرار في إسرائيل. ولا توجد طريقة ولا يوجد أحد ليضمن ما الذي سيحصل بعد، إذا لا سمح الله حصل أي شيء لهذا النظام». يمكن مراجعة: « مخلوف: استقرار إسرائيل مرتبط بسوريا»، 10/5/2011، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/cZnc

[174]« إيران: سقوط بشار الأسد يهدد أمن إسرائيل»، 12/10/2014، موقع « العربية نت»، على الشبكة:  http://cutt.us/saDh

[175] « دبلوماسي إيراني: تحركنا بالمنطقة دفاعي وعلاقتنا بالسعودية طيبة»، 5/5/2015، موقع « الجزيرة نت»، برنامج « ما وراء الخبر»، على الشبكة: http://cutt.us/SwULt

[176] « جنرال إيراني: النظام السوري الخط الأول للمقاومة الإسلامية»، 7/5/2015، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/yb6D

[177] « لاريجاني: الأزمة السورية ليست مسألة شخص»، 7/11/2015، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/1KAZS

[178] « مقتل 27 عسكريا إيرانيا بسوريا في أربعة أيام»، 6/2/2016، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/rg2qX

[179] « خامنئي: قتالنا بسوريا حرب على الكفر»، 25/2/2016، موقع « الجزيرة نت، على الشبكة: http://cutt.us/0RoaY

[180] « الجربا يزور سوريا ونصر الله يصف معركتها بالمصيرية»، 17/2/2014، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/Mwbz

[181] « نصر الله: تأخرنا في الذهاب إلى سوريا»، 29/3/2014، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/oZYoY

[182] « نصر الله: سقوط بشار الأسد يعني سقوط حزب الله»، 5/5/2015، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/cZMuS

[183] « نصر الله: قد نعلن التعبئة العامة على كل الناس»، 23/5/201، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/brNH

[184] عبارة وردت في خطاب حسن نصرالله، بعد حرب تموز/ يوليو 2006 على لبنان، وهدد فيها بأن صواريخ « حزب الله» ستصل إلى حيفا و « ما بعد بعد حيفا»! ومنذ ذلك الوقت، حيث جرى توقيع اتفاق فض اشتباك والموافقة على قوات دولية تقدر بـ 15 الف جندي للفصل بين الجانبين، لم يخض الحزب أية مواجهة مع «إسرائيل».

[185] « نصر الله: طريق القدس يمر بالقلمون والزبداني»، 10/7/2015، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/drDko، هذا هو منطق الرافضة في الحب والبغض. فلا يكفي أن تعلن حبك لآل البيت وتترضى عليهم إلا إذا اقترن الحب بالعداء والبراءة من أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما، ولعنهما وبقية الصحابة.

[186] « قائد الحرس الثوري: الموجة الثانية لثورتنا ستسقط آل سعود»، 28/4/2015، موقع « عربي21»، على الشبكة: http://cutt.us/aj9r

[187] مهدي خلجي: « الحرب في اليمن تصعد لهجة الخطاب الإيراني المعادي للسعودية»، 18/5/2015، موقع « معهد واشنطن»، على الشبكة: http://cutt.us/tyj81

[188] نفس المرجع.

[189] « جنرال إيراني: ألفا صاروخ جاهزة لضرب السعودية من أصفهان»، 1/10/2015، موقع « عربي21»، على الشبكة: http://cutt.us/UbvOZ

[190] في سياق النظرية إياها يصح القول بما قاله الموسوي من أن فكرة الإطاحة بالشاه تزامنت مع الحرب الأفغانية. وبمقتضاها استعملت الولايات المتحدة الأمريكية الإسلام في ردع الشيوعية ومحاصرتها. لذا فقد ضحت بالشاه، أملا في حشد الشيعة   =

=    والسنة في مواجهة الاتحاد السوفياتي. وفي سياق آخر يجري الحديث عن عملية نهب للنفط الإيراني من قبل الشركات الغربية وحتى «إسرائيل». والإطاحة بالشاه سيعفى قوى النهب من استحقاقات مالية بمليارات من الدولارات. لدى: د. موسى الموسوي، « الثورة البائسة»، مرجع سابق، ص 20،22. وفي السياق ذاته فإن « الصالح العام» يقتضي أن يستفيد الجميع، عبر القبول بمنطق أن إقامة علاقات دبلوماسية مع «إسرائيل» أو أمريكا لن يكون مجديا، لكون الخطوة سينجر عنها مشكلات لا حل لها كتسوية المطالب المالية. والأولى التأكيد علانية على رفض التطبيع أو القول، على الأقل، بأنه ما من مصلحة للأمريكيين أو اليهود أو الإيرانيين في إقامة علاقات رسمية فيما بينهم، فيما هي، في الواقع، من قبيل تحصيل الحاصل.

[191] د. أكرم حجازي، « تركيا: أسئلة التاريخ والمصير»، ورقة قدمت إلى مؤتمر العلاقات العربية التركية، 11/1/2011، منتدى المفكرين المسلمين – الكويت.

[192] تريتا بارزي، « التحالف الغادر»، مرجع سابق، ص 31 – 36.

[193] بدر الدين كاشف الغطاء: « الإمبريالية الفارسية – ولاية الفقيه تعرض على أميركا تقاسم مناطق النفوذ في الشرق الأوسط»، 3/11/2013، موقع « وجهات نظر»، على الشبكة: http://cutt.us/mgi83 ، رابط مقال الدكتور Todenhöfer Jürgen في صحيفة « berliner-zeitung» الألمانية (6/10/2013): http://cutt.us/1RVyd، بعنوان: «Atomstreit Israel Iran Netanjahu oder Ruhani: Wer ist glaubwürdiger?» وهذه هي النقاط الأربعة كما وردت في المقالة:

  1. Eine vertragliche und faktische Totalgarantie gegen den Bau einer iranischen Atombombe. Die Iraner wollten unter anderem die für medizinische Zwecke erforderliche Urananreicherung auf 20 Prozent den USA (!) übertragen.

  2. Die Bereitschaft zu fairen Absprachen über die Einflusssphären Irans und der USA im Mittleren Osten.

  3. Die Bereitschaft zu konstruktiven Beiträgen zur Lösung des Afghanistan- und des Irakkonflikts.

  4. Die Bereitschaft zur gemeinsamen Bekämpfung des internationalen Terrorismus mit sehr konkreten Ideen. „Iran will Frieden mit den USA“, hieß es in dem Papier, das ich der US-Administration überließ.

[194] ذكر كبير الباحثين في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، أليكس فاتانكا، بأن « الرسالة هي الرابعة من نوعها». وحين سئل عن أسباب توجيه الرسالة إلى خامنئي وليس إلى الرئيس حسن روحاني، أوضح بأن: « الأميركيون يعرفون الشخص الذي السياسة الإيرانية». للمتابعة: « رسالة أوباما لخامنئي ومستقبل المنطقة»، 7/11/2014، برنامج « حديث الثورة»، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/PbB7g

[195]« صحيفة: أوباما يراسل إيران سرا بشأن تنظيم الدولة»، 6/11/2014، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/ZU6p

[196] « خامنئي: رفضنا طلبا أميركيا للتعاون ضد تنظيم الدولة»، 15/9/2014، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/spQa

[197] « روحاني: التحالف ضد تنظيم الدولة مثير للسخرية»، 18/9/2014، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/tbJC8

[198] « أوباما: إيران يمكن أن تصبح قوة إقليمية ناجحة جدا إذا تصالحت مع العالم»، 29/12/2014، قناة « الحرة»، على الشبكة: http://cutt.us/FvGG

[199] « فورين بوليسي: شراكة واشنطن مع طهران تمتد الآن إلى اليمن»، 13/2/2015، قناة « الحرة»، على الشبكة: http://cutt.us/7ZK9

[200] « ذروة الصعود الشيعي»، 28/3/2015، مجلة « الإكونومست»، على الشبكة: http://cutt.us/T0vfM

[201] Charles Krauthammer: « حلم أوباما في الشرق الأوسط تحقق: إيران قوة إقليمية ناجحة جدا»، 23/4/2015، صحيفة « واشنطن بوست» الأمريكية، على الشبكة: http://cutt.us/QPLPx

[202] « أوباما: ملتزمون بمواجهة أي تهديدات خارجية لدول الخليج»، 15/5/2015، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة:

http://cutt.us/yb8v، وفي مثل هذه المواقف والسياسات تبدو السياسة الأمريكية تجاه دول الخليج غير بعيدة عن المثل القائل: « لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم».

[203] James Stavridis: « عودة الإمبراطورية الفارسية: لماذا على الغرب أن يقلق من طموحات طهران الإقليمية؟»، 30/6/2015، موقع مجلة « فورين بوليسي»، على الشبكة: http://cutt.us/cGx4C

[204] « مسؤول أميركي: إيران تريد إحياء الإمبراطورية الفارسية»، 13/1/2016، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة:   http://cutt.us/9huGF

[205] « جلوبال ريسك»: إيران ستكون «القوة العظمى» في الشرق الأوسط عام 2025»، 11/3/2016، موقع « الخليج الجديد»، على الشبكة: http://www.thenewkhalij.net/ar/node/32326

[206] وفقا لقراءات عقدية وتاريخية أولية، يبدو أن كل مواجهة حاسمة مع اليهود مرتبطة إلى حد ما باكتمال بناء « الغيتو»، إما طوعا أو كرها!         

[207] « أوباما وإيران: لا جديد بخطاب نتنياهو»، 3/3/2015، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/wvDVt

[208] سعد محيو: « نتنياهو وإيران – مصير الصهيونية برمته على المحك»، 3/3/2015، موقع « سويس إنفو»، على  الشبكة: http://cutt.us/mueHC

[209] Dov Zakheim: « إدارة أوباما والقراءة الخاطئة للشرق الأوسط»، 23/3/2015، مجلة « فورين بوليسي» الأمريكية، على الشبكة: http://cutt.us/2lOR

[210] نقلت مراسلة صحيفة « معاريف» اليهودية، دانة سومبيرغ، عن رئيس الحكومة «الإسرائيلية»، بنيامين نتنياهو، قوله خلال جلسة لكتلة حزب الليكود «الإسرائيلي» في مبنى الكنيست ( البرلمان) صباح 14/3/2016 أن : « هناك علاقات آخذة في الاتساع بين إسرائيل وعدد من دول المنطقة لم يسمها، وإن هناك تغييرا دراماتيكيا في نظرة بعض الأنظمة والدول العربية تجاه إسرائيل». وأن: «دولا عديدة في المنطقة باتت تدرك أن إسرائيل ليست دولة عدوة للعالم العربي، وإنما شريكة لها في    صراعها  ضد القوى الإسلامية المتطرفة». للمتابعة: « نتنياهو- دول عديدة بالمنطقة ترانا شريكا»، 15/3/2016، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/5aMd

[211] « صحف إسرائيلية: أوباما منح إيران إدارة الشرق الأوسط»، 15/7/2015، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/Eq27N

[212] نفس المرجع.

[213] نفس المرجع.

[214] « مستشرق إسرائيلي: المجتمع الدولي يدعم الشيعة»، 28/2/2016، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/xkd7

[215] « وزير الدفاع الإسرائيلي: إيران أخطر من تنظيم الدولة»، 20/1/2016، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/Y60pa

[216] نفس المرجع.

[217] نفس المرجع.

[218] في أعقاب « مؤتمر العلاقات العربية التركية» الذي نظمه « منتدى المفكرين المسلمين» في الكويت ( 9 -11/1/2010)، كان ثمة لقاء خاص جمعني مع د. عبدالله النفيسي، بمعية بعض العلماء والمثقفين، وفي خضم الحديث عن إيران، قال بأنه سأل أحد المسؤولين الإيرانيين: لماذا تتطلعون إلى العالم العربي؟ فأجاب المسؤول الإيراني: لأن هضمكم أسهل!

[219] قال تعالى: ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا … ﴾، (الحجرات: 9).

[220] مثلا كما ورد في المادة 154 من الفصل العاشر، قسم السياسة الخارجية، إذ يقول: « تعتبر جمهورية إيران الإسلامية سعادة الإنسان في المجتمع البشري كله قضية مقدسة لها، وتعتبر الاستقلال والحرية وإقامة حكومة الحق والعدل حقًا لجميع الناس في أرجاء العالم كافة، وعليه فإن جمهورية إيران الإسلامية تقوم بدعم النضال المشروع للمستضعفين ضد المستكبرين في أية نقطة من العالم، وفي الوقت نفسه لا تتدخل في الشئون الداخلية للشعوب الأخرى».                                                        

[221] « طهران : دعمنا للقضية الفلسطينية ليس إلا لتحقيق مصالحنا»، 10/9/2009، موقع « مفكرة الإسلام»، على الشبكة:  http://cutt.us/ZycA

[222] أمنون لورد « صحيفة إسرائيلية: توافق طهران وتل أبيب ضد سنة إيران»، مرجع سابق.

[223] ثمة شهادات نصية له شائعة. وثمة شهادة حديثة له على قناة « روسيا اليوم». وللمتابعة: « بني صدر والخميني: قصة الثورة وخيانة الأمل»، 17/5/2012، موقع قناة «RT» الروسية، على الشبكة: http://cutt.us/aNgdzK ، وعلى موقع « يوتيوب»: http://cutt.us/lKLQc

[224] في 15/2/2016 صرح السفير السوري في الأردن، اللواء بهجت سليمان، بأنه مستعد للقيام « بإنزال جوي ليلي من عشرة آلاف مغوار في العاصمة السعودية – الرياض، ردا على نية التدخل السعودي في سوريا». للمراجعة: « سفير بشار السابق بعمّان يهدد بإنزال جوي في السعودية»، 15/2/2016، موقع « كل الأردن»، على الشبكة: http://cutt.us/bZRhI. وفي 13/8/2013 هدد الوزير اللبناني السابق، فايز شكر، في مقابلة تلفزيونية على قناة «OTV» اللبنانية « بتدمير مكة المكرمة على رأس من فيها». لدى: « الشيعي اللبناني فايز شكر إذا هُـدد بشار سندمر مكة على رؤوس ساكنيها»، 13/8/2013، موقع « يوتيوب»، على الشبكة: http://cutt.us/hupyj

[225] هذا ما كشفته « وكالة الأسوشيتدبرس» الأمريكية في 20/7/ 2005 عن  النائب الجمهوري، توماس تانكريدو، من صريحات له في برنامج إذاعي بولاية فلوريدا الأمريكية حث فيها على تدمير مكة المكرمة بالسلاح النووي إذا تعرضت أمريكا لهجوم مماثل لهجمات سبتمبر 2001. للاطلاع: « عضو كونجرس يدعو إلى تدمير مكة»، 20/5/2005، موقع «middle-east-online»، على الشبكة: http://cutt.us/YO11Z. وفي 12/5/2012، كشف النقاب في الولايات المتحدة عن مادة تحريضية سافرة، أعدها الكولونيل ماثيو دولي، وتم بموجبها تأطير نحو 800 ضابط أمريكي من رتبة عقيد فما فوق لمدة عام كامل. وبحسب صحيفة « الاندبندنت» البريطانية، تتضمن المادة الني دُرست في كلية هيأة الأركان الأمريكية المشتركة، دعوة قيادات وزراة الدفاع (البنتاغون)، في المستقبل القريب، إلى الاستعداد لحرب شاملة على الإسلام، وأن الكولونيل دولي طالب في مادته بتدمير مكة والمدينة وطمس معالمهما على طريقة ناكازاكي وهيروشيما اليابانيتين خلال الحرب العالمية الثانية. مزيد من التفاصيل: « كولونيل أمريكي يدرس قواته “مادة” تحرضهم على تدمير مكة»، 12/5/2012، موقع صحيفة الوفد « المصرية»، على الشبكة: http://cutt.us/hudE

[226] « التحالف الروسي الإيراني ضعيف وتشوبه خلافات»، 6/4/2016، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/fgcum


حمل الدراسة بصيغة ورد : المربط الصفوي

You may also like

مرابط النظام الدولي