واقع النظام الدولي: قراءة في الميديا الغربية

واقع النظام الدولي: قراءة في الميديا الغربية

16224
التعليقات على واقع النظام الدولي: قراءة في الميديا الغربية مغلقة

د. أكرم حجازي

أفريل/ نيسان 2016

مقدمة

   ثمة فرق كبير، بين دعوة الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب إلى « إقامة نظام دولي جديد» في أعقاب حرب الخليج الثانية سنة 1992، وبين الحديث عن « إعادة بناء النظام الدولي»!! تلك؛ كانت دعوة تستهدف بالدرجة الأساس تعزيز الهيمنة الأمريكية على العالم، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وإحكام السيطرة على العالم الإسلامي على وجه الخصوص، وفي القلب منه العالم العربي. لكن الأحداث قلبت الدعوة إلى قلق، يتعاظم بسرعة سيبيرية، حتى بتنا نراقب نقاشات وتصريحات ودعوات وأطروحات، تتحدث ليس عن تراجع النفوذ الأمريكي وانحسار الهيمنة والتفكير بفك الارتباط، بل وعن فراغ في القيادة، وتعطل في اشتغال النظام الدولي، وحتى عن لحظة « انهيار النظام الدولي».
   يتحدث وزير الخارجية الألماني السابق،  Joschka Fischer، الغارق في مشكلات النظام الدولي، عن مفارقة ظريفة للغاية، وهو يستذكر نشوة الأمريكي الياباني، فرانسيس فوكوياما، عن « الإنسان الأخير ونهاية التاريخ»، ليدلل على أن الرأسمالية انتصرت انتصارا ساحقا، وأن الإنسان وصل إلى قمة التقدم، وأنه لم يعد ثمة بدائل لهذا الإنسان إلا التسليم بالرأسمالية، كأفضل نمط حياة. مفارقة Fischer جاءت في مقالة له بعنوان: « الشرق الأوسط وعودة التاريخ[1] – 1/7/2014» وليس نهايته. فهو « يدور دورته الثانية الآن في منطقة الشرق الأوسط» .. فلنسمح لبعض النص، أن يفضفض عما في متنه، لنرى ما الذي جرى في ربع القرن الماضي. يقول Fischer:
      « حين زعم فرانسيس فوكوياما، قبل أكثر من عقدين من الزمان، أن العالم بلغ نهاية التاريخ، أجبر التاريخ العالم على حبس أنفاسه. فكان صعود الصين، وحروب البلقان، والهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، والحروب في أفغانستان والعراق، والأزمة المالية العالمية في عام 2008، وثورات الربيع العربي، والحرب الأهلية في سوريا، كان كل ذلك مكذباً لرؤية فوكوياما التي صورت له الانتصار الحتمي للديمقراطية الليبرالية. بل وقد يكون بوسعنا أن نقول إن التاريخ أتم دورة كاملة في غضون ربع قرن من الزمان، منذ انهيار الشيوعية في أوروبا عام 1989 وإلى تجدد المواجهة بين روسيا والغرب. ولكن في الشرق الأوسط يعمل التاريخ على أساس يومي وبعواقب جسيمة. ومن الواضح أن الشرق الأوسط القديم، الذي تَشكَّل من بقايا الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، يتهاوى الآن … بل وربما يُعاد رسم حدود العديد من البلدان المجاورة بالقوة. ومن المؤكد أن الكارثة الإنسانية الهائلة بالفعل سوف تتفاقم».
   على ضوء هذه الفقرة سنتوقف في هذا القسم عند أبرز القضايا التي تعصف بالنظام الدولي، معتمدين بالدرجة الأساس على المصادر الغربية، عبر العودة إلى أصول المعلومات والتحليلات والآراء التي قدمها كبار الكتاب من السياسيين والعسكريين والأمنيين والأكاديميين والمسؤولين الغربيين والمتخصصين، فضلا عن البيانات الاقتصادية من مصادرها الأصلية المتخصصة، أملا في تقديم أوضح صورة لحقيقة الأزمات التي تضرب النظام الدولي في الصميم. وسنتطرق على التوالي للمحاور التالية:
أولا: الثورات العربية ونقطة اللاعودة
ثانيا: أزمات الرأسمالية العالمية
ثالثا: تآكل النظام الدولي
رابعا: تآكل الدولة العربية

المبحث الأول

الثورات العربية ونقطة اللاعودة

    سواء كانت على « الهامش»، كما هو حالها منذ المائة سنة الماضية، أو احتلت « المركز»، ستظل المنطقة العربية كما كانت منذ فجر التاريخ، فعلا أو ردا لفعل، مصدرا للانعطافات الكبرى في تاريخ البشرية برمتها. ولو تأملنا المدى الزمني بين نزول آدم عليه السلام إلى الأرض وبعثة محمد r لربما بلغ ملايين أو مليارات السنين!!!! وعلى امتدادها كان الرسل يبعثون برسالة واحدة هي « التوحيد». ومع كل رسول أو نبي كان هناك دعوة وتشريعات، لكن مع خاتم الأنبياء يكون الله عز وجل قد أكمل الدين دعوة وتشريعا. وهو ما يعني أن محمدا r هو الذي اؤتمن، من بين كل الأنبياء والرسل، على آخر كلام الله في الأرض. وهذا الحدث لا يضاهيه أي حدث في الكون، وتشريف للعرب لا يماثله أي تشريف[2]. هذه هي المنطقة العربية. فيها مركز الأرض ومركز الكون. فمنها خرج الأنبياء والرسل، ومنها انطلقت دعوة « التوحيد»، وفيها وقعت المعجزات والصراعات والسجالات والحروب بين دعوى الحق ودعوى الباطل، وفيها ستكون الفتن والملاحم الكبرى، وستكون أرض المحشر والمنشر. وفيها يقع ما لا يقع في أي منطقة أخرى، ويوجد فيها ما لا يوجد بغيرها ولن يوجد أبدا.
    حقائق أزلية! لا تقوى أعتى القوى الكبرى على طمسها أو التلاعب بها أو تجاهلها أو التنكر لها، في أي مستوى كان، بقدر ما تعبر عنها اليوم بموجب مصطلحات سياسية من قبيل أن « الأزمات في المنطقة هي القاعدة وليس الاستثناء»، أو عبر دعوات، كالحفاظ على « الأمن والاستقرار»، لم تنقطع أو تفارق أبجديات النظام الدولي وسياساته واستراتيجياته وأمنياته منذ نشأته قبل مائة سنة. بل أن كل توصية أو دعوة تتضمن مفهومي « الأمن والاستقرار» إنما تعني أمن النظام الدولي واستقراره أو أمن النظم السياسية.
     لذا فإن أي فعل بحجم الثورات العربية التي اندلعت وقائعها الأولى من تونس في 14/12/2010 ستكون له ارتداداته الطاحنة عاجلا أم آجلا، هنا في المنطقة وفي أي مكان آخر في العالم. بل سيكون من العبث النظر إليها بمعزل عما يجري في العالم سواء على مستوى الأزمات المالية الطاحنة التي تضرب المنظومة الرأسمالية المهيمنة، أو على مستوى نظم الاستبداد المستوطنة في العالم العربي منذ عشرات العقود. وسيكون من العبث أيضا النظر إلى الثورات المضادة التي تجتاح دول الثورات، على الأقل، كما لو أنها نهاية المطاف لما أسمي إعلاميا بـ « الربيع العربي»، بحيث يمكن القول أو الركون إلى القول بأن الثورات فشلت، أو الاعتقاد، عبثا وغطرسة، بأن نجاح الانقلاب في مصر شكل ضربة ساحقة لها.
   قد يكون واردا الاعتقاد؛ بأن حزبا ما أو حركة أو جماعة فشلت وتلاشت لأسباب سياسية أو أيديولوجية أو مالية أو اجتماعية أو ثقافية … لكن الحديث عن فشل جموع بشرية تزامنت فعالياتها في أكثر من مكان، وتجاوزت في بنيتها وغاياتها ومضامينها، كل الأيديولوجيات أو الانتماءات السياسية أو الولاءات هو اعتقاد لا يمكن أن يصدر (عن) أو يجد له موضعا إلا أن يكون الاستبداد بعينه. ذلك أن الحراك الشعبي العفوي، يعني بالضرورة انتفاء كل أو أغلب أسباب الاحتواء، وفي المقابل لا بد أن يعني توفر كل أو أغلب أسباب الانتفاض المتراكمة في الذاكرة الشعبية، سواء على مستوى الفرد أو الجماعة .. أسباب اجتهدت أدوات الاستبداد وآلياته في بعثرتها على مر السنين، إلى أن تَيسَّر لها الاجتماع، ولو في الحد الأدنى، وفي لحظة معينة من الزمن، لتنفجر في صيغة ما من الصيغ.
    فإذا انتظمت الأحداث في الذاكرة الجماعية، بعد تشتيت طويل، سيكون من شبه المستحيل محوها أو السيطرة عليها، كونها تغدو جزء من الوعي المتراكم في الذاكرة، والخبرة التي تساهم في توجيه السلوك الجمعي حاضرا ومستقبلا. فالحقيقة التي لا يجب أن يماري بها أحد؛ أن الذاكرة الشعبية غدت عاجزة عن الاستمرار في دعاوى التبرير التي شرُعت عقودا للنظم السياسية، وتجاوزت عن المظالم لأسباب عديدة، وغضت الطرف إلى حد الاستغفال، لكنها فاضت بما اختزنت، ولم تعد تتسع لمزيد من الخداع والتضليل والمجاملات والمداهنات والنفاق والكذب والتزوير وألوان التحريف وصنوف القهر والفقر والعدوان والبغي والظلم والنهب وما إلى ذلك من فنون الاستبداد.
   وفي السياق، لم يعد مهما القول بأن « الربيع» تحول إلى خريف أو شتاء أو جليد[3]، ولا يهم الزعم والمكابرة بأن هذه الدولة مرشحة للانفجار وتلك آمنة أو عصية، ولا يهم التواري خلف محاولات التضليل والخداع ببعض الإصلاحات هنا أو هناك، ولا يهم التحصن بالشرعيات التاريخية أو العقدية، ولا يهم التهديد والوعيد بمعادلة الأمن مقابل الاستبداد.
   فالثابت أنه من المستحيل الاعتقاد بأن الاستبداد هو قدر الناس الذي لا فكاك منه. فلا العقائد، حيث قمة الوعي، تقول بهذا، ولا الفطرة الإنسانية، حيث قعر الجهل، تقبل به. وبالتالي فهو لا يمكن أن يكون إلا حالة استثنائية من المعيش، لا بد وأن تتعرض إلى مفاصلة حاسمة في يوم ما. وعليه فلا الانقلابات والقتل الوحشي واستحضار الفاشية بأبشع صورها ستنفع، ولا إشاعة الاستقطاب الاجتماعي، ولا محاولات الاحتواء المالي والسياسي، فضلا عن التدخلات الخارجية، قادرة على عرقلة الثورات عن الاستمرارية في الفعل الاحتجاجي. ولا ما يسمى بالحاجة إلى تعديل قواعد القانون الدولي ستصلح. فالمشكلة ليست مشكلة حزب أو جماعة أو نظام سياسي، بل في أميز ما قدمته الثورات العربية، ممثلا بذاك الفعل الجمعي الذي تمدد كالنار في الهشيم، مما يعني أن المشكلات في العالم العربي متماثلة، وواحدة لا تتجزأ. فكلها رفعت ذات الشعارات والمطالب، ونفذت نفس الفعل، وحققت نفس الهدف في مرحلتها الأولى ..
    باختصار: فقد بدأ الحوار الشعبي مع النظم السياسية بلغة « إرحل»!!! وإلا!!! فلحظة الانفجار وقعت .. وحواجز الاستبداد تهشمت .. والنظم السياسية سرعان ما تبلورت في صيغة نظم بلطجة .. وحقيقة أجهزتها الأمنية القمعية انكشفت .. وانفضحت دموية جيوشها التي خلت من أية عقيدة قتالية، أو تحديد لهوية العدو، إلا من الناس الذين بدوا وكأنهم العدو الوحيد المؤهل لتلقي شتى صنوف التنكيل والموت، من الرصاصة إلى الأسلحة الإستراتيجية، وصولا إلى الموت غرقا، رُضَّعا وأطفالا وصغارا وكبارا. بل تبين للعامة من الناس أن نظم الاستبداد ومن ورائها نظم الهيمنة، على السواء، بدت أمام ناظريهم وفي قرارة أنفسهم، خالية تماما من أية مرجعية عقدية أو أخلاقية أو إنسانية أو فلسفية تبرر وجودها أو سلوكها الوحشي .. خالية من السياسة والاقتصاد والعلم والثقافة والقانون .. خالية من الأهداف والغايات .. خالية من أية قواعد توجه سلوكها السياسي أو العسكري أو الأمني.
    هكذا؛ ما كان للثورة المضادة أن تفهم الحدث دون التأمل في مآلاته. وهكذا أدرك كل رموزها، أن الهدف التالي هو، لا محالة، إسقاط قواعد النظام. وأنها بالضرورة ستخوض معركة وجود مع الحشود البشرية، وإلا فقد تتعرض للسحق التام ولو بعد حين. وهكذا أيضا أدرك النظام الدولي أنه الهدف الأكبر الذي لا بد وأن يسقط، وتسقط معه قواعد الهيمنة بكل رموزها وأدواتها وقواعدها. فهو بعامته وخاصته، من الكتاب والمسؤولين، ممن هم في أعلى سلم المسؤولية، بل، وبدءً من الرئيس الأمريكي باراك أوباما فما دون، يتحدثون بصريح القول، ويُجمعون على أن النظم السياسية العربية كافة هي نظم استبداد بامتياز، ونظم طغاة، تابعة وخاضعة خضوعا تاما لهيمنة « المركز». ولا يراؤون بهذه الحقيقة التي تعج بها تقاريرهم ودراساتهم وصحفهم وتصريحاتهم وتوصيفاتهم بقليل أو كثير كما سنرى. بل أنهم ولحماية مصالحهم وما يصفونه بـ « الأمن» و « الاستقرار»، يصرحون رسميا بأن سياساتهم تميل إلى تفضيل النظم الديكتاتورية في الحكم على حقوق الناس المهدورة، وحياتهم المعرضة لشتى صنوف الخطر. وعليه فمن شبه المستحيل أن تستسلم النظم المحلية أو النظام الدولي لانهيارهما في أول مواجهة من نوعها منذ نحو مائة عام، حتى لو سلّم بعضهم بحقيقة « انهيار النظام الدولي»، ممن عقدوا لهذه الحقيقة أرفع المؤتمرات الأمنية لمناقشتها[4].
   وعليه فقد كان من الطبيعي أن تتحرك الثورة المضادة محليا وإقليميا ودوليا، لرد عاصفة الثورات الشعبية، لكنه لم يكن طبيعيا أبدا أن تعتقد الثورة المضادة أو بعض الثوار أو عامة الناس أن الثورات الشعبية فشلت في تحقيق أهدافها، وباتت حدثا من الماضي يصعب استعادته أو تفعيله ثانية. فما يجري بالضبط هو سنة تدافع في الأرض، ليست الثورات الشعبية إلا شرارتها الأولى. ولو كانت الثورات انتهت فعلا، لما بقي ثمة صراع يذكر في أي من دولها، وعلى العكس تماما فإن ما نشهده واقعا هو إصرار الثورات على تصعيد فعالياتها، حتى لو اضطرت إلى الرد على الثورات المضادة بذات المنطق والأدوات. وهذا ما نتابع وقائعه في العراق وسوريا ولبنان واليمن ومصر وليبيا. ولا ريب أن في الثورة السورية بالذات يكمن ما لا يكمن في غيرها حتى هذه اللحظة.

 فرادة الثورة السورية

  فما من ثورة عربية أو حركة سياسية أو حزب أو جماعة إسلامية أو وطنية أو جهادية ولا حتى فكرة تحررية أو أخلاقية أو إنسانية مناهضة للاستبداد، إلا وكانت الثورة السورية لها بمثابة الرافعة والطاقة الدافعة والديمومة التي تجعلها قادرة على الاستمرار، خاصة بعد انطلاق الثورات المضادة. وما من أيديولوجيا وضعية، كالقومية واليسارية واللبرالية والعلمانية والعنصرية، فضلا عن الصفوية ومنتجاتها الهدامة، إلا وكانت لها الثورة السورية بالمرصاد، فضحاً وتعريةً .. وما من منظومة أخلاقية أو إنسانية أو مرجعية قانونية أو مؤسسية، لدولة أو نظام سياسي أو جماعة أو مؤسسة، إلا وجردتها الثورة السورية من كل شرعية .. أما النظام الدولي فقط تعرض، بفعل الثورة السورية، ولما يزل لأخطر مواجهة في تاريخه، تصل إلى حد التهديد بزواله، أو على الأقل السعي لإعادة بنائه.
  ليست الثورة السورية؛ ولم تكن في يوم ما، ولا الشعب السوري، ولا سوريا، شأنا محليا أبدا أبدا، حتى لو انزلق بعض السوريين واعتقدوا بذلك، وعولوا طويلا على نصرة دولية لا يمكن أن تأتي. وإذا كانت مصر مركز « المربط الثقافي» فإن سوريا « النصيرية» هي مركز « المربط الأمني الدولي»، وفي انفجاره؛ انتشار عارم للفوضى في المنطقة والعالم. فما من بلد عربي سيغدو آمنا أو مستقرا، وما من قدرة لأية دولة على الصمود، وما من مربط آخر يمكنه الاستمرار على الإطلاق. فكيف تكون سوريا شأنا محليا؟ وكيف يكون التحصن بالوطنية رسائل تطمين للنظام الدولي بعدم الخروج؟
   قد يكون مألوفا أن تشرع الثورات العربية بتدشين الشعار الأول لها « ارحل» ليعبر عن المرحلة الأولى، التي عليها أن تخوضها وتقطعها، قبل أن تصل إلى المرحلة الثانية، وهي « إسقاط قواعد النظام». وبقليل من التأمل سنلاحظ يقينا أن الثورة المصرية، بوصف مصر مربطا ثقافيا، بدأت من المرحلة الأولى، لكن في خضمها وقبل أن يرحل الرئيس المصري حسني مبارك، كانت أول ثورة ترفع شعار المرحلة الثانية « الشعب يريد إسقاط النظام»!! وهو الشعار الذي بدأت الثورات الأخرى، وحتى الاحتجاجات، برفعه. وهذا يعني أن الشعوب كانت تدرك حركتها، ومراحل عملها حتى لو كانت بلا قيادة. أما الثورة السورية، صاحبة « المربط الأمني النصيري» في الشام والموازي لـ « المربط اليهودي العسكري» في بيت المقدس، فلم يكن أمامها من سبيل إلا الانطلاق من المرحلة الثالثة والأخيرة، « إسقاط قواعد الهيمنة»، سواء علم قادتها بذلك أو لم يعلموا، وسواء رغبوا أو لم يرغبوا. لأن إسقاط حكم الأسد، هو في المبدأ والمنتهى إسقاطا لـ « المربط الأمني » الطائفي، وإسقاطا للطائفة ذاتها، وبالتالي إسقاطا لعمود مركزي من أعمدة النظام الدولي، أو خلع وتدا من أوتاده. ودون ذلك فالحديث سيغدو مضيعة للوقت والجهد، أشبه ما يكون بانتفاضة فلسطينية تطالب برحيل رئيس حكومة « إسرائيلية»، أو اليهود من فلسطين!!!! فكيف ستكون المواجهة سلمية من الأساس!!؟ وعليه فإذا كان من المستحيل أن يقول الفلسطينيون بذلك، فمن المستحيل أن يكون ذلك ممكنا مع الأسد أو النصيرية في الشام. وتبعا لذلك لا بد من الإقرار بأن الثورات في « دول المرابط» لا يمكن أن تنطلق سلمية وتستمر، حتى لو بدأت كذلك.
   كل التصريحات الغربية، لاسيما الروسية منها، وحتى السورية الرسمية، قطعت الشك باليقين، وفي أوضح الكلمات والعبارات، ومنذ اللحظات الأولى، أن الثورة السورية ليست شأنا محليا، ولا يمكن أن تكون كذلك. ومع توفر العشرات منها موثقا في سلسلة « الثورة السورية ومسارات التدويل»، إلا أنه لا ضرر من التذكير بنماذج منها. ففي مقابلة واسعة مع صحيفة « وول ستريت جورنال – 1/2/2011» الأميركية تلقى الرئيس السوري بشار الأسد السؤال التالي:
       كرئيس لسورية، كيف ترى ما يحدث في تونس ومصر والجزائر والأردن؟ كيف ترى المنطقة تتغير؟ وأخيراً، ماذا يعني ذلك لسورية بالذات؟ فكان الجواب:
    « إذا أردت أن تتحدث عن تونس ومصر، فنحن خارج هذا الأمر. وفي النهاية، نحن لسنا تونسيين ولسنا مصريين. لا نستطيع أن نكون موضوعيين، ولاسيما أن الوضع ما زال ضبابياً وليس واضحاً. إن الأمور لم تستقر بعد، ولذلك فإن أياً كان ما تسمعه أو تقرأه في هذه المرحلة، لا يمكن أن يكون واقعياً أو محدداً أو موضوعياً».
  لكنه في مقابلته مع صحيفة « الصندي التلغراف – 30/10/2011 » البريطانية، كان « موضوعيا» وبلا « ضبابية»، حين قال:
     « إن سوريا اليوم هي مركز المنطقة .. سوريا مختلفة كل الاختلاف عن مصر وتونس واليمن. التاريخ مختلف، والواقع السياسي مختلف .. إنها الفالق الذي إذا لعبتم به تتسببون بزلزال، .. هل تريدون رؤية أفغانستان أخرى أو العشرات من أفغانستان؟ .. أي مشكلة في سوريا ستحرق المنطقة بأسرها .. إذا كان المشروع هو تقسيم سوريا، فهذا يعني تقسيم المنطقة برمتها … ».
   أما الروس، وفي إطار صراعهم مع الغرب على قيادة النظام الدولي، وسعيهم لإعادة بنائه، بما يمكنهم من استعادة مناطق نفوذهم التي فقدوها بعد تفكك الاتحاد السوفياتي سنة 1992 وخسارتهم للكثير منها، فقالوا ما لم يقله أحد قبلهم ولا بعدهم. ولأول مرة منذ توضيعه في عشرينات القرن الماضي، أقر وزير الخارجية، سيرغي لافروف، بـ (1) حجم الخطر الذي تمثله الثورة السورية على النظام الدولي، و (2) محصلة أهدافها، و (3) محذرا من الخطر الذي يتهدد « المربط النصيري». ففي مقابلة له عبر إذاعة « كومرسانت إف إم21/3/2012» رد بغضب عارم على محاولات ابتزاز الغرب للروس في المسألة السورية: « إنّ الصراع يدور في المنطقة كلها، وإذا سقط النظام الحالي في سوريا، فستنبثق رغبة قوية وتُمارس ضغوط هائلة من جانب بعض بلدان المنطقة من أجل إقامة نظام سنِّي في سوريا، ولا تراودني أي شكوك بهذا الصدد».
  بعد تصريح لافروف أوضح الناطق الرسمي باسم الخارجية الروسية، الكسندر لوكاشيفيتش، في مؤتمر صحفي عقده بموسكو في 21/6/2012 ما قاله لافروف أعلاه: « من الواضح تماما أن الوضع السوري مرتبط بأسس النظام العالمي المستقبلي، وكيفية تسوية الوضع ستحدد إلى حد كبير كيف سيكون هيكل نظام الأمن الدولي الجديد والوضع في العالم عموما». وردا على التصريحات الغربية التي أعقبت بيان « مؤتمر جنيف1» بشأن سوريا في 30/6/2012، واتهام روسيا بالتمسك بالأسد كرر السفير الروسي، ألكسندر أورلوف، في باريس (20/7/2012)، ما أعلنه لوكاشيفيتش: } إن ما تدافع عنه روسيا ليس نظام بشار الأسد، « لكنه النظام الدولي»{.
   تصريحات الروس هذه جرى ترجمتها عسكريا، حتى قبل المسألة الأوكرانية، ففي شهر يونيو/ حزيران 2012 اعترض البريطانيون سفينة الشحن الروسية « ألايد»، التي كانت متوجهة إلى سوريا، وتحمل على متنها طائرات مروحية هجومية، ورفعوا عنها غطاء التأمين الدولي، مما اضطرها للعودة. لكنها عادت للإبحار مجددا تحت العلم الروسي بدلاً من علم جزيرة كوركاو في البحر الكاريبي. وتفاعلت المسألة، إلى أن نقلت صحيفة « ميل أون صندي – 15/7/2012» عن مصدر بارز في البحرية الروسية قوله: « نأمل ألا يُطلق أحد شرارة الحرب العالمية الثالثة بسبب ذلك، فنحن لم نتلق أوامر حتى الآن لمرافقة السفينة ألايد، لكننا نتوقع صدورها في أي وقت، بعد أن تم التخطيط للعملية»!!!
   وخلال وجودها في نيويورك، في ضيافة مجلس العلاقات الخارجية، قالت وزيرة الخارجية السابقة، هيلاري كلينتون: « لم تعد المشكلة خاصة بسوريا فقط الآن. لم أعتقد مطلقا أنها مشكلة سوريا. كنت أرى أنها مشكلة إقليمية». هذه الشهادة وردت في مقالة مشتركة صدرت في صحيفة « نيويورك تايمز» الأمريكية، لكل من: تيم أرانغو وكريم فهيم وبين هوبارد، ونقلتها صحيفة « الشرق الأوسط 17/6/2014» السعودية[5].
   قبل انطلاقة الثورة السورية في 18/3/2011، كان الحديث يقع في مستوى ضحايا القتل فقط، دون الاعتقال والاختطاف والتشريد والتنكيل، يجري عن عشرات الآلاف في حماة وحلب وجسر الشغور والجزيرة. أما بعد الانطلاقة، ودخولها عامها الخامس، فقد صار الحديث الموثق فقط يتعلق بمئات الآلاف من القتلى[6] ومثلهم من المفقودين وأكثر من 1.5 مليون جريح، أغلبهم معاقين، وآلاف المغتصبين والمغتصبات، وملايين اللاجئين، وبنى تحتية مدمرة، وعقيدة منتهكة، وكرامات مطحونة. وسيغدو الحديث عن مثل هذه الانتهاكات جنونيا، ما أن تضع الحرب أوزارها، وتبدأ الحقائق بالانكشاف على مصاريعها الدموية والوحشية. فالعدو هنا داخلي وليس خارجي!!!
   الشائع والمألوف لدى نظم الاستبداد، كما تصفها كتابات الغربيين والشرقيين، هو استعدادها لانتهاك كافة الحقوق الفردية والجماعية، من قتل واعتقال واختطاف ونفي وتشريد وإقصاء وتهميش ومضايقات وتمييز وانتهاك للأعراض وحتى الاغتصاب دون الالتفات لأية عواقب. وإنْ كان ثمة بعض القيود والمخاوف من ردود الفعل، أو توقع بعض الاحتجاجات الشعبية أو الانفجارات، أو الحرج الدولي أو تضرر الشرعية، إلا أنه في النظام السوري وأمثاله، قبل الثورة وبعدها، لا يمكن الحديث عن أية فضائل أو قيم أخلاقية أو إنسانية أو روادع أو ضوابط أو محرمات من أي نوع، وعلى أي مستوى، لا في النفس البشرية ولا في النوع ولا في العمر ولا في التاريخ ولا في الدين ولا في الحضارة ولا في الحاضر ولا في المستقبل، ولا عن أية محاذير في استخدام القوة، لا في أدواتها ولا في وسائلها. والحقيقة أن المشكلة ليست في كون « النصيرية» مربطا يحظى بحماية دولية تؤمن لدمويته ووحشيته وإرهابه اللامحدود، ما يحتاج من الأغطية السياسية والأمنية والعسكرية، بل أيضا؛ في عقائد طائفة منبوذة اجتماعيا وأخلاقيا لا تحتمل بشرا ولا يحتملها أحد، حتى الطوائف والأقليات المتحالفة معها. فهي طائفة لا تجيد أي نوع من الجوار الإنساني أو الحضاري أو الأخلاقي. وبالتالي فإن مجرد التفكير بإحراج نظام يتمتع بامتياز دولي هو ضرب من العبث.
   لا يمكن لكل الكوارث والفواجع والأحقاد والضغائن والمآسي والدمار التي ارتكبها النظام أو خلفها، بما يعز عن الوصف ويتعاظم؛ أن تكون مجرد ثمن لمصالحات سياسية معه أو مع الطائفة. لذا لم يكن ثمة خيار أمام السوريين إلا أن يصبوا جام غضبهم على النظام، ويمضوا بعناد لا مثيل له في ضربه حيثما كان، غير آبهين بأفدح الخسائر، ولا بأعلى درجات القهر، ولا بأقصى مستويات الخذلان، ولا حتى بالفتن التي تعصف بالثورة السورية، أو المؤامرات المحلية والإقليمية والدولية التي تحاك ضدهم.
     ولعل الحقيقة الأولى التي لا يمكن أن يماري فيها أحد، أياً كان محتوى التحركات السياسية ماضيا وحاضرا، هي التي تؤكد قطعا بأن الأسد لا يمكن أن يستمر سياسيا، وأن بقاءه في السلطة اليوم أو غدا بات أشبه بالعدم. وبنفس المقدار؛ فإن هيمنة الطائفة « النصيرية» سياسيا تحطمت بالكامل، أما استمرارها فسيغدو حلما سياسيا، ناهيك أن يرقى إلى مستوى ذلك اجتماعيا، ولو في مستوى ما يسمى بالتعايش الاجتماعي.
   والحقيقة الثانية فهي التي تقول بأن الثورة السورية التي أريد بها كسر إرادة الشعوب، ورغم تكلفتها  المدمرة، انتشلت في المحصلة عموم الثورات العربية، وقدمت نموذجا حقيقيا لما تتطلبه الحرية من أثمان حقيقية لانتزاعها.
  أما الحقيقة الثالثة التي بات الجميع يتحدث عنها اليوم بلا استثناء، وسنأتي على تفاصيلها تاليا، فهي التي أنجز فيها السوريون، واقعا، ما لم تنجزه الأمة في مائة عام، فالثورة هدمت النظام الدولي، أو تكاد. فهذا النظام الذي نعرفه منذ مائة عام، لم يعد فعليا قائما، وغدا بحاجة إلى بناء جديد أكثر منه ترميما. وهذا يعني أن المشاكل الدولية على وشك أن تبدأ، ربما بصيغة أكثر عدوانية ودموية مما وقع حتى الآن. وهو ما سنراه في محور « تآكل النظام الدولي».
  والحقيقة الرابعة أن بقاء « الدولة العربية» صار موضع نقاش في الغرب قبل الشرق، بعد أن تآكلت مشروعيتها، إلى الحد الذي لم يعد النظام السياسي يعنيه لا خدمات ولا حقوق ولا أمن اجتماعي ولا حاضر ولا مستقبل، بقدر ما تعنيه اللحظة الراهنة التي يعيشها. بل أن التغيير الديمغرافي والجغرافي صار واردا على كل لسان إلى الحد الذي يتحدث فيه البعض عن اختفاء دول مثل العراق وسوريا[7]، وهو ما يتجاوز الحديث عن انهيار الشرعيات التي أوجدت الدولة نفسها.

المبحث الثاني

أزمات الرأسمالية العالمية

   بخلاف النظرية الماركسية التي روجت أطروحاتها للعدالة الاجتماعية والحقوق الجماعية، فقد اتخذت الرأسمالية، كنمط حياة لبرالي أيضا، من الحقوق الفردية، مطية لترويج فلسفتها. وتبعا لذلك فإن كل الموجودات المادية والمعنوية بكافة أشكالهما وتحولاتهما هي بالضرورة سلع قابلة للبيع والشراء في السوق. فالكائنات الحية والجمادات والأديان والتواريخ والحضارات والحقوق والقيم والأخلاق والسلوك والعلاقات والمشاعر والثقافات والفن والجمال والعلوم والفلسفات والقوانين والدساتير وحقوق الإنسان والأمم والشعوب والأفراد والجماعات والأوطان والحروب والسلام والإرهاب والماء والهواء والمنتجات والمحرمات والمباحات، هي مجرد سلع، أو أنها قابلة للتسليع والإخضاع لشروط السوق، حيث مبدأ « الكسب والخسارة». كل هذه السلع تخضع لمبدأ فلسفي رأسمالي صارم من نوع: « دعه يعمل دعه يمر»، وإنْ لم ينفع فإن مبدأ « الغاية تبرر الوسيلة» بالمرصاد، لكل مخالف أو عقبة، من أي نوع وعلى أي مستوى.
    هذا التوحش يرجع إلى أن مكانة الرأسمالية من اللبرالية هي بالضبط كمكانة كافة الفلسفات الوضعية والعقائد الدنيوية والمحرفة منها، فهي الابنة الشرعية للبرالية، التي أعلنت الحرب، منذ عهد آدم عليه السلام وإلى يومنا هذا، على كل ما تراه قيودا تحد من حرية الفرد. فحاربت الله والرسل والأنبياء قبل أن تحارب الناس. وبالنسبة لها؛ فمن حق الفرد أن يختار طريقة عيشه، وما يشاء من القناعات، وله مطلق الحرية في التصرف والاعتقاد، بشرط ألا يعترض على ما يفعله الآخرون أو يسيء بحريته إليهم. وتبعا لذلك لا يحق لأية منظومة عقدية أو قيمية أو إنسانية أو ضرورة اجتماعية أو خصوصية ثقافية أو تاريخية أو حضارية، الاعتراض على ما يختاره الفرد لنفسه. هي فلسفة؛ يلخصها أحد اللبراليين بمبدأين:
  • « أولا: حرية الفرد في الاختيار، والأفراد في التجمع، وتكوين منظمات ومؤسسات مدنية مستقلة. ومع هذا يجب أيضا احترام مشيئة كل فرد في المجتمع مهما كانت معتقداتهم».
  • ثانيا: سيادة القانون الحامي لمبدأ حرية الفرد، وتكوين حكومة قائمة فقط على تنفيذ تلك القوانين». وبحسبه أيضا؛ فإن « حرية التعبير ليس لها أي استثناءات مهما كانت».
     نمط حياة متوحش، ومنطق بوهيمي إمبراطوري[8] أطبق على الأرض دفعة واحدة، بعد الحرب العالمية الأولى، واتخذ من النظام الدولي غطاء شرعيا له، وأزهق أرواح عشرات الملايين من البشر، وأغرق بقيتهم في الدماء إلى يومنا هذا، وسلط عليهم قيمه العنصرية التي تعتبرهم حتى دون البشر، وأطلق العنان لأوسع وأضخم عملية نهب واستعباد وتوحش رأسمالي وحروب غير مسبوقة في التاريخ الإنساني، لا تزال وقائعها مستمرة حتى الآن[9]. فكم بقي للرأسمالية من عمر كي تبقى مهيمنة على عقلية البشر وحقوقهم وأرزاقهم ومعيشهم؟ بل كم بوسعها أن تستمر؟ ووفق أية شروط؟
   الرأسمالية مثل شقيقتها الماركسية، التي اهتمت بالحقوق الجماعية، في حين أن مشكلاتها وقعت في صلب الحقوق الفردية، التي تعرضت للاستنزاف إلى حد الحرمان الشديد. بل أن مشكلات الرأسمالية غدت بلا حدود. وإذا ما عاينا أزماتها في مستوى أعباء الديون فقط، فسنلاحظ أن أحدا لم يفلت منها، ابتداء من الأفراد والأسر والجماعات والمؤسسات والشركات، وانتهاء بالدول والشعوب. وهي كالماركسية أيضا؛ في مشكلاتها البنيوية، التي تقع في صلب فلسفتها، التي نمت وترعرعت على الاستعمار والحروب والنهب .. وفي منظوماتها القانونية التي وفرت للنهابين حماية وملاذات آمنة للتهرب الضريبي، وتكديس الثروات فيما يعرف بمناطق الـ Offshore .. وفي جشعها الذي لا يرى حلا لمشاكل الديون إلا عبر سياسات التقشف، التي يدفع ثمنها الفرد والمجتمع والدولة، في حين يزداد الأثرياء ثراء على ثراء .. وفي كونها بالنهاية فلسفة وضعية من صنع البشر، لا بد لعمرها من نهاية، وليست عقيدة أزلية[10]، فلن يعود بمقدورها أن تستمر، ناهيك أن تبدع، وهي التي لا تجد من وسيلة للتخلص من أزماتها إلا الترقيعات القانونية لمنظومة اتسع فيها الخرق على الراقع، حتى صار تلاشيها الحتمي أقرب من أية إصلاحات لم تعد تجد لها حيزا في المنظومة.
   سبعون عاما فقط، بدءً من انتهاء الحرب العالمية الثانية، هو عمر الرأسمالية ما بين نموها وازدهارها وغرقها في أزمات طاحنة، وفي عقر ديار نشأتها. بل سبعون عاما مضت هي كل رصيد السلام والأمن في العالم الرأسمالي الغربي، الذي لم يعرف في تاريخه سوى الحروب والقتل ومصادرة الحقوق والمواطنة وإشاعة الظلم والاستعباد لشعوبه، قبل أن يخرج من حدوده لغزو الأمم والشعوب، ولتصدير قيمه وفلسفاته المتوحشة، وممارسة النهب على أوسع نطاق لا سابق له ولا مثيل في التاريخ الإنساني. سبعون عاما مضت وسادة العالم الرأسمالي يبنون دولهم ومجتمعاتهم وثرواتهم وازدهارهم ورفاهيتهم على حساب البشر، حتى أنهم لم يوفروا نهب شعوبهم.

الديون بالأرقام

   بالمقارنة؛ فإن الفرق بين العالم الإسلامي والعالم الرأسمالي هو ذات الفرق بين الصراع على العقائد والصراع على الموارد والثروات. أما الفرق بين الصراعين فيكمن في استعداد الرأسمالية للنهب والغزو والاحتلال والنهب والاستعباد والتحكم والسيطرة بلا حساب لأية مرجعية أخلاقية أو إنسانية إلا في الشكل دون أي مضمون. أما في الإسلام فلم تكن الفتوحات على اتساعها شرقا وغربا لتمارس أي نوع من النهب أو الاستعباد أو الهيمنة، ولم يكن لها من هدف غلا تبليغ الدعوة. ولم يتدخلوا حتى في المجتمع ولا نمط حياة الناس إلا بما يفرضه الشرع من حلال أو حرام. ولو كانت غير ذلك لكان المسلمون أغنى أغنياء الأرض. والحقيقة أن كل ما فعله المسلمون لدى فتحهم البلاد هو الدعوة ومن ثم تطبيق القواعد الشرعية: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾، (6 : الكافرون)، من ﴿ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ﴾، (29 : الكهف).
    في المقابل ثمة سلسلة من الدراسات والتقارير الدولية المنتظمة تغطي عدة جوانب من أزمات الرأسمالية، لاسيما أزمات الديون والتهرب الضريبي والتفاوت الهائل في الدخل وحجم الثروات الخاصة مقارنة بإجمالي الناتج العالمي. أرقام فقط تصيب القارئ بالذهول بينما السياسات لا هم لها إلا مزيد من الإفقار للدول والشعوب على السواء. فلنتابع ونتأمل.
أولا: « كتاب حقائق العالم 2011» ( وكالة المخابرات الأمريكية CIA )
    بحسب الجدول (1) أدناه فقد كان إجمالي حجم الديون سنة 2008 أكثر من 28 ترليون$. لكن بعد سنتين فقط ارتفع إلى أكثر من 36 تريليون$، بزيادة قدرها 12.8%. أما متوسط نصيب الفرد من الديون فزاد عن 23 ألف$ سنة 2010. وإذا تجاوزنا الدول الخمس التي تجاوزت نسبة ديونها إجمالي الناتج القومي فإن متوسط النسبة المئوية لكل المجموعة ارتفع خلال العامين 2008 – 2010 من 56.9% – 75%.
جدول رقم (1): الدين العام لأعلى عشرين دولة
البلد
تقديرات 2008
تقديرات 2010
حجم الدين العام بمليار الدولارات
% لإجمالي الناتج المحلي
نصيب الفرد من الدين $
إجمالي الناتج المحلي %
حجم الدين العام  بمليارات الدولارات
كندا
831
64%
32,829
84%
1,117
البرازيل
775
39%
6,299
59%
1,281
إسبانيا
571
41%
17,598
60%
823
المكسيك
561
36%
5,071
37%
577
هولندا
392
58%
25,152
63%
424
مصر
385
87%
4,846
80%
398
تركيا
362
40%
5,218
43%
411
بلجيكا
350
90%
38,139
101%
398
اليونان
335
97%
42,216
143%
454
كوريا الجنوبية
326
24%
6,793
23%
331
بولندا
303
45%
9,907
53%
381
اليابان
7,469
172%
67,303
198%
8,512
الولايات المتحدة
5,415
38%
29,158
62%
9,133
إيطاليا
1,933
106%
34,627
119%
2,113
ألمانيا
1,931
66%
30,024
83%
2,446
الهند
1,863
56%
1,772
52%
2,107
فرنسا
1,453
68%
27,062
82%
1,767
الصين
1,247
16%
1,427
19%
1,907
المملكة المتحدة
1,158
52%
26,375
76%
1,654
سنغافورة
65,144
106%
309
تايوان
12,075
34%
279
كل البلدان المذكورة
الحجم الكلي للدين
متوسط النسبة المئوية
متوسط نصيب الفرد
متوسط النسبة المئوية
إجمالي حجم الدين العام 
28160
56.9%
23.287
75.09%
36013
Public Debt is total of all government borrowings less repayments that are denominated in a country’s home currency.
* CIA’s World Factbook list only percentage of GDP, the debt amount and per capita is calculated with GDP (PPP) and population figures of same report
ثانيا: تقرير مركز الإحصاء الأوروبي (« اليوروستات» – الربع الأول من عام 2015)
   وبحسب الجدول (2) أدناه، وحتى الربع الأول من سنة 2015، فإن كل دول الاتحاد الأوروبي، فيما عدا ألمانيا وأستونيا ولوكسمبورغ، سجلت في المحصلة، مع قليل جدا من الاستثناءات، نموا مضطردا في نسب العجز في الميزانية السنوية العامة. وهي نسب تؤشر على أن حجم الدين العام يتواصل صعودا بلا توقف. وفي منطقة اليورو ( 19 دولة) تجاوزت الديون حدود الـ 90% سنة 2013 لتبلغ نحو 92% سنة 2014 من إجمالي الناتج القومي، ثم إلى 92.9 في منتصف العام 2015. أما الانخفاض في نسب العجز لكل من الاتحاد ومنطقة اليورو بالمقارنة مع السنوات السابقة فيرجع إلى الاستدانة أكثر مما يرجع إلى ارتفاع في نسب النمو، وكذلك الأمر فيما يتعلق بانخفاض حجم الديون من 11 تريليون$ سنة 2013 إلى 10.3 تريليون.
جدول رقم (2): نسب المديونية والعجز في ميزانية دول منطقة اليورو 2011 – 2014
البلد
نمو العجز في الميزانية العامة%
نمو حجم الدين لإجمالي الناتج القومي %
2011
2012
2013
2014
2011
2012
2013
2014
في 28 دولة
– 4.5
– 4.2
– 3.2
– 2.9
80.9
83.7
85.5
86.8
منطقة اليورو
EA-19)
– 4.1
– 3.6
– 2.9
– 2.4
85.8
89.1
90.9
91.9
بلجيكا
– 4.1
– 4.1
– 2.9
– 3.2
102.0
103.8
104.4
106.5
بلغاريا
– 2.0
– 0.7
– 0.9
– 2.8
15.7
18.0
18.3
27.6
التشيك
– 2.7
– 3.9
– 1.2
– 2.0
39.9
44.6
45.0
42.6
الدنمرك
– 2.1
– 3.7
– 1.1
1.2
46.4
45.6
45.0
45.2
ألمانيا
– 0.9
0.1
0.1
0.7
77.9
79.3
77.1
74.7
استونيا
1.2
– .0.2
– -.2
0.6
6.0
9.7
10.1
10.6
أيرلندا
– 12.7
– .8.1
– 5.8
– 4.1
111.2
121.7
123.2
109.7
اليونان
– 10.2
– 8.7
– 12.3
– 3.5
171.3
156.9
175.0
177.1
إسبانيا
– 9.4
– 10.3
– 6.8
– 5.8
69.2
84.4
92.1
97.7
فرنسا
– 5.1
– 4.8
– 4.1
– 4.0
85.2
89.6
92.3
95.0
كرواتيا
– 7.5
– 5.3
– 5.4
– 5.7
63.7
69.2
80.6
85.0
إيطاليا
– 3.2
– 3.0
– 2.9
– 3.0
116.4
123.1
128.5
132.1
قبرص
– 5.8
– 5.8
– 4.9
– 8.8
66.0
79.5
102.2
107.5
لاتفيا
– 3.3
– 0.8
– 0.7
– 1.4
42.7
40.9
38.2
40.0
لتوانيا
-8.9
– 3.1
– 2.6
– 0.7
37.2
39.8
38.8
40.9
لوكسمبورغ
0.4
0.1
– 0.9
0.6
19.1
21.9
24.0
23.6
هنغاريا
– 5.5
– 2.3
– 2.5
– 2.6
81.0
78.5
77.3
76.9
مالطا
– 2.6
– 3.6
– 2.6
– 2.1
69.7
67.4
69.2
68.0
هولندا
– 4.3
– 4.0
– 2.3
– 2.3
61.3
66.5
68.6
68.8
النمسا
– 2.6
– 2.2
– 1.3
– 2.4
82.1
81.5
80.9
84.5
بولندا
– 4.9
– 3.7
– 4.0
– 3.2
54.8
54.4
55.7
50.1
البرتغال
– 7.4
– 5.6
– 4.8
– 4.5
111.1
125.8
129.7
130.2
رومانيا
– 5.3
– 2.9
– 2.2
– 1.5
34.2
37.3
38.0
39.8
سلوفينيا
– 6.6
– 4.0
– 14.9
– 4.9
46.5
53.7
70.3
80.9
سلوفاكيا
– 4.1
– 4.2
– 2.6
– 2.9
43.4
52.1
54.6
53.6
فنلندا
– 1.0
– 2.1
– 2.5
– 3.2
48.5
52.9
55.8
59.3
السويد
– 0.1
– 0.9
– 1.4
– 1.9
36.2
36.6
38.7
43.9
المملكة المتحدة
– 7.6
– 8.3
– 5.7
– 5.7
81.8
85.8
87.3
89.4
النرويج
13.4
13.8
13.3
9.1
27.5
29.2
29.3
26.4
Source: Eurostat   21/4/2015
http://ec.europa.eu/eurostat/statistics-explained/images/b/b1/Public_balance_and_general_government_debt%2C_2011%E2%80%9314_%28%C2%B9%29_%28%25_of_GDP%29_YB15_II.png
     وفيما يتعلق بحجم البطالة يقدم التقريب في الجدول الثالث نسبا تخص الدول العشر الأكثر مديونية في أوروبا، والتي شهدت سبعة منها احتجاجات صاخبة سنة 2011.
جدول رقم (3): نسب البطالة في الدول العشر الأكثر مديونية في أوروبا / حتى منتصف 2015
اليونان
25.0%
إسبانيا
22.5%
إيطاليا
12.7%
البرتغال
12.4%
فرنسا
10.2%
إيرلندا
9.7%
بلجيكا
8.6%
هولندا
6.8%
المملكة المتحدة
5.6%
ألمانيا
4.7%
Source: Eurostat
http://www.bloomberg.com/markets/european-debt-crisis
ثالثا: دراسة « معهد ماكينزي» –  McKinsey Global Institute
    في أحدث دراساته (فبراير 2015) كشف المعهد عن (1) حجم المديونية العالمية، و (2) ونسبة نموها في الفترة ما بين نهاية سنتي 2007 –  2014. وقد بلغت 199 تريليون$، بنسبة زيادة قدرت بـ 57 تريليون$. أو ارتفاع من 33 تريليون إلى 58 تريليون$. وفي مسح أجراه المعهد على 47 دولة تبين أن نسبة الديون العامة إلى إجمالي الناتج العالمي ارتفعت من 269% إلى 286%.
  وفيما يتعلق بالصين، ثاني أكبر اقتصاد عالمي، أشار المعهد إلى أن القيمة الإجمالية للديون الصينية ارتفعت بسرعة منذ الأزمة المالية العالمية سنة 2008 من 7 – 28 تريليون$، لتصل نسبتها العامة إلى 282%، أغلبها ديون الشركات التي بلغت نسبة 125% بالإضافة إلى الديون الحكومية والمصارف والأسر.
   وتقدم الدراسة نماذج لتضخم الديون السيادية، وطبقا لتوقعات « ماكينزي» فإن الديون ستواصل تضخمها في السنوات القادمة. وفيما ستنخفض ديون ألمانيا من 80% إلى 68% في الفترة ما بين سنتي 2014 – 2019 فإن ديون الحكومة اليابانية ستشهد ارتفاعا خلال الفترة ذاتها ما بين 234% – 258%، وكذا الأمر فيما يتعلق بديون الحكومة الفرنسية التي سترتفع من 104% إلى 119% في الفترة نفسها. أما الصين، فسيتفاقم إجمالي ديونها تحت وطأة القروض الممنوحة من خارج القطاع المصرفي الرسمي، أو ما يسمى بمصارف الظل، وأيضا بفعل تأثير المضاربة العقارية، لينتقل من 7 – 28 تريليون $. وبحسب الدراسة فقد ارتفعت ديون الأسر في العالم من 33 تريليون$ مطلع سنة 2008 إلى 42 تريليون$
    مع نهاية العام 2014. وتبين أن 74% من هذه الديون في 80 دولة شملتها الدراسة كانت ديون رهون عقارية بشكل مباشر أو غير مباشر. أما ديون الشركات فارتفعت في نفس الفترة من 38 تريليون$ إلى 56 تريليون$، مثلها ديون المؤسسات المالية التي ارتفعت من 37 – 45 تريليون$.
رابعا: بيانات موقع « visualcapitalist»[11]
    اعتمادا على بيانات لصندوق النقد الدولي، وفي 6/8/2015 قدم Jeff Desjardins، مؤسس ومدير موقع « visualcapitalist» المتخصص في الشأن الاقتصادي العالمي، ، تمثيلات بيانية جذابة تختصر مشكلة الديون العالمية أو حجم اقتصاد الدول في رسم بياني واحد. وبسبب عدم وضوح الرسم، هنا، قمنا بتفريغ نسبة الديون العالمية لإجمالي الناتج العالمي في الجدول الرابع. وبين التمثيل أن حجم المديونية العالمية الحكومية بلغت 59.7 تريليون دولار، لكن بدون احتساب ديون الأفراد والشركات وأية التزامات تمويلية أخرى.
    بطبيعة الحال، وبالنظر إلى حجم الاقتصاد، تبدو المشكلة واقعة في صلب النظام الرأسمالي العالمي. إذ أن 75% من الديون العالمية تتحملها الولايات المتحدة واليابان وأوروبا. فاقتصاد الولايات المتحدة يشكل 23.3% من الاقتصاد العالمي لكنها تدين له بـ 29.1٪، واليابان 18.6% بينما تدين بـ بنحو 20%. و تتحمل 7 دول من أصل 15 دولة أوروبية 26% من المديونية العالمية.
جدول رقم (4): نسبة الديون العالمية لإجمالي الناتج العالمي%
البلد
%
البلد
%
الولايات المتحدة
29.05
المكسيك
0.98
اليابان
19.99
بلجيكا
0.92
الصين
6.25
أستراليا
0.77
المملكة المتحدة
3.92
كوريا
0.74
ألمانيا
4.81
اليونان
0.71
إيطاليا
4.61
النمسا
0.58
فرنسا
4.35
سويسرا
0.54
كندا
2.70
سنغافورة
0.52
البرازيل
2.49
تركيا
0.50
إسبانيا
2.15
البرتغال
0.49
الهند
2.06
بولندا
0.49
هولندا
0.98
روسيا
0.49
بقية دول العالم
8.92
إجمالي حجم الدين 59.7 تريليون$
والجدول رقم (5) يوضح حجم اقتصاد كل دولة في العالم. وفيه تمثل 34 دولة الاقتصاد العالمي ما نسبته 88.2% من إجمالي الناتج العالمي. أما بقية الدول غير المذكورة فيبلغ إجمالي حجم اقتصادها مجتمعة 11.8%[12].
جدول رقم (5): نسبة اقتصاد كل دولة من إجمالي الناتج العالمي%
البلد
%
البلد
%
الولايات المتحدة
23.32
المكسيك
1.72
اليابان
6.18
بلجيكا
0.71
الصين
13.09
أستراليا
1.93
المملكة المتحدة
3.94
كوريا
1.9
ألمانيا
5.17
النمسا
0.58
إيطاليا
2.88
سويسرا
0.95
فرنسا
3.81
تركيا
1.08
كندا
2.39
إندونيسيا
1.19
البرازيل
3.15
إيران
0.54
إسبانيا
1.88
جنوب أفريقيا
0.46
الهند
2.74
الأرجنتين
0.6
هولندا
1.16
كولومبيا
0.54
الدنمارك
0.46
تايلند
0.51
بولندا
0.74
تايوان
0.68
روسيا
2.49
الإمارات العربية
0.56
السويد
0.75
السعودية
1.01
النرويج
0.68
بقية دول العالم
8.8
اليونان
0.33
إجمالي حجم الدين 59.7 تريليون$

 الأثرياء والتهرب الضريبي

   لا يجادلن أحد في أن أعظم كوارث الرأسمالية تتعلق بما أفرزته من شرائح لا يمكن سوسيولوجيا أن تصنف في مدى التفاوت في الدخل. فهي أشد وحشية من الوحوش الضارية ذاتها. فلا مبدأ لها ولا أخلاق ولا قانون يردعها ولا تعنيها أية مسؤولية في الأرض من قريب أو من بعيد. وهي في الحقيقة أشبه ما تكون سلوكا بالتماسيح الفتاكة الخالية من أية مشاعر تجاه كل كائن سواء كان حيا أو جمادا. والمشكلة هنا لا تتعلق فقط بكافة أسباب الاحتيال الساعية بلا ضمير إلى جمع الثروة وتكديسها بل في صناعة ملاذات آمنة للتهرب من الاستحقاقات الضريبية تعرف باسم « Offshore». وهي مناطق إما أنها تقع خارج القوانين السيادية أو أن منشؤوها هم أنفسهم من وضع قوانينها بما يتلاءم ومصالحهم وأهدافهم. وهي في الواقع في تحالف بغيض مع السلطات السياسية وكذا البنوك والمؤسسات المالية .. هي باختصار عصابة دولية لا هدف لها إلا الاستحواذ على قوت الناس وأرزاقهم كما تستحوذ على الاقتصاد العالمي وحقوق الدول وممتلكاتها وثروات الأمم والشعوب.
   في سنة 2011، وبحسب بيانات مؤسسة « كاب جيمني للخدمات المالية» و « رويال بنك أوف كندا» خسر أثرياء العالم نحو 700 مليار$، لكنه مبلغ بالكاد يصل إلى 1.7% من قيمة ثرواتهم البالغة نحو 42 تريليون$. لنتتبع أحوالهم قليلا عبر سلسلة من التقارير ذات الصلة.
أولا: تقرير مؤسستي « كاب جيميني للخدمات المالية» و « آر بي سي لإدارة الثروات»
    في 19/9/2012 نقلت وكالة رويترز للأنباء عن تقرير مشترك للمؤسستين يفيد بأن منطقة آسيا والهادي تحتضن 3.37 ملايين من أصحاب الثروات الذين تبلغ ثروة كل واحد منهم مليون دولار أو أكثر، مقارنة مع 3.35 ملايين في أميركا الشمالية و3.17 ملايين في أوروبا. وأن 54% منهم يتركزون في اليابان و 17% في الصين و5% في أستراليا. وحتى سنة 2010 بلغ حجم ثرواتهم نحو 10.7 تريليون$، وهو رقم قريب من أقرانهم في شمال القارة الأمريكية (11.4 تريليون$).
ثانيا: تقرير « مصرف كريدي سويس» [13]
    وفي 15/10/2014 أصدر « مصرف كريدي سويس» تقريرا ذا صلة أشار فيه إلى أن إجمالي الثروة العالمية تضاعف من 117 تريليون$ سنة 2000 إلى 263 تريليون دولار. وقال بأن 1% من سكان الأرض يمتلكون أكثر من 48% من الثروة العالمية، في حين أن النصف السفلي من السكان يمتلك أقل من 1% من الثروة. وعن توزيع الثروة بين الأغنياء فقد أوضح التقرير بأن الأمريكيين الشماليين يحتلون المرتبة الأولى بنسبة 34.7%، ثم الأوروبيون بنسبة 32.4%، ثم الآسيويون ومواطنو الباسيفيك في المرتبة الثالثة 18.9%، فيما يحتل الصينيون المرتبة الرابعة والأخيرة بنسبة 8.1%. وكغيره من الدراسات والتقارير جدد تقرير المصرف التأكيد على أن الانتعاش الاقتصادي الذي أعقب الأزمة المالية سنة 2008 صب في صالح الأثرياء.
ثالثا: تقريري البنك السويسري « يو بي إس» و « شركة ويلث إكس الاستشارية»
 بعض التقديرات وتفاصيل أخرى أكدها تقرير مشترك للمؤسستين ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية « فرانس برس خلاصته في 21/11/2014. فقد أشار تقرير البنك إلى أن 0.004% من سكان العالم يملكون نحو 30 تريليون$، بنسبة 13% من إجمالي ثروة العالم. ووفق التقرير أيضا، فإن 211275 شخص اعتُبروا من أثرى الأثرياء بتجاوز ثروات كل منهم 30 مليون دولار، وأن من بينهم 2325 يملكون أكثر من مليار دولار. ومع أن أعداد الأثرياء زادت بنسبة 6% مقارنة بسنة 2013، إلا أن ثرواتهم زادت بنسبة 7% مع زيادة أسعار الأسهم والعقارات في أماكن عدة في العالم. وأشار التقرير أيضا إلى أن ثلث المالكين لـ 30 تريليون$ يعيشون في أميركا الشمالية، وأكثر من ربعهم في أوروبا، و23% منهم في آسيا.
رابعا: تقرير « أوكسفام»
    من جهتها شنت وكالة الإغاثة الدولية « أوكسفام» حملات ضارية على أثرياء العالم ورموز الـ « Offshore» مطالبة بنظام ضريبي عالمي عادل. وعشية انعقاد مؤتمر « دافوس» الاقتصادي كشفت المديرة التنفيذية لـ « أوكسفام، كيفن روسيل، في 19/1/2014، وعبر تقرير أعدته للمؤتمر باسم الوكالة أن 85 ثريا في العالم يمتلكون ما نسبته 48% من الثروة العالمية[14]، وأن ثروة هؤلاء ستبلغ 50% بحلول العام 2016. وهي نسبة تفوق بـ 65 ضعف ثروة نصف سكان العالم الأقل فقرا. وهي كافية للقضاء على الفقر في العالم بما يعادل أربعة أضعاف.
    وقالت روسيل: « من المثير للذهول أنه في القرن الحادي والعشرين لا يملك نصف سكان العالم (3.5 مليار شخص) ما تملكه مجموعة من الناس لا يتعدى عددها ركاب حافلة من طابقين .. فضلا عن أن الملاذات الضريبية الآمنة تتسبب سنويا بخسارة أكثر من 156 مليار$ من الإيرادات الضريبية».
   أما نسبة الـ 1% التي تناقلتها وسائل الإعلام وأثارت الالتباس فقد لاحظ التقرير أن أغلب الـ 52% المتبقية من الثروة يتمتع بها أولئك الذين أُدرجوا ضمن العشرين الأثرى في العالم، ولعلهم بالإضافة إلى الأثرياء الـ 85 يمثلون ما نسبته 1% من السكان الذين يمتلكون نصف الثروة العالمية. في حين يقتصر نصيب 80% من السكان على 5.5% من الثروة.
خامسا: « شبكة العدالة الضريبية»
   وبالنسبة لـ « شبكة العدالة الضريبية» المختصة بدراسة التهرب الضريبي وملاحقة رموزه وملاذاته في العالم فقد استعانت بكبير الخبراء الاقتصاديين السابق لدى مؤسسة « ماكنزي» للاستشارات، جيمس هنري، لإعداد دراسة مفصلة عن التهرب الضريبي في العالم. واعتمد الباحث على بيانات مستقاة من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والأمم المتحدة ومصارف مركزية. ولاحظت الدراسة[15] التي نشرتها الشبكة على موقعها في 22/7/2012:
  • أن الأصول المالية النقدية المخبأة في مناطق الـ « Offshore» تبلغ نحو32 تريليون$، تسببت بخسارة نحو280 مليار$ من الإيرادات الضريبية.
  • وأن تلك الأموال الضخمة التي وضعتها الصفوة تؤثر في ميزانيات 139 دولة نامية.
  • وأن الأصول غير المالية، كالعقارات والذهب واليخوت وخيول السباق، تقدر بما بين 21 – 32 تريليون$.
  • وأن أثرياء الدول النامية جمعوا منذ سبعينات القرن العشرين وحتى سنة 2010 ما بين 7.3 – 9.3 تريليون$ « كثروة خارجية غير مسجلة».
  • وأن الثروات الخاصة في الملاذات الخارجية تشكل « ثقبا أسود ضخما في الاقتصاد العالمي وليس مجرد فجوة مالية كما يصفها البعض.
جدول رقم (6): تقديرات الثروة المخبأة في مناطق Offshore / 19 تموز 2012
البلد
مليارات $
البلد
مليارات $
الصين
1189
نيجيريا
306
روسيا
798
ماليزيا
283
كوريا
779
هنغاريا
242
البرازيل
520
سنغافورا
169
الكويت
496
أوكرانيا
167
المكسيك
417
بولندا
165
فنزويلا
406
تركيا
158
الأرجنتين
399
إيران
147
إندونيسيا
331
ساحل العاج
141
السعودية
308
كازاخستان
138
مجموع التقديرات
7434 مليار$
المصدر: tax justice network the price of offshore revisited – 19 July 2012
    تتعلق التقديرات الواردة في جدول رقم (6) وكذا التمثيل البياني الأصلي لها بعشرين من الدول النامية، ولا تتعلق بالولايات المتحدة ولا بالاتحاد الأوروبي واليابان وأستراليا وكندا. لذا فإن التقدير الوارد يمثل نحو خمس الأموال المخبأة، ويشير فقط إلى  نحو 7.6 تريليون$ خبأها الأثرياء في الملاذات الضريبية الآمنة، ومنها نحو 804 مليار$ تخص فقط دولتين عربيتين هما الكويت والسعودية.
سادسا: مسح « مجموعة بوسطن للاستشارات BGC –  »[16]
   قامت المجموعة بعملية تشبه المسح الشامل للثروات الخاصة في العالم. ويتضمن المسح بيانات مفصلة ومذهلة عن عدد المليونيرات في الدول وكذا الأسر المليونيرة، بما فيها أربع دول خليجية هي السعودية وقطر والكويت والبحرين والإمارات. وبعيدا عن التفاصيل يمكن الاكتفاء بنظرة إجمالية عن المسح عبر التمثيل البياني أدناه، والذي يغطي حجم الإجمالي العام للثروات الخاصة، وواقعها، ونموها في الفترة ما بين 2012 – 2014، وتَوقُّع حجمها سنة 2019. وهي موزعة على سبعة مناطق. وفيما يلي تفكيك موضوعي للتمثيل:
تمثيل بياني: حجم الإجمالي العام للثروات الخاصة، ونموها في الفترة ما بين 2012 – 2014

واقع النظام الدولي اليوم - النسخة النهائية.pdf - Adobe Reader

1) نمو حجم الثروات الخاصة
    بلغ إجمالي حجم الثروات الخاصة في العالم سنة 2012 حوالي 130.7 تريليون$، وفي العام التالي 2013 ارتفع الإجمالي ليصل إلى 146.8 تريليون$  بنسبة نمو بلغت 12.3%. وفي سنة 2014 بلغ الإجمالي 164.3 تريليون$ بنسبة زيادة أيضا بلغت نحو 11.9%. ومن المتوقع أن يرتفع الإجمالي سنة 2019 إلى 222.1 تريليون$ بنسبة زيادة قدرت بـ 6.2%.
2) أمريكا الشمالية
  سجلت أمريكا الشمالية، ضمنها كندا، أعلى نسبة نمو من الثروات الخاصة في العالم. وبلغ حجمها سنة 2012 نحو 42.2 تريليون$. وفي سنة 2013 ارتفعت إلى 48.2 تريليون$ بنسبة زيادة 14.2%، وواصلت الارتفاع سنة 2014 لتبلغ 50.8 تريليون$ بنسبة زيادة 5.6%. ومن المتوقع أن يصل حجم الثروات الخاصة سنة 2019 إلى 62.5 تريليون$ بنسبة زيادة 4.2%.
3) أوروبا الغربية
  أوروبا الغارقة بالديون احتلت المرتبة الثانية في رصيد الثروات الخاصة في العالم. وبلغت 36.3 تريليون$ سنة 2012. وفي سنة 2013 ارتفعت إلى 37.2 تريليون$ بنسبة 2.4%. ولم تتأثر بأزماتها بقدر ما سجلت ارتفاعا آخرا سنة 2014 لتصل إلى 39.6 تريليون$ بزيادة نسبتها 6.6%. ومن المقدر أن ترتفع سنة 2019 إلى 49 تريليون% بنسبة نمو 4.3%.
4) أوروبا الشرقية
   هي المنطقة الأقل حيازة للثروة، لكنها ليست كذلك فيما يتعلق بالدول. وفي الإجمال بلغت ثرواتها الخاصة سنة 2012 نحو 2.1 تريليون$. وفي السنة التالية (2013) نمت لتصل إلى 2.4 تريليون$ بزيادة ملحوظة بلغت 14.6%. ثم ارتفعت إلى 2.9 تريليون$ سنة 2014 بزيادة نسبتها 18.8%. ومن المنتظر أن تصل إلى 4.6 تريليون$ سنة 2019 بنسبة زيادة 10%.
5) اليابان
   سجلت اليابان سنة 2012 ثروات خاصة بحجم .13.5 تريليون$. وسنة 2013 بلغت 14 تريليون$ بنسبة زيادة 3.3%. وفي سنة 2014 ارتفعت إلى 14.3 تريليون$ بزيادة أقل من السنة السابقة بلغت 2.5%. وبزيادة طفيفة تصل إلى 1.6% ستبلغ ثرواتها الخاصة سنة 2019 نحو 15.5 تريليون$.
6) أمريكا اللاتينية
  3.2 تريليون$ هي حجم الثروات الخاصة في أمريكا اللاتينية سنة 2012. و3.4 تريليون$ سنة 2013 بزيادة مئوية بلغت5.9%. وفي سنة 2014 بلغت 3.7 تريليون$ بنسبة 10.5. وستبلغ 6.6 تريليون$ سنة 2019 بزيادة قدرها 12%.
7) الشرق الأوسط وأفريقيا
   إلى حد سنة 2012 كانت الثروات الخاصة بحدود 4.6 تريليون$. لكنها ارتفعت سنة 2013 بنسبة 11.5% لتصل إلى5.2 تريليون$، وسترتفع إلى 5.7 ترليون$ بنسبة 9.4%، بانتظار العام 2019 حيث سيصل حجم الثروات إلى 8.8 تريليون$ بنسبة زيادة تقدر بـ 9.3%.
8) آسيا والباسيفيك
   من جهتها تشهد المنطقة تكدسا مهولا للثروات الخاصة. إذ بلغت سنة 2012 نحو 28.8 تريليون$. وابتداء من هذا التاريخ ستشهد ارتفاعات ضخمة في حجم الثروات. ففي سنة 2013 بلغ حجمها 36.5 تريليون% بنسبة زيادة وصلت إلى 27%. ثم في سنة 2014 ارتفعت النسبة إلى 29.4% ليصل حجم الثروات إلى 47.3 تريليون$. وفي سنة 2019 من المتوقع أن يصل حجمها إلى أرقام مهولة بحدود 75.1 تريليون$، وبنسبة زيادة 9.7%.
   كما تحدثت « مجموعة بوسطن» عن التفاوت في دخل الأسر مشيرة بلسان العضو المنتدب في المجموعة، ماركوس ماسي، أن العائلات الثرية بالأسواق المتقدمة، مثل أوروبا واليابان، تسيطر على 26%  و22% على التوالي بسبب عوامل اجتماعية.
   واحتلت سنغافورة رأس قائمة عام 2011 بعدد 188 ألف مليونير، بنسبة 17.1% من عدد السكان، وجاءت قطر في المرتبة الثانية بعدد 47 ألف مليونير وبنسبة 14.3% من عدد السكان. والكويت في المركز الثالث بـ83 ألف مليونير، وبنسبة كثافة سكانية بلغت 11.8%. وجاءت سويسرا في المركز الرابع بعدد 322 ألف مليونير، وفي المركز الخامس جاءت هونغ كونغ، بـ 212 ألف مليونير، وبنسبة كثافة بلغت 8.8%. وفي المركز السادس جاءت الإمارات العربية المتحدة بواقع 57 ألف مليونير، وبنسبة كثافة 5%.
أما الولايات المتحدة الأميركية فاحتلت المركز السابع بـ 51.3 ألف مليونير، وبنسبة كثافة سكانية بلغت 3.6%، ثم إسرائيل بـ 83 ألف مليونير وتايوان بـ 24.6 ألف مليونير. وفي المركز العاشر سجلت البحرين 8 آلاف مليونير وبنسبة كثافة سكانية بلغت 3.2%. وعلى صعيد قائمة تركيز الثروة في قائمة الأثرياء جدا، أو الأشخاص الذين تبلغ ثروتهم أكثر من 100 مليون دولار، فقد احتلت سويسرا المرتبة الأولى تلتها بريطانيا ثم سنغافورة في المرتبة الثالثة.
   أما فيما يتعلق بالسعودية، كنموذج، فقد كشف المسح أن:
  • 112 ألف سعودي يمتلك كل منهم، كثروات خاصة، مليون دولار أو أكثر، وأن هؤلاء يديرون حالياً من الثروة في السعودية ما يقارب 78% مقارنة بـ  76% سنة 2011.
  • وأن نحو 3.8 مليون عائلة سعودية تمتلك أصولا مالية قابلة للاستثمار تصل الواحدة منها إلى مائة ألف$ مقارنة بـ 3.3 مليون عائلة سنة 2007.
  • وأن ما يمتلكه 265 عائلة تتراوح أصولها القابلة للاستثمار بين 100 – 250 ألف$ تمتلكه عشر عائلات لدى كل منها أصول قابلة للاستثمار بأكثر من مليار$، وتستحوذ على ثروة إجمالية تقدر بنحو 41 مليار$ مقارنة بأربع عائلات إماراتية فقط على هذا المستوى من الثراء، وعائلة واحدة الكويت.
  • وأن 6300 عائلة تمتلك أصولاً قابلة للاستثمار تتراوح ما بين 20 – 100 مليون$، تمثل ما يزيد عن ربع ثروة البلاد.
  • وأن نسبة الفقر في السعودية تصل إلى 17% من إجمالي عدد السكان المقدر بـ 19 مليونا و838 ألف شخص.
  • وأن إجمالي الثروات الخاصة في منطقة الخليج العربي ارتفعت بنسبة 7%، فيما ارتفعت القيمة الإجمالية للثروات الخاصة ما بين سنتي 2011 – 2012 من 4.4 إلى 4.8 تريليون$.
   الفساد يقع في مستويات ثلاثة، منفردة أو مجتمعة: السلطة والمال والجنس. هذه هي خلاصة اللبرالية وشقيقاتها. ولو تتبعنا التقارير الدولية وتفاصيل الأرقام لأصبنا بالذهول حيث استعمال لفظة ثراء في توصيف التكدس المجنون للثروات ليس إلا ذرا للرماد في العيون. ولو تتبعنا الأرقام المتعلقة بالفساد والتهرب الضريبي وانعدام المسؤولية لتبين لنا أن البشرية في ظل النظام الرأسمالي العالمي تواجه تحالفا وحشيا ضاريا بين السلطة والمال. ولو تتبعنا تجارة الجنس، وتحدثنا بلغة الأرقام فلن تختلف النتائج كثيرا أو تبتعد عن حقيقة منظومة الفساد والانحلال القيمي والأخلاقي. ويكفي الإشارة إلى ذاك الرقم الذي يقول بأن دخل صناعة الإباحية سنة 2006 بلغ نحو 97 مليار$، وتكمن طرافة الرقم في أنه تجاوز مجموع مداخيل شركات مايكروسوفت وغوغل وأمازون وإيبي وياهو وأبل ونيتفليكس[17].
   فما الذي يمكن أن يخلفه هذا النظام لاسيما وأن التفاوت في الدخل دق جرس الإنذار من أن الشهور القادمة، وليس السنين، ربما تنذر بتوترات اجتماعية طاحنة في شتى أنحاء العالم؟ هذا ما حذرت منه بعض المؤسسات التي نقلنا تقاريرها هنا. بل أن المخاوف تشتد من احتمال انهيارات اقتصادية واجتماعية ما لم يتم تدارك الأمر، ووضع حد لسوء توزيع الثروة والتهرب الضريبي والفساد المستحكم والتلاعب بمصير البشر وأرزاقهم.
  إلى أي مدى يمكن للرأسمالية أن تستمر وهي التي لا تمتلك من رؤية إلا أن تجعل من الموارد والثروات ميدانا للصراع بين البشر؟ سؤال ملح نطرحه للمرة الرابعة!!! في ضوء سياسات التقشف الساعية لحل مشكلة المديونية المتفاقمة، وفي ضوء سياسات الإذلال المستمرة ضد الدول المدينة كاليونان، وفي ضوء التهرب الضريبي، وفي ضوء وحشية الثراء المتواصل بلا حدود، وفي ضوء التفاوت الرهيب في الدخل بين الأسر والأفراد[18]، وفي ضوء صيحات النذير من انهيار أوروبا وحتى تفكك النظام العالمي …. .
    في مقالة له في « الواشنطن بوست – 29/10/2011» الأمريكية انتقد الكاتب يوجين روبنسن توزيع الثروة على مدار عقود في الولايات المتحدة الأمريكية. وأشار إلى دراسة أجراها مكتب الكونغرس للميزانية بعنوان « اتجاهات في توزيع دخل الأسرة بين عامي 1979 و2007»، تقول بأنه أصبح في البلاد فئة فاحشة الثراء في مقابل أغلبية ساحقة معدومة. وبرر في حينه انطلاق حركة الاحتجاجات الأمريكية التي عرفت باسم احتلوا وول ستريت بـ: « تغول الأغنياء على الفقراء والسرقة من جيوب الفقراء من أجل زيادة ثروة الأغنياء»[19]. فهل هو ذات السبب الذي أدى إلى انطلاق الاحتجاجات في أوروبا بعيد انطلاقها في العالم العربي؟ وهل توزيع الثروة في ألمانيا أكثر عدالة وهي التي يمتلك فيها 10% من السكان ستة تريليونات$ فيما يعيش 90% منهم بأربعة تريليونات$؟
    في30/4/2013 كتب Richard N. Haass، رئيس مجلس العلاقات الخارجية، ومدير التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأمريكية (2001-2003 ) مقالة بعنوان: « العالم بدون أميركا»[20] يتحدث فيها عن أخطر التحديات التي تواجه الولايات المتحدة بالقول: « اسمحوا لي أن أطرح عليكم فكرة متطرفة: إن التهديد الأكثر خطورة الذي يواجه الولايات المتحدة الآن وفي المستقبل المنظور ليس الصين الصاعدة، أو كوريا الشمالية المتهورة، أو إيران النووية، أو الإرهاب الحديث، أو تغير المناخ. فرغم أن كلاً من هذه المخاطر يشكل تهديداً محتملاً أو فعليا، فإن أعظم التحديات التي تواجه الولايات المتحدة تتلخص في الديون المتزايدة الضخامة، والبنية الأساسية المتهالكة، والمدارس الابتدائية والثانوية الرديئة، ونظام الهجرة الذي عفا عليه الزمن، والنمو الاقتصادي البطيء – باختصار، الركائز المحلية التي تستند إليها قوة أميركا».

المبحث الثالث

تآكل النظام الدولي

منطقة الانعطافات الكبرى

   إذا كانت هيمنة الولايات المتحدة تواجه تحدياتها في الداخل الأمريكي فإن تجليات المواجهة الطاحنة لها تجري في منطقة آسيا والباسيفيك، وفي المقدمة منها الصين واليابان. لكن في مستوى الصراع على النظام الدولي، يبدو المثل القائل بأن « العرس في الشام والدبكة في حلب» هو التعبير الأصدق، عما يجري في المنطقة من انعطافات تاريخية، تمس جوهر النظام الدولي إنْ لم يكن وجوده. هذا ملخص توصيف Martin S. Indyk مساعد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق. ففي مقالة له من جزأين بعنوان: « عودة إلى لعبة الشرق الأوسط – 17/2/2015[21] كتب Indyk في الجزء الأول يقول: « لا يوجد مكان في عالم اليوم تنتشر به الفوضى ويحتاج لإعادة تقعيد النظام بشكل أكثر حرجًا من الشرق الأوسط. إن اللعبة الكبرى بين القوى العظمى المتنافسة يمكن أن يكون أصلها في وسط آسيا، لكنها وجدت أكثر تجلياتها حدة في “تقاطع الإمبراطورية” في الشرق الأوسط. وطالما ما تزال المصالح الأمريكية مشتبكة لا تستطيع الولايات المتحدة أن تتوقف عن لعبها».
    حال الأمة اليوم، في إطار الصراع الدولي، يكاد يكون نسخة طبق الأصل عن حالها عشية الحرب العالمية الأولى سنة 1913. فأعظم الصراعات الدموية الطاحنة تجري على أرضها، والنظام الدولي التقليدي، الذي مضى على ظهوره قرابة مائة عام مضت، يكاد يلفظ أنفاسه هنا في المنطقة إنْ لم يكن قد لفظ أنفاسه فعلا، وتقاسُم النفوذ الدولي والهيمنة تجد تجلياتها هنا أيضا، وكذلك الشلل الذي يضرب مؤسسات النظام الدولي تجد صداها في وقائع لهيب الثورة السورية. وأينما ولى المراقب وجهه لمعاينة ما يجري في العالم لا بد وأن يتوقف هنا. ومن هنا ينطلق!!! والمشكلة العويصة أن الأمة تكاد تكون غارقة في فساد مستحكم، وسط صراعات أيديولوجية واستبدادية وفاشية ووحشية، وتحالفات بلا أية مسؤولية، إلا من الغرام في الاستئثار بالسلطة والثروات والموارد، سواء على مستوى الدول أو النظم السياسية أو الجماعات والأحزاب أو النخب والتيارات الثقافية أو العقدية والطائفية. وكأن ما يجري لا يعنيها، فضلا عن إشغال وانشغال التيارات الثورية والجهادية بصراعات بينية لاستنزافها وإضعافها وترويضها أو شل فاعليتها.
    لكن إذا كانت مشكلة الديون تشكل نذيرا للنظام الاقتصادي والمالي العالميين، فإن بنية النظام الدولي السياسية والقانونية استنزفت إلى الحدود التي تبقيها مجرد هياكل شكلية، بلا فاعلية. الأمر الذي يدفعنا إلى الحديث، على الأقل، عن حتمية إعادة بناء النظام الدولي.
    طالما تميز المشهد التقليدي للنظام الدولي، بوضعية تشريعاته وفلسفاته وبناه المعرفية والذهنية والإدراكية والفلسفية والأخلاقية والقيمية، وكذا وحداته السياسية والإدارية ومؤسساته ومرابطه الكبرى، ومنظوماته القانونية ومواثيقه الحقوقية، ونظم علاقاته وغيرها من التراتيب. ولا ريب أن كل هذه المرجعيات والنظم والأطر كانت مؤهلة للتعامل مع الدول القومية التي صنعها، ومع كل منتجاتها من الأحزاب التي نبتت في رحابها، وكذلك مع كافة الجماعات والحركات الوطنية والتحررية والتيارات السياسية، بمختلف تلاوينها الأيديولوجية والعقدية … والواقع أن كل نواتج النظام الدولي، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والحقوقية والصحية والإعلامية والقانونية والتشريعية، قبلت العمل تحت سقف النظام الدولي كما هو. بل أنها لم تفرط في وسيلة أو تدخر جهدا إلا وبه تزاحمت، طوعا أو كرها أو من باب الأمر الواقع، على أبواب النظام الدولي، والاندراج فيه كما لو أنه آخر المطاف، إما طلبا للاعتراف، أو رغبة في الحماية، أو بحثا عن إنصاف في قضية ما، أو استجداءً لنصرة في مرحلة ما.
     وبدوره كان النظام الدولي، عبر الدول المهيمنة أو في إطار مؤسساته، ذو نفس طويل في التلاعب بحقوق البشر ومصائر الأمم والشعوب، عبر الاحتفاظ بالهيمنة وأدواتها في عقر دار الدول وأنظمتها السياسية، ومساومة الحكام والقوى السياسية والدينية، أفرادا ودولا وجماعات ومؤسسات، وابتزازها إلى حد الاستنزاف التام، والاحتواء والتطويع، ولو على حساب الدين والحضارة والتاريخ والثقافة، أو ما يسمى بالمصطلح السياسي بـ « الثوابت»، أو فرض العقوبات السياسية والاقتصادية، أو دعم الانقلابات والتدخل العسكري المباشر إذا لزم الأمر، بل وزرع وتنمية ما يلزم له من النخب لتبني خطابه وفلسفاته وأطروحاته التحريفية، المعادية للأمة والدين، والاجتهاد في ترويج نماذجه السياسية والثقافية، وحتى بناء التحالفات، واستعمال القوى المادية العنيفة كالجيوش وأجهزة الأمن ومؤسساتها وقواعدها العسكرية والأمنية في شن حروبه داخل الدول القومية، وأخيرا « احتلال المجتمعات»[22] ذاتها.
     كان العالم الإسلامي وفي القلب منه العالم العربي، عقر الدار، أكثر من تعرَّض، على وجه الأرض من الأمم والشعوب، للتدمير والتخريب والسيطرة والتحكم في مصيره، ماضيا وحاضرا، دون أن يكون هناك أدنى أمل في الخروج من سطوة هذه الهيمنة. فلم تحتفظ دوله بثروة ولا بحقوق ولا تنمية ولا اقتصاد ولا سياسة ولا حريات ولا أمن ولا أمان بقدر ما شاع واستوطن في دوله الاستبداد وثقافته وقيمه التي ألقت بظلالها على الفرد والمجتمع حتى غدت ثقافة العبودية لدى الغالبية الساحقة من الناس، موالين ومعارضين، كما لو أنها الأصل والدين الحنيف وما دونها أو فوقها من الحريات استثناء وترف وتعدًّ على سماحة الإسلام وولاية الأمر.
   ما كان للنظام الدولي أن يورث في العالم الإسلامي غير هذه النتائج، لاسيما وأن كينونته ووجوده تم ربطهما في المنطقة بـ « المرابط» الأربعة الكبرى. وما كان للنظام الدولي أن يعتق المنطقة وهي سيدة الانعطافات في التاريخ الإنساني، فكيف يمكن ذلك؛ والإسلام بالمرصاد لكل المنتجات الوضعية التي ائتلفت لمحاربته؟ وكيف يمكن لهذا النظام أن يركن حتى إلى ما يسمى بـ « القوى الإسلامية المعتدلة» بحيث يسلم لها زمام الأمور؟
    لكن في مشهد النظام الدولي الأمني، انزوت الأيديولوجيات القومية واليسارية، بعد الفشل الذريع الذي منيت به في تحقيق أية نتائج تذكر، بل أنها اندرجت في غالبيتها الساحقة، بوعي أو بدون وعي، إما في أطر النظم القائمة، أو في أطر النظام الدولي نفسه، أو حتى في الأطر اليهودية والصهيونية، أو في أطر الصفوية الجديدة. وفي ذات الوقت الذي كان يشهد هذا الأفول المريع، كان ثمة قوى صاعدة بدأت تشق طريق بواكيرها الأولى عبر ستينات القرن العشرين.
     فقد مثَّل الغزو السوفياتي لأفغانستان سنة 1979 أول لحظة انعطاف فارقة، عبر التيارات الإسلامية المقاومة والجهادية، التي أخذت بالظهور تباعا في شتى أنحاء العالم الإسلامي. وقدمت خطابا عقديا (1) مناهضا للنظام الدولي، و (2) رافضا لكل كينوناته ومرجعياته وآليات عمله وسياساته، بل ولكل مخرجاته ومنتجاته. ولم تعد « التيارات الجهادية العالمية» على وجه الخصوص لتقبل الدخول في أية مساومات مع النظام الدولي ومؤسساته، أو مع النظم السياسية، أو مع القوى السياسية المخالفة، أو حتى مع ما بات يعرف بالمؤسسات الدينية التقليدية ورموزها. بل أنها، وخشية من « الإسلام الأيديولوجي»، رغم انزلاقها فيه، رفضت، ولمَّا تزل، أية مصالحات أو تقاطعات شرعية أو رسمية محلية، وأبت؛ ولم تأبه لأية نتائج قد تترتب على اختياراتها، ولا لأية نداءات أو محاولات احتواء أو تبرير أو تفاهم.
     أما ثاني لحظات الانعطاف الفارقة، فتمثلت في الثورات الشعبية، التي انطلقت شرارتها في تونس، وامتد لهيبها شرقا، لتطيح بأعتى النظم السياسية، وتتوهج غربا، وتحط بعض رحالها شمالا باتجاه أوروبا، وصولا إلى شمال القارة الأمريكية. هذه اللحظة مثلت أول وأبرز اشتباك محلي مع الاستبداد، وخارجي مع النظام الدولي. ولعل أميز ما في هذه الثورات، التي خرجت بلا قيادات، أنها بدت كما لو أنها ردا، ليس فقط على عقود الاستبداد والظلم وسوء الحال، بل وعلى فشل كافة الأطروحات الأيديولوجية، ورموزها ومؤسساتها وأدائها وآليات عملها.
  هاتان اللحظتان الفارقتان هزتا النظام الدولي من الجذور. وحثتا جميع القوى والنظم السياسية في العالم على التحرك، لمنع توغلهما، ومحاصرة آثارهما، وإبقائهما في حالة قذف باتجاه الداخل. فالنظام الدولي الذي كان خلال العقود الماضية قادرا على التعامل مع مخرجاته ومنتجاته، بدا مع تفجر الاحتجاجات في ورطة غير مسبوقة، وهو الذي أمكنه فعلا من التعامل مع الدول والنظم السياسية وما تفرزه حركات التحرر والمقاومة والاحتجاج، إلا أن مرجعياته ومنظوماته التقليدية بدت عاجزة تماما عن التعامل مع الأطروحات العقدية وتمرد الشعوب.
    الطريف في الأمر أن النظام الدولي وظف كل طاقاته العسكرية والأمنية والفكرية والإعلامية والاقتصادية، وخاض فعليا حربين طاحنتين في أفغانستان والعراق، فشلتا في تحقيق أية نتائج تحد من توغل « الفكر الجهادي» وتياراته الضاربة. ولأنه تَراجع اقتصاديا بفعل الديون، والتفاوت الهائل في الثروة بين المكونات الاجتماعية، وصارت له أزمات محلية مستحكمة، فقد بات تدخله عسكريا، كما حالتي العراق وأفغانستان، بالغ الصعوبة، إنْ لم يكن مستحيلا بالمنطق التقليدي الذي تنزل به الجيوش على الأرض. كما أن أدواته ورموزه، ممن يضطلعون بقيادة الثروة المضادة في دول الثورات وحتى في تركيا التي تتعرض لعبث محلي ودولي أقرب ما يكون إلى الثورة المضادة، ما زالوا يسجلون فشلا ذريعا في حسم الموقف لصالحهم.
   في المحصلة؛ فلا النظام الدولي ومرجعياته قادر على حسم الموقف عبر أطره ومؤسساته، ولا الدول الكبرى قادرة على حل مشاكلها وأزماتها أو التجرؤ على التدخل العسكري المباشر، ولا النظم السياسية تمتلك من الشرعية في واقعها وسياساتها بقادرة على أن تفعل شيءً ما يؤمن وجودها ناهيك عن مستقبلها، ولا الدول العميقة وأذرعها بمنآى عن المحاسبة والعقاب وربما الانتقام، ولا الشعوب مهيأة لتنسى أو لتخسر ما خبرته من تجربة جماعية تنفست فيها بعض عبير الحريات. فما الذي يحدث إذن أو سيحدث في قابل الأيام؟

حتمية التفكك

    ما يحدث أن الجغرافيا تتفكك، والنظم السياسية العربية في حالة فزع وتور واستنفار لا مثيل له، فبعضها انهار، وآخر في طور الانهيار، وبعضها يتمنع ويتحصن، وثالثها يتوحش ويهاجم، ورابعها يتآمر، وخامسها في حالة دفاع، وروسيا القيصرية في حالة هجوم، والهيمنة الأمريكية تنحسر، واليابان تنكمش، والصين تترقب وتتوسع، وأوروبا تحبس أنفاسها، والمشروع الصفوي يهاجم ويهدد، والدولة اليهودية في هلع متزايد، والثورات السلمية تتعسكر وطنيا وعقديا، والشعوب تفقد صبرها …  . فما الذي يمكن أن تكون عليه حالة النظام الدولي مع هكذا أوضاع؟
    كغيره من سياسيي الغرب كتب وزير الخارجية الألماني الأسبق، joschka fischer، مقالة بعنوان: « أمريكا المفتقدة[23] – 30/5/2013»، قال فيها: « (لقد) جرى الحفاظ على النظام الإقليمي الذي خلقته القوى الاستعمارية الفرنسية والبريطانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى وإلى نهاية الحرب الباردة والحقبة الوجيزة من الهيمنة الأميركية الأحادية التي أعقبت نهايتها، بيد أن اضطرابات السنوات الأخيرة العنيفة ربما تفضي إلى نهاية هذا النظام .. الآن أصبحت الحدود الاستعمارية محل تشكيك، ومن الصعب أن نتكهن بما قد تنتهي إليه أحوال سوريا ولبنان والعراق والأردن. والآن أصبحت إمكانية تفكك المنطقة وإعادة تشكيلها – وهي العملية التي قد تطلق أعمال عنف لا توصف كما يحدث في سوريا – أعظم من أي وقت مضى».
     كانت الولايات المتحدة قد اعترفت مبكرا بالخطر المحدق بالنظام الدولي. وجاء في أول فقرة لنص « تقرير مراجعة استراتيجيا الأمن القومي[24] لسنة 2010صدر في 2/6/2010» ما يلي: « في مطلع القرن الحادي والعشرين، تواجه الولايات المتحدة الأميركية مجموعة واسعة ومعقدة من التحديات لأمننا القومي. وكما أن أميركا ساعدت على تحديد مسار القرن العشرين، علينا أن نبني الآن مصادر قوة أميركا ونفوذها، وأن نصوغ نظاما دوليا قادرا على التغلب على تحديات القرن21». وفي فقرة أخرى يقول التقرير: « سيكون من المدمر لكل من الأمن القومي الأميركي والأمن العالمي، إن استخدمت الولايات المتحدة ظهور تحديات جديدة وعيوب النظام الدولي كذريعة للانسحاب منه».
   لكن ما أن وقعت مذبحة الغوطة الكيماوية في سوريا في 21/8/2013 حتى ثارت زوبعة دولية تمخضت عن حديث علني بين رموز النظام الدولي حول حقيقة النظام وقدرة مؤسساته على العمل. وعشية اجتماع مرتقب لمجلس الأمن لبحث وقائع المذبحة دعت صحيفة « الواشنطن بوست29/8/2013 » الأمريكية الرئيس باراك أوباما إلى: « إثبات أن هناك عواقب وخيمة لمن يجرؤ على انتهاك الخطوط الحمراء التي تضعها الولايات المتحدة، وإلا فإن النظام العالمي سيبدأ بالتفكك». ولما فشل المجلس في اتخاذ أي إجراء، بسبب الموقف الروسي، سارعت نائبة المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية، ماري هارف، إلى التعبير عن: « تشكك (ها) فيما إذا كان المجلس هو المكان المناسب للتصدي للحرب المستمرة منذ عامين». ومن جهته؛ وصف الكاتب البريطاني، بول فاليلي، في مقالة له في صحيفة « ذي إندبندنت أون صنداي – 8/9/2013 » البريطانية، مجلس الأمن الدولي بأنه « معطل»، ونسبت الصحيفة إلى سفيرة الولايات المتحدة الأممية، سمانثا باور، قولها: « إن المجلس لم يعد يقوم بالواجبات التي نشأ من أجلها في أعقاب الحرب العالمية الثانية». وأشارت إلى أن: « النظام الأممي اُبتكر عام 1945 للتعامل مع التهديدات من هذا النوع في المقام الأول» .. (لكن) .. « مجلس الأمن الدولي لا يقوم بمنع الأخيار من السيطرة على أفعال الأشرار وكبحها، ولكنه يتيح لروسيا استخدام حق الفيتو من أجل حماية حليفها الأسد، رغم إمعان الأخير في ذبح المدنيين بدم بارد وبالغازات السامة»، وأكثر من ذك، قالت الصحيفة أن: « رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، يتبنى نفس وجهة النظر من المجلس الأممي».
   في أعقاب إعلان « الدولة الإسلامية» عن قيام « الخلافة» كرر الرئيس الأمريكي أوباما موقف بلاده في مقابلة مع صحيفة « نيويورك تايمز – 8/8/2014» على موقعها الإلكتروني القول: « لن نسمح لهم بإقامة خلافة بصورة ما في سوريا والعراق، … لكن لا يمكننا فعل ذلك إلا إذا علمنا أن لدينا شركاء على الأرض قادرين على ملء الفراغ». وسواء كان هناك شركاء أو لم يكن فالحقيقة لم تفارق الرئيس حين قال بأن: « ما نراه يحدث في الشرق الأوسط ومناطق من شمال أفريقيا هو بداية تصدع نظام يعود إلى الحرب العالمية الأولى». أما المتحدث السابق باسم الخارجية الأميركية، آدم إيرلي، فقال خلال استضافته على برنامج « ما وراء الخبر – 20/12/2014 الذي بثته قناة « الجزيرة» على وقع معركة عين العرب (كوباني) مع « الدولة الإسلامية» أن: « اتفاقية سايكس بيكو لم تعد موجودة مع تلاشي الحدود بين سوريا والعراق»، … وأن « المنطقة لن تشهد سايكس بيكو جديدة». ومع ذلك فقد ختم بالإشارة إلى: « الحاجة إلى حدود جديدة وكيانات جديدة». وحتى لا يستفز بعض الدول الإقليمية الكبرى فقد ألمح إلى أن: « النقاش حول هذه المسائل يجب أن يكون بين دول المنطقة وليس غيرها». ولا ريب أن المقصود بذلك إيران وتركيا على وجه التحديد بعيدا عن الجماعات الجهادية والثورية المسلحة.
  وفي مقالته « الفائزون والخاسرون في الشرق الأوسط[25] – 3/11/2014» يؤكد fischer joschka  مجددا بأنه: « بات من الواضح أن منطقة الشرق الأوسط تواجه أيضا احتمال انهيار النظام القديم الذي ظل قائما في المنطقة بلا تغيير تقريبا منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، فضلا عن تراجع القوى التقليدية المثبتة للاستقرار في المنطقة».
   وفي مقالة سابقة له بقليل بعنوان: « الغرب المنهَك[26] – 26/8/2014» رأى fischer من  جهته أن: « المناقشة حول مستقبل النظام العالمي تدور في الأساس في الغرب وتحديداً في أميركا الشمالية وأوروبا». وفي شرحه لآليات تفكك النظام الدولي أشار إلى أن: « العواقب الفوضوية المترتبة على التفكك التدريجي لما يسمى باكس أميركانا (السلام الأميركي) واضحة على نحو متزايد»، وأن: « السلام الأميركي كان مكوناً أساسياً من مكونات الأمن الغربي، إلا أن الولايات المتحدة لم تعد راغبة في، أو قادرة على، العمل كشرطي للعالم»، وأنه: « إذا بلغت الأمور ذروة التعقيد في منطقة زلزالية أخرى من السياسة العالمية، أو على وجه التحديد منطقة شرق آسيا، فإن العالم قد يواجه كارثة عالمية نابعة من تزامن العديد من الأزمات الإقليمية. ومن الواضح أن أزمة كهذه لن يتمكن أحد من السيطرة عليها أو احتوائها». وأنه: « حتى الآن لم تسمح العولمة الاقتصادية بظهور إطار واضح للحكم العالمي. ولعلنا الآن في خضم عملية فوضوية يخرج منها ما قد يؤدي إلى نشوء نظام دولي جديد، أو الأرجح هو أننا لا نزال عند بداية هذه العملية».
     من جهته يقر الأمين العام السابق لحلف شمال الأطلسي ( الناتو)،  javier-solana، في مقالته: « سنوات العيش تكتيكيا[27] – 27/10/2014» بفشل استراتيجي يتحمله مهندسو النظام الدولي بعد الحرب الثانية. وفي ضوء الأزمات التي يعاني منها النظام ينطلق Solana من تقييم حالة الانتقال من الثنائية القطبية إلى التعددية فيقول: « الواقع أن النظام الدولي، مع تقدم التحول نحو التعددية القطبية، أصبح غير مستقر ومتوترا على نحو متزايد، ثم أتت الأزمة المالية العالمية في عام 2008 لكي تتفاقم حالة عدم اليقين وانعدام الثقة، الأمر الذي أدى إلى تعطيل اتجاهات مثل العولمة» .. لكن « المشكلة الكبرى كانت فشل البلدان المتقدمة، التي تولت هندسة النظام الدولي في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، في صياغة إستراتيجية شاملة في التصدي للتحديات العالمية وإدارة عملية الانتقال إلى نظام دولي جديد». والسبب أن: « الغرب سمح للمخاوف التكتيكية القصيرة الأمد بعرقلة تطور الرؤية الإستراتيجية الأطول أمدا». لهذا فـ: « ليست روسيا وحدها التي أدارت ظهرها للحداثة الغربية … كما أن الغرب لم يكن مستعدا لتقهقر القوى العالمية والبحث عن المستقبل في الماضي … وتتلخص مسؤولية بقية العالم في بناء خلفية مستقرة … نظام دولي شامل حيث تلتزم الدول بالقواعد والمعايير نفسها».
    وكنماذج أخرى من المناقشات الدائرة حول مصير النظام الدولي؛ عنونت المديرة السابقة للتخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأمريكية، anne-marie-slaughter، مقالتها بسؤال: « كيف يُحكم عالم أفلت زمامه؟ – 31/10/2014» يوحي بأن النظام الدولي وليس فقط النظام الإقليمي انفلت من عقاله. وبخلاف joschka fischer الذي أشار إلى أمريكا وأوروبا كمركز للمناقشات الدائرة حول النظام الدولي، تنقل slaughter رأيا لعجوز السياسة الأمريكية، هنري كيسنجر، يرى فيه أن: « التصورات المتنافسة للنظام العالمي منتشرة ليس فقط في الشرق الأوسط، بل وأيضا في آسيا»، ويرى أن القواعد الدولية إما أنها تتحطم كما تفعل روسيا بوتين التي: « تكسر القواعد الدولية صراحة» دون أن: « تكلف نفسها عناء تبرير تصرفاتها بموجب القانون الدولي، بل إنها تتفاخر باستعادة الأراضي التي حكمها الكرملين ذات يوم وتهدد باستخدام القوة لحماية المنتمين إلى العرق الروسي من تهديدات مزعومة»، وإما أنها في الطريق إلى التحطيم كما سيكون الحال مع الصين التي: « تلعب حاليا وفقا للقواعد الدولية» … لكن كيسنجر يتساءل: « مع تنامي قوتها ومطالبتها بما تعتقد أنها مكانتها التاريخية في آسيا والعالم، فإلى متى قد تنتظر ( الصين) قبل أن تصر على إعادة صياغة القواعد الدولية؟». وتختم slaughter مقالتها بفقرة بالغة الصراحة حين تقول: « الواقع أن مؤسسات ما بعد الحرب العالمية الثانية لم تعد كافية، وقد حان الوقت لإصلاحها وابتكار هياكل وأدوات جديدة مصممة لمعالجة المشاكل العالمية».
     لكن؛ وبعد نحو عام من استشهادات slaughter، وبضعة أسابيع من الإعلان الرسمي عن التدخل الروسي في سوريا (15/9/2015)، كتب كيسنجر نفسه، مقالة في صحيفة « وول ستريت جورنال -18/10/2015»، توقف فيها عند سلسلة الأزمات الطاحنة التي تضرب المنطقة والعالم، وكذا الدور الأمريكي، وما يجب القيام به. والحقيقة أن مقالته بدت، في شموليتها، وكأن الرجل، الذي بلغ من العمر عتيا، يحرص على قول آخر الكلام قبل أن يرحل عن عالم الدنيا. وعلى خلفية ما أفرزته حرب تشرين أول/أكتوبر سنة 1973 من « نظام استقرار» في المنطقة، امتد طوال أربعين سنة، يرى كيسنجر أن: « الشرق الأوسط السني بات عرضة لخطر الابتلاع من أربعة مصادر متزامنة، هي: (1) إيران التي يحكمها الشيعة وما لديها من إرث إمبريالي فارسي، و (2) الحركات الراديكالية أيديولوجيا ودينيّاً التي تناضل لإطاحة الهياكل السياسية السائدة، و (3) الصراعات الراهنة داخل كل دولة بين جماعات إثنية ودينية جُمّعت عشوائيّاً بعد الحرب العالمية الأولى على هيئة دول (آخذة الآن في الانهيار)، و (4) الضغوط المحلية النابعة من اتباع سياسات داخلية سياسية واجتماعية واقتصادية وخيمة». وفيما يتعلق بروسيا وإيران، فقد رأى كيسنجر أن: « التدخل العسكري الروسي في سوريا تسبب في جلب الفوضى للبنية الجيوسياسية التي اتسمت بها منطقة الشرق الأوسط عقودا». أما الدور الإيراني، فيقول: « ما إن بدأ نقاش الخطة الدولية الشاملة المشتركة لتنفيذ اتفاق البرنامج النووي الإيراني على أرض الواقع، وذلك من أجل العمل على استقرار الشرق الأوسط على المستوى الإستراتيجي، حتى بدأ الإطار الجيوسياسي للمنطقة بالانهيار»[28].
    أما الأوساط الاستخبارية الدولية فكانت أكثر تشاؤما من كيسنجر. فبعد عشرة أيام من مقالته، وخلال مؤتمر حول الاستخبارات شارك فيه مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية « CIA»، جون برينان، أعلن مدير الإدارة العامة للأمن الخارجي « DGSA»، برنار باجوليه، أن « الشرق الأوسط الذي نعرفه انتهى وأشك بأن يعود مجددا». وبالنظر إلى ما يجري في سوريا والعراق، حيث يقول باجوليه: « نحن نرى أن سوريا مقسمة على الأرض، النظام لا يسيطر إلا على جزء صغير من البلد: ثلث البلد الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية. الشمال يسيطر عليه الأكراد، ولدينا هذه المنطقة في الوسط التي يسيطر عليها داعش، وأن « الأمر نفسه ينطبق على العراق»، فـ « لا اعتقد أن هناك إمكانية للعودة إلى الوضع السابق». ومع أنه « يثق» بأن « المنطقة ستستقر مجددا في المستقبل»، لكنه لا يدري: « وفق أية خطوط؟»، فـ « في الوقت الراهن لست أعلم. ولكن في مطلق الأحوال ستكون مختلفة عن تلك التي أقيمت بعد الحرب العالمية الثانية»، بل أن « الشرق الأوسط المقبل سيكون حتما مختلفا عن الشرق الأوسط ما بعد الحرب العالمية الثانية»[29].
     وفي السياق الاستخباري ذاته، أدلى الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات الأمريكية « CIA، مايكل هايدن، بتصريحات لقناة « CNN26/2/2016» الأمريكية، تتعلق بمصير المرجعيات الدولية التي صاغت النظام الدولي سابقا، مؤكدا أن: « الاتفاقيات العالمية التي عقدت بعد الحرب العالمية الثانية بدأت تنهار، ما سيغير حدود بعض الدول في الشرق الأوسط». وأن: « الذي نراه هو انهيار أساسي للقانون الدولي، نحن نرى انهيارا للاتفاقيات التي تلت الحرب العالمية الثانية، نرى أيضا انهيارا في الحدود التي تم ترسيمها في معاهدات فيرساي وسايكس بيكو، ويمكنني القول بأن سوريا لم تعد موجودة والعراق لم يعد موجودا، ولن يعود كلاهما أبدا، ولبنان يفقد الترابط وليبيا ذهبت منذ مدة»[30].
    هكذا! « لم تعد المؤسسات كافية» ولا « قواعد النظام الدولي» أيضا، أما لماذا؟ فلأن (1) الأسباب والظروف والغايات المنشئة لها ولأجلها قد تغيرت بتقادم الزمن عليها، وأمست كأية منظومة قانونية بحاجة إلى تعديل وتنقيح وتفكيك وإعادة تركيب. فقد مرت مائة عام على نشأة العصبة وهيأة الأمم، أولى بواكير النظام الدولي. ولأن (2) البشرية مرت في عدة أطوار من التغيرات الجذرية حضارية، (3) في حين لم تتغير القواعد المنشئة، ولا البنى المؤسسية، ولا آليات العمل، ولا السياسات المهيمنة، ولا الغايات، ولا المرجعيات، ولا القيم الحاكمة، ولا التقسيمات الظالمة، ولأن (4) فاعلين جدد ظهروا في العالم ومصالح جديدة، ولأن (5) ما بلي من القواعد والمرجعيات لم تتضمن في الأصل معالجة ما استجد من حركات اجتماعية وشعبية ومطالب حقوقية وأخلاقية وإنسانية شاملة، ولأن (6) النظام الدولي، كأحد السلع الرأسمالية، ولد وظل، هو ومنتجاته، موضع احتكار، وأداة سيطرة وتحكم، لقادة السوق، ولأن (7) العقائد والأديان لا يمكن أن تبقى مجرد سلع، تُزدَرى في أسواق الفلسفات الوضعية. فإذا كانت الرأسمالية ذاتها قد استنزفت؛ فهل يعقل أن يبقى الحديث عن إصلاحات وابتكارات لذات المنظومة أو في محيطها!!؟
ولعلها أسوأ المناسبات الصريحة تلك التي كانت في أعمال « المؤتمر السنوي للأمن والسلم العالمي»، والذي انطلقت فعالياته في 6/2/2015 في مدينة ميونيخ الألمانية، حيث كانت مناقشة (1) « انهيار النظام العالمي» من ضمن جدول الأعمال إلى جانب (2) « المسألة الأوكرانية» و (3) « محاربة الدولة الإسلامية». وهو ما يؤكد أن النظام الدولي بات مسألة أمنية دولية بامتياز. وها هو منظم المؤتمر فهو الدبلوماسي الألماني السابق، فولفغانغ إيشنغر، يوضح بأن: « الاجتماع سيبحث الازدياد غير المسبوق بالأزمات العالمية خلال العام المنصرم، وعدم قدرة المجتمع الدولي على مواجهتها». وبخلاف الرئيس الأمريكي الذي تحدث عن « بداية تصدع في الشرق الأوسط ومناطق من شمال أفريقيا» ابتعد إيشنغر عن اللغة الدبلوماسية ليشير إلى أن: « النظام العالمي ينهار حاليا»، وما يجري في الواقع هو أن: « الجميع يختبر القدرة على المواصلة»، لافتا إلى أن مصادر التهديد تكمن في: « (1) نفوذ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأوكرانيا، و (2) الصين في مواجهة اليابان، و (3) إيران في الملف النووي، و (4) الجهاديون بأفعالهم الفظيعة». أما « مجموعة الأزمات الدولية» فأكدت بأنه: « على الصعيد العالمي، تبدو الزيادة في التنافس الجيوسياسي، في الوقت الحاضر على الأقل، وكأنها تتجه نحو عالم أقل سيطرة وأقل قابلية للتنبؤ».
  وعلى ضوء الأزمة الأوكرانية التي مثلت بحسب المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل (24/8/2014) « أخطر تهديد لاستقرار أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية» عبرت صحيفتا « الغارديان» و « صنداي تايمز» البريطانيتان في 15/2/2015 عما يشبه حالة الفزع، من فوضى قد تعم أوروبا قريبا. ففي « الغارديان» كتب مدير مركز « كارنيغ» بموسكو، ديمتري ترينين، يقول بأن: « التوقعات ترجح أن المستقبل المنظور لن يشهد وجود نظام أمني مشترك في أوروبا، وأن عدم الاستقرار سيدخل إلى هذه القارة التي ظلت فترة طويلة أكثر مناطق العالم استقرارا وأمنا». وخلص إلى القول بأن: « أزمة أوكرانيا تشير إلى بدء فترة جديدة في السياسة الدولية، إذ أن دولا كبيرة تهدد النظام الدولي الحالي الذي تهيمن عليه أميركا، والنزعة الوطنية تتصاعد في أماكن تمتد من تركيا إلى الهند واليابان وتهدد بالمزيد من التآكل للهيمنة الأميركية».
    في السياق، وحيث تتوجه الأنظار نحو مصير الولايات المتحدة في ظل الخطر المتربص بالنظام الدولي، يخرج أكاديمي يمايز بين « الهيمنة» و « التفوق» الأمريكي. هذا ما يعتقده مساعد وزير الدفاع ورئيس مجلس الاستخبارات القومي الأمريكي، Joseph S. Nye. ففي مقالة له بعنوان: « هيمنة أم تفوق أمريكي؟[31] – 9/3/2015» افتتحها بالقول: « لم تمتلك دولة في التاريخ الحديث نفوذا عسكريا دوليا بهذا الحجم الذي حازته الولايات المتحدة الأميركية. لكن بعض المحللين الآن يرون أن الولايات المتحدة تسير على خطى المملكة المتحدة، آخر القوى المهيمنة المنهارة. وهذا القياس التاريخي، رغم شيوعه المتزايد، خادع ومضلل». وفي متنها استعرض « ثلاثة مضامين لمفهوم الهيمنة:
  • « فبعض المراقبين يخلط هذا المفهوم بالإمبريالية، لكن الولايات المتحدة تمثل دليلا واضحا على أن القوة المهيمنة لا تحتاج بالضرورة إلى امتلاك إمبراطورية رسمية.
  • وهناك آخرون يعرِّفون الهيمنة بأنها القدرة على وضع قواعد النظام الدولي، وإن ظل التعريف الدقيق لمدى التأثير الذي يجب أن تحدثه القوة المهيمنة في هذه العملية، مقارنة بالقوى الأخرى، غامضا.
  • بيد أن آخرين يعتبرون الهيمنة مرادفة للسيطرة على معظم موارد النفوذ».
   وبعد مناقشة قصيرة لآراء محللين، يخلص إلى القول: « يبدو التفوق وصفا أكثر دقة لنصيب متميز ووافر وقابل للقياس من أنواع موارد النفوذ الثلاثة، العسكرية والاقتصادية والقوة الناعمة». وفي إجابته على التساؤل الذي يطرحه: « بشأن ما إذا كان عصر التفوق الأميركي في سبيله إلى الزوال؟»، يقول: إذا أخذنا في الاعتبار صعوبة التنبؤ بالتطورات العالمية، « فمن المستحيل مؤكدا أن نتوصل إلى إجابة قاطعة عن هذا السؤال». ومع أن الكاتب يعتقد بأن: « صعود القوى العابرة للحدود والفاعلين من غير الدول، ناهيك عن القوى الصاعدة كالصين، يوحي بأن هناك تغييرات كبرى تلوح في الأفق». إلا أنه يعتقد أيضا بأنه: « لا يزال هناك من الأسباب ما يجعلنا نعتقد بأن الولايات المتحدة ستحتفظ بتفوقها في موارد النفوذ، وستواصل أداء الدور المحوري في ميزان النفوذ العالمي، طيلة النصف الأول من هذا القرن على أقل تقدير». وينهي مقالته في فقرة تنبؤية لافتة، تقول: « إذا كان التفوق الأميركي لم ينته، فهو على وشك أن يشهد تغيرات مهمة. ويبقى أن ننتظر لنرى ما إذا كانت هذه التغيرات ستعزز الأمن والرخاء العالميين أم لا».
   لكن السؤال الحرج هنا هو: إذا ما كانت الولايات المتحدة قادرة على الاحتفاظ بتفوقها لعقود قادمة فهل سيكون بمقدورها الاحتفاظ بالهيمنة؟ أو هل ستتصرف بذات منطق الهيمنة الذي تصرفت به على مدار العقود الماضية؟
  واقع الأمر أن الصورة البادية لهذه المناقشات خاصة في الولايات المتحدة تؤشر على حالة من الغموض لا يمكن أن تفككها المناقشات فحسب، بقدر ما تصيغها الأحداث والمواقف والأفعال أيضا. لكنها بلا شك تعكس ما يراه الكثيرون حالة من الفوضى العارمة التي تجتاح العالم. « فوضى حقيقية» وليست « فوضى خلاقة» كما يرى البعض. وهو ما يستدعي نوعا من الاحتفاظ بالهيمنة إلى أن تتضح الأمور. وقريبا مما طرحه Joseph S. Nye حول مستقبل النفوذ الأمريكي، يناقش كاتب فرنسي هو David Rothkopf الأمر في مقالة له صدرت في صحيفة « سليت – 5/4/2015» الفرنسية، بعنوان: « الولايات المتحدة وراء فوضى مجهولة في الشرق الأوسط». وفيها يقر الكاتب بمسؤولية النظام الدولي، لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية ونظم الاستبداد، عما وصل إليه الحال، بالتأكيد على أنه: « لا يمكن إنكار أن العديد من الانتفاضات الحالية سببها (1) تعاطي الدول الاستبدادية الفاسدة». وأن: « عددا كبيرا من هذه المشاكل الحالية يمكن إرجاعه أيضًا إلى (2) أخطاء قادة الإمبراطورية البريطانية، وإلى (3) اتفاقيات مثل اتفاقية سايكس بيكو التي أصابها التقادم بعد ما يقرب من قرن من وجودها. ولا ننسى أن (4) غزو العراق من قبل بوش زاد في تعكر الأمور. ناهيك، بطبيعة الحال عن (5) بنيامين نتنياهو، الذي لا يمكن أن يكون أكثر من أحمق. وبالإضافة إلى ذلك، يرى أنصار فك الارتباط مع الشرق الأوسط، أن أمريكا لديها النفط ولديها الغاز. وهكذا فالأمريكان لم يعودوا بحاجة إلى الشرق الأوسط مثل ذي قبل. كما أثبت الأمريكان جهلهم في كل تدخل عسكري وفي بناء الدولة (في الشرق الأوسط وفي أماكن أخرى) ».
   وعن « فك الارتباط» هذا؛ يذكر الكاتب بما: « سبق وأن قاله أوباما إنه سيفك الارتباط .. »، ثم يتساءل: « ما السبب الذي يمنع الأمريكان من الخروج من منطقة الشرق الأوسط؟ أليس هذا ما نادى به أوباما خلال حملته الانتخابية؟»، وفي الإجابة يذكر الكاتب النفط كمتغير ثابت[32] لكنه يرى أن:
·   « أمن أمريكا ضد التهديدات المحتملة من هذه المنطقة لا يزال من مسؤوليتها. وكرئيس، فهو يتحمل مسؤولية الدفاع عن المصالح الأمريكية في جميع أنحاء العالم. هذه المصالح التي تلزم أمريكا بالبقاء في الشرق الأوسط.
·   وهناك عوامل جيوسياسية ضخمة في اللعبة؛ فاستمرار الفوضى لفترة طويلة مع وجود حكومات ضعيفة سيجعل من الصعب مراقبة وإدارة التهديدات التي تعيشها المنطقة.
·   وهناك أيضًا الحلفاء الرئيسيين للولايات المتحدة في المنطقة مثل إسرائيل والأردن يواجهان أيضًا خطر هذه الفوضى الكبيرة. وإذا ما ضعفت مواقعهم، ستضطر وقتها الولايات المتحدة لمزيد من الاستثمار في المنطقة، مما سينجر عنه تكلفة باهظة.
·  وفي الوقت نفسه، إذا كانت الولايات المتحدة تريد فك الروابط أو أن تكون عاجزة على القيام بدور فاعل في المنطقة، وقتها سيكون تأثيرها في الحكومات الوطنية الجديدة التي ستنشأ بعد نهاية الحروب منخفضًا، إن لم يكن انتفى. وإذا ضعف النفوذ الأمريكي في المنطقة فإن دولًا أخرى ستحل محلها ما ستكون له تداعيات مؤسفة».
    من جهتهم يصب الجمهوريون جام غضبهم على سياسات « أنصار فك الارتباط» من الديمقراطيين. ففي 26/3/2015 ألقى رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، جون ماكين، خطابا في « مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية»، كشف فيه: « إنه في الأشهر الثلاثة الماضية، أرسل القادة في أقسام مختلفة من الولايات المتحدة رسالة مشابهة، مفادها أنّ: الولايات المتحدة تعاني من فترة غير مسبوقة من الاضطرابات العالمية التي يمكن أن تقوّض النظام العالمي الليبرالي». واستشهد بكلام لهنري كيسنجر إلى اللجنة في يناير الماضي مفاده: « إنّ الولايات المتحدة لم تواجه مثل هذه المجموعة المتنوعة والمعقدة من الأزمات منذ نهاية الحرب العالمية الثانية».
    ومن جهته قام الكاتب Ju-Yeong June Shin بتغطية الخطاب في مقالته: « كيف تحافظ أمريكا على النظام العالمي اللبرالي؟[33] – 7/4/2015» كاشفا الكثير من أطروحات ماكين التي تفوح منها مرارة الحال: « فعلى مدى سبعة عقود، (والكلام لماكين) والنظام العالمي الليبرالي الذي أسسته أمريكا وحلفاؤنا بشق الأنفس، ينشر الازدهار ويحافظ على السلام. تصدينا لعمليات العدوان، ودافعنا عن الحلفاء، وقضينا على النزاعات وحافظنا على السلام من خلال القوة». ومع أنه لا يخفي مخاوفه من: « دول مثل الصين وروسيا وإيران تهدد بمراجعة ودحر المبادئ الأساسية للنظام العالمي الليبرالي، ويصر على: « الاعتراف بأنه لا يوجد حل عسكري»، إلا أنه يتمسك بالقول أنه: « لا ينبغي أن يقودنا ( ذلك) إلى الاعتقاد أنه لا يوجد بُعد عسكري».
      وبحسب الكاتب يختتم ماكين كلمته قائلًا: « هناك ضغوط خطيرة على النظام العالمي الليبرالي. لا يجب أن تسير الأمور بهذه الطريقة. لا يجب أن ينخفض النفوذ الأمريكي في أي مكان في العالم. هذا هو الخيار، والأمر متروك لنا. نستطيع أن نختار مستقبل أفضل لأنفسنا؛ ولكن إذا اتخذنا قرارات صائبة فقط. ويجب على الولايات المتحدة أن تبدأ باتخاذ القرارات الذكية لمواجهة التهديدات بشكل فعّال التي تهدّد القيم الأمريكية».
      مثل ماكين هذا، ومعه الجمهوريين، لا يرى حلا إلا بالقوة العسكرية والهيمنة، حتى أنه لم يتوانى أن يفتتح مقالته بالإشادة بالامبريالية: « على الرغم من سوء سمعة الإمبريالية الآن؛ إلّا أنّ الإمبراطورية كانت الوسيلة الافتراضية للحُكم في معظم فترات التاريخ، ودائمًا ما كان يُنظر إلى انهيار الإمبراطوريات بأنّه عملٌ فوضوي، سواء في الصين والهند من العصور القديمة وحتى مطلع القرن العشرين أو في أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى». هذا ما كتبه Robert D. Kaplan في مجلة الـ « فورين بوليسي- 25/5/2015»: عودة الإمبريالية هي الحل للفوضى في الشرق الأوسط! »[34].
     وفي الإجمال يقر Kaplan بأن: « الانهيار الذي نشهده في العالم العربي اليوم، وحالة الفوضى في أجزاء من شمال إفريقيا وشبه الجزيرة العربية، وبلاد الشام، هو في حقيقته نهاية تامة للإمبريالية». لكن في تفاصيل « الواقع» يتحدث عن: « انهيار ثلاثة أنظمة إمبريالية في الشرق الأوسط». وهي بحسبه:
     « أولًا: توضح الفوضى في الشرق الأوسط أنّ المنطقة لا تزال لم تجد حلًا لانهيار الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب
 العالمية الأولى». لذا فقد: « كان الاستبداد هو الحل الوحيد لنهاية الإمبريالية الغربية في هذه الدول المصطنعة، وانهيار الشمولية الآن هو السبب الجذري للفوضى في الشرق الأوسط».
   « ثانيًا: أدى الانفجار الداخلي في العراق في أعقاب سقوط صدام حسين، وانهيار سوريا في أعقاب الربيع العربي، وصعود تنظيم الدولة الإسلامية إلى نهاية الحدود التي أقامتها الإمبريالية الأوروبية والبريطانية والفرنسية في بلاد الشام». ولعل في هذا السقوط مأساة للولايات المتحدة والنظام الدولي. فقد: « كانت الديكتاتوريات العربية القوية في جميع أنحاء المنطقة متوافقة مع المصالح الأمريكية؛ لأنها توفر عنوانًا واحدًا في كل بلد تذهب إليه أمريكا في حالة وقوع أزمات إقليمية. ولكن هذا انتهى الآن؛ ففي العديد من البلدان، لا يوجد ثمة مسؤول واحد يمكننا أن نتحدث معه عن مخاوفنا. الفوضى ليست مجرد مشكلة أمنية وإنسانية، لكنّها عقبة شديدة تقف أمام استعراض القوة الأمريكية».
  « ثالثًا: نهج عدم التدخل الواضح إزاء هذه التطورات من قِبل الرئيس باراك أوباما يُظهر نهاية دور أمريكا كقوة عظمى في تنظيم واستقرار المنطقة».
   ويختم بعبارة طريفة يقول فيها: « التحدي الآن ليس إقامة الديمقراطية؛ بل استعادة النظام[35]؛ لأنه بدون نظام، لن يتمتع أي إنسان بالحرية».
    أما تقييم مؤسسة الاستخبارات الأمريكية الخاصة للتنبؤ الاستراتيجي، « ستراتفور»، وتوقعاتها لحالة البشرية في السنوات العشر القادمة فجاءت بأسوأ ما يمكن تخيله. ولخصها Armin Rosen في مقالة بعنوان: « ستراتفور – توقعات مثيرة عن شكل العالم بعد عقد من الآن[36]16/6/ 2015»، وبدورنا سنجملها دون ذكر للتفاصيل.
   تعتقد المؤسسة بأن: « العالم بعد 10 سنوات من الآن سيكون مكانًا أكثر خطورة، مع تلاشي قوة الولايات المتحدة ومعاناة دول أخرى بارزة من الفوضى والتراجع». ولا يرى تقرير المؤسسة أنّ: « الفوضى ستنتهي قريبًا» أما: « روسيا سوف تنهار»، و: « ألمانيا ستعاني من بعض المشكلات»، و: « بولندا ستكون أحد زعماء أوروبا»، و: « أوروبا سوف تُقسّم إلى أربع مناطق»، و: « العديد من الدول العربية في حالة سقوط حر الآن»، و: « الصين ستواجه مشكلة كبيرة»، و: « اليابان ستصبح قوة بحرية صاعدة في آسيا»، و: « القوة الأمريكية سوف تتراجع، والمستفيد الأكبر من كلٍ ما يجري ستكون تركيا».
    حتى الكاتب لم يخف فزعه من التقرير. فأيد: « الحجة القائلة بأن الولايات المتحدة لابد أن تعيد ترتيب بيتها من الداخل، اقتصاديا، وماديا، واجتماعيا، وسياسيا، إذا كان لها أن تحظى بالموارد اللازمة لتعزيز النظام في العالم». لكن عقلية الهيمنة لم تفارقه في خاتمة مقالته: حيث « ينبغي للجميع أن يأملوا أن تتمكن من تحقيق هذه الغاية بالفعل: فالبديل لعالم تقوده الولايات المتحدة ليس عالم تقوده الصين، أو أوروبا، أو روسيا، أو اليابان، أو الهند، أو أي دولة أخرى، بل إنه عالم بلا قيادة على الإطلاق. ويكاد يكون من المؤكد أن هذا العالم سوف يتسم على الأرجح بالأزمات المزمنة والصراع. ولن يكون هذا سيئاً بالنسبة للأميركيين فحسب، بل وأيضاً للغالبية العظمى من سكان كوكب الأرض».
   لكن من يطلع على مقالة Dominique Moisi القادمة من العاصمة البولندية – وارسو: « ترميم النظام العالمي[37] –  29/6/2015» يشعر وكأنها رد على تقرير « سترانفور». وربما هي كذلك فعلا. ففي ضوء الأزمة الأوكرانية، سطر الكاتب أول الفقرات بالقول: « بينما تستعر الصراعات والأزمات العنيفة على مستوى العالم من أفريقيا إلى آسيا فإنه من الواضح تماما أنه لم يعد هناك ضامن لنظام – ليس القانون الدولي أو حتى الهيمنة العالمية- تنظر إليه البلدان (وبناة الدول المستقبليين ) على أنه شرعي ويتمتع بالمصداقية». ويلاحظ أنه بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية سنة 1923، ثم السوفياتية 1992، نهضت الإمبراطورية الصينية: « وهذا هو الأهم. هناك تقهقر في نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية، والتي يطلق عليها ريموند ارون اسم الجمهورية الامبريالية، فالولايات المتحدة الأمريكية هي التي نظمت ودعمت المؤسسات متعددة الأطراف لمرحلة ما بعد سنة 1945 – مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيره- من أجل دعم الاستقرار الدولي. وإن فشل ذلك النظام على التأقلم مع تغير الحقائق الجيوسياسية والاقتصادية قد أثار أسئلة جدية تتعلق بشرعيته»[38].
     ويضيف بأن: « العالم لم يعد مقسما إلى امبرطوريات مما يعني تضاعف عدد اللاعبين (بما في ذلك اللاعبين الفاشلين) على الساحة الدولية … وإن … العامل الآخر الذي يساهم في انتشار الفوضى هو الزيادة الكبيرة في انعدام المساواة ومع العولمة فإن الفجوة بين الأغنى والأفقر، بين البلدان وفي داخل البلدان نفسها، قد ازدادت مما أضعف حس وحدة الهدف والذي يعتبر مهما للغاية لنظام دولي شرعي». ولأنه: « سوف يكون من الصعب جدا خلق نظام عالمي يحقق التوازن الذي نحتاج إليه بين الشرعية والقوة وحتى نتغلب على هذا التحدي فإن هناك ثلاث مقاربات واضحة:
المقاربة الأولى،
     « تتضمن إعادة تعريف النظام العالمي. وذلك حتى يعكس بشكل أفضل الحقائق الجيوسياسية. ولئن تراجعت الولايات المتحدة الأمريكية في العقد الأخير من موقع القيادة العالمي .. فإن .. الدولة الوحيدة التي لديها الوسائل والطموح لِأن تعمل إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية كقائد عالمي هي الصين .. ولعل .. الإقرار بدور الصين كقوة عالمية حقيقية سوف يجبر الولايات المتحدة الأمريكية على تفهم تراجع هيمنتها ويجبر القادة الصينيين على الإقرار بمسؤولياتهم الدولية».
المقاربة الثانية،
      « تعزيز القيم التي تعكس ذلك النظام. ففي نهاية القرن19 كان جان جاك روسو مقتنعا أن غياب الديمقراطية في أوروبا يمثل أحد الأسباب الرئيسة للحرب. واليوم يبدو أن الشيء المفقود هو حكم القانون .. وجود نظام دولي يطبق حكم القانون بشكل فعال سوف يحقق الكثير، فيما يتعلق بالتخفيف من السلوك الذي يؤدي للصراع».
المقاربة الثالثة،
     « إعادة تقييم عمل المؤسسات المتعددة الأطراف. إن أفضل طريقة على وجه الخصوص لتجاوز الشلل الحاصل في مجلس الأمن الدولي، هو نقل بعض القرارات المهمة إلى مؤسسة أقل رسمية، مثل مجموعة العشرين علما أن عضويتها وإن لم تكن مثالية تعتبر أكثر تمثيلا للمتغيرات الجيوسياسية الحالية».

المبحث الرابع

تآكل الدولة العربية

   كحالة النظام الدولي تماما؛ لم تكن الدولة العربية بأحسن حال لاسيما بعد استيلاء « الدولة الإسلامية في العراق والشام»[39] على مدينة الموصل العراقية في 10/6/2014، وما تبع هذا الحدث الزلزالي من انهيار للحدود الجغرافية بين سوريا والعراق. فالغرب السياسي وكتابه ومفكروه وباحثوه وإعلاميوه يعيشون، ولمّا يزالوا، حالة أشبه ما تكون بـ « فوبيا الدولة الإسلامية». ومع أن لِوهن الدولة العربية أسبابا تاريخية وموضوعية كبرى، ماضيا وحاضرا، إلا أن التفكك بات واردا أكثر من ذي قبل، سواء توسعت « الدولة الإسلامية» أو انكمشت. إذ أن بقاء الدولة العربية أو اختفائها أو تغير شكلها بات موضع نقاشات عاصفة، ومخططات تقسيم، قبل « الدولة الإسلامية» وليس بعدها فحسب. وفي هذا السياق بالضبط كتب Robert Skidelsky في مقالته « عودة إلى انحطاط الغرب – 16/11/2015»[40]، يقول: « إن الإمبراطوريات العثمانية والبريطانية والفرنسية البائدة التي كانت تمارس وظيفة حفظ السلام في العالم الإسلامي لم يظهر لها قط أي ورثة مستقرون. ويتحمل المسؤولية عن هذا إلى حد كبير، وإن لم يكن بالكامل، المستعمرون الأوروبيون». أما لماذا كل هذه المسؤولية أكثر من غيرهم؟ فلأنهم: « خلقوا في سكرات موت إمبراطورياتهم دولاً مصطنعة لا تسير إلا إلى انحلال وموات».

المشروعية الاجتماعية

    لو استعرضنا هوية « الدولة القومية» التي زرعها النظام الدولي، بفعل تقسيماته المدمرة للعالم الإسلامي، فلن نجد قبل الثورات إلا توصيفات من نوع: « الدولة التابعة .. الدولة المستبدة .. الدولة الديكتاتورية .. الدولة العميقة .. الدولة الطائفية .. دولة العسكر .. الدولة الأمنية .. الدولة الفاشية» .. أما بعد الثورات، وبالإضافة لكل ما سبق من نماذج تفاقمت حدتها وانكشفت سرائرها، سنجد توصيفات أخرى من نوع: « دولة البلطجية .. دولة الشبيحة .. دولة الأسد أو نحرق البلد .. دولة رجال المال والأعمال .. دولة من أنتم؟ .. دولة الرسل والملحد المؤمن .. دولة الإمام عجل الله فرجه .. دولة الرجل المقعد .. دولة الرئيس بصحة جيدة .. دولة الرئيس قادر على أداء مهامه».
    ولعل أطرف ما في هذه التوصيفات، أن كل صفة للدولة هي بالضرورة صفة النظام السياسي والأمني. إذ لا فرق يذكر بين الدولة والنظام، فكلاهما وجهان لعملة واحدة تم صكها بمعدن الأمن. وتبعا لذلك فإنْ وُصفت الدولة بالفاشية فالنظام كذلك .. وإنْ غدت بلطجية فالنظام كذلك .. وإن كانت عسكر فالنظام كذلك .. وأياً ما تكون فالنظام كذلك. والأسوأ من هذا أن المجتمع غدا هدفا للاستقطاب. وفي أول مفاصلة له مع الدولة – النظام كانت النتيجة الأولى والأخيرة استخدام الدولة لكل أدوات القوة في ممارسة القتل والتدمير، بلا أية روادع أو ضوابط أو محرمات!!!! فما هي المشروعية التي يتحصن بها النظام بحيث يكون له الحق في تدمير دولة برمتها، وقتل أهلها والسيطرة على مقدراتها؟ وكم بقي من مشروعية لـ « الدولة – النظام» بعد أن تحولت من « مشروع نهضة» إلى « مشروع ركام» أو « ركام»؟ هي، ومن فيها وعليها مستباحا؟
     بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وزوال النظم الفاشية والنازية، لم يبق في أوروبا من الدول الاستبدادية إلا دولة فرانكو الفاشية. ولم يعد الغربيون يسمعون عبارات مثل دولة تاتشر أو ديغول أو ميتران أو هيلموت كول أو …، وكذا الأمريكيون لم يعرفوا الدولة باسم الرئيس روزفلت أو كارتر أو ريغان أو بوش أو أوباما، بقدر ما سادت واستقرت عبارة « مرحلة حكم» أو « عهد» هذا أو ذاك. لكن منذ نشأة الدولة العربية لم يسمع العرب إلا بعبارات على شاكلة دولة الأسد والقذافي وقابوس وبورقيبة وبومدين وصدام وسياد بري وعبد الناصر والسادات ومبارك حتى السيسي، … إلى آخر القائمة. هذا لأن « الدولة – النظام» ارتبطت في الحاكم نفسه، كما لو أنها ملكية خاصة، ليس لأية منظومة حقوقية أو شرعية الحق في منازعته عليها، بل أن الحاكم لم يكن يعنيه مغادرة الحكم حتى لو فقد كل أهلية بيولوجية من الخرف وحتى العجز التام وصولا إلى غرفة الإنعاش. أما المواطنون فباتوا إما عبيدا بكل ما في الكلمة من معنى، وإما أن سيكولوجيا العبودية قد تملكتهم، سواء علموا أم لم يعلموا .. أي عبيد طوعا أو عبيد كرها. لذا تراهم يدافعون عن الحاكم بحماسة بالغة أو بنفاق بيًّن.
    وتفاقم الأمر سوءً، بعد هجمات تنظيم « القاعدة» على رموز القوة في الولايات المتحدة الأمريكية في 11 سبتمبر 2001. مذ ذاك لم تعد النظم السياسية معنية كثيرا بأية شرعية تذكر، بعد أن استحوذ النظام الدولي، بحجة « مكافحة الإرهاب»، على الخطاب السياسي للدولة، عبر عبارة الرئيس الأمريكي السابق، جورج بوش الابن، القائلة « إما معنا أو ضدنا»، فضلا عن استملاكها لأدوات القوة، من أمن وعسكر وتعليم وإعلام وقضاء وقوانين وتشريعات، حتى صارت الدولة أقرب ما تكون إلى « الدولة الأمنية».
    لكن تفجر الثورات الشعبية عرَّض الدولة لأخطر اختبار مشروعية في تاريخها. فقد شكلت الثورات التجلي الأبرز لاستنزاف « الشرعية الاجتماعية»[41] التي استحوذ عليها النظام لعقود مضت، بكل وسيلة. ففي حديثه عن انهيار منظومة « سايكس – بيكو»، لم يتردد كبير الباحثين في معهد كارنيجي، البروفيسور يزيد صايغ، في القول بأن: « هناك تسع دول عربية تخوض اليوم حروبا داخلية كما هو الحال في سوريا والعراق وليبيا، أو مع جيرانها كما هو الحال في اليمن، وهي مؤشرات ذات دلالات سلبية خطيرة على وضع الدولة العربية القطرية». ومع أن الأمر غدا « مقلقا ومفجعا» إلى حد التصريح بـ « احتمال زوال الدولة كدولة»، بحسب صايغ، فإننا: « ما زلنا في مراحل أولى من عملية تاريخية كبيرة وطويلة فيها الكثير من الحرب والنزاع المسلح» ... بل و: « في ظل المشكلات والصراعات التي تشهدها الدول العربية لم يعد هناك إجماع أو حد أدنى من القبول المجتمعي لماهية الدولة، بعد أن انهار أو أوشك العقد الاجتماعي بين الأنظمة الحاكمة والشعوب، خاصة أن تلك الأنظمة فشلت في توفير الحد الأدنى من الخدمات الضرورية لهذه الشعوب مقابل تمسكها بالسلطة»[42].
     لذا؛ ورغم أن المجتمعات العربية قابلة للانقسام على أسس دينية وطائفية وقبلية وجهوية وحتى أيديولوجية،بما يمَكًّن الحاكم من اللعب عليها والاستفادة من بقايا الشرعية إلا أن الاستئثار بها مجددا بنفس الشروط، يبدو ضربا من الخيال. فما الذي تَبَقى أصلا من شرعية للنظام أو الدولة قبل التفكك وإعادة التركيب؟
·  بقيت بعض شراذم القوى السياسية، التي كانت لعقود طويلة من ألد الخصام! لكنها بعد الثورات صارت حليفا استراتيجيا للنظم السياسية. ولعل أبرز هؤلاء هم اللبراليون ومنتجاتهم من الأيديولوجيات القومية واليسارية والعلمانية. فهؤلاء إما أنهم واقعون أسرى لأيديولوجياتهم واختياراتهم الفكرية، ردحا طويلا من الزمن، حتى طال عليهم الأمد فقست قلوبهم، واستعصى عليهم الخروج من دوغمائيتهم، وإما أنهم من ذوات الهوى الذين فضلوا التحرر على الإسلام ولو شكلا. بل أنهم على استعداد لعمل فورمات للدين والحضارة والتاريخ.
·  كما بقيت الطوائف الاجتماعية التقليدية كالنصرانية التي تعتقد أنها تجد في « الدولة القومية» العلمانية
 من الهوامش ما لا يمكن أن تجده في أي دولة إسلامية أو حتى حرة من أية تبعية أو هيمنة. وكذا معها الطوائف الباطنية المنسوبة للإسلام وغير المنسوبة له، والتي لا تخشى على أتباعها من الذوبان فحسب، في ظل دولة إسلامية، مثلما تخشى على عقائدها من الاضمحلال، فضلا عما تراه مراهنة حقوقية رابحة في « الدولة القومية».
·  وبقيت أيضا القوى الرأسمالية الحليفة للنظم السياسية، والمعادية لأية فوضى أو تغيير أو انتقال للسلطة، يفكك مراكز قوتها، ويقطع عليها الطريق في تنمية رأسمالها ومراكمة ثرواتها. فمثل هؤلاء يرفعون الشعار الشهير: « رأس المال جبان» و « رأس المال لا وطن له». فلا يعنيهم حقوق آخرين ولا عدالة ولا مساواة ولا تكافؤ فرص ولا ديون ولا نهب ولا قدرة شرائية. كما لا يعنيهم تقدم علمي ولا نهضة اقتصادية ولا حقوق جماعية أو فردية. ذلك لأنهم ببساطة رأسمالية شرهة، بنيت على الاستهلاك وليس على الإنتاج.
·  إلى جانب هؤلاء جميعا بقيت الفرق الإسلامية التي جعلت من الطاعة العمياء لولاية الأمر أساس الدين، كـ « المدخلية» و « الجامية»، وكذا التيارات المنحرفة كـ « الصوفية» التي شرَّعت للاستبداد وحرفت في الإسلام ومثلت، ولمّا تزل، حليفا ورصيدا هائلا لقوى النظام الدولي والنظم السياسية وسياساتها.
    كل هؤلاء لا يشكلون أزيد من 20% من إجمالي عدد السكان في العالم العربي وحتى الإسلامي. وهم في الواقع أكثر المسؤولين، محليا، عن تآكل حتى شرعية النظم السياسية التي يدافعون عنها ويوالونها، فضلا عن مشروعية الدولة ذاتها. وكل هؤلاء أيضا تلقوا كالعادة دعما من النظام الدولي وقواه ومؤسساته وإعلامه بشكل مباشر أو غير مباشر، بل أن بعضهم، من « الصوفية»، أكثر من غيرهم، موظفون رسميون في وزارة الخارجية الأمريكية، ويعملون كمبعوثين رسميين للولايات المتحدة في دول وسط آسيا.

أزمة الدولة العربية في كتابات الغربيين

    يقدم Joschka Fischer: مقاربته لحالة الدولة العربية عبر مقالته « الشرق الأوسط وعودة التاريخ[43] – 1/7/2014»، وأول ما يستذكر فيها انهيار أطروحة فوكوياما حول « نهاية التاريخ» الذي يدور دورته الثانية الآن في منطقة الشرق الأوسط. فحين: « زعم فرانسيس فوكوياما، قبل أكثر من عقدين من الزمان، أن العالم بلغ نهاية التاريخ، أجبر التاريخ العالم على حبس أنفاسه. فكان صعود الصين، وحروب البلقان، والهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، والحروب في أفغانستان والعراق، والأزمة المالية العالمية في عام 2008، وثورات الربيع العربي، والحرب الأهلية في سوريا، كان كل ذلك مكذباً لرؤية فوكوياما التي صورت له الانتصار الحتمي للديمقراطية الليبرالية. بل وقد يكون بوسعنا أن نقول إن التاريخ أتم دورة كاملة في غضون ربع قرن من الزمان، منذ انهيار الشيوعية في أوروبا عام 1989 وإلى تجدد المواجهة بين روسيا والغرب. ولكن في الشرق الأوسط يعمل التاريخ على أساس يومي وبعواقب جسيمة. ومن الواضح أن الشرق الأوسط القديم، الذي تشكل من بقايا الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، يتهاوى الآن … بل وربما يُعاد رسم حدود العديد من البلدان المجاورة بالقوة. ومن المؤكد أن الكارثة الإنسانية الهائلة بالفعل سوف تتفاقم».
    أما ( والكلام للكاتب): « إذا نجح تنظيم داعش في إنشاء كيان دائم أشبه بالدولة في أجزاء من العراق وسوريا، فسوف يتسارع تفكك المنطقة، وتخسر الولايات المتحدة حربها ضد الإرهاب، ويصبح السلام العالمي مهدداً إلى حد خطير». ولأن المسألة لا تتصل فقط بحضور « الدولة الإسلامية» أو غيابها « فإن الموقف يظل غير مستقر إلى أقصى الحدود»[44]، وهنا يشير الكاتب إلى سبب يشكل جوهر مخاوف النظام الدولي الكامن في أن: « الحرب الأهلية السورية تثبت على نحو متزايد كونها شديدة العدوى». أي أن الخوف لا يكمن بتغيير الأسد، بل بكون التغيير سيؤدي بالثورة السورية إلى أن تقذف بحممها باتجاه الخارج.
   وفيما يتعلق بمستقبل الصراع مع « إسرائيل» في ضوء مخاطر التفكك المحتمل، يتساءل الكاتب: « هل تتمكن الأردن، التي تؤدي وظيفة أساسية في الحفاظ على التوازن في المنطقة، من الصمود في مواجهة التحولات الجيوسياسية والخروج منها سالمة؟ إذا لم تتمكن من هذا فإن توازن القوى في الصراع التقليدي في الشرق الأوسط بين إسرائيل والفلسطينيين قد ينهار. وسوف تكون العواقب في الأرجح بعيدة المدى، وإنْ كان من الصعب تقييمها مقدما».
    لا يبدو أن الكتاب اليهود بعيدون عما يعتقده الغربيون. فمن جهته تحدث Shlomo Avineri في مقالته « انهيار الشرق الأوسط[45] – 25/8/2014» عن النشأة التاريخية الاستعمارية للدولة العربية، والحال الذي وصلت إليه اليوم، على وقْع: « قصص الرعب التي تطل علينا من شمال العراق، فضلاً عن المذابح المستمرة التي تفرزها الحرب الأهلية في سوريا، (والتي) تشير إلى تحول جذري في الشرق الأوسط. فبعد ما يقرب من مائة عام بعد الحرب العالمية الأولى، يتفكك نظام الدولة الإقليمية الذي تأسس بعد انحلال الإمبراطورية العثمانية»، ويتهاوى « الاتفاق الذي تجاهل تماماً تاريخ المنطقة وتقاليدها وانتماءاتها العرقية والدينية وإرادة سكانها المحليين»، حيث « نشأت دول حديثة في العراق وسوريا ولبنان ككيانات منفصلة ومستقلة. وكانت حدودها تعسفية ومصطنعة، ولم يسبق لأي منها قط أن وُجِدت في هذه الهيئة … وقد حافظ قادة هذه البلدان على هذا النظام، والحدود التي رسمها، باعتباره أفضل المتاح. ولم  يجد أي من هؤلاء الحكام، وخاصة المستبدين الذين ظهروا بعد الاستقلال، في نفسه الرغبة في تعكير صفو الوضع الراهن». أما « الآن يتفكك هذا النظام الذي فرضه الغرب. فالدول القومية من غير الممكن أن تستمر ما دامت لا تعكس رغبات سكانها».
    وعن ظهور العلمانية في المنطقة يقول بأنه: « حين نشأت العلمانية في الغرب بظهور القوى الليبرالية والديمقراطية التي صاحبت التنوير، … كانت في الشرق الأوسط المسلم تُفرَض دوماً من قِبَل حكام مستبدين: الشاه في إيران، وأتاتورك في تركيا، وصدّام في العراق، والأسد في سوريا، وناصر ومبارك في مصر». أما زميله Shlomo Ben-Ami فقد ذهب في مقالته « الدول العربية وآلام المخاض[46] – 8/7/2014»، أبعد من ذلك. ومع أن دولته التي دافع عنها باستماتة وتلفيقات وإسقاطات تعسفية لا أساس لها من الصحة، فضلا عن التناقضات وقلب الحقائق وحتى تزويرها، إلا أن الكاتب اليهودي يُحمِّل، بمفارقة خبيثة خُبثَ تحليله، الامبريالية الغربية النصيب الأكبر فيما تشهده المنطقة من أزمات، وكأن « اليهودية العالمية» و « الحركة الصهيونية» بريئتان مما فعلته امبريالية الغرب، وما تفعله « إسرائيل» في المنطقة، منذ إعلان قيامها سنة 1947!!! ففي مقالته يصدق عليه تأكيده r لأبي هريرة عن إبليس حين نصحه بقراءة آية الكرسي لتجنبه: « صدقك وهو كذوب». فلنتابع ما يقوله Ben-Ami: « الواقع أن حصة كبيرة من المسؤولية عن الاضطرابات والمحنة التي يعيشها العراق، ناهيك عن سوريا، تقع بلا أدنى شك على عاتق الإرث الاستعماري الغربي الخبيث والسياسات الخاطئة العنيدة في الشرق الأوسط العربي». وأنه: « مهما بلغت السياسات الغربية من خبث، فإن ظهور القوى الإسلامية نتيجة طبيعية في الأراضي العربية، فهي تشكل استجابة حقيقية لإخفاقات القومية العربية العلمانية والدولة العربية الحديثة». هذه « الإخفاقات» تصل عنده حد « ارتكاب جريمة الخيانة في حق شعوبها». هكذا تأتي بعض الحقائق ممن صدق وهو كذوب.
   بعد نحو عشرة أيام من « إعلان الخلافة-29/6/2014» على لسان المتحدث الرسمي باسم « الدولة الإسلامية»، أبو محمد العدناني، سارع الكاتبان الأمريكيان Bernard Haykel; Cole Bunzel إلى التعليق على الحدث عبر مقالة بعنوان: « خلافة جديدة؟[47] – 10/7/2014». وبحسب الفقرة الأولى من المقالة، فقد: « كان إعلان الخلافة الإسلامية مؤخراً من قِبَل الجماعة المسلحة التي تسمي نفسها الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) حدثاً غير مسبوق في العصر الحديث. وبصرف النظر عن الكيفية التي قد ينتهي إليها هذا الأمر، فمن الواضح أن النزعة الجهادية العنيفة أصبحت الآن سِـمة راسخة في المشهد السياسي العربي». وبالمقارنة فـ: « لم يحدث منذ ألغت الجمهورية التركية الخلافة العثمانية في عام 1924 أن أقدمت أي جماعة مسلمة تسيطر على أي مساحة من الأرض على مثل هذا الأمر. وحتى تنظيم القاعدة وحركة طالبان، قصرا مطالبهما على إنشاء دويلات (إمارات)، على أمل أن تندمج في نهاية المطاف لكي تتحول إلى خلافة إسلامية».
    بدت الفقرة، وهي تعكس الانطباع الأول لما بات يعرف لاحقا بـ « فوبيا الدولة الإسلامية»، بمثابة الصدمة. فالنظام الدولي، في مثل هذه الإعلانات التي « تعبث» بالحدود، لا يعنيه التوقف كثيرا عند المؤيدين أو المعارضين في العالم الإسلامي، بقدر ما ينظر للأمر باعتباره حدثا لا بد من التعامل معه على محمل الجدية، وبقدر ما يحمل من الخطورة، لاسيما، وبحسب الكاتبان، أن « الخلافة على النقيض من الدولة القومية لا تخضع لحدود ثابتة». وهو ما يشكل نقيضا تاما لبنية النظام الدولي.
   لا ينفك الفكر الغربي عن استحضار الإرث الاستعماري في مسؤوليته عن رسم الحدود الجغرافية للمنطقة. فالأحداث الجارية لا تبشر بأي استقرار أو أمن يمكن الحديث عنه في الأمد القريب. ففي: « الواقع فإن فهم تاريخ المنطقة المعاصر، وسياستها المعاصرة، يكاد يكون مستحيلاً من دون فهم ظروف نشأة نظام الدولة الإقليمية، بعد الحرب العالمية الأولى وزوال الإمبراطورية العثمانية». هذا ما يؤمن به Perthes في مقالته « ثلاثة خطوط زمنية في الشرق الأوسط[48] 22/8/2014». ولئن: « عملت المقاومة ضد ما يسمى نظام سايكس- بيكو على تغذية الأساطير المؤسسة للعديد من الدول والحركات السياسية في المنطقة مما أتاح ظهور هويات سياسية منفصلة»، إلا أن « هذا النظام ( الذي) ظل متماسكاً إلى حد كبير لمدة تقرب من قرن كامل من الزمان ربما بدأ .. يتفكك أخيرا». وبالنفط أو بدونه: « فإن بنية النفوذ في المنطقة ربما توشك على التغير مرة أخرى».
    لكن الصراع على النفوذ هو نتيجة وليس مقدمة. فالمشكلة واقعة في بنية النظام، وهذا الأخير واقع في « منطقة تبدو الأزمات فيها هي القاعدة»[49]. فما الذي يمكن قراءته مما يجري؟ بحسب الكاتبين كينيث بولاك وباربرا وولتر، في مقالتهما بصحيفة « وول ستريت جورنال» الأمريكية، فإن: « المشكلة في المنطقة تنبع من فشل نظام الدولة العربية الذي نشأ في أعقاب الحرب العالمية الثانية، والذي أدى … إلى انهيار الدولة، وإلى الفراغ السياسي، والحروب الأهلية، كالتي تعصف بسوريا والعراق وليبيا واليمن»[50]. أما مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق، christopher-r-hill، في مقالته « نهاية الدولة العربية[51] – 29/7/2014»، فيقرأ الأحداث على نحو أخطر. إذ: « تشير أحدث جولة من جولات العنف في الشرق الأوسط إلى أن شيئا أكبر يجري على قدم وساق هناك: بداية تفكك الدولة القومية العربية». فقد: « أصبحت الدول في الشرق الأوسط أضعف من أي وقت مضى، فالآن تبدو السلطات التقليدية، سواء الأنظمة الملكية الشائخة أو الأنظمة المستبدة العلمانية، عاجزة بشكل متزايد عن رعاية شعوبها. ومع تزايد ضعف سلطة الدولة، تزداد الولاءات القَبَلية والطائفية قوة». أما لماذا هذا الضعف؟ فلا شك أن: « هناك أسباب عديدة وراء ضعف الدولة القومية العربية»، لكن ( وبحسب الكاتب) « فإن أكثر هذه الأسباب وضوحا وقربا هو إرث الربيع العربي»، وليس انطلاقته بحد ذاتها. أو بعبارة أخرى ما آل إليه الربيع العربي من الدخول في حروب طاحنة، نالت من حركة الاحتجاج الشعبي، لكنها في المحصلة أضعفت الدولة العربية إلى حد التهديد بنهايتها.                                            
     أما مقدمة الصراع على النفوذ فقد دشنتها السياسات الأوروبية العنصرية مطلع القرن العشرين الماضي. وهو ما سطرته مقالة Jeffrey D. Sachs: « اتركوا الشرق الأوسط يحكم نفسه[52] – 1/9/2014»، والتي قال فيها: « عندما انهارت الإمبراطورية العثمانية في نهاية الحرب العالمية الأولى، اقتطعت القوتان العظميان في ذلك الوقت، بريطانيا وفرنسا، دولاً وريثة من أجل ضمان سيطرتهما على نفط الشرق الأوسط ومفاتيحه الجيوسياسية وطرق العبور التي تمر خلاله إلى آسيا. وبفضل نهجهما المستهزئ، الذي انعكس على سبيل المثال في اتفاق سايكس- بيكو، نشأ نمط من التدخل الخارجي المدمر. ثم ظهرت أميركا في وقت لاحق كقوة عالمية، فتعاملت مع الشرق الأوسط بنفس الطريقة، فأخذت تنصب الحكومات أو تطيح بها أو ترشوها أو تتلاعب بها بلا هوادة، وكل هذا في حين تتشدق بخطاب الديمقراطية»ولعل: « التوصل إلى حلول دائمة أمر في حكم المستحيل ما دامت الولايات المتحدة وغيرها من القوى الأجنبية مستمرة في التدخل في المنطقة. وبعد مرور قرن كامل من الزمان، منذ اندلعت الحرب العالمية الأولى، لابد أن تنتهي الممارسات الاستعمارية أخيرا. فالشرق الأوسط يحتاج إلى الفرصة لحكم نفسه بنفسه، بدعم من ميثاق الأمم المتحدة وتحت حمايته، وليس من قِبَل أي قوة عظمى منفردة».
     من جهته، وبصورة ما، يفسر javier-solana، في مقالته السابقة: « سنوات العيش تكتيكيا»[53] عبارة « النهج المستهزئ» التي استعملها Sachs كدلالة على النظرة الدونية والتحقير الذي اتبعته فرنسا وبريطانيا في التعامل مع المنطقة قبل مائة عام، وما أدت إليه مثل هذه السياسات الاستعلائية. وبحسبه: « فقد كان الشرق الأوسط مرتعا لحالة من عدم الاستقرار تغذت على توترات تاريخية منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية قبل قرن من الزمان تقريبا، والآن اشتعل الشرق الأوسط لأسباب ليس أقلها أن تدخلات الغرب المتكررة كانت تسترشد بمخاوف تكتيكية تتسم بقصر النظر» .. بل « أن زعماء الغرب فشلوا في توقع العواقب الطويلة الأجل المترتبة على دعم الأنظمة الاستبدادية، والتي كشفت عنها ثورات الربيع العربي، أو توقع تأثير التدخلات العسكرية المتعاقبة في العراق وسوريا وليبيا، ونتيجة لهذا فإن الحنين إلى الماضي المجيد، مثل الخلافة التي يسعى إلى إقامتها تنظيم الدولة الإسلامية، بدأ ينتشر في الشرق الأوسط أيضا. وفي كل الأحوال فإن الشرق الأوسط لا بد أن يسمح له بامتلاك الحلول للتحديات التي يواجهها، ففي نهاية المطاف لم تنجح أي حلول مفروضة عليه من الخارج حتى الآن».
   وفي تشخيصه لمشكلات المنطقة يجيب المتخصص الفرنسي في الشؤون الإسلامية، olivier-roy، على سؤال لصحيفة « lesechos»[54] يقول: « كيف ترى إعادة التشكل الجارية في الشرق الأوسط؟» فيجيب: « نحن نشهد بداية حرب ستمتدّ لثلاثين عامًا، قياسًا بالحرب بين الكاثوليك والبروتستانت الّتي أدمت أوروبا في أوائل القرن السابع عشر. والإسلام التقاء لثلاث أزمات كبرى: (1) الأزمة المولودة من ظاهرة الهجرة الضخمة في الغرب، و (2) الأزمة المتعلّقة بالتنافس الشرس بين السعودية السنية والعربية، وإيران الشيعية والفارسية، و (3) الأزمة الناتجة عن تشكيل الدول القومية المصطنعة في أعقاب انهيار الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى».
    أما الأزمتين الثانية والثالثة فمن شأنهما أن تفرزا، مع طول الأمد، صراعا جديدا على مفهوم الأمة. والثابت أنه ما من دولة عربية لم يحتدم فيها الصراع على تشكيل الهوية الوطنية منذ مائة سنة وإلى يومنا هذا. ومع ذلك فلم تستقر أبدا. ولأنه: « عادة ما تكون الهويات الوطنية واحدة فقط من بين هويات متعددة»، إلا أنه « لا يوجد أي تناقض بين تحديد هويتك كمسلم سُني، أو عضو في قبيلة، أو مواطن عربي، أو أردني، أو أستاذ جامعي، … مع وجود أولوية لكل مكوّن من مكونات الهوية في أوقات مختلفة ولأسباب مختلفة؛ وبالتالي، فلا عجب أنّ الانتفاضات العربية الأخيرة كانت وطنية وعابرة للحدود الوطنية ومحلية وإقليمية أيضًا». هذا ما لاحظه Lynch في مقالته: « إعادة التفكير في مفهوم الأمة في الشرق الأوسط[55]2 /6/2015». وزاد على ذلك بالإشارة إلى أن: « صعود ما يُسمى بتنظيم الدولة الإسلامية لم يكن هو الذي أدى إلى امتداد ومحو الحدود السورية العراقية»، بقدر ما: « مَنحَ الحشد الشعبي المتزامن وغير المسبوق عبر الحدود، خلال الانتفاضات العربية في بداية عام 2011، شكلًا قويًا لنموذج المجتمع السياسي العربي العابر للحدود، الذي يحل محل حدود الدول القومية».
    ثمة حكمة تقول بأنه لا يمكن تعريف العاصفة إلا بما تخلفه من آثار. ولعلها التعبير الأصدق عن حالة الدولة العربية، التي غدت في مهب الريح. ذلك ما يلخصه تقرير Kevin Connolly[56] في الـ « BBC» السابق الإشارة إليه. ففيه نختم هذا المحور، حيث يقول:
    « عندما انهار النظام القديم في الشرق الأوسط آخر مرة، بدا واضحا من الذي ينبغي دعوته لبناء نظام جديد. وبينما كانت الإمبراطورية التركية في المنطقة تتفتت نتيجة تعرضها للعواصف الصحراوية التي أثارتها الحرب العظمى، كانت بريطانيا وفرنسا لا تزالان قوى إمبريالية كبرى … ومع هزيمة الأتراك … كان هناك عالم جديد ينتظر أن تتم صناعته. وشرعت بريطانيا، المكلفة من قبل عصبة الأمم بحكم الأرض المقدسة، بتحقيق التزامها تجاه يهود العالم ببناء وطن قومي لهم في فلسطين، من دون أن تخمن حينها ربما أن القضايا المحيطة بذلك الوعد ستظل مصدرًا قويًا للعنف والفتنة إلى ما بعد قرن من الزمن. وكانت تلك لحظة اضطراب عالمي كارثي، وتم تشكيل دول جديدة تشبه الجزر التي تنثرها البراكين الكامنة تحت البحر … وفي عصر الإمبراطوريات ذاك، لم يشكك أحد فيما إذا كان من حق الأوروبيين رسم حدود جديدة للعالم القديم، أو على الأقل، لم يشكك في ذلك أحد ممن كان الأوروبيون على استعداد للاستماع إليهم .. وقد استمر النظام القديم لما يقرب من 100 سنة بالضبط، ويتساءل المرء هنا ما إذا كان هذا الوقت أكثر أو أقل مما خطط له مهندسو سايكس- بيكو … من الصعب أن نعرف على وجه اليقين أي نوع من الشرق الأوسط سوف يظهر في نهاية المطاف من خلال هذه العواصف الصحراوية الراهنة، ولكن بات من الواضح أن واحدة من أقوى الرياح التي تهب في المنطقة قادمة من إيران». وكما يقول كل من PETER HARLING و  SARAH BIRKE في مقالتيهما « داعش بوصفها حالة نموذجية لمشكلات الشرق الأوسط المعقدة[57]23، 24 مارس 2015»، يبدو أن: « الشرق الأوسط بصدد ختم فصل لا فتح فصل جديد»!!! فما هو الفصل الجديد القادم؟
 ————————————————————

                          الوثائق والمصادر والمراجع

أولا: القرآن الكريم
ثانيا: الحديث الشريف
ثالثا: المصادر المراجع
  • « إدمان المواد الإباحية.. تدمير للفرد والمجتمع»، 3/6/2014، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/c3xX. ولمزيد من الأرقام المذهلة يمكن مراجعة موقع « cyber-addiction»، على الشبكة: http://cutt.us/iLToU
  • د. أكرم حجازي: « بدعوى مكافحة الإرهاب – « راند» توصي باحتلال المجتمعات»، 8/8/2008، موقع « إسلام أون لاين»، على الشبكة: http://cutt.us/mQR4A، أو مدونة « islam4world»،: http://cutt.us/SlDns
  • « انتقاد لتوزيع الثروة بأميركا»، 29/10/2011، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/hC9x
  • « أوكرانيا ومحاربة تنظيم الدولة تتصدران مؤتمر ميونيخ للأمن»، 6/2/2015، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/h4ENo
  • أول تقرير إجمالي لـ « الشبكة السورية لحقوق الإنسان».
  • James Zogby : « التخلص من وهم الإمبراطورية وأسطورة الغرب المتحضر -27/6/ 2015»، رابط: http://cutt.us/pGG9
 (10) تقرير « أوكسفام = ib-wealth-having-all-wanting-more-190115-en.pdf »، JANUARY 2015، على الشبكة: http://cutt.us/1uu2w، والرقم منقول عن تقرير معهد أبحاث « كريدت سويس»: « Thought leadership from Credit Suisse Research and the world’s foremost experts»،  Global Wealth Report 2014، على الشبكة: http://cutt.us/lqZn
  • تقرير « THE PRICE OF OFFSHORE REVISITED»، شبكة العدالة الضريبية،2012 July ، نسخة التقرير بصيغة word، موقع « taxjustice»، على الشبكة: http://cutt.us/hoMdb
  • تقرير « مجموعة بوسطن للاستشارات BGC –  »: « Global Wealth 2015: Winning the Growth Game»، موقع « bcgperspectives»، على الشبكة: http://cutt.us/QYKP9
  • تيم أرانغو وكريم فهيم وبين هوبارد (مقالة): « مكاسب «داعش» في العراق حصيلة سنوات من الإعداد»، 17/6/2014، خدمة « نيويورك تايمز»، صحيفة « الشرق الأوسط السعودية». على الشبكة: http://cutt.us/dyw3v
  • « رئيس CIA السابق: ستتغير حدود الشرق الأوسط التي كنا نعرفهاهايدن: القانون الدولي ينهار»، 26/2/2016، موقع « عربي21»، على الشبكة: http://cutt.us/Vpa3C
  • رجب طيب أردوغان (رئيس الحكومة التركية)، 6/4/2010، كلمة إلى الجمهور العربي، جاء فيها: « من دونكم لا معنى للعالم».
  • « صحيفة: أميركا تجر العالم إلى حرب مع روسيا»، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/oGNU، نقلا عن مقالة للمراسل الحربي، جون بيلغر، صحيفة « غارديان 14/5/2014».
  • فرانسيس فوكوياما: « هدفهم العالم المعاصر»، مجلة « نيوزويك »، 25 ديسمبر2001، الطبعة العربية/ عدد81. راجع الموقع: http://cutt.us/tkHhP.
  • كينيث بولاك وباربرا وولتر: « ستريت جورنال: سياسة أوباما تجر الشرق الأوسط للكارثة»، 17/2/2016، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/2kJLH
  • مايكل هايدن، مدير وكالة الأمن الأمريكية السابق (مقابلة)، صحيفة « lefigaro – 5/7/2015» الفرنسية، موقع الصحيفة: http://cutt.us/r3f6
  • « مدير الاستخبارات الفرنسية: الشرق الأوسط الذي نعرفه انتهى والعراق وسوريا لن تستعيدا حدودهما أبدا»، 28/10/2015، موقع: «راديو صوت بيروت»، على الشبكة: http://cutt.us/smkrX
  • موشيه يعالون (وزير الدفاع اليهودي)، مقابلة مع محطة الـ « BBC – 24/3/2015» البريطانية نقلا عن صحيفة القدس العربي، على الشبكة: http://cutt.us/cT98
  • « نص المقال الكامل لرسالة كيسنجر إلى أوباما»، ترجمة طارق علي، موقع «دار الأخبار»، على الشبكة: http://cutt.us/zcm0C، وكذلك: « كيسنجر: الإطار الجيوسياسي للشرق الأوسط ينهار»، 18/10/2015، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/Q58u.
  • نص « تقرير مراجعة استراتيجيا الأمن القومي لسنة 2010» – صدر في 2/6/2010.
  • « هل يواجه العرب سايكس بيكو جديدة؟»، 19/11/2015، برنامج « بلا حدود»، موقع الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/GbmE
  • Armin Rosen: « ستراتفور: توقعات مثيرة عن شكل العالم بعد عقد من الآن»، 16/6/ 2015، موقع « businessinsider»، على الشبكة: http://cutt.us/mmx6T
  • Bernard Haykel; Cole Bunzel: « خلافة جديدة؟ – 10/7/2014»، موقع « بروجيكت سينديكيت»، على الشبكة: http://cutt.us/RrbtG
  • christopher-r—hill: « نهاية الدولة العربية، 29/7/2014»، موقع « بروجيكت سينديكيت»، على الشبكة: http://cutt.us/LrWS.
  • David Ignatius: « الدولة المريضة في الشرق الأوسط 2015/4/16،» موقع صحيفة « washingtonpost»، على الشبكة: http://cutt.us/1PnoW
  • Dominique Moisi: « ترميم النظام العالمي – 29/6/2015»، موقع « بروجيكت سينديكيت»، على الشبكة: http://cutt.us/hmsyo
  • Jeffrey D. Sachs: « اتركوا الشرق الأوسط يحكم نفسه – 1/9/2014»، موقع « بروجيكت سينديكيت»، على الشبكة: http://cutt.us/h3eEp .
  • JEFF DESJARDINS: « The World Economy in One Visualization»، 22/7/2015، موقع « visualcapitalist»، على الشبكة: http://cutt.us/FRp7L
  • JEFF DESJARDINS: « $60 Trillion of World Debt in One Visualization»، 6/8/2015، موقع « visualcapitalist»، على الشبكة: http://cutt.us/ujbx
  • javier-solana: « سنوات العيش تكتيكيا – 27/10/2014»، موقع « بروجيكت سينديكيت»، على الشبكة: http://cutt.us/lTJgh.
  • Joschka Fischer: « الشرق الأوسط وعودة التاريخ – 1/7/2014»، موقع « بروجيكت سينديكيت»، على الشبكة: http://cutt.us/gQma
  • joschka fischer: « الغرب المنهَك»، 28/8/2014. موقع « بروجيكت سنديكيت»، على الشبكة: http://cutt.us/U5qNg
  • Joseph S. Nye: « هيمنة أم تفوق أمريكي؟ – 9/3/2015»، موقع « بروجيكت سنديكيت»، على الشبكة: http://cutt.us/3Gjo
  • Ju-Yeong June Shin: « كيف تحافظ أمريكا على النظام العالمي اللبرالي؟ – 7/4/2015»، موقع « nationalinterest»، على الشبكة: http://cutt.us/3013u
  • Kevin Connolly: « رياح التغيير تعصف بالشرق الأوسط – 19 /7/2015»، موقع « BBC»، على الشبكة: http://cutt.us/xTuh0
  • Marc Lynch: « إعادة التفكير في مفهوم الأمة في الشرق الأوسط2 /6/2015»، موقع صحيفة « washingtonpost»، على الشبكة: http://cutt.us/hZ9T.
  • Martin S. Indyk: « عودة إلى لعبة الشرق الأوسط2015/02/17 »، ج1، مدونة « edu»، على الشبكة: http://cutt.us/YtMbI، فريق ترجمة موقع « راقب»، على الشبكة: http://cutt.us/jMKC
  • Michael J. Totten: « الخروج المستحيل .. لماذا لا يمكن أن ترحل الولايات المتحدة عن الشرق الأوسط؟»، تشرين ثاني/ كانون أول 2013، على موقع « worldaffairsjournal»، على الشبكة: http://cutt.us/O8l8، ترجمة موقع « راقب»: http://cutt.us/8tnO6
  • olivier-roy: « فرض العلمانية ليس حلا للقضاء على الإرهاب – 3 /5/2015»، موقع « fr»، على الشبكة: http://cutt.us/97ETC.
  • PAUL POLMAN; Lynn Forester de Rothschild: « التهديد الرأسمالي للرأسمالية –  28/5/2014»، موقع « بروجيكت سنديكيت»، على الشبكة: http://cutt.us/lYioI
  • PETER HARLING,SARAH BIRKE: « داعش بوصفها حالة نموذجية لمشكلات الشرق الأوسط المعقدة23 ، 24  مارس 2015»، موقع « orientxxi»، على الشبكة: (1)  http://orientxxi.info/magazine/l-organisation-de-l-etat-islamique,0848 “24 mars 2015”
 (2)      “23 mars 2015” http://orientxxi.info/magazine/l-organisation-de-l-etat-islamique,0846
  • « العالم بدون أميركا»، موقع « بروجيكت سنديكيت»، على الشبكة: http://cutt.us/1jMzF
  • Robert D. Kaplan: « عودة الإمبريالية هي الحل للفوضى في الشرق الأوسط! – 25/5/2015»، موقع مجلة « foreignpolicy»، على الشبكة: http://cutt.us/Nh3wW
  • Robert Skidelsky: « عودة إلى انحطاط الغرب – 16/11/2015»، موقع « بروجيكت سينديكيت»، على الشبكة: http://cutt.us/6Jom
  • Shlomo Avineri: « انهيار الشرق الأوسط – 25/8/2014»، موقع « بروجيكت سينديكيت»، على الشبكة: http://cutt.us/1NgVl.
  • Shlomo Ben-Ami: « الدول العربية وآلام المخاض – 8/7/2014»، موقع « بروجيكت سينديكيت»، على الشبكة: http://cutt.us/LjWJ
  • Walter Pincus : « تقييم الجنرال مارتن ديمبسي للأوضاع في الشرق الأوسط، 13/7/2015»، على موقع صحيفة « washingtonpost»، على الشبكة: http://cutt.us/oHqfn
  • Volker Perthes: « ثلاثة خطوط زمنية في الشرق الأوسط 22/8/2014»، موقع « بروجيكت سينديكيت»، على الشبكة: http://cutt.us/zo15M
[1] Joschka Fischer: « الشرق الأوسط وعودة التاريخ – 1/7/2014»، موقع « بروجيكت سينديكيت»، على الشبكة: http://cutt.us/gQma
[2] في أول قناة تركية تبث باللغة العربية « TRT»، وفي 6/4/2010، وجه رئيس الحكومة التركية آنذاك، رجب طيب أردوغان، كلمة إلى الجمهور العربي قال فيها: « إن مصير اسطنبول ومستقبلها لا يختلفان عن مصير الدول العربية ومستقبلها، وقد تكون الحدود السياسية قد خطت بين أوطاننا في التاريخ القريب، وربما الألغام قد زرعت بين دولنا، وربما الجدران والسدود قد شيدت بين أراضينا. إلا أننا نمتلك من القوة والإرادة ما يجعلنا نتجاوز كل هذه العقبات»، لكن العبارة الأبلغ التي تضمنتها الكلمة جاء فيها: « من دونكم لا معنى للعالم».
[3] من الطريف حقا أن يتحدث وزير الدفاع اليهودي، موشيه يعالون، في مقابلة مع محطة الـ « BBC – 24/3/2015» البريطانية قائلا: « إن ما يحدث اليوم في الشرق الأوسط هو زلزال جيوسياسي سيهز استقرار المنطقة لفترة طويلة في تقديرنا، نحن لم نسمه أبدا ربيعا عربيا أو زمهريرا إسلاميا، فالوضع أكثر تعقيداالوضع لا يرتبط فقط بتهديدات تنظيم الدولة الإسلامية أو جبهة النصرة أو إيران، بل ينطوي على فرص كبيرة».
[4] هذا ما صرح به فولفغانغ إيشنغر، الدبلوماسي الألماني ومنظم مؤتمر ميونخ للأمن في 6/2/2015، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/h4ENo
[5] خدمة « نيويورك تايمز»، الشرق الأوسط السعودية، 17 يونيو 2014، مقالة تيم أرانغو وكريم فهيم وبين هوبارد. على الشبكة: http://cutt.us/dyw3v
[6] كشفت « الشبكة السورية لحقوق الإنسان» في تقرير أن إجمالي عدد القتلى الذين سقطوا بسوريا منذ نشوب الحرب في مارس/آذار 2011 وحتى أغسطس/آب الحالي بلغ 215 ألفاً و834، منهم 180 ألف مدني. وقالت إن النظام وحده قتل 207 آلاف و348 شخصاً، أي 96%من مجموع القتلى، منهم 178 ألفا و491 مدنيًا، بينهم 18 ألفا و437 طفلاً، و18 ألفاً و627 امرأة، و11 ألفاً و491 قضوا تحت التعذيب. ولفت التقرير إلى أن نسبة الذين سقطوا على أيدي كافة الأطراف، ما عدا النظام، بلغت 4% (أي 8450 شخصاً) من مجموع الضحايا، منهم 1458 مدنيا، و3354 مسلحاً قتلهم تنظيم الدولة الإسلامية، في حين تتحمل وحدات حماية الشعب الكردية وفصائل المعارضة مجتمعة المسؤولية عن بقية الضحايا، ما عدا 1846 قتيلاً لم يتم التأكد من الجهة المسؤولة عن قتلهم. وبحسب التقرير، فقد تسبب قصف قوات النظام السوري في حدوث أضرار بنحو 2.9 مليون مبنى (من مستشفى ومدرسة وكنيسة ومسجد إلخ)، من بينها قرابة 920 ألفاً في حالة دمار شبه كامل وبحاجة لتجريف. ونوّهت الشبكة إلى أن الإحصائية لا تشمل ضحايا قوات النظام من الأمن والجيش والمليشيات الموالية له، كما لا تتضمن ضحايا تنظيم الدولة لصعوبة الحصول على معلومات من الطرفين. 19/8/2015 تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان
[7] في مقابلة أجرتها صحيفة « lefigaro – 5/7/2015» الفرنسية، مقابلة مع الجنرال مايكل هايدن، مدير وكالة الأمن الأمريكية السابق، قال فيها: « إذا ما عدنا إلى التاريخ، نشهد أن العراق كان مقسّمًا إلى ثلاث ولايات في الإمبراطورية العثمانية: كردية وسنية وشيعية: ولايات الموصل وبغداد والبصرة. فما نسمّيه العراق لم يكن موجودًا. هذه الحقائق العلمانية مهمّة. ومرّة أخرى، لا أعتقد أنّ العراق وسوريا سيظهران من جديد. يجب البحث عن أمور بديلة أخرى». موقع الصحيفة: http://cutt.us/r3f6
[8] James Zogby : « التخلص من وهم الإمبراطورية وأسطورة الغرب المتحضر -27/6/ 2015»، رابط: http://cutt.us/pGG9
[9] ففي مقالة له بصحيفة الـ « غارديان 14/5/2014» البريطانية، كتب جون بيلغر، مراسل حربي ومخرج أفلام، عن الدور الأمريكي في أوكرانيا وتداعياته الهائلة على بقية العالم، وفي السياق أشار إلى لـ « موجز سجل السياسة الخارجية الأميركية» الذي ينشره كل عام المؤرخ الأميركي وليام بلوم والذي يبرز محاولات الولايات المتحدة منذ عام 1945 للإطاحة بأكثر من خمسين حكومة، انتُخب كثير منها ديمقراطيا. « كما أنها تدخلت بشكل فج في انتخابات ثلاثين دولة وقصفت السكان المدنيين في ثلاثين دولة أيضا، واستخدمت الأسلحة الكيميائية والبيولوجية وحاولت اغتيال زعماء أجانب. وأن بريطانيا كانت معاونة لأميركا في كثير من الحالات. وختم بأن وزارة الدفاع الأميركية تدير حاليا عمليات خاصة، حروبا سرية، في 124 دولة، بينما داخليا الفقر يزداد وضياع الحريات صار النتيجية الطبيعية التاريخية لدولة الحروب الأبدية ومخاطر حدوث حرب نووية». موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/oGNU
[10] كان المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما قد دافع عن الرأسمالية باعتبارها تعبير عن: نهاية التاريخ والإنسان الأخير، وهو اسم الكتاب الذي أصدره، قبل أن يتخلى عنها لاحقا. راجع: مجلة « نيوزويك »: « هدفهم العالم المعاصر»، 25 ديسمبر2001، الطبعة العربية/ عدد81.
[11] راجع الموقع: http://cutt.us/tkHhP
[12] يمكن الاطلاع على التمثيل البياني الذي قمنا بتفريغه من على الرابط التالي: http://cutt.us/FRp7L
[13]  نقلا عن موقع: http://cutt.us/ujbx
[14] يمكن متابعة الرابط التالي لمزيد من تفاصيل تقرير « أوكسفام»: http://cutt.us/1uu2w، والرقم منقول عن تقرير « كريدت سويس»: http://cutt.us/lqZn
[15] نص الدراسة على موقع الشبكة: http://cutt.us/hoMdb
[16] موقع المجموعة: http://cutt.us/QYKP9
[17] http://cutt.us/c3xX. ولمزيد من الأرقام المذهلة يمكن مراجعة: http://cutt.us/iLToU
[18] الواقع أن الرأسمالية قادت الاقتصاد العالمي إلى ازدهار لم يسبق له مثيل، بيد أنها أثبتت أيضا أنها تعاني من اختلال وظيفي على أكثر من نحو بارز، فهي تشجع قِصَر النظر غالبا، وتساهم في اتساع فجوة التفاوت بين الأغنياء والفقراء، وتتسامح في التعامل الطائش المتهور مع رأس المال البيئي. هذه الفقرة وردت في مقالة « التهديد الرأسمالي للرأسمالية –  28/5/2014»، للكاتبين PAUL POLMAN; Lynn Forester de Rothschild، موقع « بروجيكت سنديكيت»، على الشبكة: http://cutt.us/lYioI
[19] « انتقاد لتوزيع الثروة بأميركا»، 29/10/2011، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/hC9x
[20] Richard N. Haass: « العالم بدون أميركا، موقع بروجيكت سنديكيت»، على الشبكة: http://cutt.us/1jMzF
[21] Martin S. Indyk: « عودة إلى لعبة الشرق الأوسط2015/02/17 »، ج1، مدونة  brookings.edu، على الشبكة: http://cutt.us/YtMbI، فريق ترجمة موقع « راقب»، على الشبكة: http://cutt.us/jMKC              
[22] د. أكرم حجازي: « بدعوى مكافحة الإرهاب – « راند» توصي باحتلال المجتمعات»، 8/8/2008، موقع « إسلام أون لاين»، على الشبكة: http://cutt.us/mQR4A، أو مدونة « islam4world»،: http://cutt.us/SlDns
[23] joschka fischer: « أمريكا المفتقدة»، 30/5/2013، موقع « بروجيكت سنديكيت»، على الشبكة: http://cutt.us/5D4v
[24] « تقرير مراجعة استراتيجيا الأمن القومي لسنة 2010» – صدر في 2/6/2010.
joschka fischer [25]: « الفائزون والخاسرون في الشرق الأوسط»، 3/11/2014. موقع « بروجيكت سنديكيت»، على الشبكة:
  http://cutt.us/qP6oA
[26] joschka fischer: « الغرب المنهَك»، 28/8/2014. موقع « بروجيكت سنديكيت»، على الشبكة: http://cutt.us/U5qNg
[27] javier-solana: « سنوات العيش تكتيكيا – 27/10/2014»، موقع « بروجيكت سنديكيت»، على الشبكة: http://cutt.us/NSWXw
[28] « نص المقال الكامل لرسالة كيسنجر إلى أوباما»، ترجمة طارق علي، موقع «دار الأخبار»، على الشبكة: http://cutt.us/zcm0C، وكذلك: « كيسنجر: الإطار الجيوسياسي للشرق الأوسط ينهار»، 18/10/2015، موقع « الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/Q58u.
[29] « مدير الاستخبارات الفرنسية: الشرق الأوسط الذي نعرفه انتهى والعراق وسوريا لن تستعيدا حدودهما أبدا»، 28/10/2015، موقع: «راديو صوت بيروت»، على الشبكة:  http://cutt.us/smkrX
[30] « رئيس CIA السابق: ستتغير حدود الشرق الأوسط التي كنا نعرفهاهايدن: القانون الدولي ينهار»، 26/2/2016، موقع « عربي21»، على الشبكة: http://cutt.us/Vpa3C
[31] Joseph S. Nye: « هيمنة أم تفوق أمريكي؟ – 9/3/2015»، موقع « بروجيكت سنديكيت»، على الشبكة: http://cutt.us/3Gjo
[32] لكن انطلاقا من متغير النفط يصف الكاتب  Michael J. Tottenتخلي أمريكا عن منطقة الشرق الأوسط بـ « الخروج المستحيل»، فيقول: « إلى أن يمكن للسيارات والشاحنات أن تسير بالطاقة الشمسية والريح والطاقة النووية، يبقى العالم كله معتمدا على تدفق النفط من منطقة الخليج، وهذا يتطلب ضمانات أمن أمريكية، أي يتطلب وجودنا. وإلى أن تخسر التنظيمات الإسلاموية كل جاذبيتها المحلية، فليس لنا خيار يذكر إلا التدخل بصفة دورية بغض النظر عن الاقتصاديات أو الموارد. وفي الوقت الراهن، ومهما تكن جسامة الوضع، فالأمريكيون والعرب ملتصقون ببعضهم بعضا ولا فكاك. بوسعنا أن نأخذ استراحة قصيرة، أما التقاعد فبيننا وبينه عقود». تابع مصدر المقالة: Michael J. Totten: « الخروج المستحيل .. لماذا لا يمكن أن ترحل الولايات المتحدة عن الشرق الأوسط؟»، نوفمبر/ ديسمبر2013، على موقع « worldaffairsjournal»، على الشبكة: http://cutt.us/O8l8، ترجمة موقع « راقب»: http://cutt.us/8tnO6
[33] Ju-Yeong June Shin: « كيف تحافظ أمريكا على النظام العالمي اللبرالي؟ – 7/4/2015»، موقع « nationalinterest»، على الشبكة: http://cutt.us/3013u
[34] Robert D. Kaplan: « عودة الإمبريالية هي الحل للفوضى في الشرق الأوسط! – 25/5/2015»، موقع مجلة « foreignpolicy»، على الشبكة: http://cutt.us/Nh3wW
[35] في تقريره على محطة الـ « BBC» البريطانية يتحدث Kevin Connolly بفقرة طريفة عن حكاية « استعادة النظام» بصيغة أخرى فيقول: « لا تزال أمريكا قوةً عظمى في الشرق الأوسط بطبيعة الحال، ولكنها ليست القوة التي كانت من قبل، لأسباب ليس أقلها أنها تجد صعوبة في تحديد النتائج المفضلة بالنسبة لها من هذا العصر الحالي من الصراع أبعد من البحث الميؤوس منه على ما يبدو عن تحقيق الاستقرار».  Kevin Connolly: « رياح التغيير تعصف بالشرق الأوسط – 19 /7/2015»، موقع « BBC»، على الشبكة: http://cutt.us/xTuh0
[36] Armin Rosen: « ستراتفور: توقعات مثيرة عن شكل العالم بعد عقد من الآن»، 16/6/ 2015، موقع « businessinsider»، على الشبكة:  http://cutt.us/mmx6T
[37] Dominique Moisi: « ترميم النظام العالمي –  29/6/2015»، موقع « بروجيكت سينديكيت»، على الشبكة: http://cutt.us/hmsyo
[38] ورد مثل هذا القول حتى في نص « تقرير مراجعة استراتيجيا الأمن القومي لسنة 2010»، الصادرة في 2/6/2010، حيث جاء فيها: « في أعقاب الحرب العالمية الثانية كانت الولايات المتحدة هي التي تولت القيادة في بناء منظومة دولية جديدة  =
=   لاستتباب السلام ودفع عجلة الرخاء، من إنشاء حلف شمال الأطلسي والأمم المتحدة إلى توقيع معاهدات تنظم تطبيق القوانين وأسلحة الحرب؛ ومن إنشاء البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وصولا إلى شبكة يزداد نطاقها اتساعا من الاتفاقيات التجارية. هذه المنظومة، رغم عيوبها، مكنتنا من تجنب حرب عالمية وأتاحت تحقيق النمو الاقتصادي وعززت حقوق الإنسان. وفي الوقت ذاته سهلت تقاسم الأعباء بصورة فعالة بين الولايات المتحدة وحلفائنا وشركائنا».
[39] كان السقوط قبل تغيير الاسم إلى « الدولة الإسلامية» ثم إعلان الخلافة.
[40] Robert Skidelsky: « عودة إلى انحطاط الغرب – 16/11/2015»، موقع « بروجيكت سينديكيت»، على الشبكة: http://cutt.us/6Jom
[41] في تقييم صريح أُعطي للجنة الخدمات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي قدمه رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، الجنرال مارتن ديمبسي، في 7/7/2013، تحدث فيه عن النظم العربية مشيرا إلى أن: « العديد من الحكومات تكافح من أجل الشرعية السياسية؛ لأنها ليست حكومات تعددية ولا هي حكومات مسؤولة أمام مواطنيها». للمتابعة:
 Walter Pincus : « تقييم الجنرال مارتن ديمبسي للأوضاع في الشرق الأوسط، 13/7/2015»، على موقع صحيفة « washingtonpost»، على الشبكة: http://cutt.us/oHqfn
[42] « هل يواجه العرب سايكس بيكو جديدة؟»، 19/11/2015، برنامج « بلا حدود»، موقع الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/GbmE
[43] Joschka Fischer: « الشرق الأوسط وعودة التاريخ – 1/7/2014»، مرجع سابق.
[44] يشاركه في هذا الرأي الكاتب اليهودي Shlomo Avineri: « انهيار الشرق الأوسط – 25/8/2014»، موقع « بروجيكت سينديكيت»، على الشبكة: http://cutt.us/1NgVl، إذ يقول في مقالته: « الواقع أن تنظيم الدولة الإسلامية … قد لا ينجح في الأرجح في خلق كيان قابل للبقاء عبر الحدود، ولكن من المؤكد أن جهوده الوحشية وإيديولوجيته الإسلامية تشير إلى أن الحدود القديمة، والدول التي رسمتها، باتت في طريقها إلى الزوال». وذات الموقف تقريبا عبر عنه David Ignatius كاتب صحيفة « الواشنطن بوست» الأمريكية. غذ يقول في مقالته: « مع انهيار هياكل الحكومة الضعيفة في جميع أنحاء الشرق الأوسط، أصبحت الجماعات المتطرفة أكثر قوة. وأكثر هذه الجماعات فعالية هي الدولة الإسلامية، التي انفجرت من بقايا تنظيم القاعدة في العراق، ولكن العديد من المجموعات الأخرى في جميع أنحاء المنطقة قد بدأت في الاندماج بالغضب الشعبي على أسس طائفية وقبلية من الدعم، وحتى لو “تدهورت” الدولة الإسلامية في العراق وسوريا على مدى السنوات الثلاث المقبلة، كما يأمل الرئيس أوباما، يستطيع الاضطراب الكامن في المنطقة تفريخ داعش 2 أو حتى داعش 3». David Ignatius: « الدولة المريضة في الشرق الأوسط 2015/4/16،» موقع صحيفة « washingtonpost»، على الشبكة: http://cutt.us/1PnoW
[45] Shlomo Avineri: « انهيار الشرق الأوسط»، مصدر سابق.
[46] Shlomo Ben-Ami: « الدول العربية وآلام المخاض – 8/7/2014»، موقع « بروجيكت سينديكيت»، على الشبكة: http://cutt.us/LjWJ
[47] Bernard Haykel; Cole Bunzel: « خلافة جديدة؟ – 10/7/2014»، موقع « بروجيكت سينديكيت»، على الشبكة: http://cutt.us/RrbtG
[48] Volker Perthes: « ثلاثة خطوط زمنية في الشرق الأوسط 22/8/2014»، موقع « بروجيكت سينديكيت»، على الشبكة: http://cutt.us/zo15M
[49] « هل سيكون الشرق الأوسط غير مستقر بعد 10 سنوات كما هو اليوم؟» سؤال طرحه David Ignatius على طلاب في كلية كينيدي للعلوم الحكومية بجامعة هارفارد قبل أسبوع من مقالته السابقة، « الدولة المريضة في الشرق الأوسط»، فأجاب حوالي نصفهم بـ: « نعم، ستكون الأمور بنفس درجة السوء أو أسوأ، أياً كان ما ستفعله الولايات المتحدة». ويقول: « بالنسبة  للجيل القادم، قد يكون عدم الاستقرار هو القاعدة في الشرق الأوسط، وليس الاستثناء». لدى: « ديفيد اغناتيوس: الدولة المريضة في الشرق الأوسط 2015/4/16»، موقع صحيفة « washingtonpost»، على الشبكة: http://cutt.us/vZfB
[50] « ستريت جورنال: سياسة أوباما تجر الشرق الأوسط للكارثة»، 17/2/2016، موقع «الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/2kJLH
[51] christopher-r—hill: « نهاية الدولة العربية، 29/7/2014»، موقع « بروجيكت سينديكيت»، على الشبكة: http://cutt.us/LrWS   
[52] Jeffrey D. Sachs: « اتركوا الشرق الأوسط يحكم نفسه – 1/9/2014»، موقع « بروجيكت سينديكيت»، على الشبكة: http://cutt.us/h3eEp  
[53] javier-solana: « سنوات العيش تكتيكيا – 27/10/2014»، موقع « بروجيكت سينديكيت، على الشبكة: http://cutt.us/lTJgh
[54] olivier-roy: « فرض العلمانية ليس حلا للقضاء على الإرهاب – 3 /5/2015»، موقع « lesechos.fr»، على الشبكة:  http://cutt.us/97ETC
[55] Marc Lynch: « إعادة التفكير في مفهوم الأمة في الشرق الأوسط2 /6/2015»، موقع صحيفة « washingtonpost»، على الشبكة: http://cutt.us/hZ9T
[56] Kevin Connolly: « رياح التغيير تعصف بالشرق الأوسط»، مرجع سابق.
[57] PETER HARLING, SARAH BIRKE: « داعش بوصفها حالة نموذجية لمشكلات الشرق الأوسط المعقدة23 ، 24  مارس 2015»، موقع « orientxxi»، على الشبكة: (1)  http://orientxxi.info/magazine/l-organisation-de-l-etat-islamique,0848 “24 mars 2015”
 (2)      “23 mars 2015” http://orientxxi.info/magazine/l-organisation-de-l-etat-islamique,0846

حمّل الدراسة بصيغة وورد واقع النظام الدولي اليوم

 

About the author

You may also like

صلح الحديبية

صلح الحديبية  بين مدرسة النّصّ المستمسكة وبين مدرسة