انهيار الدولة في ليبيا: الآفاق والآثار

انهيار الدولة في ليبيا: الآفاق والآثار

3986
التعليقات على انهيار الدولة في ليبيا: الآفاق والآثار مغلقة

تقرير معهد الدراسات الأمنية الوطنية الإسرائيلي

إعداد: سارة فيور، أوفير وينتر، آري هيستين، وبار لوبو

رابط المقال باللغة الإنجليزية:

http://www.inss.org.il/publication/state-collapse-libya-prospects-implications/

ترجمة الأستاذ محمد رشيد – خاص بموقع المراقب للدراسات والأبحاث الاجتماعية

14/2/2018

 

    فيما تحتل ليبيا المرتبة التاسعة من حيث احتياطيات النفط في العالم فقد حظيت باهتمام ضئيل نسبيا لدى إسرائيل منذ تدخل منظمة حلف شمال الأطلسي عام 2011م في إسقاط نظام الدكتاتور معمر القذافي. ولكن خلال السنوات السبع الماضية فإن دوامة السقوط نحو الفوضى والعنف قد أثرت على العديد من الأمور مثل سوق النفط العالمية والحرب العالمية على الإرهاب وتدفق المهاجرين إلى أوروبا والصراع الإقليمي بين المؤيدين والمعارضين للإسلام السياسي. وعلى الرغم من أن إسرائيل لم تنزلق مباشرة في القتال إلا أن الأحداث في ليبيا على مدى السنوات السبع الماضية قوضت استقرار المنطقة. ولهذا فإن على صناع القرار في إسرائيل أن يراقبوا عن كثب التطورات الليبية على المدى القريب لأن فشل أصحاب الشأن في حل النزاع يمكن أن يؤدي إلى انهيار كامل للدولة ومن ثم يؤدي إلى تصعيد العنف وزيادة زعزعة استقرار مصر التي هي حليف رئيس لإسرائيل.

    ترصد هذه الورقة الجهات الفاعلة المركزية المشاركة في الصراع الليبي وتستعرض تسلسل الأحداث التي أدت إلى الوضع الراهن وتنظر في تأثيرات مسار ليبيا على جيرانها وعلى علاقات القوى العظمى وتقدم خيارات سياسية لإسرائيل في سبيل تقليل المخاطر المرتبطة بارتفاع وتيرة عدم الاستقرار في شمال أفريقيا وتحديد وتوسيع الفرص السانحة.

الاضطرابات المحلية في ليبيا

    يعود المأزق الحالي في ليبيا إلى انتفاضة عام 2011م التي اندلعت وسط موجة ثورات الربيع العربي التي اجتاحت المنطقة. نجح ثوار ليبيا في تفكيك نظام الدكتاتور معمر القذافي الذي قتل في هذه العملية. وفي عام 2011م، ومع بداية عام 2012م، كانت هناك مؤشرات واعدة على احتمال ظهور بديل ديمقراطي. ولكن بحلول منتصف عام 2012م بدأ التحول السياسي يتعقد تحت وطأة الانقسامات القبلية والإقليمية والأيديولوجية والدينية التي تمكن نظام القذافي من احتوائها سابقا. ومنذ ذلك الحين شهدت ليبيا خمس حكومات مؤقتة بمقدار عدد تلك السنوات وانتشار للأسلحة بلا ضابط وحرب أهلية من عام 2014م و 2015م بين تحالفين كبيرين من الميليشيات المتنافسة واشتباكات مستمرة حول السيطرة على قطاع الهيدروكربونات الكبير في البلاد (الذي كان قد أنتج قبل عام 2011م 92 % من عائدات الدولة) وظهور أكبر محافظة للدولة الإسلامية (داعش) خارج أراضيها في سوريا والعراق بين عامي 2015م و 2016م ونقص متزايد في الكهرباء والماء والدواء لسكان البلاد البالغ عددهم 6 ملايين نسمة.

     وفي ظل غياب لهوية وطنية توافقية أو لمؤسسات دولة يمكن أن تتجمع حولها أية هوية من هذا القبيل؛ تتنافس اليوم ثلاث حكومات متضادة على الشرعية في ليبيا. ففي طرابلس أنشئت حكومة وفاق وطني تحت قيادة رئيس الوزراء فايز السراج منذ عام 2015م عندما نجحت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في التوسط وإنشاء ما أصبح يعرف باسم الاتفاق السياسي الليبي. أرسى الاتفاق السياسي الليبي هذا مجموعة من الهياكل التي تضم معظم الهيئات الحاكمة الانتقالية في البلاد ولكن حكومة الوفاق الوطني التي أنشأتها قد عانت في سبيل إحكام السيطرة على المؤسسات الرئيسية مثل البنك المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط. ومع ذلك فإن الاتفاق السياسي الليبي خفض من مستوى عنف الحرب الأهلية وبقيت حكومة الوفاق الوطني هي الوحيدة المعترف بها دوليا في ليبيا. وبالإضافة إلى ذلك، هناك الرئاسة السابقة لحكومة الوفاق الوطني بقيادة عبد الله الثني والحكومة التي نصبت نفسها في عهد خليفة غويل الذي خدم في إحدى الإدارات المؤقتة التي تتخذ من طرابلس مقرا لها، وهذه الرئاسة السابقة لا تزال تطالب بالشرعية.

   وإلى جانب هذه الحكومات المتزاحمة تتنافس تشكيلات عسكرية واسعة حاليا على النفوذ. ففي غرب البلاد قامت جماعات من ميليشيات تتخذ من مصراتة مقرا لها وجماعات تحالف إسلامي شاركت في عملية الفجر في الفترة 2014م و 2015م قامت تلك الجماعات بالتحالف مع حكومة الوفاق الوطني التي يقودها سراج. وفي شرق البلاد اندمجت الفصائل الرئيسية المشاركة في عملية الكرامة خلال الحرب الأهلية تحت راية جيش وطني ليبي بقيادة الجنرال خليفة حفتر. استمر حفتر الذي أطلق عملية الكرامة منذ البداية بهدف دحر الجماعات الإسلامية في بنغازي وأماكن أخرى ، استمر في تقديم نفسه على أنه الحصن ضد الإسلام السياسي وبالأخص جماعة الإخوان المسلمين. وفي العامين الماضيين تحالف حفتر بشكل كبير مع السلفيين الذين يسعون بالمثل إلى إضعاف الإخوان في ليبيا. ويشار إلى أن السلفيين يظهرون بشكل بارز في الوحدات العسكرية تحت قيادة حفتر ويشاع أن أحد أبناء حفتر هو أحد اتباع السلفية المدخلية (سميت نسبة لربيع بن هادي المدخلي وهو رجل دين سعودي الذي يقود الحركة) والتي تدعو عموما إلى الولاء المطلق للنظام الحاكم – حتى لو كان هذا النظام علماني في التوجه – وتعارض الجماعات الجهادية مثل تنظيم القاعدة والدولة الإسلامية.

    من الناحية السياسية فإن حفتر متحالف مع مجلس النواب في طبرق المنتخب في عام 2014م والذي أيد الاتفاق السياسي الليبي لكنه رفض الأحكام الرئيسية التي من شأنها أن تجعل الجيش الوطني الليبي تحت السيطرة المدنية. لقد قضت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا معظم عام 2016م وأوائل عام 2017 في محاولة لإجبار حفتر وحلفائه في مجلس النواب للموافقة على التشكيل الذي اختاره سراج وقبول الاتفاق السياسي الليبي بكامله. وفي تموز / يوليه 2017م كان يبدو أن هناك انفراجا عندما استضاف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اجتماعا لحفتر وسراج في باريس دعا فيه لوقف إطلاق النار بين الطرفين ونزع سلاح الميليشيات المارقة وضم القوات المسلحة في جيش موحد والتعاون بين الفصائل المتنافسة في مكافحة الإرهاب وإجراء انتخابات في عام 2018م. وفي سبتمبر / أيلول 2017م أعلن المبعوث الخاص للأمم المتحدة غسان سلامه عن “خطة عمل جديدة لليبيا” تدعو إلى إجراء تعديلات على الاتفاق السياسي الليبي وتبسيط الهيئات الإدارية الرئيسية وعقد مؤتمر وطني يمهد الطريق لدستور جديد وانتخابات وطنية. من جهته أعلن حفتر في 17 ديسمبر / كانون الأول انتهاء صلاحية الاتفاق السياسي الليبي (تمشيا مع تفسيرات معينة لصياغتها الأصلية) مما يشكك في جدوى جهود سلامة. ولا تزال المفاوضات جارية حتى كتابة هذه السطور.

    ولكن بالنسبة لما يخص استمرارية عمل المؤسسة الوطنية للنفط والبنك المركزي (اللذين أدارا معا استلام وتوزيع عقود بيع النفط الليبي) وفيما يخص توفير خدمات أولية من جانب بعض المجالس البلدية فإن ليبيا اليوم يمكن أن نسميها دولة فاشلة بالكامل. وفي الوقت الراهن، فإن استمرار تدفق النفط هو العنصر الوحيد الذي يحافظ على ما تبقى من الاقتصاد الليبي من الانهيار. في حالة انهيار المفاوضات التي يقودها سلامة أو في حالة أن التطورات الحاصلة تسببت في توقف تدفق النفط أو في حالة أن حفتر قام بإطلاق عملية عسكرية تهدف إلى السيطرة على طرابلس فإن القتال المتواصل والمنخفض نسبيا بين الميليشيات المتنافسة التي ميزت العامين الماضيين من المرجح أن يزداد وتنحدر ليبيا مرة أخرى إلى حرب أهلية. وما لم يتمكن سلامة من كسر تعنت النخب السياسية المكلفة بإنجاز المرحلة الانتقالية في ليبيا أو ما لم تجبر احتمالية الانهيار الاقتصادي الطرفين على التوصل إلى توافق في الآراء بشأن خارطة الطريق للمضي قدما فإنه من غير المرجح أن تنجح المبادرة الأخيرة لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وستستمر الحالة السيئة لكثير من الليبيين في التدهور.

ليبيا في السياق الإقليمي

       لقد أدى الصراع الإقليمي بين الأنظمة الداعمة والمعارضة للحركات الإسلامية ولا سيما جماعة الإخوان المسلمين إلى إثارة التدخل الخارجي في المسرح الليبي. على الرغم من أن الطوائف الإسلامية المعتدلة مثل الطائفة الصوفية وطائفة السلفيين المحافظة جدا والأهدأ سياسيا كانت مقبولة في ظل نظام القذافي فإن الجماعات الإسلامية ذات التوجه السياسي مثل جماعة الإخوان المسلمين منعت تماما. ومن جهتها وفرت انتفاضة 2011م مساحة للمجموعات الإسلامية للعمل وتلقي المساعدة من الجهات الإقليمية الفاعلة. وفي هذا السياق قامت قطر منذ عام 2011م بتمويل وإدخال الأسلحة إلى حلفائها الإسلاميين داخل ليبيا بالتنسيق مع السلطات التركية، وخلصت لجنة تابعة للأمم المتحدة إلى أن الشركات التركية سلمت أسلحة إلى مجموعات في عملية الفجر. وعلى الجانب المعارض للإسلاميين فقد أفادت التقارير أن الإمارات العربية المتحدة سلمت أسلحة لكل من حفتر والميليشيات المتحالفة في مدينة الزنتان. وقد جاء الدعم الأكبر لكتلة حفتر المناهضة للإخوان من مصر مما يعكس هدف القاهرة الأوسع نطاقا والمتمثل في مواجهة الإسلام السياسي في جميع أنحاء المنطقة.

     والواقع أن مصر برزت بوصفها الدولة الأكثر عرضة للتهديد من عدم الاستقرار في ليبيا والتي تشترك معها في حدود جغرافية تزيد على 1000 كيلومتر. فبعد سقوط القذافي نهبت مستودعات الأسلحة التابعة للجيش الليبي وأدى ظهور شبكات التهريب التي تلت ذلك إلى تحويل البلد إلى مزود رئيسي للأسلحة للإرهابيين في مصر وسيناء ثم نهاية إلى قطاع غزة. وفي الآونة الأخيرة أدى ضعف تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا إلى زيادة وجود السلفيين الجهاديين الذين وجدوا ملاذا في ليبيا والذي يقدر عددهم بين 500 وعدة آلاف من المقاتلين. من أسوأ الهجمات الإرهابية التي ارتكبت في مصر عام 2017م – بما في ذلك الهجوم على الأقباط المصريين ومنطقة المنيا جنوب القاهرة التي قتلت 29 شخصا والهجوم في منطقة الواحات في تشرين الأول / أكتوبر التي أسفرت عن مقتل أكثر من 50 شرطيا مصريا وفقا لتقارير غير رسمية – كانت قد نسبت إلى إرهابيين من ليبيا. وحتى صواريخ كورنيت روسية الصنع التي استخدم أحدها في محاولة اغتيال وزراء الدفاع والداخلية في مصر أثناء زيارتهم العريش في كانون الأول / ديسمبر 2017م قد تم تهريبها من ليبيا. قوضت مثل هذه الحوادث النظام المصري عن توفير الأمن والاستقرار لمواطنيه وأضرت بقطاع السياحة في البلاد وأبطأت من إعادة تأهيل الاقتصاد وبشكل عام تسببت هذه الأحداث بانخفاض الدعم الشعبي للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. وعليه فإن مصر ترى أن الأزمة الليبية تشكل تهديدا مباشرا لأمنها القومي.

      في السنوات الأخيرة، اتخذت القاهرة خطوات للتعامل مع هذا الخطر. ففي المجال العسكري شددت مصر الأمن على حدودها مع ليبيا وهاجمت قوافل المركبات التي تهرب الأسلحة والمتفجرات إلى مصر ونفذت ضربات انتقامية ضد الفصائل الإرهابية داخل ليبيا بعد الهجمات على الأراضي المصرية. وتعتبر قاعدة محمد نجيب العسكرية في مدينة الحمام مركزا للنشاط العسكري المصري في ليبيا وقدمت القاهرة معلومات استخباراتية إلى حفتر وإلى دول أوروبية بشأن أنشطة إرهابية في شرق ليبيا. كما أفيد أن مصر تسمح للقوات الروسية باستخدام قواعدها بالقرب من الحدود الليبية لمساعدة حفتر على الرغم من أن القاهرة تنفي ذلك.

     وعلى الصعيد الدبلوماسي، ضغطت مصر على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لرفع الحظر على الأسلحة المفروض منذ عام 2011م والذي يعوق تسليح الجيش الوطني الليبي التابع لحفتر. طالبت مصر كعضو في اللجنة الرباعية لمكافحة الإرهاب (التي تضم أيضا المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين) بأن توقف قطر تمويلها المزعوم للجماعات الإرهابية داخل ليبيا. تسعى القاهرة إلى حل سياسي للصراع الليبي يحافظ على وحدة أراضي البلاد وترى أن حفتر ينبثق من موقف قوي وترى بأنه سيساعد جارته الشرقية على الحد من التهديد الإرهابي المنبعث من ليبيا. وفي هذا السياق استضافت القاهرة عدة جولات من المحادثات بين الفصائل المتحاربة في ليبيا بما في ذلك مؤتمرات القمة في يونيو 2016م وفبراير 2017م وأغسطس 2017م. إن دور مصر كوسيط قد حول القاهرة إلى وجهة قيادية للدول التي تسعى إلى تعزيز مصالحها في ليبيا. فمثلا تلجأ إيطاليا وفرنسا وألمانيا بشكل مستمر إلى مصر للمساعدة في الحد من تدفق المهاجرين من ليبيا إلى القارة الأوروبية . وترى وروسيا أن مصر تمثل أحد الأعمدة في جهودها الرامية إلى تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع حكومة ليبية في المستقبل.

      مصر ليست القوة الإقليمية الوحيدة المتضررة من انهيار الدولة الليبية. فقد سعت تونس والجزائر أيضا إلى التخفيف من عدم الاستقرار على حدودهما وترتيب التوصل إلى حل للمأزق السياسي في ليبيا. لكن امتداد النزاع أصبح شديدا، وأثر بشكل خاص على تونس المجاورة التي يمكن القول بأنها البلد العربي الوحيد الذي خرجت من اضطرابات عام 2011م في مسار يمكن التعرف عليه على أنه مسار ديمقراطي وإن كان ضعيفا. ففي عام 2015م وأوائل عام 2016م تعرضت تونس لهجومان إرهابيان كبيران في العاصمة وحولها ومحاولة تمرد في جنوب بن قردان. في جميع الحالات الثلاث فقد قضى الجناة وقتا في معسكرات تدريب الإرهابيين على الحدود الليبية. الكثير من التونسيين الذين قدر عددهم ب 6000 شخص والذين غادروا بلادهم بين عامي 2011م و 2016م للانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية وغيرها من الجماعات الإرهابية غادروا عبر ليبيا إلى العراق وسوريا. ومنذ اندلاع الحرب الأهلية في ليبيا استقبلت تونس ما يقرب من مليون مهاجر ليبي هربوا من النزاع مما فرض ضغوطا إضافية على اقتصاد تونس الضعيف أصلا.

      وبالإضافة إلى ذلك فقد أدت الفوضى والفراغ الأمني في ليبيا إلى تسهيل تدفق المهاجرين من أفريقيا إلى جنوب أوروبا دون رقابة. ففي عام 2010م سجلت الوكالة الأوروبية للحدود وخفر السواحل 4500 مهاجر يسعون للدخول إلى القارة عبر ليبيا ومصر. وبحلول العام التالي ارتفع هذا الرقم إلى 64000. وفي عام 2016م وصل ما يقدر من 180,000 مهاجر إلى إيطاليا معظمهم من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بعد مرورهم من ليبيا عبر الطريق البحري. وفي الوقت نفسه تقدر المنظمة الدولية للهجرة أن 770,000 مهاجر وطالب لجوء لا يزالون في ليبيا حيث يتعرضون للإتجار بالبشر وشبكات الجريمة المنظمة والجماعات المتطرفة التي تستفيد من السكان الضعفاء.

ليبيا في النظام العالمي

     لقد أثر الصراع المستمر في ليبيا على علاقات القوى الكبرى. فقد أدى تدخل الناتو في ليبيا عام 2011م وما أعقبه من أحداث إلى خلاف بين الولايات المتحدة وروسيا فقد احتجت موسكو التي سمحت ضمنا بتدخل الناتو عن طريق الامتناع عن قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، فقد احتجت بأن الناتو قد قام بتحريف خطة الأمم المتحدة لحظر الطيران وذلك من أجل التسويق لتغيير النظام. ومن جانبه فقد عانى الاتحاد الأوروبي – الذي لعب دورا رئيسيا في المساعدة في الوساطة في الاتفاق السياسي الليبي – من أجل تقديم نهج موحد ومتسق للأزمة الليبية. في حين أن إيطاليا تميل إلى دعم حكومة الوفاق الوطني فإن فرنسا قد أبدت رغبة متزايدة في دعم حفتر في سعيه لتوسيع نطاق سيطرة الجيش الوطني الليبي في حين أن المملكة المتحدة ظلت منشغلة بقضية خروجها من الاتحاد الأوروبي. هذه الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي بالإضافة إلى امتناع أمريكا عن توسيع نطاق مشاركتها خارج نطاق مكافحة الإرهاب قد منح موسكو الفرصة لتضع نفسها كوسيط فاعل وكوسيط إقليمي للسلطة في قضايا تبدأ من إنتاج النفط والهجرة إلى قضايا الإرهاب.

    لقد وجهت روسيا الجزء الأكبر من دعمها العسكري والاقتصادي والسياسي لحفتر حتى الآن. وقد ذكرت الانباء ان بوتين قام بشحن أسلحة الى الجيش الوطني الليبي عبر مصر للتحايل على قرار حظر الأسلحة الذى فرضته الامم المتحدة، وأرسل عشرات من الجنود من وحدات القوات الخاصة إلى الحدود الليبية المصرية للمساعدة في عمليات حفتر الأمنية. وهناك تكهنات بأن الجيش الوطني الليبي سيمنح روسيا منفذا دائما إلى قاعدة بحرية على الساحل الليبي مما سيضاعف من قدرة البحرية الروسية لتوسيع نفوذها في المجال المعروف عنه بأنه مجال النفوذ الأوروبي. وفي مجال المساعدة الاقتصادية قدمت موسكو لحفتر مساعدات مالية عن طريق طباعة النقود (أي ما يعادل حوالي 3 مليارات دولار بالعملة الليبية) ونقلها إلى مصرف تحت سيطرته. وعلاوة على ذلك فقد استضافت روسيا حفتر ثلاث مرات في محاولة لإضفاء شرعية سياسية عليه بما في ذلك ظهور علني على حاملة الطائرات الروسية الأدميرال كوزنيتسوف. وتواصل أيضا موسكو إشراك الجيش الوطني الليبي والسراج مدركة أنه لم يبرز أي طرف واحد لديه السيطرة الكاملة على ليبيا وربما تأمل إلى تقديم نفسها كصانع سلام بديل عن الأمم المتحدة.

     وبالإضافة إلى هذه المصالح الجيوسياسية فإن روسيا تسعى إلى الإستفادة المادية من وجودها في ليبيا. فمع سقوط القذافي خسرت روسيا ما بين 5 و 10 مليارات دولار من العقود العسكرية والبنية التحتية التي بدأت بالفعل في استردادها. ففي أوائل عام 2017م على سبيل المثال وقعت شركة روزنيفت اتفاقية لشراء النفط الخام مع شركة النفط الوطنية الليبية وفي يوليو الماضي بدأ عملاق النفط الروسي شراء النفط الليبي. ومن شأن رفع الحظر المفروض على بيع الأسلحة والحاجة لإعادة الإعمار داخل ليبيا أن يوفر في نهاية المطاف فرصا إضافية لروسيا في قطاعات تطوير الأمن والبنية التحتية.

    تدخل روسيا فى الدولة الشمال أفريقية (ليبيا) قد مكن موسكو من تأكيد ما ترمي إليه. ففي حين أن الولايات المتحدة والغرب عموما يصنعون المشاكل فإن روسيا تقوم بمعالجة تلك المشاكل. وقام الكرملين أيضا بتحويل ليبيا الى ورقة مساومة مع الاتحاد الأوروبي. فالممثلون الأوروبيون مقتنعون بشكل أكبر بأن حل المشكلة الليبية سيتطلب التنسيق مع روسيا. وفى ضوء رغبة بوتين لرفع العقوبات المتعلقة بالاتحاد الأوروبي وجهود الاتحاد الأوروبي الرامية إلى منع تدفق المهاجرين من خلال ليبيا فإن روسيا قد تحاول الاستفادة من نفوذها في ليبيا لصالحها. وعلاوة على ذلك فإذا ما قررت روسيا زيادة الضغط على أوروبا فيمكن أن تلجأ إلى أسلوب عملها في سوريا وتدعم الحملات العسكرية لحفتر بدعم جوي من شأنه أن يشعل موجة جديدة من اللاجئين وزيادة أزمة المهاجرين.

     ويعكس المسرح الليبي أيضا الإنسجام الاستراتيجي العميق لروسيا مع حلفاء أمريكا التقليديين في الشرق الأوسط على حساب واشنطن. ويعكس تعاون موسكو مع مصر والإمارات العربية المتحدة في دعم حفتر التقارب لدى هؤلاء الثلاثة تجاه العسكريين الأشداء فضلا عن نفورهم من جماعة الإخوان المسلمين. ولكن هذا التعاون يسلط الضوء أيضا على بعض التنافر بين البيت الأبيض وحلفائه التقليديين في القاهرة وأبو ظبي لأن الولايات المتحدة لا تزال بعيدة نسبيا عن ليبيا لاسيما وأن أولوياتها هي محاربة تنظيم الدولة الإسلامية والاستمرار في تقديم الدعم الكلامي لأعمال بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا – وهي أعمال تتمتع بقليل من المصداقية أو الدعم في ليبيا – كبديل مفضل لشخصية لها وزنها مثل حفتر الذي أصبح في وضع مسيطر. وفي ظل غياب موقف حازم وموحد من جانب أوروبا والولايات المتحدة فمن المرجح أن يزداد نفوذ روسيا في ليبيا في السنوات المقبلة.

 الآثار السياسية والتوصيات بالنسبة لإسرائيل

بالنسبة لإسرائيل فإن الأهمية الاستراتيجية لليبيا تكمن أساسا في تأثيرها على استقرار مصر (التي تتوقع مصادر الاستخبارات الإسرائيلية أن تظل مهددة من سيناء طوال عام 2018م ) ودورها في الصراع الإقليمي الأوسع بين الفصائل الإسلامية والمعادية للإسلاميين وظهورها كوسيلة للنفوذ الروسي المتنامي في البحر الأبيض المتوسط. الأمرين الأولين تمنحان إسرائيل الفرصة لتعزيز التعاون مع جارتها الجنوبية في حين أن المسألة الثالثة تشكل مجالا للتعاون المحتمل مع حلفائها الأمريكيين.

تتقاسم القدس هدف القاهرة المتمثل في الحد من انتشار الجماعات الجهادية في ليبيا إن لم يكن القضاء عليها والتي يمكن أن تهدد ليس فقط الاستقرار المصري ولكن الإقليمي أيضا. ومثل مصر فإن إسرائيل حريصة على وقف تهريب الأسلحة من ليبيا إلى سيناء حيث يمكن لهذه الطرق أن تصل في نهاية المطاف إلى غزة. وعلاوة على هذا فإن إسرائيل ومصر تتشاطران المصلحة في منع ليبيا من الوقوع في محور إسلامي إقليمي مستوحى من أفكار الإخوان المسلمين وبدعم من قطر وتركيا. إن ترجمة هذه المصالح الإسرائيلية – المصرية المتبادلة إلى سياسة تتطلب الحوار المباشر بين قيادة البلدين. يجب على القدس النظر في تقديم أشكال متنوعة من التعاون مع القاهرة بشأن ليبيا بما في ذلك المساعدة التقنية والمخابراتية للجيش المصري ليقوم بتشديد مراقبة الحدود المصرية الليبية ومنع تهريب الأسلحة والمقاتلين والدعم لزيادة المساعدات الدولية لمصر التي ستخصص لجهود مكافحة الإرهاب. كما يجب على القدس أن تزن المخاطر والمصالح المحتملة في حال تأييدها لطلب مصر من الأمم المتحدة رفع الحظر عن الأسلحة. إن تحسين التنسيق الأمني والسياسي بين إسرائيل ومصر من حيث صلته بالأزمة الليبية هو هدف ثمين في ذاته وفي مسعاه ويمكن أن يكون بمثابة مستوى مكمل للتعاون العسكري الفاعل والقائم بين البلدين فيما يتعلق بشبه جزيرة سيناء.

وفيما يتعلق بكون احتمال انهيار الدولة في ليبيا أن يوفر لروسيا موطئ قدم على البحر الأبيض المتوسط فإنه يجب على أصحاب القرار في إسرائيل أن يتوجهوا بهدوء إلى حلفائهم في واشنطن لتعزيز مشاركة أمريكا في الساحة الليبية. ونظرا لانخفاض مصداقية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وللمجتمع الدولي فإن غياب أمريكا يشكل خطرا يمهد الطريق لمزيد من النفوذ الروسي وهو نتيجة لا تخدم المصالح الأمريكية أو الإسرائيلية. ولا يلزم أن ينتج عن زيادة المشاركة الأمريكية إلتزام عسكري أكبر والذي ليس من المحتمل أن تدعمه واشنطن في الوقت الحاضر. ومع ذلك فإنه يمكن تحفيز إدارة ترامب على تشجيع حلفائها الأوروبيين على موقف أكثر حزما ووحدة بشأن ليبيا وعليه سيكون هذا بمثابة ثقل موازن للتجاوز الروسي. وعلاوة على ذلك فمن المرجح أن البيت الأبيض وترامب يمكن أن يرحبوا بالأفكار حول تحفيز المزيد من المشاركة التجارية الأمريكية مع قطاعي الأعمال والطاقة في ليبيا. وفي هذا الصدد فإن قرار شركة النفط الوطنية الليبية مؤخرا بفتح مكتب لها في هيوستن تكساس يمثل فرصة لشركات الطاقة الأمريكية وأن إدارة ترامب ستفعل ما هو جيدا للاستفادة منها.

انهيار الدولة في ليبيا

 

You may also like

صلح الحديبية

صلح الحديبية  بين مدرسة النّصّ المستمسكة وبين مدرسة