716
التعليقات على مغلقة

صلح الحديبية

 بين مدرسة النّصّ المستمسكة وبين مدرسة المقاصد المستسلمة

[حركة النّهضة التّونسيّة نموذجا]

الشيخ خميس الماجري

تونس في: جانفي/ كانون الثاني 2019

     

صلح الحديبية

 بين مدرسة النّصّ المستمسكة وبين مدرسة المقاصد المستسلمة

[حركة النّهضة التّونسيّة نموذجا]

الشيخ خميس الماجري

تونس في: جانفي/ كانون الثاني 2019

يستدلّ أعضاء حزب النّهضة والمفتونين بمدرسة المقاصد بصلح الحديبية كحجّة شرعيّة على صحّة منهجهم السّياسي التّنازلي مع العلمانيّين، ومع صقور الثّورة المضادّة وسمّوه توافقا. ووجه استدلالهم أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ـ وحاشاه ـ قد تنازل بذلك الصّلح من أجل تحقيق مصالح الدّعوة.

     ألحّ عليّ الكثير من الإخوة أن أُعالج هذه المسألة، وأن أُبيّن هل كان صلح الحديبية تنازلًا حقًا أم هو محض افتراء على الرّسول صلى الله عليه وسلم؟ وإذا كان الرّسول صلى الله عليه وسلم قد تنازل ـ كما يدّعون ـ فهل كان لصالح العقيدة والشّريعة أم لصالح الكذبقراطيّة العلمانيّة المؤدِّيتين يقينا إلى الإلحاد؟ وهل الاستدلال بصلح الحديبية لهم أم عليهم؟

مقدّمة مهمّة:

     من مقتضيات الإيمان بسيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم أن نُحبّه ونُوقّره ونُعظّمه ونتأدّب معه حيّا وميّتا صلّى الله عليه وسلّم، وهذا أمر واجب لا يختلف فيه مسلمان، لقوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾. الفتح: 9، قال السّعدي: « أي: تعظموه وتُجِّلوه، وتقوموا بحقوقه صلى الله عليه وسلم، ومن حبه وتعظيمه صلّى الله عليه وسلّم الأدب معه، فالأدب معه صلى الله عليه وسلم أدب مع الله، إذِ الأدب مع الرسول هو أدب مع المُرْسِل سبحانه، كما أن طاعة الرسول طاعة لله تعالى، كما قال الله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾. النساء:80. ومن المعلوم أنّ من أسباب حبوط الأعمال رفع الصّوت فوق صوته صلّى الله عليه وسلّم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. الحجرات:2، فإذا كان رفع الصّوت فوق صوته يحبط الأعمال، فكيف بمن أساء الأدب معه صلّى الله عليه وسلّم؟ قال ابن تيمية: « إنّ قيام المدحة والثّناء عليه والتّوقير له صلّى الله عليه وسلّم قيام الدّين كلّه، وسقوط ذلك سقوط الدّين كلّه». ابن تيمية. الصارم المسلول على شاتم الرسول. تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد. سنة النشر: 1403 – 1983 نشر: الحرس الوطني السعودي، السعودية (1/210).

     ولهذا، فمن قال إنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم تنازل ـ وحاشاه ـ فقد حُرم الأدب مع نبيّه، فأين عقل من أساء الأدب مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم؟ وما الذي جرّأ هؤلاء بمثل ذلك القول الخبيث إلاّ الجهل وقلّة الأدب، وهل يُتصور محبّته صلّى الله عليه وسلم مع سوء أدب معه؟ ومن تجرّأ على الرّسول وهو أصل من أصول العقيدة، فكيف لا يتجرّأ على غيرها، ثمّ يستدلّ بعد ذلك بصلح الحديبية ليُرقّع عوراته؟ شاهت الوجوه.

صلح الحديبية؟

    في شهر ذي القعدة من العام السّادس للهجرة خرج الرّسول صلّى الله عليه وسلّم ومعه ألف وأربعمائة من المسلمين إلى مكّة المكرّمة لأداء عمرة، وعند وصولهم إلى الحديبية ـ وهي منطقة تبعد عن مكة بـ ـ أربعين كيلو متراً ـ علم الرّسول صلى الله عليه وسلم أنّ قريشا ستمنعه من دخول مكّة المكرّمة، فأرسل إليهم عثمان بن عفّان رضي الله عنه ليفاوضهم، وليُخبرهم أنّه لم يأتِ لقتال، وإنّما جاء لأداء عمرة. فاستجابت قريش إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأرسلت سهيل بن عمر إليه للاتّفاق على صلح أُطلق عليه اسم صلح الحديبية أثنى الله تبارك وتعالى عليه في سورة الفتح حيث قال عزّ وجلّ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾، الفتح: 48، كما أثنى على الصّحابة الذين بايعوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على الموت يوم الحديبية لمّا وصلهم أنّ قريشا احتبست عثمان، وظنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه رضي الله عنهم أنّ عثمان قد قتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نبرح حتى نناجز القوم”، محمد الغزالي، فقه السّيرة، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، نشر: دار القلم، الطبعة: السابعة، سنة الطبع: 1418هـ، حديث رقم: 329، وقال الألباني: حديث: ضعيف. وجاء في الحادثة: « …. فجاءَ سهيلُ بنُ عمرٍو فقال: هاتِ اكتُبْ بينَنَا وبينَكم كتابًا، فدعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكاتبَ، فقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ. قال سهيلٌ: أَمَّا الرحمنُ فواللهِ ما أدري ما هو، ولكن اكتُبْ باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبْ. فقال المسلمون: واللهِ لا نَكْتُبْها إلا بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ. فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: اكتُبْ باسمِك اللهمَّ. ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ. فقال سهيلٌ: واللهِ، لو كنَّا نَعْلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صَدَدْنَاك عن البيتِ، ولا قاتلْنَاك، ولكِنْ اكتُبْ: محمدُ بنُ عبدِ اللهِ، فقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: واللهِ، إنّي لرسولُ اللهِ وإن كَذَّبْتُموني، اكتُبْ: محمدُ بنُ عبدِ الله … ». البخاري محمّد بن إسماعيل، تحقيق: محب الدين الخطيب، صحيح البخاري الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله وسننه وأيامه، نشر: المكتبة السلفية – القاهرة، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1400هـ، حديث رقم: 2731. وصحيح ابن حبّان بترتيب ابن بلبّان، تحقيق: شعيب الأرنؤوط.  الناشر: مؤسسة الرسالة. بيروت. الطبعة: الثانية. سنة الطبع: 1414هـ. الحديث رقم:4872.

    والمستدلّون بهذه القصّة يقولون: إنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ـ وحاشاه ـ قد تنازل في مسائل أربعة: الأولى: لم يكتب « بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ»، وكتب صلّى الله عليه وسلّم ما أملاه مندوب قريش: « باسمِك اللّهمَّ»، والثّانية: أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لم يكتب: « هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ»، وكتب ما أملاه مُمثّل قريش« محمدُ بنُ عبدِ اللهِ»، أمّا الثّالثة: فقد مُنع صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه من أداء العمرة تلك السّنة، ونزل على شرط قريش أن يؤدّيها العام المقبل: « … على أنْ تُخَلُّوا بينَنا وبيْنَ البيتِ فنطوفَ به فقال سُهيلُ بنُ عمرٍو: إنَّه لا يتحدَّثُ العربُ أنَّا أُخِذْنا ضُغطةً، ولكِنْ لك مِن العامِ المقبِلِ». وأمّا الرّابعة، فهي تتعلّق بردّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم من جاء مسلما من الرّجال من مكّة إلى المدينة، أمّا من ذهب من المدينة مسلما إلى مكّة فلا تردّه قريش …

وردّا على هذه الشّبهات أقول:

1 ـ  السّياق التّاريخي يُبطل الاستدلال:

    إنّ سياق ورود حدث صلح الحديبية يختلف وضعا وحالا بين المسلمين وقريش، وبين الحالة التّونسيّة،بمعنى أنّ الاستدلال بصلح الحديبية لتنازلات من أُسمّيهم بـ [الاستسلاميين] لا يخدمهم بل هو عليهم، لأنّ كلّ تنازلاتهم وقعت وهم في الحكم، في مناخ [ثوري] مشحون ضدّ الفساد والاستبداد واستعداد التّونسيّين لتحقيق مطالب [الثّورة]، بمعنى أنّ السّياق بين الوضعيّتين يختلف تماما، ممّا يقتضي بالضّرورة أنّ اختلاف سياق الحدثين يُسقط العمل بالقياس ويكون الاستدلال بالصّلح باطلا. فالسّياق التّاريخي والمناخ السّياسي العام في تونس كان في صالح الإسلاميّين، حيث كان على صفيح نيران استحقاقات [ثورة]، والوضع آمن لم تشهد تونس فيه حربا مسلّحة بين الإسلاميّين وأعداء الثّورة، وقد مكّن الله تعالى لحركة النّهضة أن تحكم، وكان النّاس وقتها مُجيّشين في صفّ تلك الحركة لو حقّقت لهم وعودها، ومضت في سبيل تحقيقها، لخاضوا معها البحار، وأزالوا الجبال، لأنّ النّاس اختاروا حركة النّهضة لـ «خوفهم من الله»، وأيضا لصمودهم التّاريخي المعلوم، ولطول نضالهم، ولثقة النّاس في أنّ جماعة تخاف الله ستُنجز وعودا قطعوها أنّهم سيحقّقون الخلافة السّادسة ـ كما جاء على لسان حمّادي الجبالي الأمين العام لحركة النّهضة. ولو أنّ حركة النّهضة أدركت سلطان موازين القوى الحقيقيّة، وانحازت إلى عُدّة شوكة كبح العدوّ الخارجي، وتجميع كلّ القوى الإسلاميّة معها، لاصطفّ المستضعفون في فسطاط [الثّورة]، وانطلقت في تحقيق مطالب التّونسيّين، لأصابت الهدف، وَلَحَمَلَها شعبنا فوق رؤوسهم، ولأهدوا إليها أرواحهم فداء لوفائها بالعهود، كما فدوا أنفسهم أمام طاغية أخلف الوعود. ولكنّ قيادة حركة النّهضة اختارت الطّريق الخطأ، فضّلت منهج السّلامة على سلامة المنهج، أو قل طريق[الخلاص الفردي]،فتعالت على من انتخبها، ولا سيما على من خالفها من قوى إسلاميّة كحزب التّحرير والسّلفيّين، وعلى قدر استعلائها على الشّعب وعلى القوى الإسلاميّة ومقاومتها لهم، تنازلت أمام مذبح إرضاء أعداء الدّين والمسلمين في الخارج والدّاخل، وأعطتهم كلّ قرابين الولاء والطّاعة، وتسابقت إلى نيل رضاها.

      أمّا صلح الحديبية، فقد حصل في سياق تاريخي يختلف تماما عن الحالة التّونسيّة، حيث وقع على أرض تحت سلطة قريش، وكانت ترزح ـ وقتها ـ تحت حكم الجاهليّة، ولم يقع على أرض المدينة النّبويّة حيث مركز الدّولة الإسلاميّة، كما وقع أيضا في مناخ حربيّ إذ كانت الحرب قائمة بين الفئة القليلة المؤمنة ضدّ كلّ العرب واليهود وعلى رأسهم قريش، كان آخرها حرب الأحزاب التي هُزمت فيها قريش وقبائل عربيّة من عرب ويهود، وكان ذلك في شوّال من العام الخامس من الهجرة،أي قبل سنة من عزم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على العمرة، فكانت قريش مشحونة بالغيظ وإرادة الانتقام وقتها، وكانت الأجواء مرشّحة لصِدَام دموي طاحن، وقد تهيّأ الرّسول صلّى الله عليه وسلّم لذلك عندما بلغه أنّ عثمان بن عفّان رضي الله عنه قد قُتل.

2 ـ  تفكيك معنى التّنازل:

     التّنازل في حقيقته، هو تَخَلَّى المرء عن حقًّ له أو فائدة تعود عليه اختيارا، وليس قسرا أو جبراً أو انكسارا. أمّا النبي صلّى الله عليه وسلّم فقد أمضى صلح الحديبية اختيارا من الله تعالى، باعتبار أنّها كانت وحيا، فلم يُمضه قسرا أو جبرا أو انكسارا لقريش، بما يتقرّر أنّه صلّى الله عليه وسلّم لم يتنازل ، وما كان له أن يُخالف أمر ربه وهو النّبيّ الذي أرسله الله عزّ وجلّ ليُبلّغ عن ربّه. أمّا حركة النّهضة ـ التي تستدلّ بذلك الصّلح ـ فقد اتخذت منهج التّنازل اختيارا، منذ سنة 2003 عندما صنّفت نفسها حركة وسطيّة معتدلة مقاصديّة منفتحة حداثيّة ديمقراطيّة إنسانيّة ووو. كما أنّها لم تتنازل عن حقوقها فحسب، بل تنازلت عن حقوق الله تعالى ـ عقيدة وشريعة ـ، بل تنازلت حتّى عن هُويّتها الدّعويّة، لتمارس سياسة بلا دعوة فتَتَعلْمن، ولتمارس دعوة بلا سياسة فتتنصّر. ثمّ تنازلت عن حقوق المُستضعفين الذين انتخبوها من أجل مطالب وآمال كانت قد وعدتهم بتحقيقها. هذا دون ذكر أنّها تنازلت أيضا ـ بحسب منطق ـ كذبقراطيّتهم التي تُلزمهم بقبول ما يُفرزه صندوق الاقتراع بالبقاء في الحكم، إلى انتخابات قادمة، لا أن تستسلم لتُسلّم الحكم طواعية لما يُسمّى الثّورة المضادّة التي يقودها الباجي قائد السّبسي وقد بلغ من العمر تسعين عاما، والذي سيصبح فيما بعد شريكا في مُسمَّى[التّوافق].

    فالمقصود أنّ التّنازل يُشترط فيه أمران: أوّلهما، أن يكون اختيارا ولا كرها وانكسارا، ثانيهما: أن لا يُوقِع المُتنازل في ترك واجب أو يوقعه في محرّم، بمعنى أنّه لا يتحقّق معنى التّنازل إلاّ لمن اختار أن يُسلّم في حقّ له أو عندما يترك واجبا أو يقع في محرّم. فهل كان للنّبي من خيرة في أمر قضاه الله وحيا لرسوله؟ وأين هو الواجب الذي تركه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ـ وحاشاه ـ في صلح الحديبية؟ وأين هو المحرّم الذي ارتكبه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ـ وحاشاه ـ ؟

3 ـ هل [تنازل] النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حقّا؟

     وتبعا لما سبق: فقد تحقّق المعنى الذي يريده الرّسول من كتابة « باسمِك اللّهمَّ»، أليس المقصود بـ «باسمِك اللّهمَّ» هو « الله الرّحمن الرّحيم»؟ أم المقصود به هُبل وعُزّى والشّعب والدّولة المدنيّة والكذبقراطيّة والدّستور وحكم الشّعب؟ 

     جاء في توطئة الدّستور التّونسي الجديد الذي صادقت عليه حركة النّهضة سنة 2014: « …. وتأسيسا لنظام جمهوري ديمقراطي تشاركي، في إطار دولة مدنيّة السّيادة فيها للشّعب … » وجاء فيه أيضا: « … فإنّنا باسم الشّعب نرسم على بركة الله هذا الدّستور». فتأمّل ألفاظ « دولة مدنيّة السّيادة فيها للشّعب … باسم الشّعب … »، وقارن بينها وبين ألفاظ بنود الصّلح، فهل كتب الرّسول ـ وحاشاه ـ « باسم الشّعب والسّيادة للشّعب»، أليس المقصود بـ «باسمِك اللّهمَّ» هو « الله الرّحمن الرّحيم»؟ والذي يستدلّ بصلح الحديبية، ألم يُصادق على ما ينقض المشروع الإسلامي من أساسه؟ «الشّعب الشّعب»، « دولة مدنيّة السّيادة فيها للشّعب … باسم الشّعب … » ألا يُفيد قولهم «حُكمُ الشّعبِ للشّعبِ بما يختاره الشّعب»، وأعد قراءة صلح الحديبية فهل فيها مثل ما أمضت عليه حركة النّهضة من كوارث في دستورهم وقد سجد الغنّوشي لله باكيا شاكرا على سبق حركته لصياغة دستور علماني بعد المصادقة عليه، وسجد وراءه بعض القيادات من بينهم: سمير ديلو وحسين الجزيري والعجمي الوريمي ومنير قلوز. و لنتساءل: هل يصحّ السّجود شكرا لله على باطل؟

مشهد للشيخ راشد الغنوشي وهو يسجد للدستوروطحانة تبوس وتعنق ..عجبتني فازة حسين الجزيري ملقاش بلاصة ..يااخي كالة راسو كما جاء بن الكرسي وكنابيهههه المهم سيدو راضي عليه يا تجار دين سياسي تعدهاش عا تونسي

Publiée par ‎الثورة التونسية 2 | Révolution Tunisienne 2‎ sur Lundi 27 janvier 2014

    ثمّ صرّح بعد المصادقة على دستوره: « دستور تونس هو أعظم دستور هو أعظم حتّى من الدّستور الأمريكي».

     وقال أيضا: « أنا مطمئنّ إلى أنّ الدّستور الذي صنعناه هو أعظم دستور منذ دستور المدينة المنورة».

    ودعوى أنّ وثيقة المدينة ـ إن صحّت ـ هي دستور، هو قول فاحش، لأنّ دستور المسلمين في كلّ زمان ومكان هو القرآن المبين، وليس هو ميثاق أو تعهّد تعامل مع متساكني المدينة. فهل سمعتَ مسلما فضلا عن حركة إسلاميّة تقول: إنّ دستورنا هو صحيفة المدينة المشكوك في ثبوتها؟ ثمّ ألم يبق الغنّوشي دهرا من الزّمن يعتقد أنّ القرآن هو دستور المسلمين؟ وهل راية الإخوان المسلمين وهو عضو فيها تجد صورة للقرآن الكريم أم صحيفة المدينة؟

    فما رأيكم في توطئة الدّستور التّونسي الجديد الذي وقع تحت حكم الجماعة الإسلاميّة والاتّجاه الإسلامي سابقا وحركة النّهضة حاضرا؟ ألا تنسف تلك التّوطئة المشروع الإسلامي نسفا؟ وقد أقرّت فيه حركة النّهضة دستورا علمانيّا، تحت تدخلات وضغوطات غربيّة باعتراف من أعضاء كثيرين من أعضاء ذلك المجلس، منهم الدّكتور صادق شورو النّائب في المجلس التّأسيسي عن حركة النّهضة يوم 18 جانفي 2014، الذي قال: « إنّ الدستور الذي كان من المنتظر أن يولد على أيدي نواب الشعب داخل المجلس الوطني التأسيسي واستجابة لمتطلبات الثورة حتى وان اقتضى الأمر ولادته بعملية قيصرية … قد ولد ميتا … وُلد وسط تدخل أطراف من خارج أسوار المجلس…هذا الدستور كبرت عليه أربعا. وإنا لله وإنا إليه راجعون…ولا حول ولا قوة إلا بالله».

https://www.turess.com/attounissia/111341

بل وباعتراف الغنّوشي نفسه حيث قال: « لمسنا إرادة بريطانية ـ أوروبية في تحقيق الوفاق والاستقرار».

http://www.hizb-ut-tahrir.info/ar/index.php/radio-broadcast/radioarchive/23319.html

     قلتُ: فما لهم يُقيمون الدّنيا على شريكهم السّبسي العلماني عندما قرّر أن يُسوّي في الميراث بين الرّجل والمرأة وقد قال: « تونس دولة مدنية تقوم على 3 ركائز أساسية وهي المواطنة وإرادة الشعب وعلوية القانون»، وقال أيضا: « ليس لنا علاقة بـ [حكاية] الدّين والقرآن ونحن في دولة مدنيّة والقول إنّ تونس دولة لها مرجعية دينيّة خطأ وخطأ فاحش فهذا الأمر غير موجود … ». يقصد بقوله[حكاية] أي حكاية فارغة ـ هكذا يفهمها التّوانسةـ، ليستهدف السّبسي حزب النّهضة شريكه في [التّوافق] ويحشره في الزّاوية عندما صرّح أنّ الدّستور لم يصادق عليه هو، بل صادق عليه حزب النّهضة مع حليفيه السّابقين في الحكم، وأنّ كلّ ما فعله السّبسي أن التزم بما قرّره حزب النّهضة، ثمّ دعاه في تحدٍّ صارخ إلى مزيد التّفاعل الإيجابيّ مع [اجتهاداته] المدنيّة والتّخلّص نهائيّا من مرجعيّته الدّينيّة القديمة وأن تواصل في مدنيّتها وأن تحترم القانون.


    فكيف تلوم حركة النّهضة السّبسي وقد أمدّته بفُرُش يخرق بها نصوص القرآن القطعيّة؟ لم يكذب السّبسي بمنطق [الكذبقراطيّة]؟ ولماذا تتظاهر حركة النّهضة أنّها تُدافع عن الإسلام وقد رفضت التّنصيص على أنّ الشّريعة هي مصدر التّشريع؟ فمن الذي صادق على الدّستور يوم 26 جانفي 2014، هل حركة النّهضة أم السّبسي؟ ألم تتخلّص حركة النّهضة من الدّعوة، فلماذا تُوحّل نفسها في التّناقض وتلعب لعبة الازدواجيّة؟

    لقد صَدَق السّبسي كذبقراطيّا، ولقد خسرت حركة النّهضة إسلاميّا وكذبقراطيّا.

   لقد أبى حزب النّهضة ـ صاحب الأغلبيّة في المجلس التأسيسي ـ إلاّ أن يُنقّح دستورا علمانيّا قديما وضعته فرنسا سنة 1959 بشكل أكثر فجاجة ونقضا لثوابت تونس المسلمة، ونقضا لما كانت تدعو إليه تلك الحركة طيلة أربعين سنة حين كانت خارج السّلطة.   

     وعودة إلى صلح الحديبية، أمّا قريش فقد اعترفت بكيان الدّولة الإسلاميّة التي كان يمثّلها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأبرمت معه صلح الحديبية وهو عقد سلمي كانت نتائجه خيرا وفوزا وفتحا مبينا كما عبّر عن ذلك القرآن المبين.

    أمّا كتابته صلّى الله عليه وسلّم لـ «محمدُ بنُ عبدِ الله»، فقد كتبها رسول الله، وهو رسول الله حقّا، وأصرّ الرّسول على أنّه رسول الله فقال مُقسما: « واللهِ، إنّي لرسولُ اللهِ وإن كَذَّبْتُموني»، فأين التّنازل؟ أوليس محمدُ بنُ عبدِ الله هو رسول الله نفسه؟ فهل كتب رسول الله إنّي لستُ رسول الله؟ فأين العقول؟

     إنّ التّنازل ـ كما قرّرنا من قبل ـ يتحقّق فقط عندما يترك النبي واجبا أو يقع في محرّم ـ وحاشاه ـ وأن تكون له الخيرة في ذلك، وهذا لم يتحقّق يقينا.

     أمّا قبول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ألاّ يعتمر هو وأصحابه رضي الله عنهم ذاك العام، على أن يؤدّوها العام المقبل، فأقول: هل العمرة واجبة حتّى نقول إنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قد تنازل فترك واجبا؟ وهل العمرة واجبة أو سنّة؟ وهل السُّنّة مطلوبة على الفور أم على التّراخي؟ وهل يلزم من فعل سنّة أن يؤدّيها في تلك السّنة؟ فإذا كان الحجّ ركنا من أركان الإسلام وهو ليس واجبا على الفور، بل هو واجب على التّراخي عند كثير من أهل العلم، فكيف تكون العمرة وهي سنّة مطلوبة على الفور؟ وكيف يكون التّراجع عنها تنازلا؟ هذا، وإنّ حُجّة الذين قالوا بتراخي الحجّ قويّة، لأنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لم يحجّ على الفور، إنّما حجّ في السّنة العاشرة من الهجرة، وهي آخر سنة في حياته صلّى الله عليه وسلّم.

     أمّا البند المتعلّق بردّ من جاء مسلما من مكّة إلى المدينة، فعلى الرّسول أن يردّه إلى قريش، ومن ذهب من المدينة وهو مسلم إلى مكّة فلا تردّه قريش، فهو كما قرّرنا أنّها وحي، وقد كفاني بالرّدّ عليهم أئمّة أعلام من مثل ابن حزم الظّاهري وابن العربي الأندلسي المالكي رحمهما الله.

    قال ابن حزم: « فأيقنّا أنّ إخبار النبي بأن من جاءه من عند كفار قريش مسلماً فسيجعل الله له فرجاً ومخرجاً وحي من عند الله صحيح لا داخلة فيه، فصحت العصمة بلا شك من مكروه الدنيا والآخرة لمن أتاه منهم حتى تتم نجاته من أيدي الكفار“.  أي أن الله أوحى إلى نبيه أنه سيسلم هؤلاء من الأذى في دينهم ودنياهم إلى أن ينجوا من الكفار، لا يستريب في ذلك مسلم يحقق النظر. وهذا أمر لا يعلمه أحد من الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يحل لمسلم أن يشترط هذا الشرط ولا أن يفي به إذا شرطه إذ ليس عنده من علم الغيب ما أوحى به الله تعالى إلى رسوله». علي بن أحمد بن حزم الأندلسي أبو محمد، الإحكام في أصول الأحكام، نشر: دار الحديث،القاهرة ـ مصر، الطبعة: الأولى، سنة: 1404 هـ،(5/26). وقال ابن العربي المالكي: « فأمّا عقده على أن يرد من أسلم إليهم فلا يجوز لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم وإنما جوزه الله له لما علم في ذلك من الحكمة، وقضى فيه من المصلحة، وأظهر فيه بعد ذلك من حسن العاقبة وحميد الأثر في الإسلام ما حمل الكفار على الرضا بإسقاطه، والشفاعة في حطّه». أحكام القرآن لابن العربي،محمد بن عبد الله الأندلسي ابن العربي، ط:1، ط: دار الكتب العلميّة، بيروت ـ لبنان، س: 1406هـ ـ 1986م، (4/ 197).

    هدف النّبي من صلح الحديبية نصرة الإسلام والتّمكين للشّريعة، فهل نصر [الاستسلاميون] ، بتنازلاتهم، الإسلام والشّريعة؟  

4 ـ  أنّ الهدف والأساس الأوّل للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم هو نصرة الإسلام والتّمكين له في الأرض وفي مكّة خاصّة، ولذلك كان مُستعدّا للصّلح مع أهلها طالما لا يأتي منه تصرّف أو توقيع على أمر يهزّ قطعيّات العقيدة أو يطحن ثابتا من ثوابتها، لأنّ الله تعالى وعده بالفتح المبين، ولهذا قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: « والّذي نفسي بيده لا يسألونني خطّة يُعظّمون فيها حرمات الله تعالى إلاّ أعطيتهم إيّاها». البخاري محمّد بن إسماعيل، تحقيق: محب الدين الخطيب، الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله وسننه وأيامه، نشر: المكتبة السلفية – القاهرة، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1400هـ، حديث رقم: 2731. فتأمّل قوله صلى الله عليه وسلم: « يُعظّمون فيها حرمات الله تعالى»، ففيها أنّ الهدف الأعظم للنّبيّ هو نصرة للدّين وإقامة للشّريعة، وقد أمضى ذلك الصّلح في سياق صدام مسلّح مع كفّار قريش. فإذا كان هدف النّبيّ من صلح الحديبية هو نصرة الدّين، فما هو هدف [الاستسلاميين] من تنازلاتهم؟ هل نشر الإسلام عقيدة وشريعة أم نشر الكذبقراطيّة واستحقاقاتها العلمانيّة ومآلاتها الإباحيّة ونهاياتها الإلحاديّة؟ فأين نصرة الذين يستدلّون بصلح الحديبية للدّين وللشّريعة؟ ألم يتخلّوا عنهما؟ ألم يصرّحوا أنّ الشّريعة تقسم الشّعب التّونسي؟ ألم يقل الصّحبي عتيق رئيس كتلة حركة النّهضة بالمجلس التّأسيسي، إنّ قرار التّمسّك بالفصل الأوّل من الدستور القديم «جاء حرصًا على الوحدة الوطنية، وحرصًا على عدم تقسيم المجتمع إلى أنصار للشّريعة وأعداء لها».

https://www.almasryalyoum.com/news/details/168832

     هكذا يا صحبي عتيق؛ دستور وضعته فرنسا لبورقيبة جاء حريصا على الوحدة الوطنية، وحريصا على عدم تقسيم المجتمع إلى أنصار للشريعة وأعداء لها.

     ألم يقل رئيس حركة النّهضة: « نحن ندعو إلى قيام ديمقراطيّة حقيقيّة حديثة، نحن لم ندع لا إلى تطبيق الشّريعة ولم ندع إلى دولة إسلاميّة، ولكن دعونا إلى الحرّيّة، إلى أن تُحترم إرادة الشّعب التّونسي ضمن نظام ديمقراطي حقيقي».

     ألم يقل أيضا: « عندما طُرح موضوع الشريعة في الدّستور ووجدنا أن موضوعه هو اختلافي فسحبنا هذا الموضوع من المناقشة … نريد ان نبني دولة مدنيّة؛ الشّرعيّة فيها لا تُستمدّ إلاّ من النّاس“، وقال: « رأي الأغلبيّة في الدّستور مُقدَّم على الشّريعة».

      ومن الغرابة أن يشترط الغنّوشي إجماع كلّ التّونسيّين للتّنصيص على الشّريعة في الدّستور، فمن أين جاء بهذا الشّرط؟ فهل وضعت الكذبقراطيّة هذا الشّرط، أم أنّ الغنّوشي صار كذبقراطيّا أكثر من الكذبقراطيّة نفسها؟ ومن تناقضاته المذهلة أن يقرّر الغنّوشي أنّ الشّرعيّة الوحيدة لدولة ما هي أغلبيّة الكذبقراطيّة، وعندما يأتي الحديث عن تطبيق الشّريعة، يشترط إجماع كلّ التّونسيّين لتطبيقها، فقال: « تظاهر بعض السلفيين للمطالبة بالتنصيص على الشريعة في الدستور وكانت كل الأحزاب مجمعة على الفصل الأول من الدستور الذي ينصص على أن الإسلام دين الدولة فقبلنا الفصل الأول دون إضافة أي شيء لاعتقادنا أن الدستور يجب أن يقوم على الإجماع وليس مجرد الأغلبية».

http://cutt.us/b7WJz

      ويقول رئيس حركة النّهضة قولا متناقضا مُضحكا: « ممكن أن نصل في التّصويت في المجلس التّأسيسي إلى 51 في المائة لإضافة فصل تطبيق الشّريعة »! ثمّ يعقّب على ذلك بكلام غريب يُدهش الكذبقراطيّة ذاتها فيقول ناقضا الكذبقراطيّة من أساسها وهو يُشكّك في الأغلبيّة، ليقول ليس لها قيمة: « ولكن دستورا له 51 في المائة عنده قيمة أم ليس له قيمة؟» وقال في مناسبة أخرى وفي نفس اتّجاه نقضه للشّريعة وللدّيمقراطيّة معا: « لو قمنا باستفتاء على مسائل متعلّقة بالشّريعة، وجاءت نتيجة الاستفتاء 40 في المائة ضدّ الشّريعة! ماذا سنعتبر هؤلاء الذين هم ضدّ الشّريعة؟ كيف سيُنظر إليهم؟ بينما هم يقولون إنهم مسلمون؟ فلماذا تمتحنهم في قضايا غير واضحة عندهم! ظلم هذا ظلم ! ». قلت: « أمر هذا المنظّر محيّر فعلا! ينتهي به إلى علمانيَة ملحدة ! فهل يكفي قولهم إنّنا مسلمون؟ فأين التّسليم للرّبّ الخالق المالك الحكم؟».

    والله إنّ هذا لأمر مُحيّر حقّا! فهل سمعتَ أنّ حركة إسلاميّة ترفض الشّريعة ولو جاءت بها الكذبقراطيّة؟ فهل تُدرج حركة النّهضة ـ بهذا الهراء ـ ضمن الحركة الإسلاميّة أم  ضمن حركة علمانيّة؟ هذه حركة بلا هُويّة أصلا! وهل هذا الشّخص ديمقراطي؟ هل هو إسلامي أم علماني؟ وهل يستدلّ علمانيّ بصلح الحديبية ليتفصّى من الشّريعة، ولو جاءت بها ديمقراطيّته، فقط ليُمرّر دينا جديدا لم يأت به محمّد صلّى الله عليه وسلّم وكذبقراطيّة لم تأت بها أثينا اليونان، و قد تقبرها ثورة السّتائر الصّفراء في فرنسا ثمّ في كلّ أروبا والعالم بإذن الله تعالى، لتتصالح البشريّة من جديد مع الرّبّ الخالق المَلِك الحاكم.

     والعجب كلّ العجب كيف يستدلّ [الاستسلاميّون] بحادثة استعملها الرّسول للتّمكين للدّين، بينما هم يستعملونها للتّمكين لديمقراطيّة عوراء وحرّيّة شوهاء، فشلت في تحقيق وعود العدالة والمساواة والأمن؟ فأين عقول من صارت الأغلبيّة عندهم لا تصلح لتطبيق الشّريعة، لأنّهم على قول[إمام وسطيّتهم] يوسف القرضاوي « نحن نتمسّك بالدّيمقراطيّة ونقاتل في سبيلها».

5 ـ  أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ـ وقبل إبرام صلح الحديبية ـ قد استعدّ هو وأصحابه في عزّة وإباء إلى المواجهة المسلّحة ضدّ قريش، لمّا بلغه أنّ مُوفَدَه الخاصّ عثمان بن عفان قد قُتل. فالتفّ الصّحابة يُبايعون الرّسول صلّى الله عليه وسلّم على الموت. وهذا دليل على أنّ المسلمين ينبغي أن لا يخذلوا بعضهم فضلا أن يستهينوا بدماء بعضهم، أمّا [الاستسلاميّون] في تونس فقد استسلموا تحت قبّة ضغوط المذلّة والارتعاش ولم ينحازوا إلى أيّ نوع من المواجهة، ولو كانت تمسّكا بالمُسلَّمات العقدية والثّوابت الشّرعيّة، بل صنّفوا السّلفيّين ضمن قائمة الإرهاب، ثمّ سجنوهم بل قتلوهم وتباهوا بذلك، وضربوا التّونسيّين بالرّشّ، دع عنك أنّهم انتصروا للعقيدة أو ذبّوا عن الشّريعة.

 6 ـ  صلح الحديبيّة وحي و أمر من الله لنبيّه:

      إنّ صلح الحديبيّة هو (1) أمر من الله لنبيّه و (2) وحي منه تعالى لرسوله، وهو (3) ليس اجتهادا من النبي صلّى الله عليه وسلّم، و (4) لذلك لم يستشر أحدا من أصحابه في الأمر. لعلم الله تعالى أنّ الصّحابة رضي الله تعالى عنهم لن يروا فيها مصلحة. وكانت أمّ سلمة زوجة النبي التي رافقته في العمرة و أبو بكر الصّديّق من أفقه الصّحابة وممّن أدرك أنّ الصّلح هو وحي من الله تعالى، ولهذا لمّا جاءه عمر بن الخطّاب وهو في حيرة من الأمر قال له أبو بكر: « يا عمرُ الزم غرزَه – أي أمره – فإنّي أشهدُ أنّه رسولَ اللهِ». فتأمّل كيف خاف أبو بكر على إيمانه، لأنّه خشي أن لا يُسلّم لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

    ومن الأدلّة التي تُبيّن أنّ صلح الحديبية هو وحي من الله تعالى:

     أوّلا: أنّ الله تعالى سمّى صلح الحديبية بالفتح، أظهر الله فيه دينه، ونصره على عدوّه، بسبب هدنة «الحديبية»، حيث جعلها الله سببا لأمن النّاس، ومعرفة الإسلام على حقيقته، فتمدّدت الدّعوة واتّسعت دائرتها، فدخل النّاس تلك الحقبة في دين الله أفواجًا؛ من أجل ذلك سمَّاه الله فتحًا مبينًا، أي ظاهرًا جليًّا، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾، الفتح:1.

    ثانيا: قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾، الفتح: 27، أي لقد صدق الله رسوله محمدًا رؤياه التي أراها إياه بالحق أنه يدخل هو وأصحابه بيت الله الحرام آمنين، لا تخافون أهل الشرك، محلِّقين رؤوسكم ومقصِّرين، فعلم الله من الخير والمصلحة (في صرفكم عن «مكة» عامكم ذلك ودخولكم إليها فيما بعد) ما لم تعلموا أنتم، فجعل مِن دون دخولكم «مكة» الذي وعدتم به، فتحًا قريبًا، وهو هدنة «الحديبية» وفتح «خيبر».

http://quran.ksu.edu.sa/index.php?ui=1#aya=48_27

     ثالثا: وممّا يؤكّد أنّ صلح الحديبية هو وحي من الله، ما على الرّسول فيه إلاّ التّسليم والتّنفيذ، إجابة النّبيّ على سؤال الصّحابة بقبوله لردّ  من جاء من الرّجال مسلما من مكّة إلى المدينة، فعلى الرّسول أن يردّه إلى قريش، وأيضا من ذهب من المدينة وهو مسلم إلى مكّة فلا تردّه قريش. أجاب رسول الله إجابة واضحة تدلّ على أنّ الأمر وحي، فقال: « نعم. إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله ومن جاء منهم إلينا فسيجعل الله له فرجا ومخرجا ». مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، صحيح مسلم(المسند الصحيح المختصر من السنن بنقل العدل عن العدل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي، نشر: دار إحياء الكتب العربية – عيسى البابي الحلبي وشركاه، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1374هـ، حديث رقم: 1784.  

     رابعا: ما جاء في ردّه النبي صلّى الله عليه وسلّم على عمر ، بينما الرّسول صلّى الله عليه وسلّم يتفاوض مع سهيل بن عمرو: « … وثب عمرُ بنُ الخطابِ فأتى أبا بكرٍ قال: يا أبا بكرٍ أليس برسولِ اللهِ؟ قال: بلى . قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى . قال أو ليسوا بالمشركين! . قال: بلى . قال: فعلام نعطي الدنيةَ في دينِنا! . قال أبو  بكرٍ: يا عمرُ الزم غرزَه – أمره – فإني أشهدُ أنه رسولَ اللهِ . قال عمرُ: وأنا أشهدُ أنه رسولُ اللهِ! . ثم أتى رسولَ اللهِ فقال: ألست برسولِ اللهِ! قال: بلى . قال: أو لسنا بالمسلمين! قال: بلى . قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى . قال: فعلام نعطي الدنيةَ في دينِنا؟! . قال أنا عبدُ اللهِ ورسولُه، ولن أخالفَ أمرَه، ولن يضيعني». فتأمّل قولته الأخيرة: « قال أنا عبدُ اللهِ ورسولُه، ولن أخالفَ أمرَه، ولن يضيعني». محمد الغزالي، فقه السّيرة، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، نشر: دار القلم، الطبعة: السابعة، سنة الطبع: 1418هـ، حديث رقم: 332، وقال الألباني: حديث: صحيح.

     فقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لعمر: « أنا عبدُ اللهِ ورسولُه، ولن أخالفَ أمرَه، ولن يُضيّعني». فتأمّل قوله صلّى الله عليه وسلّم: « ولن أخالفَ أمرَه»، فهذا يدلّ يقينا أنّ ذلك الصّلح هو وحي لا ينبغي معه إلاّ التّسليم المطلق.

    خامسا: ما جاء في أقوال أهل العلم أنّ صلح الحديبية هو وحي من الله تعالى، وقد ذكرت لك في الأعلى قولي الإمامين ابن حزم الظّاهري وابن العربي الأندلسي المالكي رحمهما الله.

      فإذا تقرّر بالأدلّة على خصوصيّة صلح الحديبية، وأنّه أمر خاصً بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، لأنّه قد دلّت النّصوص على أنّه وحي من الله تعالى، ينبغي فيها التّسليم من طرف النّبيّ ومن طرف كلّ أصحابه، وقد عدّه الله تعالى فتحا رغم أنّ الصّحابة لم يروا فيه مصلحة، فقد تقرّر أيضا أنّ الوحي الخاصّ لا يجوز القياس عليه، ولا الاجتهاد فيه، كما هو مُقرَّرٌ عند علماء الأصول. قال ابن القيّم: « الأصل: مشاركة أمّته له في الأحكام، إلاّ ما خصّه الدّليل»، ولذلك قالت أُمُّ سلمة رضي الله عنها: « اخرُجْ ولا تُكَلِّمْ أحدَاً حتى تَحْلِقَ رأسك وتنحر هَدْيك»، و « علمت أنّ النّاس سيتابعونه». ابن القيم الجوزية، زاد المعاد في هدي خير العباد، تحقيق : شعيب الأرناؤوط – عبد القادر الأرناؤوط، نشر: مؤسسة الرسالة، مكتبة المنار الإسلامية – بيروت ـ الكويت، الطبعة الرابعة عشر ، 1407 هـ – 1986 م.(3/267).

     فهل يستطيع أن يدّعي أحد ممّن يتّهم الرّسول صلّى الله عليه وسلّم بالتّنازل أنّ ما يفعلونه من تنازلات ضخمة ومذلّة هو وحي أُوحِي إلى أحد منهم؟ أمّا على أرض الواقع فقد حصل في تأخير العمرة بسبب ذلك الصّلح من الخير العظيم والفتح المبين للإسلام وللمسلمين ما لا يُوصف، فأروني ماذا حقّقتم بتنازلاتكم على أرض الواقع من خير واحد للإسلام والمسلمين، إلاّ أوهاما وزخارف من الأقوال، وحفاظا على مصالحكم ومواقعكم التي لن تدوم لكم. أمّا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقد استعدّ لمواجهة قريش لمّا وصله نبأ مقتل عثمان، كما كان أيضا مُستعدّا أن يقبل بما لا يتعارض مع العقيدة والشّريعة إذا كان ذلك سيؤدّي إلى التّمكين للعقيدة والشّريعة في مكّة التي لا تزال تحت حكم الجاهليّة.

ماذا بعد؟ حركة النّهضة لا تريد تطبيق الشّريعة

     فإذا تقرّر ما سبق من أنّ الاستدلال بصلح الحديبية لا يصلح أن يكون حجّة شرعيّة على صحّة منهج [الإستسلاميّين]، فيترجّح أنّ حركة النّهضة لا تريد تطبيق الشّريعة، ولم تحرص على تطبيقها، مخالفة بذلك أمر الله الذي ما أنزل الشّريعة إلاّ لتُطَبَّق، قال الحقّ تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾، النّساء: 105 ، وقد طُبّقت الشّريعة بعد جاهلية جهلاء. فكيف وتونس مسلمة منذ 14 قرنا؟

      ومن الأدلّة التي تُبيّن أنّ حركة النّهضة لا تريد تطبيق الشّريعة:

1) ما صرّح به حمّادي الجبالي الأمين العام لحركة النّهضة ورئيس أوّل حكومتها: « لا وجود لحلال وحرام في السياحة توجد فقط السياحة نظرا لأهمية هذا القطاع».

http://cutt.us/IpjSQ

2) ما قاله علي العريض، أحد قادة «النهضة»، بعد أيّام من سقوط بن علي: « لسنا خطرا على أحد، ونحن أكثر ليبرالية من الإسلاميين بتركيا ومصر والمغرب…أولويّاتها وأفكارها وهي ـ يقصد حركة النّهضة ـ الآن تقدّم نموذجا ليبراليّا إسلاميّا عن السّياسة … ». قيادي بـ «النهضة»: لسنا خطرا على أحد ونحن أكثر ليبرالية من الإسلاميين بتركيا ومصر والمغرب – القدس العربي، لندن، الموقع الإلكتروني.

     أمّا تصريحات رئيس الحركة التي تُبيّن أنّ حركة النّهضة لا تريد تطبيق الشّريعة، فهي لا تُحصى أذكر بعضا منها:

3 ـ  صرّح في أكثر من مناسبة أنّه مع الحرّيّة قبل الشّريعة:

http://cutt.us/t48pV

4 ـ عبّر أنّه « ضدّ محاولة فرض أسلوب حياة معيّن … وأنّه قد تعهّد أنّ حزبه سيواصل بيع الخمور والملابس الغربية ومواصلة السياسات الاقتصادية المشجعة للسياحة والاستثمار الأجنبي والعمالة » … وأنّه « لا يجب أن يكون هناك أي قانون يحاول أن يجعل الأشخاص أكثر تديّنا».

https://www.babnet.net/cadredetail-41027.asp

5 ـ أعطى تفسيرا علمانيّا للشّريعة على أنّها «مجموعة من القيم الأخلاقية للأفراد والمجتمعات وليست قانونا صارما يطبق على النظام القانوني للبلاد».

https://www.babnet.net/cadredetail-41027.asp

6 ـ وقال أيضا: « الشّريعة الإسلاميّة هي مبادئ نبيلة يتشبع منها المسلم فيطبقها في نفسه وأهله قبل غيره وليست قوانين مفروضة على البشر ما ينتج استبدادا باسم الدين».

https://www.babnet.net/rttdetail-48491.asp

57 ـ أنّ الإسلام عنده هو صلاة وحجاب، فقال: « الثورة قد أعادت للإسلام هيبته في البلاد بعد أن كانت المرأة لا تستطيع لبس حجابها والرجل لا يستطيع أداء صلاة الفجر في المسجد». نفسه.

8 ـ الأغرب ممّا سبق أن جعل برنامجه الانتخابي السّياسي هو الشّريعة الحقيقية التي تؤمن بها حركته، فقال: « في البرنامج الذي طرحته حركة النهضة في الحملة الانتخابية والذي يتكون من 360 فصلا لم يرد فصل تضمين الشريعة الإسلامية في الدستور فلماذا تتم محاسبتنا على هذا الأساس … إن المبادئ التي طرحتها النهضة في برنامجها هي الشريعة الحقيقية التي تؤمن بها والتي ستكرسها في المجتمع التونسي معتبرا أن الاستبداد هو العدو الرئيسي للقيم الإسلامية». نفسه.

9 ـ  أنّ الشّريعة الحقيقيّة عند الغنّوشي أيضا هي في العقول والضّمائر والتعامل مع الآخرين، فقال: « المهم ليس في القوانين المكتوبة والتشريع المهم في العقول والضمائر والتعامل مع الآخرين وهذه هي الشريعة الحقيقية». نفسه.

10 ـ  أنّ رفض تطبيق الشّريعة كان من ضمن صفقة باريس التي أبرمها الغنّوشي مع السّبسي.

11) ـ تصريح الغنّوشي أنّ الشّعب التّونسيّ « مُتّحد بخصوص الإسلام، ولا يريد إدراج تعبير آخر يؤدّي إلى انقسام الشّعب». النهضة التونسية تعارض اعتماد الإسلام كمصدر أساسي للتشريع بالدستور.

https://www.youtube.com/watch?v=IdRi0B1DYmo

    قلت: فإذا كان الشّعب التّونسيّ المسلم مُتّحدا بخصوص الإسلام ـ كما صرّح رئيس حركة النّهضة ـ فلماذا لا نُنصّص على أنّ (الشّريعة هي المصدر الرّئيس للتّشريع)؟ ولماذا لم يدع إلى استفتاء في الموضوع؟ ومن أعطى الغنّوشي حقّ نقض إرادة الشّعب المسلم المُتّحد؟

12 ـ تعهّد الغنّوشي بتعزيز الديمقراطية ودعم حقوق المرأة وقيم الحداثة، فقال: « … قيم الحداثة وتحرر المرأة بدأتها تونس مع (الرئيس الراحل الحبيب) بورقيبة و لا رجعة فيها… سندعم هذه القيم… مع حرية المرأة في أن تقرر ما تلبسه وتختار شريكها في الزواج ولا تجبر على أي شيء… سنسعى لخلق منتوج سياحي متنوع مثلما هو الحال في تركيا… لن نمنع الفنادق التي تقدم الخمور وبها مسابح …“.

13 ـ  قول الغنّوشي: « الشّريعة ليست نظاما تفصيليّا جاهزا قابلا للتّطبيق في كلّ زمان ومكان، إذن الشريعة ليست نظاما جاهزا… الإسلام لا يتضمّن نظاما جاهزا للتّطبيق».

      إنّ العجز عن تطبيق الشّريعة لا يدعو إلى إنكارها، أو الطّعن فيها، وهذا ما وقعت فيه حركة النّهضة من خلال تلك التّصريحات الغير المسؤولة. ولأنّ قوله الأخير (النّقطة 13) خطير جدّا، لأنّه يبخس الشّريعة أنّها ليست مُفصَّلة ولا كاملة ولا عالميّة، فسأتوسّع في الرّدّ عليه، لأنّه يُثير فتنا و شبهات خطيرة في العقيدة والمنهج والوجدان، فتقتضي كوارث أربعة:

أوّلا: أنّ الشّريعة غير مُفصَّلة أي ليست شاملة ـ وقد صرّح بذلك ـ،

ثانيا: أنّ الشّريعة ناقصة غير كاملة،

ثالثا: أنّها ليست عالميّة وأبديّة،

رابعا: أنَّه لا يريد تطبيق الشّريعة.

    وألجأ إلى الله عزّ وجلّ ورسوله صلّى الله عليه وسلّم يردّان على دعاوى رئيس حركة النّهضة.

      أ ـ  ردّ الله تعالى على قول الغنّوشي: «الشّريعة ليست نظاما تفصيليّا». قال الحقّ تبارك وتعالى: ﴿ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ الأنعام: 114، وقال أيضا: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، يوسف:111. وقال: ﴿وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، يونس:37، وقال أيضا: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، الأعراف: 52، وقال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾، الإسراء:12، وقال:﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، النحل:89، وقال أيضا: ﴿وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ ٱلآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾، الأنعام55، وقال: ﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، الأعراف 32، وقال أيضا: ﴿وَكَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، الأعراف174، وقال: ﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، الرّوم: 58  

     وفي الحديث قال صلّى الله عليه وسلّم: « أيُّها الناس، إنه ليس من شيء يُقربكم من الجنة ويُبعدكم من النار إلا قد أمرتكم به، وليس شيء يقربكم من النار ويبعدكم من الجنة إلا قد نَهيتُكم عنه، وإن الرُّوح الأمين نَفَثَ في رُوعي أنه ليس من نفس تموت حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يَحملكم استبطاءُ الرزق على أن تطلبوه بمعاصي الله؛ فإنه لا ينال ما عنده إلا بطاعته». الألباني محمّد ناصر الدّين، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، الطبعة : الأولى، عام النشر: جـ 1 – 4: 1415 هـ – 1995 م ـ جـ 6: 1416 هـ – 1996 م ـ جـ 7: 1422 هـ – 2002 م، الناشر: مكتَبة المَعارف لِلنَشْرِ والتوزيْع، الرياض – المملكة العربية السعودية. حديث رقم: 2866. وقال الألباني: حسن على أقل الأحوال.

     ب ـ الرّدّ على قول الغنّوشي: « … الشّريعة ليست نظاما جاهزا … الإسلام لا يتضمّن نظاما جاهزا للتّطبيق»، وكلامه هذا، يفيد أنّ الشّريعة غير كاملة، والله تعالى ورسوله يردّان بخلاف ذلك. قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، الأنعام: 115، وقال: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾، الإسراء: 88 ، وقال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾، طه: 124. وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، النساء: 82، وقال: ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾، فصّلت: 42، وأدلّ آية على كمال الدّين وتمامه وشموله، قوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، المائدة: 3، قال أهل التّفسير: «هذه أكبرُ نِعَم الله تعالى على هذه الأمَّة؛ حيث أكمل تعالى لهم دينَهم، فلا يحتاجون إلى دينٍ غيره، ولا إلى نبيٍّ غير نبيِّهم صلَوات الله وسلامُه عليه ولهذا جعله الله تعالى خاتمَ الأنبياء، وبعَثَه إلى الإنسِ والجنِّ، فلا حلالَ إلاَّ ما أحلَّه، ولا حرام إلاَّ ما حرَّمه، ولا دين إلاَّ ما شرعَه، وكلّ شيء أخبرَ به فهو حقّ وصدق لا كذب فيه ولا خُلف». عمدة القاري شرح صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب تفسير سورة المائدة، باب قوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم، الطبعة: الأولى. سنة الطبع: 1421هـ، نشر: الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروتـ لبنان. 

     وقال ابن القيم رحمه الله: « فقد بيَّن الله سبحانه على لسان رسوله بكلامه، وكلام رسوله: جميع ما أمره به، وجميع ما نهى عنه، وجميع ما أحله، وجميع ما حرمه ، وجميع ما عفا عنه، وبهذا يكون دينُه كاملا كما قال تعالى: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُم دينَكُم وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُم نعْمَتي ». ابن قيم الجوزية محمد بن أبي بكر الزرعي، إعلام الموقعين عن رب العالمين، رقم الطبعة:1. سنة النشر: 1411هـ/1991م، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، (1/332).

    ج ـ ردّ الله تعالى على قول الغنّوشي: « … الشّريعة ليست نظاما قابلا للتّطبيق في كلّ زمان ومكان». وهو بهذا القول يردّ نصوصا قرآنيّة وسنّيّة كثيرة تقرّر ثابتا مركزيّا من ثوابت الإسلام، وهو أنّ شريعة الإسلام هي شريعة إنسانيّة عالميّة، أنزلها الله للعالمين كافّة، وللخلق أجمعين، فهي عالميّة وصالحة للتّطبيق في كلّ زمان ومكان. وأترك الله تعالى ورسوله يردّان عليه. قال تعالى: ﴿ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، الأنعام: 19، وقال أيضا: ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾، القلم: 52، وقال: ﴿تَبَاَركَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾، الفرقان: 1. وقال أيضا: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، الأعراف: 158، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾، سبأ: 28، وقال أيضا: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾، الشّورى: 7.

       ومن الأحاديث التي تثبت عالميّة الشّريعة، وأنّ الإنسانيّة كلّها مُطالَبة بالالتزام به، قول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: « … كان النّبيُّ يُبعث إلى قومه خاصّة، وبُعثت إلى النّاس عامّة». صحيح البخاري الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله وسننه وأيامه، نشر: المكتبة السلفية – القاهرة، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1400هـ، حديث رقم: 2731. وصحيح مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، صحيح مسلم(المسند الصحيح المختصر من السنن بنقل العدل عن العدل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي، نشر: دار إحياء الكتب العربية – عيسى البابي الحلبي وشركاه، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1374هـ، حديث رقم: 1784.وصحيح ابن حبّان بترتيب ابن بلبّان، تحقيق: شعيب الأرنؤوط.  الناشر: مؤسسة الرسالة. بيروت. الطبعة: الثانية. سنة الطبع: 1414هـ. الحديث رقم:521. وغيرهم… فالشّريعة إذن أنزلها الله تعالى إلى جميع النّاس على اختلاف أصولهم وألوانهم وألسنتهم وأعراقهم، فلم يخصّ بها قومًا دون قوم، أو عرقا دون عرق، أو لسانا دون لسان، أو لونا دون لون، أو قطرا دون قطر، ولهذا قال صلّى الله عليه وسلّم: «بُعثت إلى الأحمر والأسود». صحيح ابن حبّان بترتيب ابن بلبّان، تحقيق: شعيب الأرنؤوط.  الناشر: مؤسسة الرسالة. بيروت. الطبعة: الثانية. سنة الطبع: 1414هـ. الحديث رقم: 6462، ابن حجر العسقلاني أحمد بن علي، موافقة الخبر الخبر في تخريج أحاديث المختصر، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد، نشر: مكتبة الرشد، الرياض ـ السّعوديّة، الطبعة: الثالثة سنة الطبع: 1419هـ، (1/525). ومسند الإمام أحمد، النّاشر : المكتب الإسلامي. بيروت. الطّبعة : الثّانية. سنة الطّبع : 1400هـ.رقم: 2742 و19750 وغيرهم. وقال أيضًا: «وأُرسلت إلى الخلق كافة». صحيح مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، صحيح مسلم(المسند الصحيح المختصر من السنن بنقل العدل عن العدل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي، نشر: دار إحياء الكتب العربية – عيسى البابي الحلبي وشركاه، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1374هـ، حديث رقم: 523، وصحيح ابن حبّان بترتيب ابن بلبّان، تحقيق: شعيب الأرنؤوط.نشر: مؤسسة الرسالة. بيروت ـ لبنان، الطبعة: الثانية. سنة الطبع: 1414هـ. الحديث رقم: 6401. وقال: « والذي نفسُ محمّدٍ بيده، لا يَسْمَعُ بي أحدٌ مِن هذه الأمةِ يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثمّ يموتُ ولم يُؤْمِنْ بالذي أُرْسِلْتُ به، إلاّ كان مِن أصحابِ النّارِ». صحيح مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، صحيح مسلم(المسند الصحيح المختصر من السنن بنقل العدل عن العدل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي، نشر: دار إحياء الكتب العربية – عيسى البابي الحلبي وشركاه، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1374هـ، حديث رقم:153.

     ومن المعلوم من الدّين ضرورة، أنّ الإيمان بالرّسول صلّى الله عليه وسلّم يقتضي التّصديق الجازم بكلّ ما أخبر به عن ربّه تصديقا جازما لا شكّ فيه ولا ريب، ويقتضي أيضا الاستسلام الكامل لشريعته صلّى الله عليه وسلّم، وأن يحتكم إليها في شؤون حياته كلّها في كلّ زمان ومكان، وعليه أيضا أن يتبرّأ من كلّ عقيدة ومنهج سوى الإسلام، لأنّ الإسلام هو الدّين الحقّ، وكلّ ما عداه باطل، قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ)، الحجّ: 62، وقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾، آل عمران: 18، وقال أيضا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾، آل عمران: 85، وقال أيضا: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا﴾، البقرة: 256، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾، النساء: 65 ، 85

فالحاصل، أنّ إعراض الغنّوشي عن تطبيق الشّريعة بتلك الأقوال الفجّة، يردّ عليها الله تعالى بقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، القصص: 50، وبقوله أيضا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، النّساء: 60-61، وبقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾، النّساء: 62.

مراجعات النّهضويّين هل هي مراجعات أم تراجعات؟

     كثيرا ما يردّد قيادات النّهضة أنّهم قاموا بمراجعات في فكرهم ومنهجهم، ومن أبرز من أعلن عن ذلك رئيس حركتهم، ومن بين أقواله في هذا الصّدد: « … ولكنّنا قمنا بمراجعات و سنواصل القيام بها».

http://cutt.us/bCL2F

     وقال أيضا: « … نحن قمنا بمراجعات وتقييمات مُعمّقة وشُجاعة، والمؤتمر التّاسع شهد سجالات حادة في هذا المجال، وسيكون المؤتمر العاشر الاستثنائي محطة بارزة لتقييم تجربتي المعارضة والحكم».

http://cutt.us/QnB7D

     ولأنّ مسألة المراجعات لها علاقة قويّة بالتّنازلات، فقد ارتأيتُ أن أتوقّف عند هذه المسألة لبيان ما هو حقّ من باطل.

    إنّ مصطلح (مراجعات)، غير مرغوب به في المنجد الإسلامي، لأنّ له دلالات سلبيّة من عدة جوانب، فهو من جهة مُستنسَخٌ غربي، ومن جهة أخرى فإن للمسلمين ما هو أفضل منه وأحسن، وهو التّوبة، لما لها من دلالات إيجابيّة شاملة وجوهريّة وعميقة.

   إنّ مصطلح (مراجعات) يحمل في طيّاته معنى سلبيّا، لأنّه يُفيد التّخلّي عن معتقدات ومناهج سابقة وقديمة، لينخرط المتراجعون في معتقدات ومناهج أخرى جديدة وحديثة. ويكفي دلالة على الآثار الخطيرة للمراجعات ما وقعت فيه الحركات الإسلاميّة الفلسطينيّة من نكسات لا تخفى.

    إنّ تراجع الإسلاميّين يقتضي ضرورة أن تتخلّى عن عقيدتك ـ أو أبرز ما فيها وأخطرها على أعداء الإسلام ـ التي كنت تعتنقها وتقاطعهما قطيعة كاملة، بما يُفيد أنّك ستعتنق عقائد وأفكارا مُقابلة للإسلاميّة يقينا، وإلاّ فلن تكون مراجعات. ولأنّه لا يقابل المعتقدات الإسلاميّة إلاّ « العقائد» العلمانيّة التي تؤدّي في نهاية مطافها إلى الإباحيّة والإلحاد، فإنّ المتراجعين صاروا علمانيّين ولو تبرّؤوا من ذلك. ويكفينا حجّة على علمانيّتهم دستورهم الذي وضعوه سنة 2014 الذي ينصّ على علمانيّة الدّولة وعلويّة القانون وسيادة الشّعب وحرّيّة الضّمير وتجريم التّكفير، وما يشبه ذلك، ويكفي دلالة على أنّ ما يُسمّونه مُراجعات ستنتهي إلى عقيدة العلمانيّة الإباحيّة الإلحاديّة، قول الغنّوشي: « نحن قمنا بمراجعات وتقييمات مُعمّقة وشُجاعة »، فما معنى “مُعمّقة وشُجاعة» غير ما أشرتُ إليه!؟

     إنّ ما يُسمّونه (مراجعات) ما هو في الحقيقة والجوهر إلاّ تراجعات وتنازلات. والمتأمّل في مراجعاتهم، تتشابك على ذهنه أسئلة كثيرة منها: هل كنتم ـ أيّها المتراجعون ـ من قبل مراجعاتكم فاسقين أم زائغين أم مبتدعة عاقّين أم كافرين؟ فهل كنتم على باطل ورجعتم إلى الحقّ؟ أم كنتم على صراط المغضوب عليهم والضّالّين، ثمّ اهتديتم بمراجعاتكم إلى الصّراط المستقيم؟ أم كنتم على الحقّ ثمّ بعد وبعد مراجعاتكم تنصّلتم منه، وقد كنتم عليه أكثر من الأربعين من السّنين؟ فهل كنتم في زيغ مبين فعدتم إلى الحقّ اليقين؟ أم هو تبرّؤ من أخطاء لم تُعلنوا عنها للتّونسيّين، وقد اعترفتم بها لدى الصّليبيّين؟ هل هي توبة من الآثام والمعاصي؟ وهل هي آثام متعلّقة بحقوق الإسلام وبحقوق الأمّة أم هي آثام بينكم وبين الله تعالى؟ ولمن راجعتم وتبتم هل أمام الله تعالى ربّ العالمين، أم بين يدي رجل صليبي في كنيسة باريس ليقول لكم اذهبوا فقد غفر لكم ما سلف ورضينا عنكم وعليكم بدين التّوافق؟ أم أنّكم تُمارسون تقيّة وازدواجيّة تُخفون بها اعتقادكم القديم وتحسبون أنّكم تضحكون على ذئاب هم أشطر منكم تقيّة وازدواجيّة ومداهنة وكذبا ونفاقا؟ أم انكسرتم أمام ضغوط الشّبهات وانهزمتم أمام طحن الشّهوات؟

     إنّ التّراجعات والتّنازلات والاستسلامات، أو المراجعات، لا تعدو إلاّ أن تكون انكسارا أمام أحد ضاغطين طاحنين أو لكليهما: فإمّا أن تكون استجابة لشبهة أو استسلاما لشهوة.

      أمّا كونها استجابة لشبهة، فلأنّ الشُّبْهَة كما عرّفها ابن القيّم هي « وارِد يرد على الْقلب يحول بينه وبين انكشاف الحقّ». ابن القيّم، مفتاح دار السعادة ﻁ:1، س: 2004.. دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، (1/144).

    ولأنّ الشّبهة تقتضي التباسا لكم في معرفة الحقّ واختلاطا له بالباطل، فلم يتبيّن الحقّ الخالص بينهما، فهي منزلة بين منزلتي الثّابت وليس بثابت، والشّكّ واليقين، والحقّ والباطل. فهل كان الغنّوشي وحركته على باطل طيلة أربعين سنة؟ وأمّا كونها استجابة لشهوة، فلأنّ الشّهوة هي تقديم الهوى على طاعة الله ومرضاته، كمن يقع في عشق السّلطة، فإنّ الغنّوشي (البريطاني) قدّم الولاء للغرب، واستجاب للغرب على طاعة ربّه، فحين قرّر البنتاغون أن يتخلّى عن الأنظمة العربيّة المستبدّة الفاسدة ثمّ يستعين بالإسلاميّين (المعتدلين) لمواصلة الحرب على الإسلام ونهب خيراتهم، قفزت حركة النّهضة ـ في اتّجاه معاكس للشّعب ـ راكبة موجة الثّورة، وقد كانت قبل هروب ابن علي بيوم واحد تُناشده ـ عبر قناة الجزيرة الفضائيّة في بيان قيادة حركة النّهضة تلاه عضو المكتب التّنفيذي زياد الدّولاتلي ـ أن يبقى المخلوع في الحكم ويُصحّح مسار تونس ويُعيدنا وينقذها من جديد كما أنقذها يوم 7 نوفمبر: « أتمنّى أنّ بن علي الذي أنقذ البلاد يوم 7 نوفمبر له من الشّجاعة والقدرة اليوم أن ينقذها من جديد ويدخل إلى التّاريخ كمصلح أنقذ بلاده ووضعها على السّكّة للحكم الرّشيد والتّنمية المستديمة وتوفيرها ظروف الاستثمار والارتقاء بشعبه إلى الدّول المتقدّمة».

     إنّ التّنازلات والتّراجعات والاستسلامات، وليس المراجعات، ما هي في الحقيقة إلاّ انتكاسة وهزيمة أمام جيشين خفيّين خطيرين من الْبَاطِل، يؤدّيان بالجاهل الأحمق والغبيّ إلى خسران العلم وفقدان اليقين، وهو يحسب أنّه العالم الجهبذ، والعلاّمة النّحرير، وقائد التّحرير، فريد عصره، زعيم مصره، قال ابن القيّم رحمه الله: « جَيش شهوات الغيّ، وجيش شُبُهَات الْبَاطِل، فأيّما قلب صغا إليها وركن إليها تشربها وامتلأ بهَا، فينضح لِسَانه وجوارحه بموجبها، فَإِن أُشرب شُبُهَات الْبَاطِل تَفَجَّرَتْ على لِسَانه الشّكوك والشُّبُهَات والإيرادات، فيظنّ الْجَاهِل أنّ ذَلِك لسعة علمه، وَإِنَّمَا ذَلِك من عدم علمه ويقينه». ابن القيّم، مفتاح دار السعادة ﻁ:1،س: 2004..دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، (1/140).

      إنّ الشّبهة تمحو اليقين، والشّهوة تفسد الدّين، ولهذا فإنّ ما أقدمت عليه حركة النّهضة من تنازلات ضخمة تحت ضغوط الشّبهة والشّهوة، قد طحنت ومحت ما كان فيها من يقين، وأفسد عليها الدّنيا والدّين، وما هزمها جيش أو شرطة طيلة أربعين سنة، ولكن هزمها جَيش الشّهوات، وجيش الشّبُهَات، وهما في الحكم.

     وإذا اجتمعت الشّهوة (السّلطة) مع الشّبهة (التّنازلات)، وتحكّمت الأولى في الثّانية، صار صاحبها أسيرا تحت قبضة تلك الشّهوة، توجّه فكره ولسانه، فيفسد فهمه وعلمه، ويخيب طبعه، فيتنكّر للدّين الصّحيح، ويناقض العقل الصّريح، وعلى قدر ضخامة الشّهوة، تتضخّم الشّبهة وتعظم البدعة، وهل ثمّة أضخم وأقوى من شهوة سلطة علمانيّة ليس لها من دور في بلدنا إلاّ إذلال الأعزّة والتّحريض على الفساد والإفساد ﴿ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، النّمل: 34

     توافق إسلامي مع علماني لا يقع، إلاّ أن يُسلّم أحدهما للآخر، إمّا إلى العلمنة أو إلى الإسلام، والمتابع يعلم من تنازل عن كلّ شيء ليلتحق بالآخر. وصدق الباجي وهو كذوب:

     « النّداء والنّهضة خطّان متوازيان لا يلتقيان إلاّ بإذن الله.. وإذا التقيا فلا حول ولا قوة إلاّ بالله».

http://cutt.us/iSob7

    نعم صدق السّبسي، لأنّ الرّجل مدرك لموقفه الحاسم والمنسجم مع «عقيدته» العلمانيّة، أمّا حركة النّهضة «الإسلاميّة»، فهي غير مدركة لموقفها، ولم تحسم في شيء فهي مرتعشة ومتلجلجة ومتردّدة لا تبصر سبيل التّوحيد فتتّخذه سبيلا، أو على الأقلّ اتّجاه استحقاقات الثّورة، فتتّخذه بوصلة.

    لقد خانت حركة النّهضة الإسلام، وغدرت بالثّورة، يوم وضعت دستورا على مقاس الباجي قائد السّبسي ليكون رئيسا لتونس تحت خدعة التّوافق، ليستعمل السّبسي صلاحيات رئاسة الدّولة في مبادرات تشريعيّة لا لتحقيق التّنمية والتّشغيل واسترداد سيادة البلاد وقراراتها في كامل المجالات، بل استعمل تلك الصلاحيات ليتمّ بيع البلاد إلى البنتاغون، وليخرّبها في الدّاخل.

الذين يستدلّون بصلح الحديبيّة ووقّعوا توافقا مع السّبسي أعطوه البلاد والعباد ليعبث بها.

وإليك بعض حصاد التّوافق مع السّبسي:

1 ـ وقّع السّبسي على مذكّرة تفاهم للتّعاون طويل المدى بين تونس والولايات المتّحدة الأمريكيّة، دون أن يعلم أحد ما هو مضمون تلك المذكّرة، ليعلم النّاس أنّ الدّيمقراطيّة كذبة وشعار فارغ دون مضمون. فهل علم الغنّوشي بتلك المذكّرة؟ فإن علم فالقارعة، وإن لم يعلم فالصّاخّة.

2 ـ قنّن السّبسي لإباحة استعمال المخدّرات دون متابعة للمستعملين لها، وجمع المجلس الأعلى للأمن التّونسي وطالبه بعدم تتبّع من يستهلكها.

3 ـ قنّن المصالحة الاقتصاديّة ليفلت الفاسدون من العقاب، وليعفو السّبسي عنهم، لأنّهم موّلوا حملاته الانتخابيّة. وآخر فضيحة قام بها إصداره العفو عن برهان بسيّس الذي سُجن بسبب فساد مالي.

4 ـ تقديم مشروع قانون المساواة في الميراث …

     هذه بعض الإجراءات التي قام بها السّبسي الشّريك السّياسي للغنّوشي، وقد أقدم على خروقات قوانينهم، وقد أقسم على المصحف انه سيحترمها، ولكنّه كان هو أوّل من أكلها. من أجل هذا وقفت الدّولة كلّها (رئيس ومجلس نواب الشعب و12 حكومة)ضدّ قيام مجلس دستوري حتّى لا يراقب أيّ هيكل في الدّولة دستوريّة ما يتّخذونه من قرارات ضدّ قوانين وضعوها هم وأقسموا على احترامها.

    فهل لا يزال أحد يفتح فاه ويقول: نحن نستدلّ بصلح الحديبيّة ليعبثوا بالدّين وبالبلاد والعباد؟

     إنّ الإشكال الذي غاب عن المراجعين، أنّ العلمانيّين لن يقبلوا هؤلاء المتراجعين أبدا، ولن يرضوا عنهم إلاّ لاستعمالهم ثمّ تطييشهم، ولن يُصدّقوا أبدا أنّ حركة النّهضة قامت بمراجعات، إلاّ أن تُوهم النّهضة نفسها أنّها تستنجد بالتّراجعات لتخرج من دائرة الاستهداف، أو من دائرة المغضوب عليهم غربيّا، أو محاولة للنّجاة والتّمسّك بالسّلطة إلى الممات.

هل شاركت حركة النّهضة بتنازلاتها في القضاء على[الثّورة]؟

     تُتّهم حركة النّهضة ـ حتّى من طرف حمّادي الجبالي في مراجعاته ـ أنّها ساهمت بمواقفها المرتعشة وتنازلاتها المُذلّة في القضاء على[الثّورة]، وتجلّى ذلك في:

1 ـ خطّة التّوافق:

    تحت خطّة تغطية أكبر خدعة سياسيّة مرّت بها تونس روّجها الانقلابيّون على الثّورة، هي ما سمّوه[التّوافق] الهشّ المفروض على حركة النّهضة تحت ضغوط وقعت في اللّقاء الشّهير بين السّبسي والغنّوشي في باريس في شهر أوت / أغسطس 2013: وحقيقته إمّا أن يقبل الغنّوشي ووراءه حركة النّهضة بـ[التّوافق] أو نحرّك ـ نحن السّبسي ـ أدواتنا لتقوم بأعمال إرهابيّة نُورّطك فيها يا غنّوشي، وفي خلاصة [ إمّا توافق أو إرهاب].

     هذه هي حقيقة [التّوافق] في تونس، انقلاب ناعم يُجهز على ما سمّوه [ثورة] بشكل لطيف ناعم وسلس وهادئ، يتساوق مع خصوصيّة تونسيّة في الانقلابات: انقلابات ناعمة من عهد نظام البايات بتقرير فِرنسي: انقلاب بورقيبة على الملك محمد الأمين باي، وانقلاب ابن علي على بورقيبة، وانقلاب على ابن علي، دع عنك أنّها ثورة. فكيف تكون ثورة، لأنّ المتعارف والمتّفق عليه عند الخاص والعام أنّ الثّورة تفيد الخروج من وضع تعيس الى وضع نفيس، ومن البؤس الى السعادة، ومن الفقر إلى الكفاية، ومن دولة البوليس الى دولة العدل؛ أو بمعنى آخر الانتقال من الاستبداد والفساد إلى الحرّيّة المنضبطة والمسئولة إلى الإصلاح، ومن حكم الفرد والعائلة والقبيلة والجهة، إلى حكم الأمّة وعقلائها، ومن حكم السّفهاء إلى حكم الحكماء، ومن تصدّر الرّويبضة إلى تصدر العلماء، ومن نظام حكم ظالم إلى نظام حكم عادل، ومن قضاء فاسد إلى قضاء صالح، ومن تبعية إلى الخارج إلى تحرّر منه واستقلال عنه، ومن نهب ثروات إلى توزيعها بعدل، ومن قوانين ظالمة جائرة إلى شريعة ربانية رحيمة عادلة، ومن منكر الفاحشة إلى معروف الفضيلة، ومن قيادات سياسية قديمة فاسدة مفسدة، إلى قيادات جديدة صالحة مصلحة، تُصلح ولو بشكل متدرّج! ومن إعلام عار وضيع، إلى إعلام شرف رفيع، ومن عدوان على عقيدة الشعب ودينه، إلى احترام دين الإسلام وأخلاقه، ومن دستور إنساني إلى قرآني ربّاني!!! كيف تكون ثورة، وما إن أُخرج ابن علي حتّى خلفه رئيس حكومته ثمّ رئيس مجلس نوّابه، لتتواصل المنظومة في الحكم بعد التّخلّص من حكم العائلة الطّرابلسيّة.

    هل التّوافق جنّب تونس حربا؟

    إنّ الذي يُلفت الانتباه أنّ أكثر الذين أدمنوا على الحديث عن بركات التّوافق هم الذين فُرض عليهم هذا التّوافق، وهم قيادة حزب النّهضة، فكانوا أكثر من تحدّث عنه في كلّ مناسبة في الدّاخل والخارج، حتّى ولم يكن هناك داعيا لذكر تلك الخديعة، فأكثروا من مقولة « لو لم نقم بـ [التّوافق] لم يحدث شيء إيجابي في البلاد، ولولا[التّوافق]، لشهدت تونس حربا أهليّة طاحنة، ولقامت انقلابات وأزهقت أرواح وجرت أنهار من دماء ووو ولأصبحت تونس مثل سوريا أو مصر أو ليبيا أو اليمن».

وهذا يُردّ عليه من وجوه:

   أوّلا: إنّ هذا القول هو رجم ودعوى لاطّلاع على الغيب، الذي لا يعلمه إلاّ الله.

 ثانيا: إذا كان ما تشهده تونس من أمن قياسا بما وقع عند غيرنا، وتعتبرونه خيرا ونعمة، فهو من الله وحده، قال تعالى: ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾، النّساء: 79. وقال أيضا: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾، النّحل: 53. وقال أيضا: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾، الأنفال:17. فالنّعم والفضل والخير كلّه بيد الله ربّ العالمين.

    ثالثا: تفسير الأحداث بذكر السّبب دون ذكر المُسبّب فيه تفريط في فهم حقيقة التّوحيد وجوهره، وزعم ساذج يدّعي صاحبه أنّه اطّلع على الغيب أم اتّخذ عند الرّحمان علما، لأنّ قولهم: (لولا[التّوافق] لحدثت كوارث في بلادنا..)، هو من قبيل ما جاء عن ابن عبّاس رضي الله عنه وهو يفسّر قول الله عزّ وجلّ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ)، البقرة: 22، قال رضي الله عنه: « الأنداد هو الشّرك، أخفى من دبيب النّمل على صفاة سوداء في ظلمة اللّيل، وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلان، وحياتي، ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللّصوص، ولولا البطّ في الدّار لأتى اللّصوص، وقول الرّجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرّجل: لولا الله وفلان. لا تجعل فيها فلان. هذا كلّه به شرك». ابن كثير إسماعيل بن عمر القرشي الدمشقي، تفسير ابن كثير، تحقيق: سلامة سامي بن محمد، الطّبعة: الثّانية، سنة النشر: 1422هـ / 2002م،طبع: دار طيبة للنشر والتوزيع،(1/196).

     رابعا: قولهم: (لولا[التّوافق] لحدثت كوارث في بلادنا ..)، قلتُ: تَوافق على مصالحكم وسلامتكم وتموقع في سلطة وسخة وتقاسم فتات غنيمة قذرة، أم توافق على تحقيق مصالح العباد واستقلال البلاد؟

     فهل يبيح صلح الحديبية [توافقا] مع رجل فتنة، تاجر في الخمور، عابث بالإسلام من خلال فرض قوانين الإباحية  والإلحاد وتشريع اللّواط والسحاق والمخدرات والكحول، تحت عنوان الميول الشخصية؛ وهل يبيح صلح الحديبية [توافقا] مع رجل يدعو إلى المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة، ويُلغي نظام قوامة الرّجل على العائلة، ويبيح الردة تحت عنوان حرية المعتقدات الدينية؟

     وهل يُبيح صلح الحديبيّة [توافقا] مع رجل يعتقد أنّ أهمّ شيء يكسبه دعما غربيّا ونسائيّا للبقاء في الرّئاسة حتّى الممات، ثمّ يورّث الحكم لابنه، هو ضرب ما تبقّى من إسلام وتخريب المجتمع المسلم وتدمير الأسرة المسلمة بتبنّي مطالب الاتحاد الأوروبي بتغيير قوانين الإرث وزواج التّونسيّة المسلمة من كافر، وإثارة الجنس، ودفع إعلام العار على السّخرية من الإسلام وقيمه عبر إثارة الغرائز وتشجيع برامج الانحطاط الأخلاقي والقمار والمخدّرات وتقديم برامج إشهاريّة لبيوت المواخير والدّعارة وأخرى دعائيّة للملاهي اللّيليّة، وتنافست قنوات العهر والعار في دعوة المثليّيّن إلى الظّهور في القنوات، ودفع شواذّ العرب والغرب خاصّة إلى سياحة جنسيّة رخيصة في بلدنا، ولو أدّى إلى الاعتداء على شرف أطفالنا وبناتنا القصّر، دع عنك أنّهم يحمون قيمنا وديننا. وإن أنسى فلا أنسى أنّ فِرنسا اعتقلت مواطنا لها عاد من تونس وهو يحمل صورا جنسيّة يمارس فيها اللّواط مع 41 طفلا تونسيّا، أصغرهم لا يزيد عمره على 6 سنين، كما وجدوا في منزله آلافا من الصّور والفيديوهات من هذا الشّذوذ، لأنّ الرجل دأب ومنذ 10 سنين على تلك الممارسات في تونس. ولأنّ القوانين الدولية تُجرّم هذا النوع من الممارسات مع القاصرين، طلبت فرنسا من الحكومة التّونسيّة أن تتعاون معها لجمع القرائن التي تساهم في إدانة المجرم، لكنّ تونس رفضت، والسّبب واضح وهو أنّ الدّولة التّونسيّة ـ بكلّ مؤسّساتها وحزب النّهضة صاحب الأغلبيّة النّيابيّة ـ لا تريد أن تُغضب سوّاح الجنس فلا تخسر سياحة المنحرفين والباحثين عن القصّر من جهة، لأنّ دولة التّوافق ترى أنّ السّياحة الجنسيّة ركيزة اقتصاديّة هامّة للبلاد، فضلا عن أنّها تسهم في تخريب القيم الإسلاميّة.

      وبالرّغم من تعنّت دولة التّوافق في التّغطية على الجريمة والتّحريض والمشاركة فيها، فقد حكم القضاء الفِرنسي على المنحرف بالسجن لمدة 16 عاما مع إجباريّة العلاج النّفسي الذي قد يحتاج له بعض كبار قادة تونس.

     هذا، مع الإشارة أنّ المستهدف في تونس هي الأسرة المسلمة والإسلام( دين الدّولة في الدّستور)، أمّا المساس بتقاليد الطّائفة اليهوديّة فهو يُعدّ إرهابا واعتداء على السّاميّة.

      وهل يُبيح صلح الحديبيّة[توافقا] يُغرق البلاد في مزيد دوّامة الكوارث الأخلاقيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والتّبعيّة؟ ألم تفشل 11 حكومة في أقلّ من 8 سنوات، وكلّ الأرقام تدلّ على أنّ البلاد مقبلة على إفلاس كارثيّ على كلّ المستويات: كلّ الحكومات تروّج لدعاية كاذبة خاطئة: رئيس حكومة ما فتئ يؤكّد أن الحرب على الفساد هي أمّ معاركه ولن يستثني أحدا، وأنّه يقتدي بعمر بن الخطّاب، والفساد في أعلى مؤسَّسات الدّولة، وبعض وزرائه وبعض نواب مجلس الشّعب محالون إلى القضاء، بلد(الإرهاب) فيه تحت الطّلب ووقت الحاجة ثمّ يتّهمون الإسلام والإسلاميّين، لأنّهم يبغضون الإسلام والعرب، ويخجلون من كونهم عربا مسلمين، ليزدادوا قربا من الفِرنسيين، لجان وهياكل تستهلك أموال التّونسيّين في إعداد ملفّات مقاومة الفساد، لتصل تلك الملفّات الضّخمة، فقط لالتقاط صورة تذكاريّة مع رئيس الدّولة أو ليمرّ الخبر في وسائل الإعلام، ثمّ تنتهي القصّة، وتوسّع في جيش الفقراء بزوال طبقة وسطى، فصارت تونس بين طبقتين: أثرياء وفقراء، وبطالة متزايدة، وسقوط أخلاقي مُفزع، وتجميد للأجور، وغلاء في المعيشة، وانهيار كلّيّ في القدرة الشّرائية،وهبوط للدّينار التّونسي إلى أدنى مستوى تاريخيّ له، وتدنّي خدمات الإدارة والنّقل والصّحة، وأدوية تُسرق من المشافي، وسقوط للمستوى التّعليمي إلى الحضيض، وعجز تامّ للصناديق الاجتماعية، وهروب من الجباية، وتهريب الأموال إلى الخارج، والتّدهور لا يزال مستمرّا، واليأس توسّع والإحباط تسلّل إلى كلّ تونسيّ، وأُطلق العنان لأيادي السّماسرة والمضاربين ومصّاصي الدماء للعبث بقوت النّاس وغذائهم، فاحتكروا الحليب والزّيت والبيض والسّميد والدقيق والزّبدة والسّكر، حتّى صارت تلك الأغذية تُباع بالوجوه وتحت الطّاولة خفية، دع عنك الحديث عن الانتحار والطّلاق والمخدّرات والخمور المتوفّرة والتي تُباع علنا وجهرا دون رقابة من الدّولة.

 وهل صلح الحديبية يمدّ حقّا لحركة النّهضة أن تزيد في تعقيد الأوضاع مع شريكها يوسف الشّاهد رئيس الحكومة الحالي، فيفرشان البلاد سنة 2019 للغرب لتطبيق «اتّفاقيّة التّبادل الحرّ الشّامل والمعمّق»، لتُنهب ثروات تونس من جديد من طرف الأجنبي، وليُجهَز على ما تبقّى من(سيادة) تونس دينيّا وثقافيّا واجتماعيّا واقتصاديّا وسياسيّا.

      خامسا: ها هو[التّوافق] بين السّبسي وحركة النّهضة قد انتهى، وانتقلت إلى [توافق] ثاني جديد، لأنّ [التّوافق] الأوّل وصل إلى طريق مسدود، عندما انحازت النّهضة إلى يوسف الشّاهد رئيس الحكومة إثر خلاف الأخير مع رئيسه السّبسي، ولم يحدث ما يُغرّد به جماعة [التّوافق] من حروب وانقلابات كانت تُخذّل بها كلّ مُحتجّ على تنازلاتها، لأنّ كلّ ما يقع في تونس يُخطَّط له من الأجنبي بما فيه[التّوافق] ضمن خطّة مُحدَّدة ومضبوطة سلفا، وفي سقف محدود لن تتجاوزه، وليس فيها ما يُدندن عليه قيادات حزب النّهضة من أنه لولا [التّوافق] لكانت تونس في حرب طاحنة، ليتبيّن أنّ [الدّيمقراطيّة] كذبقراطيّة، وأنّ [التّوافق] تنافق، وأنّ حركة النّهضة قد استدرجت لتُجهز على ما أطلقوا عليه ثورة، وأنّها ساهمت في تهيئة مناخ تردّهم إلى السّجون والتّشريد.

2 ـ قانون العفو العام

     ومن الأدلّة التي يحتجّ بها من يتّهم حركة النّهضة أنّها ساهمت في القضاء على [الثّورة]، دعوة رئيس حركة النّهضة البرلمان التّونسي إلى تبنّي قانون للعفو العام على الانتهاكات المرتكبة حال اعتراف أركان نظام المخلوعَين ـ بورقيبة وابن علي ـ وكشف الحقيقة والاعتذار، على أن تتولّى الدّولة جبر ضرر الضّحايا وعائلاتهم.

http://cutt.us/5k1Ec

    لينسى راشد الغنوشي أن لا حق له مطلقا أن يلتقي بعبد الله قلاّل في بيته بعد الثّورة، الذي أشرف على ذبحنا وانتهاك أعراضنا حين كان وزير الدّاخليّة في عهد المخلوع ابن علي.

      لينسى الغنّوشي أنّه وبإمضائه الشّخصي أمضى على بيان أصدره في لندن يوم 6 نوفمبر 1992 تحت عنوان: « يحدث في تونس: الرّقص على الأشلاء في انتظار التّطوّر عبر الكارثة»، وقد جاء فيه : « … واستهدفت هذه المرّة أساسا عائلات المساجين والمُهجَّرين  لقطع أرزاقهم تحقيقا لوعد قطعه وزير الدّاخليّة على نفسه أنّه لن يترك الإسلاميّين حتّى يرى نساءهم يتسوّلن أو يبعن أعراضهنّ». أَنَسِيَ كلّ هذا أم أنّ الأمر لا يعنيه لأنّه لم يُعذَّب يوما ولم يُسجن ويعذّب أيّ فرد من أسرته؟

     لينسى راشد الغنّوشي، عضو « اتّحاد العلماء المستسلمين» أنّه لا حقّ له مطلقا أن ينوب المظلومين ليعفو عن الظّالمين والجلاّدين ومصّاصي دماء التّونسيّين وناهبي ثروة البلاد منذ ما يُسمّى الاستقلال. فمن خوّل له أن ينازع الله تعالى في العفو عن الظّالمين أو عقابهم؟ آآالله أم التّرويج للزّعامة الكاذبة؟ ألا يعلم راشد الغنّوشي عضو « اتّحاد العلماء المستسلمين» أنّه قد نازع الله تعالى في حقّه الذي قطعه للمظلومين؟ ألا يعلم راشد الغنوشي عضو «اتحاد العلماء المستسلمين»، ـ بعفوه عن الجلاّدين الفاسدين ـ أنّه قد خالف حتّى القوانين التي وضعها أولئك الطّغاة.

      ولقد قوبلت دعوته بالرّفض الواسع لدى جلّ أبناء تونس، وخاصّة من قبل العائلات المُستضعَفَة التي فقدت (شهداء) لها في فترة ابن علي، وقد قابل الغنّوشي رموزها المشهورين بالإشراف على التّعذيب والاغتصاب والقتل، ومن بينهم عبد الله القلاّل. وكان على طليعة من رفض ذلك الشّابّ عطاء الله الجوهري المتعهّد بموضوع أبيه الشّهيد ـ نحسبه ـ سحنون الجوهري، فكتب على صفحته في الفايسبوك: « للنهضة عشرات الشهداء أقول أنا أنها قبلت فيهم التسوية سياسيا حتى أن شيخها استقبل القلاّل المسؤول الأول عن القتل مكرما بفيلاه ويقول آخر متحزب على خلافي بل إن النهضة تركت الأمر للقضاء دون سند سياسي وهو رأي أخالفهم فيه وأقصد طبعا مركز القرار المجمع بيد الغنوشي ولا أقصد أفراد النهضة الذين سندوا الهيئة بل هم الذين كونوا ملفات شهداء النهضة المعروضة على القضاء بشهاداتهم. في المقابل للجبهة شهيدين ما انفكت تبتز النهضة سياسيا بهم دون وجه حق. أمر يدعو للتفكر حقا».

      وكتب على صفحته في الفايسبوك أيضا يُبيّن أنّ قضيّة والده رحمه الله صارت مورد استثمار «وابتزاز سياسي تافه»: « كتب عمي الأسعد الجوهري منذ قليل ما يلي: المحامية سعيدة العكرمي ضيّعت دم سحنون الجوهري وتستثمر فيه من جديد عن طريق أولاده كالمنشار طالع هابط. وباعتباري المتعهّد بالموضوع أقول ما يلي: بين المذكورين ملف ما لم أتبينه إلى الآن ولكنّ الثابت أن عمي كان يقول لحدود 2013 أنه رفع قضية في حق أبي عن طريق المحامية المذكورة إلا أنه تبين بالوثائق أن لا أثر لذلك والموجود لا يعدو سوى أن يكون تحقيقا ٱليا فتح في موت مستراب حفظه مكتب التحقيق الثاني بابتدائية تونس في جويلية 1995. ولم تتول المحامية الاستئناف بعد الحفظ. هذا وقد ترددت المحامية المذكورة عن مقابلتي مرارا عندما كنت أجمع ملفا في إطار العدالة الانتقالية للاستفسار لديها حول أي معلومة في القضية. والحمد لله تمكنت من جمع ملف دون تدخل أو معلومة مستقاة من المذكورين أعلاه وأحيل على الدائرة المختصة يوم 23 ماي بفضل جهود محامين من الهيئة. وختاما وباعتبار السبق الذي حققه عمي بالنزول بالموضوع للفايسبوك ، أدعو المذكورين لحلّ مشاكلهما العالقة بعيدا عن توظيف اسم الشهيد سحنون الجوهري خاصة وأن أطر التوظيف تتوالى منذ 2011 إلى اليوم في إطار ابتزاز سياسي تافه ومحلي جدا. وللحديث صلة في إطار واجب احترام صلة الرحم …. ».

الاستدلال بصلح الحديبية مشجب العاجزين الفاشلين

     لقد أصيبت حركة النّهضة بمصيبة الفشل الذّريع في الحكم، بسبب ما قدّمت أيديها، لأنّها تسرّعت إلى الحكم دون إعداد، ولم تتعلّم من دروسها السّابقة، ولا من دروس الحركات الإسلاميّة الأخرى، وأعادت نفس الأخطاء، وهي تتخبّط في سكرة الغرور وتراهن على قوّة تنظيمها وكثرة أتباعها، وعواطف النّاس الذين سيصوّتون لها حتما، وهي لا تبالي هل ستحقّق وعودها أم لا؟ ولا تبالي أيضا بخطط الخصوم والأعداء! أمّا في داخلها، فهي ترحي نفسها وتعمل على تعبيرة حمّادي الجبالي (دون وعي)، لأنّها تتخبّط في سكرة الأوهام والغرور، قال الجبالي: « تعمل الحركة دون وعي ودون تخطيط تقوم بنشاطات تُخِيف! مثلا انتخابات سنة 1989 التي دخلتها الحركة ـ في تونس ـ بشكل قويّ؛ ممّا جعل ابن علي يقرّر إبادة النّهضة إثر تلك الانتخابات مباشرة حتّى لا تشارك في انتخابات قادمة … ».

قناة الحوار الفضائيّة اللّندنيّة.  Al Hiwar TVالحلقة الثالثة من مراجعات مع حمادي جبالي رئيس الوزراء التونسي الاسبق.

     مع الإشارة إلى أنّ دخول الحركة بشكل مُخيف ليس هو قرار مجلس الشّورى الذي قرّر أن تدخل الحركة في دوائر ثلاثة أو خمسة فقط، فطيّش الغنّوشي قرارها ليأمر نُوّابه في المناطق ليدخلوا في كلّ الدّوائر في كلّ البلاد، فكان الصّدام، أمّا الغنّوشي فقد غادر البلاد تحت حماية ابن علي ليتركنا فريسة بين أيدي اللّئام.

    كما تعمل حركة النّهضة ـ دون فهم ـ على قول الجبالي أيضا: « … فلا بدّ من إعادة النّظر في الانتماء حقيقة لم نفهم شيئا … ».

قناة الحوار الفضائيّة اللّندنيّة. Al Hiwar TV الحلقة السادسة والاخيرة من مراجعات مع حمادي جبالي رئيس الوزراء التونسي الاسبق

    عندما تفشل حركة النّهضة وتُعيد الفشل، تلجأ إلى مشجب العجز (صلح الحديبية والاعتدال والوسطيّة والتّسامح والتّوافق، والتّوفيق بين الإسلام والكذبقراطيّة والحوار مع الآخر وبين الأديان واقتباس القيم الإنسانيّة، والحرّيّة قبل الشّريعة، وفقه واقع الاستضعاف، ومدرسة المقاصد والمآلات، وفقه الموازنات، والحداثة، والمصلحة العليا للبلاد، وحبّ الوطن ووو)، مسايرة للنّظام العالمي وإرضاء له وخوفا منه ومسارعة فيه، وكلّ ذلك إحداث في الدّين، لا ينقض الوضوء فحسب، بل ينقض الدّين من أساسه. قال الحقّ تبارك وتعالى: ﴿ وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾، البقرة: 120، وقال: ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾، النّساء: 27، وقال أيضا: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾، التّوبة: 62. وقال: ﴿ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾، المائدة: 52

    فَلْيَدُلّني [الاستسلاميّون] الذين يستدلّون بصلح الحديبية على تنازل واحد وقع به النّبيّ على حساب الثّوابت، هاتُوا أعطوني توافقا يتيما أقرّه النّبيّ على حساب العقيدة أو الشّريعة.

     يا فقهاء الاستضعاف: دلّوني على أنّ الرّسول صلّى الله عليه وسلّم وهو في مكّة مُضطهَدٌ مُستضعَفٌ قد تنازل عن عقيدة أو فريضة أو واجب، دلّوني هل أحلّ صلّى الله عليه وسلّم حراماً أو حرّم حلالا؟﴿اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، الأحقاف: 4.

     وَلِيُرِيني المتنازلون الذين يستدلّون بصلح الحديبية ماذا تركوا من شيء لم يتنازلوا عنه؟ فهل شيطن رسول الله مسلما أو صنّفه كيدا واستئصالا، امتثالا لتوصيات الأجنبي ـ وحاشاه ـ ؟ وهل أبعد رسول الله الدّين عن السّياسة؟ وهل طبّع في شيء مع الجاهليّة؟ وهل رضي رسول الله ـ وحاشاه ـ بالتّضحية بالشّريعة وبالدّين ـ تحت حجج مُسمّى استقرار البلد وأمنها وحبّها ووو ـ إرضاء لأقلّيّة ترفض الشّريعة، وإغضابا واحتقارا للأغلبيّة التي رضيت بالشّريعة صلّى الله عليه وسلّم، وانتخبتهم ليُطبّقوا الشّريعة؟ فهل يتحقّق الأمن والاستقرار في غير شرع الله تعالى؟ فهل قال النبي يوما ـ وحاشاه ـ «  أعبد ما تعبدون»، وقد تنازلوا أن يعطوه السّيادة والملك وأغروه بالمال والنّساء فأبى، فقط لأنّه كان ينصر الشّريعة فردّ عليهم بمفتَتَح سورة فصّلت وفيها: ﴿حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7) .… ﴾، فصّلت من1 إلى 7 . فتأمّل قوله تعالى: ﴿ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)، فصّلت: 3، أليس هذا تمسّكا بتطبيق الشّريعة؟ أليست الشّريعة برنامجا جاهزا مُفصّلا بجزئيّاته للتّطبيق ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا)، الأنعام: 114؟ هل قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يوما مثل ما قال الغنّوشي في حوار له يوم 7 ديسمبر 2015 على قناة الجزيرة الفضائيّة: « لسنا حركة إسلام سياسي نحن إسلاميّون ديمقراطيّون»، فعلّق عليه رضوان المصمودي (العرّاب للإسلام الأمريكي) فرحا مسرورا كاتبا على جدار صديقه المُخنّث فكريّا سامي براهم: « وأخيرًا… »، وهل قال الرّسول قولة القرضاوي ـ وحاشاه ـ: « نحن نتمسّك بالدّيمقراطيّة ونقاتل في سبيلها»؟ قالها في تونس وصفّق له [الاستسلاميّون]، فلماذا لم نسمع منه ومنهم« نحن نتمسّك بالشّريعة ونقاتل في سبيلها»؟ وهل رفض رسول الله ـ وحاشاه ـ تجريم الجنسية المثليّة، وأباحها لكلّ شخص يمارسها في بيته، وقال كما قال الغنّوشي: « كل شخص لديه ميول جنسية يجب احترامها ولا يمكن أبدا التّجسّس على النّاس في بيوتهم»، وهل زار رسول الله ـ وحاشاه ـ معصرا للخمور كما فعلت الفرنسيّة محرزيّة العبيدي القائدة النّهضويّة؟ وهل قال رسول الله ـ وحاشاه ـ مثل قولها ـ وحاشاه ـ: « لو كنت وزيرة للفلاحة لأعطيت قطاع الخمور الاهتمام اللازم». وهل قال رسول الله ـ وحاشاه ـ مثل قول لطفي زيتون: « استهلاك ”الزطلة” حرّيّة شخصيّة ومقدّسة». ـ والزّطلة هي نوع من المخدّرات ـ … وهل قال رسول الله ـ وحاشاه ـ مثل قول القيادي النّهضاوي العجمي الوريمي: « الإسلام ليس هو الحلّ، إنّما نحن شركاء في الحلّ»، قالها لينقض مقولة (الإسلام هو الحلّ) وهل وهل وهل …

     وهل صلح الحديبية يسمح لحركة النّهضة أن تعطّل التّعليم الزّيتوني، الذي رجع بقرار قضائي صدر عن المحكمة الابتدائية بتونس في 19 مارس 2012، أُعيد فتح مقرّ الهيئة العلميّة لجامع الزّيتونة. أشرفت حركة النّهضة ـ بعد مظلمة 50 سنة ـ يوم 12/05/2012 تاريخ حفل الافتتاح والإعلان عن عودة ذلك التّعليم، وبحضور مُكثّف للنّهضة تمثّل ذلك في رئيس الحركة ووزيرين لها: وزير التّعليم العالي ووزير الشّؤون الدّينيّة، إضافة الى وزير التربية وإمام جامع الزيتونة ورئيس هيئة التّعليم الأصلي الشّيخ حسين العبيدي.

     ولكنّ النّهضة ـ طيلة حكمها في عهد التّرويكا ـ حاولت السّيطرة على تلك المؤسّسة وتحت أصرار الشّيخ العبيدي على رفض ذلك، لأنّه أرادها هيئة علميّة مستقلّة، قادت حركة النّهضة بتحالفها مع حزب النّداء ـ في عهد التّوافق ـ انقلابين على جامع الزّيتونة (إدارة تعليم ومشيخة)، ليسطو البوليس فجر يوم 4 أفريل 2015 على مقر مكتب وإدارة مشيخة هيئة التدريس بجامع الزيتونة.

     وقد كان حزب النهضة مشاركا في هذه الجريمة المخالفة للقضاء، وتجلّت مشاركته في:

ـ غياب موقف رسمي لحزب النهضة من الحدث المهم والضخم.

ـ اعتراف لطفي العمدوني ـ قيادي وعضو مجلس شورى في حركة النّهضة ـ في الانقلاب وهو أهم شخص إداري وتنفيذي كان موظَفا بوزارة الشؤون الدينية طيلة عهود الوزراء الثلاثة في حكم النهضة زمن الترويكا وجزءً من مُسمّى التّوافق.

       ويعترف لطفي العمدوني في صفحته الاجتماعية أنه كان وراء إسقاط الشيخ حسين العبيدي من إمامة الجامع واغلاق التعليم الزيتوني . وقد حضر العمدوني هذا في مناسبتين لمحاولة انزال الشيخ العبيدي من منبر جامع الزَيتونة، وكان في مخططه أن يكون هو أو زميله النهضوي عمر اليحياوي من يصعد ذلك المنبر، و لكن عثمان بطيخ سبقهما فاعتلى المنبر ليثبت خيار حزب نداء تونس ويُسقط خطّة حزب النّهضة .

ـ  ترأّس عمر اليحياوي ـ قيادي في حزب النهضة ـ الانقلاب مع نهضويين ـ رؤساء فروع التعليم الزيتوني في كثير من ولايات البلاد ـ، ليُسقطوا الشيخ العبيدي، ليتولّوا إدارة التّعليم، لأنّ الأخير رفض أن يسيطر على جامع الزّيتونة والتّعليم التّابع له، أيّ حزب سياسي ، فأطرد عمر اليحياوي وكلَ من ثبت انتماؤهم إلى حزب النهضة لمّا تيقن أنهم يخططون لاختطاف التعليم وجامع الزيتونة وتوظيفه لخدمة أهداف حزب النّهضة فقاموا بتلك الحركة الانقلابية والثأرية والانتقامية .

ـ تجاهل حزب النّهضة وأدواته الإعلاميّة خاصّة للحدث الضّخم، وهو مؤامرة الانقلاب التي حدثت يوم السبت فجرا ولم يغطّ الحزب من خلال قنواته الفضائية (الزيتونة أو المتوسط او TNN أو الانسان) ذلك الحدث الانقلابي الخطير، فلم تقم أيّا من تلك القنوات بحوار مع الشيخ حسين العبيدي أو الهيئة القانونية للجامع بعد الانقلاب على الزيتونة لتوضيح الأمر وإعطاء الصورة الحقيقية الكاملة لما يجري هناك من طرف الجهة المعنيّة ، بل أحضرت غيرهم لتناول الموضوع – وقد كسرت تلك القنوات رؤوسنا أنها تمثل الإعلام المستقلّ والبديل – مما جعل الشيخ حسين العبيدي يتدخل عند إدانته في برنامج على المباشر في قناة الزيتونة منتحلا اسم شخص الخميري ليبلغ صوته وصوت الزيتونة المختنق، وقد تهجّمت الحصّة على الشّيخ دون أن يُحضروه!

ـ  دخول قيادات نهضويّة في ذلك الانقلاب، عبر تحويل وجهة الصّراع، هل هو استقلاليّة التّعليم الأصلي لجامع الزّيتونة، أم هو شخص الشيخ حسين العبيدي، فيشبعونه طعنا وشتما وتجريحا؟ وقد سايرهم إعلام العار في تلك الخطّة. والمرء ليستغرب من حجم أبشع السّباب وأقذر الأوصاف التي صدرت من قيادات حزب النّهضة ووزراء من مثل سمير ديلو و عماد الحمامي في قناة الحوار التونسي أو من عبد العزيز التميمي ـ قيادي وعضو في مجلس شورى حركة النّهضة ـ في قناة الزيتونة.

     ولا ننسى أنّ حزب النّهضة الذي كان سنوات «المعارضة» يدندن حول استقلالية المساجد وعدم تدخل الحزب الحاكم في تسييرها وأيضا كان يحارب من أجل حرية واستقلال التعليم الزيتوني وعودته إلى المشايخ لا إلى الأحزاب. صار اليوم يتبع سنن بورقيبة وابن علي تماما تماماً تماماً.

       وهذا الدّكتور أبو يعرب المرزوقي يُرجع أحد أبرز أسباب استقالته أنّ النّهضة هي التي نفّذت مشروع إعادة الحياة للتّعليم الزّيتوني لأنّها تُعاني من عقدة إرضاء نخبة علمانيّة مُعادية للإسلام، فيقول: « إحياء الزيتونة هو مشروع متعثر بسبب الأحكام المسبقة للعقد الحداثوية عند نخبة تونس العلمانية ذات الأفق الضيق ولكن بأيد المتخلف من النخبة الإسلامية التي تعاني من عقدة إرضاء هذه النخبة المزايدة في التحديث إيديولوجيا والتي تمثل جوهر الرجعية الحضارية لأنها لم تر من الحداثة إلا مستهلاك العيش الرغيد من دون أدواته ». أبو يعرب المرزوقي. ما يحصل لا يبشر بخير.

http://cutt.us/FFBFu

    لقد تنازل [الاستسلاميّون] عن كلّ شيء، بل قاموا بالأخطر من ذلك: أنّهم قنّنوا تنازلاتهم بما هو نقيض للعقيدة والشّريعة من قبيل ما جاء في دستور 2014 الذي صاغه وصادق عليه [الاستسلاميّون] بالإقرار بمدنيّة الدّولة والقيم الإنسانيّة العالميّة، وحرّيّة الضّمير وتجريم التّكفير ووضع فصول مُفصَّلة للباجي قائد السّبسي كي يقفز إلى رئاسة البلاد لأنّه شريك ما سُمّي التّوافق، ولأنّه أخ شقيق للغنّوشي كما عبّر عن ذلك نورالدّين البحيري رئيس كتلة حركة النّهضة في برلمان تونس …

https://www.turess.com/aljarida/141676

     فهل صلح الحديبية يسمح بزجّ حركة النّهضة بالنّساء إلى نجاسة السّياسة تحت خدعة المناصفة إرضاء للغرب؛ وهل صلح الحديبية يسمح لهم بالتخلّي عن وعودهم الانتخابيّة والتي منها الخلافة السّادسة؟ وهل صلح الحديبية تأمرهم بنقض الشّريعة والتّخلّي عن (الإسلام هو الحلّ) والدّولة الدّينيّة بفصلهم الدّعوي عن السّياسي؟ وهل صلح الحديبية يسمح لمحرزيّة العبيدي النّهضاويّة أن تلتقي بعاهرات (عبد الله قشّ) في مبنى المجلس التّأسيسي لتبتزّ بهنّ سياسيّا؟ [مع الإشارة إلى أنّ قانون السّويد يُجرّم محرزيّة لاستغلالها فقر أولئك النّساء]. وهل صلح الحديبية يسمح لنوّاب النّهضة المؤتَمَنين على الفصل الأوّل من دستور البلاد وهو الإسلام، فيخونونه بارتكاب كبائر المعاصي من قبيل تقنين الحقّ للكفر في بلد الإسلام، ثمّ يمنعون تكفير الكافر والمرتدّ ومنع تجريم التّطبيع مع الكيان الصّهيوني وتخفيض أسعار الخمور باهظة الثّمن لأسيادهم الذين نصّبوهم هناك، ومنظّرين للمثليّة والشّذوذ الجنسي، والمدهش أنّ محمّد فريخة نائب حزب النّهضة قال في برنامج (أهلا وسهلا) على قناة الحوار التّونسي ليلة 10 جانفي 2016: « أراد النّهضويّون أن يتراجعوا عن تصويتهم لقانون تخفيض أسعار الخمر باهظة الثّمن ولكنّهم لم يستطيعوا! »، أتدرون لماذا؟ قال فريخة: « لأنّه أصبح قانونا فلا نستطيع مراجعته! ». قلت: أمر مُحيّر يُراجعون القرآن الذي حرّم الخمر ولا يُراجعون قانونا أحلّوا به ما حرّم الله تعالى؟ وهل صلح الحديبية يسمح لحمّادي الجبالي أن يُعانق الأمريكي القاتل جون ماكين؟ وهل صلح الحديبية يسمح لكم أن تعودوا مَرِيضا بباقات الزّهور، وهو يسبّ الله والدّين ويُهدّد النّهضويّين برفع السّلاح و[الثّورة] عليهم وإسقاطهم؟ وهل صلح الحديبية يسمح لهم أن تضرب حكومة النّهضة أهل مدينة سليانة بالرّشّ؟ وهل صلح الحديبية يسمح لهم أن يستحلّوا ما حرّم الله ويُحرّموا ما أحلّ الله، فيتعاملون بالرّبا ويُبيحون الزّنا وبيوت الدّعارة وإقامة المجون في الفنادق والكباريهات وغيرها؟ وهل بصلح الحديبية تستحلّون دماء الشّباب السّلفي ونساءهم؟ وهل صلح الحديبية يمنع حكومة حزب النّهضة من عمليّة الإصلاح بناء وبرامج وتنمية؟ ويكفي شهادة الوزير المكلف بالإصلاح الإداري محمّد عبّو الذي استقال من حكومة حمّادي الجبالي بسبب منع الأخير له من الإصلاح.

https://www.turess.com/infosplus/12214

      وهل صلح الحديبيّة يُعطي الحقّ للغنّوشي أن يُرجع الحزب الذي أسقطته[الثّورة] فيسنّ قانون مصالحة رموزه الفاسدين ليعود النّظام القديم من جديد ويحكم مع حزبه الذي انتخبه الشعب لقيادة [الثّورة]؟ وهل صلح الحديبية يسمح لهم بمصالحة إسقاط قانون العزل السّياسي لرموز نظام بن علي ومنعهم من الترشّح للانتخابات القادمة والمشاركة في الحياة السّياسيّة، إذ لم يُصوّت حزب النّهضة ـ صاحب الأغلبيّة النّيابيّة البرلمانيّة ـ على الفصل 167 من القانون الانتخابي التونسيّ الجديد المخصّص للعزل السّياسي؟ وهل صلح الحديبية يعطى الحقّ لرئيس حركة النّهضة أن يتحوّل بنفسه إلى قبّة المجلس التأسيسيّ عشيّة عرض ذلك الفصل على التّصويت، ويتجوّل هناك ليضغط على نوّاب حركته ويحثّهم ويتابعهم على إسقاط ذلك الفصل؟ أفلا يدلّ ذلك على أنّ إسقاط فصل العزل السّياسيّ هو قرار غنّوشي وإجراء نهضويّ بلا منازع؟ وهل صلح الحديبية يعطي الحقّ لحركة النّهضة أن ترفض سنّ قانون (عدالة انتقاليّة) تسمح بمحاسبة كلّ من أجرم في حقّ الله وحقّ العباد والبلاد استجابة لمطالب [الثّورة]؟ وهل صلح الحديبية يبيح لحركة النّهضة أن تمدّ حبال النّجاة لحزب ابن علي الذي حلّه القضاء التّونسيّ فترجعه من جديد ليستأنف زحفه نحو مزيد من الاستبداد والفساد، وفرض شروطه على النّهضويّين تحت تهديد ووعيد؟ وهل صلح الحديبية من أجل خدمة الدّين ونشر الدّعوة أو من أجل التّخلّص من الدّعوة وحماية الأنفس تحت تمرير كذبة ما سُمِّي استمرار العمليّة السّياسيّة وإنقاذ تونس ومصلحة تونس ووو؟ وهل صلح الحديبية يُبيح للغنّوشي أن يدعم دعما كاملا سياسة الباجي قائد السبسي، ليقول في افتتاح المؤتمر الأول لحركة نداء تونس بسوسة يوم السبت 9 جانفي 2016: « جئت هنا لأؤكد دعمي الكامل لسياسة الرئيس الباجي قائد السبسي، سياسة التوافق .. وهي السياسة التي أنقذت تونس من مصير مشابه لكل ثورات الربيع العربي التي انهارت. وهي سياسة انطلقت بعد لقاء باريس بين السيد الرئيس الباجي وشخصي الضعيف .. وتونس اليوم تجني ثمار هذا التّوافق ... ». فهل ثمّة اعتراف أكثر من هذا أنّ حركة النّهضة موافقة على كلّ ما يقوم به السّبسي من كوارث، بما فيها إصرار الأخير على محو ما بقي من شريعة الإرث الذي لم تُغيّره فرنسا الاستعماريّة؟ وتصمت حركة النّهضة الإسلاميّة على تغييره، والقبول به طالما صدر ذلك عن [المعلّم] السّبسي تحت مُسمّى [شريعة] التّوافق، حتّى صار مجرّد نقد السّبسي والحديث عن ماضيه عند حزب النّهضة في مرحلة التّوافق جريمة.  

http://cutt.us/qNZYL

      وهل صلح الحديبية يعني استخفاف الغنّوشي بمؤسّسات حركة النّهضة التي قرّرت الاستجابة لمطالب [الثّورة]، فإذا بالغنّوشي يُطيّش كلّ ذلك، فيُسارع إلى لقاء السّبسي في باريس تحت ضغوط قبول التّوافق أو مذبحة رابعة جديدة في تونس؟ وعن أيّ توافق يتحدّث رئيس النّهضة وهو أداة يُحرّكها الغرب حيث يشاء، قال خميّس كسيلة السّياسي المثير للجدل: « الضغط الدولي والإقليمي ضاغط عليهم بشكل كبير يَامَا الحلّ توافق أو إرهاب». (انظر الشّريط من الدقيقة 57،14 إلى الدقيقة 60،15) 

     وهل التّوافق الذي يتغنّى به الغنّوشي هو توافق بين طرفين متعادلين أو هو توافق من جهته هو فحسب؟ أي هل هو توافق حقيقي بنسبة 50 في المائة لكلّ طرف ـ حسب منطق ديمقراطيّته ـ أم هو تبعيّة مطلقة للباجي قائد السّبسي؟ ألم يصرّح الغنّوشي بذلك في افتتاح المؤتمر الأوّل لحركة نداء تونس بسوسة يوم 9 جانفي 2016؟ وهل صلح الحديبيّة يسمح للأستاذ سمير ديلو ـ القيادي النّهضاوي ووزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقاليّة ـ أنّه لا مانع لديه من التّشاور في المساواة في الإرث وعقوبة الإعدام وحقوق المثليّين، فيقول: « … كلّ ما يمكن أن نلتزم به في هذا المجال (بعدما تحدّث عن مسألة التّسوية في الميراث والإعدام) هو تماماً كما في القضيّتين اللّتين أُثيرتا سابقا بخصوص حقوق المثليّين وبخصوص قضية الإعدام؛ ليس لنا أيّ مانع ولا أيّ حساسيّة ولا أيّ حرج في أن نطرح هذه القضيّة على مسار البحث والتّفاعل والتّشاور، وسنلتزم بكلّ ما يُسفر عنه هذا الحوار».

حقيقة قصّة التّوافق

     إنّ السّبب الحقيقيّ والجوهري والأساس وراء كلّ التّنازلات التي قامت بها حركة النّهضة، إنّما كان استجابة لصفقة باريس التي أبرمها رئيس حركة النّهضة مع السّبسي تحت التّهديد والوعيد، وكلّ قول آخر ما هو إلاّ ذرّ للرّماد في العيون. ولكي يُلبَّس على ذوي العواطف والحماسة، لا بدّ أن تُلبّس عليهم قيادة النّهضة باستدلالهم بصلح الحديبية أنّهم لا يزالون أوفياء للتّأصيل الدّيني، بالرّغم من قرار مؤتمرهم الأخير أنّهم قرّروا فصل الدّعوي عن السّياسي.

كانت صفقة باريس حاسمة في انقلاب الغنّوشي، ومقبرة لخطابه الثّوري، فوُضِعَ له دستورا وبرنامجا سياسيّا على بوصلة تلك الصّفقة الغادرة، لا على دستور (ثوري)، بل ولا حتّى على قرارات مؤسّسات حركة النّهضة (المؤتمر التّاسع ومجالس الشّورى والمكتب التّنفيذي)، ولكنّ الغنّوشي (الفقيه الوليّ والمرشد العامّ الذي لا يحترم مؤسَّسات حركته) أمضى على غدرة باريس لتُحقّق المعارضة التّونسيّة بقيادة السّبسي مطالبها بإملاءات وإشراف فرنسا، وليغْدر الغنّوشي بكلّ تعهّد لقرارات مؤسّسات حزبه ولقاعدته ولكلّ القوى الإسلاميّة في تونس التي تعهّدت على تحقيق مطالب الثّورة، ومنها تثبيت الشّريعة في الدّستور الجديد. ولقد تعوّد الغنّوشي أن يتجاوز كلّ قرارات مؤسَّسات الحركة الهشّة منذ سبعينيّات القرن الماضي لتلتحق به عربته تلهث تُرقّع ما تستطيع. ومن الشّذوذ الذي حصل لتلك العربة أن جاء في نصّ ما يُسمّى وثيقة تقويم المؤتمر العاشر العام ـ الذي انعقد بين العشرين والثاني والعشرين من شهر ماي 2016 ـ وقد أُعدّتها لجنة تنفيذيّة تخضع للأمير ـ في الصّفحة 30ـ لوما خفيفا لرئيس حركة النّهضة بسبب تجاوزه لمجلس الشّورى في التّوقيع على وثيقة الحوار الوطني، ولكنّها ـ انقلبت ـ لتُثني على ذلك التّجاوز، مع الإشارة إلى أنّ تلك الوثيقة لم تتعرّض إلى تجاوزات لقاء باريس الكارثية، لأنّ الحوار الوطني الذي لامه عليه المؤتمر العاشر لوما خفيفا ما كان إلاّ بندا من بنود صفقة باريس. وهذا ما درجت عليه الحركة دائما مع رئيس الحركة، فهو يتجاوز وكلّ الحركة تلاحقه بلوم خفيف سُرعان ما تتراجع عنه، وهو سلوك يبدو للوهلة الأولى مُريبا، لكنه مألوف.

     وإليك سلسلة تنازلات صفقة باريس التي أقدم عليها الغنّوشي لتلتزم بها عربته بعد ذلك:

  1. قبول حركة النّهضة بالخروج من الحكم عبر استقالة حكومتين: الأولى مع حمّادي الجبالي إثر مقتل شكري بلعيد والثّانية مع علي العريّض بعد مقتل محمّد البراهمي.
  • تخلّي حركة النّهضة عن قانون تحصين الثّورة المُسمّى بـ (قانون العزل السّياسي).
  • تخلّي الحركة عن الفصل 167من القانون الانتخابي الذي يمنع التّجمّعيّين المنتمين لحزب بن علي ويُقصيهم من التّرشّح لكلّ الانتخابات (رئاسيّة وتشريعيّة وبلديّة ومؤسّسات دستوريّة).
  • ولأنّ اتّفاقيّة باريس أملت على الغنّوشي أن يكون محمّد الباجي قائد السّبسي ـ مؤسّس حزب نداء تونس الذي أطاح بحكم حزب النّهضة ـ رئيسا لتونس، فإنّ حركة النّهضة تخلّت عن ضبط سقف الحدّ الأقصى في سنّ التّرشّح لرئاسة البلاد، ولأنّ سنّ السّبسي كان عمره يوم الصّفقة قد تجاوز ـ 88 سنة ـ يُقصيه عن الرّئاسة، فقد وافق الغنّوشي على تغيير الفصل 40 من دستور 1959 الذي يحدّد السّنّ الأقصى للمترشّح لرئاسة الجمهوريّة بـ 75 سنة، إلى تحديد الحدّ الأدنى للمترشّح دون الحدّ الأقصى: « … و يبلغ من العمر على الأقلّ 35 سنة».
  • المشاركة في الحوار الوطني بإشراف الاتّحاد العام التّونسي للشّغل ـ ذو الميل اليساريّ والولاء الفرنسيّ ـ بعد رفض له في بداية الأمر، لأنّ حركة النّهضة كانت تعتمد على الشّرعيّة الانتخابيّة كمؤسّسات وحيدة لحلّ مشاكل البلاد، لا غيرها من المؤسّسات.
  • تخلّي الغنّوشي عن تثبيت الشّريعة في الدّستور بعد تعهّد بتثبيتها مع قواعدها ومع كلّ القوى الإسلاميّة.

 راشد الغنوشي : يخطئ من يظن أن النداء هو التجمع … وسنتعاطى بإيجابية مع أية دعوة للمشاركة في الحكومة.

http://cutt.us/MGRIx

7) ترحيب النّهضة بعودة الدّستوريّين إلى العمل السّياسي والالتحاق بحزب النّداء الذي أنشأه السّبسي ـ فقط ـ لإسقاط حركة النّهضة من الحكم، بل ذهب الغنّوشي إلى أبعد من التّرحيب بعودتهم، بتصريحه أنّ الأستاذ الباجي هو ابن الثّورة ومنخرط في العهد الجديد نفسه، وقد كان يُندّد بـ « عودة التّجمّع المتغلغل في مؤسّسات الدّولة والمتورّط في الفساد والنّهب والسّرقة والتّعذيب … ». وقوله أيضا: « الدّستوريّون يهدّدون الثّورة، وهم أخطر من السّلفيّين … ».

     وأنّه « يجب على كلّ من يحرص على حماية الثّورة أن يمنع التّجمّعيّين من العودة إلى الحياة السياسيّة بأيّ شكل من الأشكال … حركة نداء تونس خليط من التّجمعيّين واليسار الانتهازي والإعلام الفاسد … ».  

https://www.babnet.net/rttdetail-55056.asp

8) التّخلّي عن قضيّة فلسطين ومنع التّنصيص على تجريم التّطبيع مع الكيان الصّهيوني.

     فقل لي بربّك هل كلّ هذه التّنازلات التي أمضى عليها راشد الغنّوشي في باريس تستجيب لها وثيقة صلح الحديبية؟ فهل يصلح الاحتجاج بصلح الحديبيّة دليلا على الانقلاب على [ثورة] وقّع عليها الغنّوشي ليُلزم بها حركته؟ أليس التّوافق خيانة لما يُسمّونه [ثورة]؟

    هل يصحّ الاستدلال بصلح الحديبيّة للتّنازل عن قضيّة فلسطين والتّطبيع مع الكيان الصّهيوني؟

      تحت صفقة باريس، مارست حركة النّهضة كلّ أنواع الفحش السّياسي عبر مسارها الاستسلامي، فرفضت قيادة حركة النّهضة تجريم التّطبيع مع المحتلّ اليهودي، وتستقبل قياداتها حاخامات اليهود القادمين من فلسطين المحتلّة، وتتجاهل أنّ الاحتلال اعتقل يوم 2015-06-29 حليفهم الدّكتور المنصف المرزوقي الرّئيس التّونسي السّابق وسفينة أسطول الحرية 3.

        ويتغافل الغنّوشي عن القضيّة السّياسيّة المركزيّة للأمّة (فلسطين والصّراع مع المحتلّ) وينسى عضو «اتّحاد العلماء المستسلمين» أنّ التّطبيع مع المحتلّ اليهودي حرام، وهذا من الثّوابت الرّاسخة في الدّين، وليست محلّ خلاف فقهي بين الأمّة المستمسكة العاملة، ولن تخضع للتّنازل والمساومة والمقايضة، وأنّ من طبّع فقد خرج من الأمّة والتحق بغيرها.  

     وفي هذا الإطار، صرّح الصّحبي عتيق، رئيس كتلة النهضة في المجلس التأسيسي التونسي: « أنّ القياديّين في حركة حماس الفلسطينية إسماعيل هنية وخالد مشعل نصحا أثناء زيارتهما لتونس بعدم التنصيص على تجريم التطبيع مع إسرائيل في الدستور التونسي الجديد»، لينفي هنيّة بعد ذلك أنه دعا تونس إلى عدم تجريم التّطبيع، مثل ما أوردته صحيفة الزّمان بتاريخ 2012/10/30، تحت عنوان « هنية ينفي التدخل لمنع إدراج تجريم التطبيع بالدستور التونسي».

http://cutt.us/fV2J0

     وكلّف تملّص حزب النّهضة من القضية الفلسطينيّة والتّخلّي عنها غاليا، فكان قاصمة ظهرها وكبّده خسائر أخلاقيّة وسياسية فادحة لا تنجبر.

      إنّ مؤشرات عتيدة عديدة وقرائن مادية صلبة كثيرة متضافرة مهّدت لقطع النّهضة مع استحقاقات الأمّة في نصرة قضيّة الأمّة قضية فلسطين نهائيّا، وانسحابها عن معاداة إسرائيل. لعلّ أبرز تلك المؤشرات والقرائن:

1) الزيارات المتبادلة التي وقعت بين بعض قيادات من حزب النّهضة وسفارة الولايات المتّحدة الأمريكيّة في تونس قبل الثّورة التي كشفت عنها وثائق السّفارة الأمريكيّة في تونس، والتي سرّبتها وثائق (ويكيليكس)، كشفت عن علاقة جيدة جداً تربط بين حزب النهضة بالبعثة الدبلوماسية الأميركية. وكانت تلك القيادات كثيرة التّردّد على السّفارة وتسعى دائما لإقناع السّفير بأنّ النهضة تمثل الإسلام المعتدل في تونس، وأنّها الحلّ للدّيموقراطيّة في المنطقة، وفي تونس تحديداً، حتّى تحدّث السّفير وليم هادسون أحد الموظّفين السّياسيّين في السّفارة أنّ المجموعات السّياسيّة الإسلامية لا تهتمّ سوى بالنشاطات السياسية والتحالفات. وأضاف عضو النهضة « أنّ الله والدّين غير مهمّين لهؤلاء».

http://alakhbar.spiru.la/node/8112

2) رفض دسترة تجريم التّطبيع خلال فترة حكم النّهضة مع التّرويكا (في 2013 وبداية 2014).

https://www.turess.com/alchourouk/1049031

3) الحضور المكثّف والمتكرّر لرئيس حزب النّهضة في عدّة ندوات لمنظمة «الايباك» الصهيونية ذات النفوذ الاسرائيلي، وهي أبرز مجموعات ضغط اللوبيات في أمريكا المتحكّمة في السياسة الأمريكية والتي تعمل لدعم الكيان الاسرائيلي وضمان بقائه قوياً في وجه كافة المخاطر التي تهدده.

4) في مؤتمرها العام العاشر في ماي 2016، (بعد صفقة باريس) أخّر حزب النّهضة كرسيّ القيادي البارز أسامة حمدان ممثّل حركة حماس في صفوف خلفيّة وراء الهادي البكّوش وعبد الرّحيم الزّواري (من صقور النّظام القديم). أمّا في المؤتمر العام التاسع للحزب 12 و14 جويلية (يوليو)2012 (قبل صفقة باريس)، فقد وضعت خالد مشعل في المنصّة الرئيسية.

5) حضور النائبة إيمان بن محمّد في جلسة البرلمان المتوسطي جنبا إلى جنب مع برلمانيين صهاينة.

6) تهميش راشد الغنوشي ذكر فلسطين في المؤتمر العام العاشر لحركته، فلم يذكرها في كلمته الطّويلة إلاّ فقرة صغيرة « كما أجدد الدعم لحق شعبنا الفلسطيني في استعادة أرضه المحتلة وإقامة دولته المستقلة»، وفي اللائحة السياسية للمؤتمر « ومناصرة قضايا العدل والحرية وعلى رأسها القضية الفلسطينية».

وفي هذا المؤتمر، أدرك النّاس بمن فيهم الصّديق الشّخصي للغنّوشي الدّكتور عزّام التّميمي الفلسطيني ـ مدير قناة «الحوار» اللّندنيّة ـ أنّ حركة النّهضة تخلّت نهائيّا عن قضيّة فلسطين، فخرج عزّام من المؤتمر العاشر في 2016 حسيرا، فكتب أنّ «راشد الغنوشي، زعيم الحركة، ذكر في كلمته بلدان العرب والمسلمين ونوّه بقضاياه جميعا، إلاّ فلسطين».

http://www.alhiwar.net/PrintNews.php?Tnd=29351

7) تنصّل رئيس الحركة من ـ الشّهيد نحسبه ـ محمّد الزّواري يوم 15 ديسمبر/كانون الأول 2016. وهو عضو نهضاوي نشط في صفوفها في الجامعة ثمّ سجن في تونس مايو/أيار 1991، ثمّ هاجر وانضم في المهجر إلى كتائب عز الدين القسام التي ساعدها في صناعة الطائرات بدون طيار. وإثر العمليّة مباشرة وجهت حركة (حماس) ومُقرّبون من الزّواري أصابع الاتهام باغتياله إلى جهاز مخابرات (الموساد)، أمّا حزب حركة النهضة ـ وهي تعلم من قتل ـ لم تجرؤ على التّصريح بذلك، واكتفت مرتعشة أن طالبت السلطات الأمنية بالكشف عن ملابسات العملية وعن الجناة والجهة التي تقف وراءهم.

http://acharaa.com/ar/186372

8) تطاول عماد الحمامي على كتائب شهداء الاقصى بتحميلها على قناة «الوطنية 1» مسؤولية حماية الطيار الشهيد نحسبه محمّد الزّواري الذي قتل في تونس من طرف الموساد الإسرائيلي.

9) حضور رفيق عبد السلام بوشلاكة ـ صهر الغنّوشي ووزير خارجيّته في أوّل حكومة له ـ المؤتمر التّطبيعي الاقتصادي بقطر يومي 12 و13 نوفمبر2017، جنبا إلى جنب مع نائب إسرائيلي.

10) الزّيارات المتكرّرة للغنّوشي إلى أمريكا وبريطانيا واللّقاء بمؤسّسات لها علاقة مع الكيان الصّهيوني: دراسة تحليلية: إسلاميو تونس والمغرب والتطبيع مع «إسرائيل».

http://nawaat.Org/30-01-2012

وإليك بعض هذه الزّيارات المُعلنَة:

     أ ـ حلّ الغنّوشي ضيفا على الولايات المتّحدة في 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2011 بدعوة من مجموعة «الإيباك» (لجنة الشؤون العامة الأمريكية ـ الإسرائيلية) و«معهد سياسات الشرق الأدنى» * *(معهد أسسته إيباك، اللوبي الصهيوني في الكونغرس الأمريكي، عام 1985، وقد كان مارتن أنديك الصهيوني المتعصب المعروف هو المؤسس الفعلي له، وهو معهد يضم في مجلس إدارته عناصر من المحافظين الجدد مثل ريتشارد بيرل) ومراكز أخرى شبه حكومية المعروف بأنه «المعقل الفكري» للمحافظين الأمريكيين الجدد وغلاة المتعصبين لإسرائيل والحركة الصهيونية في الولايات المتحدة… بهدف « تقديم منظورات سياسية مستقبلية للباحثين وصانعي القرار في العاصمة الأمريكية عن دور الاخوان المسلمين في تونس وشمال أفريقيا والعالم العربي، وعلاقتهم بالولايات المتحدة في المستقبل، ورؤيتهم للصراع العربي ـ الإسرائيلي». بتصرّف. توفيق المديني. مجلّة الوحدة الإسلاميّة.السنة الثالثة عشر ـ العدد 150 ـ(شعبان 1435 هـ) حزيران ـ 2014 م

https://www.wahdaislamyia.org/issues/150/tmadini.htm

    ب ـ زار الغنوشي مؤسَّسات صهيونيّة من مثل (إيباك) ومعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى ـ الذي أسسته وترعاه منظمة (إيباك)ـ، ومراكز أخرى شبه حكومية بهدف « تقديم منظورات سياسية مستقبلية للباحثين وصانعي القرار في العاصمة الأمريكية عن دور الأخوان المسلمين في تونس وشمال أفريقيا والعالم العربي، وعلاقتهم بالولايات المتحدة في المستقبل، ورؤيتهم للصراع العربي ـ الإسرائيلي»، توفيق المديني، مجلّة الوحدة الإسلاميّة،السنة الثالثة عشر ـ العدد 150 ـ(شعبان 1435 هـ)حزيران ـ 2014 م.

https://www.wahdaislamyia.org/issues/150/tmadini.htm

    ج ـ  و «يجلس إلى جانب عتاة المحافظين الجدد ـ حسب ما كشفته مجلة “ويكي ستاندارد” التّابعة للمحافظين الجدد ـ أنّ الغنوشي أعلن أنه لا عداءً مطلقاً مع (إسرائيل)، وأن تونس الجديدة لن يتضمن دستورها أية إشارات بالعداء للكيان الصهيوني ولن يتضمن إشارات معادية لإسرائيل، وأنه لم يعد يتفق مع مقولة إيران بأن أمريكا هي الشيطان الأكبر» متناسيا حجم الجرائم الأمريكية و(الإسرائيلية) ضد الفلسطينيين والعرب طيلة الـ 65 عاماً الماضية … وأضاف بأنّ حزبه لم يضع في برنامجه الانتخابي شيئاً يمنع إمكانيّة نشوء علاقة مع « إسرائيل». د. رفعت سيد أحمد: ما الذي يجمع بين الغنوشى وغليون وإيباك؟! بتصرّف. شبكة البصرة. 10/12/ 2011، وبحسب مارتن كريمر، فإن الغنوشي وحركته أصبحا اليوم، بعد ثلاثة عقود من تبني الإسلام الجهادي المعادي للغرب، جزءً مما بات يسمى اليوم بـ«الإسلام التركي ـ الأطلسي». توفيق المديني. مجلّة الوحدة الإسلاميّة.السنة الثالثة عشر ـ العدد 150 ـ(شعبان 1435 هـ) حزيران ـ 2014 م..

https://www.wahdaislamyia.org/issues/150/tmadini.htm

    «د ـ وأكّد على التّنسيق مع(النّاتو) الذي لن ينقطع، كما نجد في المقتطفات أدناه، وبالتّالي لا يمكن أن نفهم ما قاله الغنّوشي إلاّ كرسالة طمأنة للولايات المتحدة والعدو الصهيوني، وكأحد استحقاقات التحالف مع الحلف الأطلسي». الدكتور عبدالإله الراوي. قادة تونس الجدد تونس ومواقفهم من الكيان الصهيوني. شبكة البصرة.

http://www.albasrah.net/ar_articles_2012/0312/abdul_300312.htm

     هـ ـ في جانفي/يناير 2014، حضر الغنوشي إلى مؤتمر دافوس الذي تقوده وتخطط له الحركة الصهيونية فقد دعي له إلى جانب رئيس الوزراء المغربي عبد الإله بنكيران الذي صرح هو بدوره أن الحركات الإسلامية أكثر انفتاحاً مما يظن البعض وقال: «نحن منفتحون جداً ويمكننا ضمان مصالحكم واستثماراتكم بصورة أفضل من قبل، ومصالحنا متكاملة، ماذا تريدون أكثر من ذلك»، وقد أكد كل من راشد الغنوشي وبنكيران «إن على الفلسطينيين أن يقرروا بأنفسهم شأن طبيعة علاقاتهم (بإسرائيل) » مما يعني خروج دائرة الصراع العربي الصهيوني من بعده القومي أو الديني. الدكتور غالب الفريجات: الغنوشي يقود تطبيع الاسلام السياسي مع الكيان الصهيوني. شبكة البصرة.

http://www.albasrah.net/ar_articles_2012/0212/qaleb_220212.htm

توفيق المديني. دراسة تحليلية: إسلاميو تونس و المغرب و التطبيع مع “إسرائيل ج 1”

http://cutt.us/KO4gH

ويترجم الكاتب نصّ المقابلة مع الغنّوشي وأهمّ ما فيما يتعلّق بالكيان الصّهيوني:

« ـ بالنسبة للنّزاع الفلسطيني (الإسرائيلي)، فإن تلك مسألة معقدة لم تحل مع أن معظم الفلسطينيين قبلوا فكرة حل الدولتين، واليوم هذه المسألة تعني الفلسطينيين (والإسرائيليين)أكثر من أي طرف أخر، وأنا معني بتونس، الجميع معنيون بمصلحتهم الخاصة، وأنا مصلحتي تونس.

ـ لا أنكر أن موقفي قد تطور، وأنا فخور بأن موقفي قد تطور لأنني إنسان في النهاية، ولدي وثائق تثبت بأني رفضت أن أصنف الولايات المتحدة « الشيطان الأكبر»….

    رداً على سؤال حول ما إذا كان الدستور التونسي سيتضمّن بنداً يحظر العلاقات مع(إسرائيل) أو الصّهاينة؟

ـ ليس هناك ذكر لقطع إمكانية نشوء علاقات مع (إسرائيل) في برنامجنا. وما أشرت إليه هو وثيقة وقعتها أحزاب المعارضة ومنها النهضة. لكن الدستور يجب أن يتعامل فقط مع السياسات طويلة المدى التي تؤثر على تونس، والنزاع العربي-(الإسرائيلي) ليس واحداً منها.

    رداً على سؤال: يوجد في السجل تصريح لك أن حكومة حماس في غزة نموذج للديمقراطية، ألا زلت تعتقد هذا؟

ـ لا أذكر إطلاق مثل هذه التعليقات حول حماس. لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن حماس منتخبة بشكل ديمقراطي، وبالتالي فإنها حكومة شرعية». د. إبراهيم علوش: حول لقاء الغنوشي، زعيم النهضة التونسية، في معهد صهيوني في واشنطن. شبكة البصرة. 6/12/2011). الدكتور عبدالإله الراوي. قادة تونس الجدد تونس ومواقفهم من الكيان الصهيوني. شبكة البصرة.

http://www.albasrah.net/ar_articles_2012/0312/abdul_300312.htm

     والملفت للانتباه أنّ الغنّوشي يفتخر بتلك التّنازلات ويعتبرها «تطوّرا»، فقال: «موقفي قد تطور، وأنا فخور بأن موقفي قد تطور لأنني إنسان في النهاية». نفسه

     و ـ ويتحدّث راشد الغنّوشي إلى إذاعة «صوت إسرائيل» على موقعها الالكتروني الناطق بالعربية يوم الجمعة 27/1/2012، في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس أنّ «على الفلسطينيين أن يقرروا بأنفسهم بشأن طبيعة علاقاتهم مع (إسرائيل)»، وذكرت الإذاعة أنهما « أكدا أن الحركات الإسلامية ستتصرف بموجب القرار الفلسطيني». ورأى الغنوشي أنّ « مستقبل علاقات بلاده مع (اسرائيل) يحكمه التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية». إسلاميو تونس والمغرب للاستعمار الغربي: ماذا تريدون أكثر بعد أن قدمنا كل ما كنتم تطلبون؟

الغنوشي وبن كيران يتحدثان لصوت إسرائيل. شبكة البصرة. عن، أ. ف. ب، رويترز، أ ب. 28/12/2012. ودراسة تحليلية: إسلاميو تونس و المغرب والتطبيع مع(إسرائيل). نواة. اورغ.30/1/2012

http://www.albasrah.net/ar_articles_2012/0312/abdul_300312.htm

     كلّ الذي سبق، قد أحدثه الغنّوشي بعد وصوله إلى الحكم، أمّا عندما كان مُعارضا لبن علي فقد كتب ـ وهو في المهجرـ: « … ليس 7 نوفمبر إلاّ استمرارا لأسوأ ما في النّظام السّابق … لقد كان استهداف استئصالنا من أجل إعداد تونس لتكون تونس جسرا للتطبيع ». المتوسط سنة اولى عدد 17. 11 ص 7.  جمادى الاولى 1414 ـ 26 أكتوبر 1993

الصّورة الحقيقيّة للاستدلال بصلح الحديبية

       إنّ الصّورة الحقيقيّة للاستدلال بصلح الحديبية أن تنتصر حركة النّهضة للإسلام، وأن توحّد صفوف القوى الإسلاميّة، وأن تتبنّى بكلّ قوّة مطالب المستضعفين، لا أن تتخلّى عن الإسلام وتتحالف مع أعداء [الثّورة]، هكذا ينبغي أن تُفهم صلح الحديبية، أمّا وقد سردتُ  بعض مواقف قيادات حركة النّهضة وتصريحاتهم، فلا شكّ أنّ استدلالهم بصلح الحديبية سيكون عليهم لا لهم.

      هذا، وإنّي لا أريد أن أذكّرك ـ أيّها القارئ الكريم ـ كيف كان خطاب حزب النّهضة طيلة أربعين سنة قبل أن يصلوا إلى الحكم، فهذا يحتاج إلى مؤلَّف ضخم، ويكفي أن أضع بين يديك ما قاله الغنّوشي غداة الغزو العراقي للكويت، وحشد الأمريكان لغزو العراق، فقد قال يوم 2/8/1991 في (الخرطوم/السّودان) يحرّض على الولايات المتّحدة الأمريكيّة التي كانت عنده وقتها (طاغوتا): «إنّ الدّولة التي تعتدي على العراق سندمّر مصالحها في كلّ مكان .. إنّه لن يبقى وجود غربيّ في أمّة الإسلام إذا ضُربت العراق .. أن يكون هذا تقيّ وهذا شقيّ هذا أمره إلى الله.. أمّا الأمّة الذي يهمّها هو مواقف النّاس فالذي يضع نفسه في مواجهة أعداء الإسلام هو صديقنا وأخونا.. والذي يضع نفسه في خدمة أعداء الإسلام مهما كانت منزلته ومهما أعلن من شعارات هو عدوّنا .. إلى متى سنظلّ نتراجع؟ تراجعنا من وسط أوروبا ولا نزال نتراجع حتّى وصل الغزو إلى القلب .. لن يخرجوا بقرار من الأمم المتّحدة .. لن يخرجوا بخطبنا .. لن يخرجوا بمفاوضاتنا .. لن يخرجوا حتّى نشعل الأرض من تحت أقدامهم ومن فوقهم ومن بين أيديهم ومن خلفهم نارا .. أُحقّق باستمرار إيماناً بالله عظيماً متجدّداً بالحياة .. أحقّق باستمرار .. أُشعل وقود الحرب على الطّاغوت بقيادة الأمريكان اليوم في كلّ مكان».

http://www.youtube.com/watch?v=5Ej4hcjJjcs

     كتبتُ في مطلع هذا البحث «وهل الاستدلال بصلح الحديبية لهم أم عليهم؟». نعم إنّ الاستدلال بالحديبية هو على [الاستسلاميين] الذين أدمنوا التّبرير لهزائمهم بالاستدلال بما لا يخدم منهجهم المتهافت ويأتي ضدّهم قطعا، والنّتائج على الأرض هي التي تكشف عن الحقائق، فقارن بين النّتائج والمكاسب التي تحصّل عليها النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعد صلح الحديبية والخراب الذي حصل في تونس بعد سلاسل التّنازلات الضّخمة والتّوافقات الحُطُمة التي أخلدت حركة النّهضة إلى الحضيض. 

       إنّ المرء ليتعجّب من تخلّي حزب النّهضة عن الشّريعة وعن الدّعوة ثمّ يستدلّ ـ طيشا ـ بنصوص دينيّة.

     لم يتنازل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في صلح الحديبية عن شيء، بل كان مستعدّا للقتال، ولكنّ الله تعالى لم يأذن به، لئلاّ يقتل النبي وأصحابه المسلمين المستضعَفين المستخفين بإيمانهم في مكّة، والنبي وأصحابه لا يعرفونهم، قال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، الفتح 25.

      هذا بعض من تلبيس [الاستسلاميين] على صلح الحديبية، رددنا عليها، دفاعا عن الشّريعة، ممّن يستدلّ بالشّريعة ليضرب بها الشّريعة.

المشقة الكبرى والمعضلة الضّخمة التي تواجه الأمّة

     إنّ الخطورة التي عليها حركة النّهضة وأشباهها ـ السّياسيّة المقاصديّة ـ أن لا تكتفي بآثام تلك الكوارث التي وقعت فيها ولا تزال، إنّما تزداد الوضعيّة خطورة وإثما وسوء بتخريج آثامها فقها ودينا وتنسيبه ـ قهرا ـ إلى الشّريعة، باتّهام الرّسول ـ وحاشاه ـ بكوارث التّنازلات التي وقعت فيها هي، وهي مخالفات واضحة للرّسول. وبهذا، تكون حركة النّهضة قد سقطت أخلاقا وقِيَمَا، وفقدت قيمتها بإفقادها قِيمة القِيَم، ومن أبْخَسَ القِيَم بَخِسْ، ومن أنزلها نزل، ومن أعزّها أعزّه الله ورفعه.

      إنّ المشقة الكبرى والمعضلة الضّخمة التي تواجه الأمّة اليوم ـ وبمكر صليبيّ غربيّ ـ أن ضلّلت الأمّة عن الإسلام الحقيقي، عبر تجنيد ما يُسمّى (الإسلام الدّيمقراطي) لتضييع استبانة سبيل المجرمين، فشرّقوا وغرّبوا وحرّفوا ولبّسوا؛ فاختلطت عندهم الشّارات والعناوين، والتبست عليهم الأسماء والمعاني، وتاهوا فلم ينضبط لهم صفّ، وتخبّطوا فلم يتماسك لهم حبل، وانفرطوا فلم يربطهم عقد، وتميّعوا فلم تعرف لهم صفة، وتأرجحوا فلم يتحدّد لهم طريق؛ فأحلّوا الحرام، وحرّموا الحلال، فوادّوا الكافرين، وخالطوا اللّيبراليّين واختلطوا بالعلمانيّين، فصاروا منهم ومثلهم؛ وتبرّؤوا من الصّالحين فما أبعدهم عنهم، وهم يقرؤون في صلاتهم سبع عشرة مرّة في كلّ يوم وليلة على الأقلّ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، الفاتحة: 6ـ7. عندها فتحت الصّليبيّة الغربيّة لـ (أئمّة الدّخن) الذين تعرف الأمّة منهم وتُنكر، لهم المجال تحتَ مُسمَّى (الإسلام الدّيمقراطي) أن ينخرطوا في الحكم دون أن يحكموا، فقط لتستَعملهم الصّليبيّة لتفتن بهم الأمّة عن دينها فتصدّها عن السّبيل، فتُغرقها بـ (أئمّة الدّخن) في تخبّط متاهات نفق الغبش والغموض واللّبس الذي شوّش مدلولات التّوحيد ونواقضه، والإسلام والجاهليّة، والحاكميّة والرّبوبيّة، والكذبقراطيّة والشّورى، والعلمانيّة والإلحاد، ليُنفّذ (أئمّة الدّخن) تلك الخطّة الصليبيّة الجهنّميّة بالحرف، دون نظر إلى نيّاتهم ومقاصدهم.

     إنّ تقدير المصالح والمفاسد، والموازنات بينها، لا يُقدّرها عقل ولا رأي ولا هوى ولا سياسي فاشل لا يُحسن قراءة القرآن، فيتجرّأ على حدود الله تعالى، ويُلمّع الفاسدين ويبخّس عمر بن الخطّاب المُحَدَّث الذي أطاح بالفرس والرّوم فيتّهمه بالمستبدّ: «لو كان على كرسي الحكم اليوم عمر بن الخطّاب لصار مستبدّاً». 

     فهل يُفلح في فقه المصالح الحقيقيّة من جعل العقل له منهجا، والرّأي له دليلا، والأهواء له سبيلا؟ ولقد كانت حادثة صلح الحديبية برقا ساطعا، ومنهجا لامعا للجيل الكريم المبارك الذي عاش تلك الحادثة أن يتّهموا عقولهم وآراءهم في كلّ حال، وفي الفتن خاصّة، وهم من هم في الخير والفضل والعلم والورع والعمل.

      في فتنة صِفِّين جاء بعض الأصحاب والتّابعين يستخبرون سهل بن حنيف ـ وكان قد حضر صلح الحديبية ـ فقال لهم: « اتهِموا الرّأيَ، فلقد رأيتني يومَ أبي جَنْدَلِ ولو أستطيع أن أردّ على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرَهُ لردَدْتُ، واللهُ ورسولهُ أعلمُ». صحيح البخاري الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله وسننه وأيامه، نشر: المكتبة السلفية – القاهرة، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1400هـ، حديث رقم: 2731. وصحيح ابن حبّان بترتيب ابن بلبّان، تحقيق: شعيب الأرنؤوط.  الناشر: مؤسسة الرسالة. بيروت. الطبعة: الثانية. سنة الطبع: 1414هـ. الحديث رقم:4189. وأبو جندل هو الصّحابيّ الذي ردّه النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى قريش وقت كتابة الصّلح.

الخلاصة

      إنّه لا يخلو زمان من أئمّة ضلال يُضلّون النّاس عبر تحريف الدّين، وتبديل كلمات الله، وكتمان الحقّ، وتلبيسه بالباطل، ووجدتُ هذا كلّه وأكثر في حزب النّهضة، التي أدمنت على تسخير النّصوص الشّرعيّة لتحصين فشلها الذّريع وهزائمها اللاّمتناهية.

       إنّهم بمنهج تبرير عجزهم وفشلهم، يريدون، علموا أم لم يعلموا ودون نظر إلى نيّاتهم، أن يلوّثوا نبيّهم ـ وحاشاه ـ بما فيهم من ارتعاش وجبن وخنوع وهزيمة نفسية، أعوذ بالله من قوم يُلطّخون نبيّهم. والحيرة تنتاب كلّ عاقل، كيف يستدلّ هؤلاء بنصوص يجعلونها دليلا على معصيتهم لله ولرسوله؟

     لا أفهم أن يستدلّ بصلح الحديبية من ينصر الكذبقراطيّة ويتمسّك بها ويُقاتل في سبيلها، والحال أن نصر الله تعالى بصلح الحديبية الدّين ومكّن للشّريعة، وجعله فتحا مبينا، فهل يستويان مثلا؟

     فتعلّموا يا توانسة العقيدة ونواقضها، وَزِنُوا النَّاس بالكتاب والسّنّة، فأقوال النّاس محكومة لا حاكمة، ويُستدلّ لها ولا يُستدلّ بها، والحقّ عليه نور الدّليل، وهو واحد لا يتعدّد، وثابت لا يتغيّر. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «النّاس ثلاثة فعالم ربّانين ومتعلّم على سبيل النّجاة، وهمّج رعاع أتباع كلّ ناعق يميلون مع كلّ ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا إلى ركن وثيق». أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر. تاريخ دمشق.تحقيق: عمرو بن غرامة العمروي. نشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، عام النشر: 1415 هـ – 1995 م، بيروت ـ لبنان،( 50/ 252).

      تعلّموا حتّى لا تخدعكم الشّعارات ويُضلّكم رويبضات الدّعاة على أبواب جهنّم، وسلّموا للنّصّ الشّرعي وعظّموه، فجوهر صلح الحديبية هو التّسليم الكامل لله ربّ العالمين، وهزيمة لمدرسة المقاصد المستسلمة، ونصر لمدرسة النّصّ المستمسكة.

     لقد خُدع التّونسيَون بما يُسمّى [الثّورة]، وبما يُسمّى [الإسلاميّين]، وبأنّها حركة [إسلاميّة ثوريّة]، فاصطفّوا ينتخبونها، واكتشفوا بعد ذلك ـ أنّها ليست إلاّ حركة إصلاحية وليست [ثوريّة]؛ بل هي علمانيّة إمّعيّة براجماتيّة، تدّعي الكذبقراطيّة في بلد بلا سيادة، يتحكّم فيها أعداء الدّين والأمّة في كلّ مفاصلها، ولقد أُتي الإسلام في عهدها (حكما وتوافقا) ما لم يُؤتَ في عهد فرنسا.

       إنّ أصل فساد المدرسة المقاصديّة السّياسيّة هو هزيمتها النّفسيّة أمام رَهَب سيف السّجون، ورَغَب شهوات الأنفس، ولقد انهزمت بفضل الله تعالى تحقيقا لسنّة: ﴿كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾، الرّعد: 17، وأيضا تحقيقا لسنّة: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾، محمّد: 38

     لم أُشهّر بحزب النّهضة ولا بقياداتها، فهم الذين جلبوها على أنفسهم، وهم الذين شهّروا بأنفسهم بتعدّيهم حدود الله، ولنقضهم مواثيق ما عاهدوا الله عليه، ثمّ لإخلافهم وعودا وعدوها المُستضعَفين من حقوق وخدمات. ولقد تجاوزوا المدى، واتّسع خرقهم كلّ حدّ، لا بمجاهرتهم لتحريف الدّين وتوظيفه لمآربهم الخاصّة فقط، بل بكبر غمط الحقّ وعنادهم الحديدي، وإضافته إلى الشّرع الطّاهر المبين، وتقنينه في قوانين جديدة لم تجرؤ عليها فرنسا وبورقيبة وبن علي. 

     هذه كتاباتهم وتصريحاتهم ـ عرضتها عليك ـ قد فارقت ثوابت الشّريعة، وزعزعت ثقة العوام من النّاس في الإسلام، وأثارت مزيدا من الفتنة في القوى الإسلاميّة المتنافرة بطبيعتها.

      إنّ صلح الحديبية وحي من الله لرسوله لنصرة دينه، وهو اليوم منهج لمن ينصر مدرسة النّصّ المستمسكة بالدّين الذي كان عليه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وصلح الحديبية هو أيضا هزيمة طاحنة لمدرسة المقاصد المستسلمة لهزيمة عرض من الدّنيا قليل: « لَيُغَشِّيَنَّ أُمَّتِي مِنْ بعدِي فتنٌ كقطعِ الليلِ المظلمِ، يُصبحُ الرجلُ فيها مؤمنًا، و يُمسِي كافرًا، يَبِيعُ أقوامٌ دينَهم بِعَرَضٍ منَ الدنيا قليلٍ». السيوطي عبد الرحمن بن أبي بكر: الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير، طبعة رقم: 2، س: 1425هـ 2004م، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت. حديث رقم: 7793، والألباني محمد ناصر الدين، صحيح الجامع الصغير وزيادته، تحقيق: زهير الشاويش، الطبعة: الثالثة، سنة الطبع: 1408هـ، نشر: المكتب الإسلامي، بيروت ـ لبنان. حديث رقم:5715، والألباني محمّد ناصر الدّين، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، الطبعة : الأولى. عام النشر: جـ 1 – 4: 1415 هـ – 1995 م ـ جـ 6: 1416 هـ – 1996 م ـ جـ 7: 1422 هـ – 2002 م. الناشر: مكتَبة المَعارف لِلنَشْرِ والتوزيع، الرياض – السعودية، رقم الحديث: 2774.

     وأختم هذا البحث بسؤال بريء وبسيط: الذين يستدلّون بصلح الحديبية ويستصحبونها حجّة لتنازلاتهم، ويسقطونها منهجا سياسيّا كاملا: هل يرون الطّرف الآخر مسلما أم كافرا؟ فإن كان مسلما بطل الاحتجاج؛ وإن كان كافرا بطل التّوافق.

     لقد بيّنتُ ما أراه حقّا فيهم منذ سنة 1997، محذّرا منهم ومنذرا، وأحمد الله تعالى أن صدقني بما بيّنتُ، قياما بواجب الدّفاع عن الدّين من التّدليس والتّضليل والتّوظيف والتّحريف.

فإن أصبتُ فبتوفيق من الله تعالى وحده، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشّيطان، أعوذ بالله منهما.

والله وليّ التّوفيق.

خَمِيس بن علي الماجري الزّيتوني التّونسي

You may also like

صلح الحديبية

صلح الحديبية  بين مدرسة النّصّ المستمسكة وبين مدرسة